السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ

تقديم : د. محمد الرمادى
فيينا / 2022

الخمسون

رواية الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ
الْوَرَقَةُ الْخَامِسُةُ مَنْ كُرَاسةِ إِسْكَنْدَرِيَّاتٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخذ رفيقي ينظر إلىٰ تقاطيع وجهي بإمعان شديد.. وراح يتفحصه بشكل ملفت للنظر.. ومن عدة زوايا ومن مختلف الجوانب.. كأنه يراني لأول مرة في حياته فيتصفحه بدقة لأول مرة في رفقتنا الطويلة؛ والتي تُعد بالسنين.. ثم نظر إلىٰ أعلىٰ رأسي..
.. بدىٰ وكأنه يعد شيئا ما ظهر فجأة أمامه.. لم يراه من قبل أو لم يلتفت إليه منذ حين من الزمان..
.. ثم علت علىٰ وجهه ابتسامة باهتة.. وقال بصوت منخفض يملؤه الحزن ويعلوه الآسىٰ؛ وكأنه يتحسر علىٰ أمر ما.. قال : „ مر نصف قرن علىٰ وجودنا فوق هذا الكوكب!.. خمسون عاماً.. خمسون سنة.. عام يجري خلف آخر.. وسنة تتلوها سنة.. وقد نكون لم ننتبه.. أننا في عمر الخمسين.. ”
ثم شهق وأراد أن يملؤ رئتيه بهواء كثير وقال: „ ولعل هذه اللحظة مدعاة للتوقف قليلاً.. ليس للنظر إلىٰ الخلف فقد مضىٰ خمسون عاماً.. بل نظرة إلىٰ الأمام؛ إلىٰ مستقبل بناءً علىٰ معطيات الماضي؛ وما تحصلناه خلال السنين الماضية وما حصدناه من الأيام الفائتة.. وما نملكه في اليد اليوم.. ”
ثم اعتدل في جلسته وبدء يعد على اصابعه: „ من درجات علمية أو مركز مرموق ووظيفة جيدة ووضع إجتماعي وعلاقات جيدة مع الآخرين.. وأوسمة تقديرية من الوزارة أو المؤسسات الرسمية.. ”
وكأنه تذكر شيئاً ما فقال: „ وقد نُعيد بعض الحسابات مرة ثانية.. ونراجع بعض الملفات.. ونصحح بعض المسارات.. وقد نعتذر لبعض الناس.. ”
.. لم انتبه تماماً لمقصد „ رفيقي ”.. فهو غالباً يتحدث بشكل أقرب إلىٰ الرمز عن التصريح في الكلام.. وكأنه لم يتوقع أن تمر هذه السنين بهذه السرعة من عمره وعمري ونقطع تلك المسافات من أعوام حياتنا.
.. سألته مستفسراً ومندهشاً في نفس الحين: „ ماذا بكَ!؟.. ”..
ثم أسرعت في إكمال الجملة: „ .. حتىٰ تنتبه أن شعيرات قليلة دب فيها الوهن من طول الطريق؛ وضعفت مع مر الزمن فأبيضت من طول السفر وكثرة الترحال.. بمرور كل هذا الزمان عليها!؟.. خمسون عاماً كما تقول!؟ ”.
فأجاب؛ وكأنه تلقف السؤال ومنتظره؛ ويرغب في فتح موضوع للنقاش: „ ينبغي علينا أن نقسم أعمارنا إلىٰ فترات زمنية أو مراحل عمرية.. ويترتب علىٰ هذا التقسيم تصرفات معينة ومواقف بعينها وحسابات خاصة..” ..
ثم اردف بسرعة دون إلتقاط نفس عميق كي لا يعطيني فرصة الرد أو إجراء حوار -وهذا ديدنه- فحين يريد أن يتم حوار ما يترك فترة زمنية وجيزة للسامع.. إما للتفكير معه وينصت السامع ليكمل هو حديثه.. وإما لسماع سؤال أو استفسار من محدثه.. فــ اسرع قائلاً: „ جدي لأبي؛ رحمة الله عليه ووسع في قبره.. حضّر نفسه لرحلة الحج وآداء المناسك لما بلغ الأربعين من عمره علىٰ غير عادة رفاقه واقرانه زمن الملكية المِصرية والتي كانت تحكم مصر والسودان.. إذ وقتها كان المَحْمَل المِصري يحمل كسوة الكعبة الشريفة هدية من حكومة الملك وشعبه في عام والعام الذي يليه بقية دول العرب..
وكانت جدتي لأبي -أم أحمد- تقول له : « مبكر التحضير قوي.. لسه بدري »..
وتردف بقولها: « ربنا يطول في عمرك يا أبا محمد.. -فهو أي جدي لأبي زوجها الثاني بعد وفاة أبي أحمد- وتطلع لما تبلغ الستين! »..
فيرد عليها مازحاً: « الستون عاماً.. راح أكون كُهْنة.. لن اقدر علىٰ ركوب الجمل أو المشي إلىٰ الحجاز.. أو حتىٰ اركب بابور البحر من السويس.. ولا أنزل تحت.. في الصعيد لغاية عبّارة البحر لجِدة »..
ثم يضحك وتعلو فوق شفتيه مرارة غدر الزمان وتقلب الأحوال ”..
.. فقاطعته علىٰ الفور وقلت لـ„ رفيقي ” : „ لا أريد منك فلسفة في الإجابة؛ وسرد تاريخ؛ وحكايات زمان!.. كما لم أقصد تعميق أو تقعير السؤال! ”..
فابتسم وكأنه أوقعني فيما يريد.. أي: الاسترسال في الإجابة..
واراد إمساك خيط الحديث من بدايته فبادرني بالقول: „ جدي مات قبل أن يصل سن الخمسين؛ وجدتي بقيت بعده وحجت ثم بلغت سن السبعين.. والمسألة يجب حسبانها من البداية.. ”..
ثم سرح بفكره أو بنظره إلىٰ تلك الحقبة من الزمان.. لا أدري تماماً أي زمن سرح فيه ليعيده إلىٰ الحاضر المعاش اليوم.. ثم سريعاً أنتبه بأن جملته لم تنتهي بعد ولم يتم مقصوده في الحديث.. فقال: „ نمكث في ارحام أمهاتنا سبعة شهور أو تسعة شهور.. ومواليد ثمانية يموتون..”..
ثم قال: „ وفترة رضاعة.. قد تطول لعامين.. ثم زمن طفولة تزيد عن عشر سنوات!! ”
.. ثم أخذ رشفةً من فنجان قهوته الذي أمامه علىٰ طاولة في منتصف قاعة الضيوف.. عُبأت بكتب وكتيبات.. ووضع فوقها مجلات تخصصية ونشرات دورية مرتبطة بعمله.. وقصاصات جرائد..
ثم ابتسم ثانيةً وقال: „ لا تنسَ أننا جميعاً بقينا في اصلاب أباءنا سنوات طوال في حالة تأهب وليس موت.. ”
فقاطعته قائلاً: „.. وعليك أن لا تنسَ قوله تعالىٰ: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون } ”.. صدق الله العلي العظيم..
وأراد أن يبدءَ الحديث فأوقفته مردفاً: „ ألا تعلم ما قاله التابعي قتادة.. تلميذ عبدالله ابن العباس ”..
وكأنه لم يتوقع مني مقاطعته في الحديث!
ثم قلت له: قال قتادة، عن قوله تعالىٰ: { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا }.. قال: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم
ثم أوضحت له.. وهذا اقرب إلىٰ مجال تخصصي: „ صُلْب : وهو عظم الظهر من لدن الكاهل إلىٰ عجب الذنب ”؛ وأنت تقول : „ في حالة تأهب وليس موت ”..
ثم قلت له: „ عليكَ رفيقي!.. إلتزام الدقة العلمية في حديثكَ.. خاصةً وأنتَ تقول دائماً ينبغي أن نتحدث عن علم وليس مجرد كلمات أو أقوال عارية عن الدليل أو الحجة.. يعني كلام مرسل مالهوش رجلين! ”.
وكأنه انزعج من توقيفي له وحدة العبارات التي استخدمتها..
وهنا قال بصوت منخفض بالكاد اسمعه „ يا ليتني كنت مثل تشرشل!؟ ”..
فتضايقت مِن ملاحظته تلك.. إذ هي ليست في محلها من حيث النقاش.. نحن نتحدث عن الخلق والإيجاد من عدم وقرآن وسنة وهو يذهب إلىٰ عاصمة الإمبراطورية البريطانية زمن الحرب العالمية.. ويأتي بــ الخواجة الإنجليزي شاهداً علىٰ حديثنا..
فعلا صوتي بالقول: „ ونستون مين !؟ ”..
وأردت إحراجه فتابعت القول: „.. يا بتاع الأميرة صاحبة الواد الإسكندراني: „ مودي ”.. إللي كان قبلك في نفس المدرسة الثانوية: „ المرقسية ”.. وتفتخر دائماً بيه.. وإللي قُتل شهيدَ الحب العذري علىٰ الطريقة الإنجليزية.. والغرام العفيف علىٰ الطريقة البريطانية ” ..
ها ها ها.. ضحكة استهزائية مني فجرت الدم في عروق وجهه-
ثم أكملت: „ وأبوه -صاحب المليون- لم يقدر أن يفتح فمه.. وأُغلق المحضر علىٰ أنه: « حادث.. قضاء.. وقدر ».. وقُيد التحقيق ضد مجهول.. يا عم إنتَ لما بتتزنق في الحديث تنط بعيد !! أهو هو ده اسلوبك علىٰ طول!؟..”.
وظننتُ أنني أنهيت الحديث معه في هذ الجزئية!... وينبغي أن يتوقف النقاش!
فما كان منه إلا أنه ضحك بصورة هستيرية مقهقهاً..
ثم قال: „ إنتَ يا بني تربية الجماعة إياها.. تمسك في الفارغة.. وتتعلق في الهايفة.. سيبني أكمل كلامي! ”.
فقلت له: „ أسيبك آيه.. وهو إنت عندك لسه كلام تقوله.. إنت خلاص خبطت في الحيطة.. وحظك وحش دخلت كمان حارة سد.. يعني لا عندك علىطول ولا تعرف ترجع للورا! ”..
.. ثم قفشت معاه فقلت له: „ قولنا حنبني وأدي احنا بنينا السد العالي.. إخواني!.. يا استعمار بنيــــ ”.
فاسكتني „ رفيقي ” قائلاً : „ طيب.. طيب.. أسكت بقىٰ .. حارة آيه.. وسد آيه.. واستعمار مين!.. ما تفهم يا بني أصول الحوار الْأَول ”.
.. „ ..أنا.. ”.. يكمل „ رفيقي ” كلامه : „ أنا قصدت لما كان السير تشرشل!”.
قاطعته : „ راح يقول لي تاني شرشر.. وفلفل! .. ويجيب حكايات ميكي ماوس.. يا أبني إنتَ عيبك أنك لسه بتقرأ مجلة ميكي ماوس.. وسمير.. وتتفرج علىٰ الرسوم المتحركة لــ توم وجيري!”.
فقال غاضباً: „ يا ابني اسمع الْأَول.. الله يخرب بيت شيطانك ويلعنه ويحرقه بجاز وسخ.. ! ”.
ثم تلطف: „ يا أخي اسمع لما اقول لكَ ”
فقلت له: „ موش إنت إللي حضرتهم.. اصرفهم بقىٰ!”.
فقال بسذاجة أطفال الروضة أمام المربية: „ همَّ مين إللي راح نصرفهم!؟ ”..
فقلت „ موش إنت بتتكلم عن العفاريت والجن والشياطين! ”..
ثم قلت مستهزءاً: „ حوش يا حواش.. دَستور يا إخوانا دَستور.. الشر بره وبعيد.. بركاتك يا أبو العباس المرسي.. وربنا بتاع المسلمين.. راح أولع شمع ليلة الجمعة الجايه في مقام سيدنا.. ”.
.. فقاطعني بشدة: „ يا بني بلاش هبل إسكندراني.. اسمع أنا بقول آيه ! ”.
فقلت له : „ قوللي يا دكتور.. غَني لي شوية يا دكتور!”.
فقال: „ خليك جد شوية.. أحنا محناش في مدرسة المشاغبين ”.
فقلت: „ أحكي لي.. أنا كلي أذان صاغية.. ووعاء استماع!.. وحلة إنصات.. و.. ”.
فقال مبتسماً.. كأنه يريد أن يلطف الجو الساخن: „ الواد تشرشل بتاع بريطانيا اتلم علىٰ شوية عيال صيَّع.. علموه شُرب الدخان.. ”.
فقلت له: „ آيه ده! يا نهار مدُوحَس.. إنت بتنشر فضائح الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس.. وتأزأز لب تحت أضواء القمر الفضية.. دول يا بني يبعتولك عميلهم السري 008؛ لأن عميلهم السري 007 مات.. تعيش إنتَ.. فضائح الإمبراطورية بتكشف عنها كده دون أي أدلة.. و .. لا وثائق! ”.
فقال : „ يا أخي!.. أنا حبيت أفك الخط معاك ! ”.
فقلت: „ يا أخي ده إنت كده كهربت الخط ”..
فقال: „ .. وبعدين في يومك إللي موش راح يعدي بسلام النهارده”.
فقلت له : „ طيب ما تزعلش.. نفتعل الجدية.. ما له السير تشرشل!؟”.
فقال : „ عندما كان يسأل من قِبل الصحفيين كان يولع البايب بتاعه.. يريد أن يعطي لنفسه فسحة من الوقت للتفكير بهدوء قبل أن يجاوب !.. ”..
وكأنه استراح من عناء النقاش فقال منتصراً: „ فهمت بقىٰ كان قصدي آيه !.. ”.
فقلت له: „ يا قوة الله.. بقىٰ إنت تبْحِر المانش كله.. وتسافر لبلاد الإنجليز.. إللي احتلوا الشعب المِصري؛ وكانوا حبايب مع الخديوي.. علشان تجيب مثال من أيام الحرب العالمية.. ” ..
ثم سكتُ برهةً وقلت: „ علىٰ فكرة هي كانت الأولىٰ ولا الثانية -ها ها ها ها- ”.
.. فأوقفني مؤكداً علىٰ مقولته : „لا تنسَ أننا جميعاً بقينا في اصلاب أباءنا سنوات طوال في حالة تأهب وليس موت.. ”..
ثم اضاف بسرعة قبل أن ألتقط أنفاسي: „ تأويل الآية الكريمة اختلف فيه العلماء.. ومسألة التأويل والتفسير والتبيان لمراد الله في آيات القرآن بحر واسع لا يصح أن يحجر أحد علىٰ آخر بقول دون قول.. ولكي تتأكد اقرأ تفسير الشيخ أبي جعفر الطبري !؟”..
وبدىٰ عليه مظاهر العَالِم الجليل..
ثم ظهرت علىٰ اسارير وجهه علامات الظفر والنصر فقال : „ عليك أن تراجع الحديث إللي راح اقولك عليه فقهياً أولاً.. وعلمياً طبياً معملياً ثانيا؛ يعني وفق العلم الحديث وأدواته ومختبراته؛ وتاريخياً ثالثاً؛ يعني قبل النبوة وما قيل قبل ما يأتي لنا النص النبوي الشريف.. وعلىٰ فكرة ده موجود عند البخاري ومسلم؛ يعني متفق عليه وصحيح مية في المية ”..
وانتبهت.. من حديثه إنه يحسن ربط دماغ السامع باسلوبه في الحديث..
ثم اعتدل في مقعده واستوىٰ في جلسته وقال: روىٰ الشيخان؛ يعني: البخاري ومسلم.. وكمان غيرهما عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه وارضاه- قال: ده ابن مسعود: „ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ.. قَالَ: « „ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ” » ..
ثم سكتَ برهةً واردف: « „ أنتبه لهذا التوقيت النبوي في زمن جاهلية العرب.. ويرافقها خزعبلات بقية الأمم ” » ..
: « „.. ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ” » .. انتبه لــ مثل ذلك؛ يعني أربعين..
: « „ .. ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ” » .. وأدي كمان أربعين..
ثم .. ثم آيه ..
:« „ .. ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ.. وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ” » ..
أبدء معاك تاريخياً..
فقاطعته: „ هيَّ يا أبني محاضرة في مدرجات الجامعة .. ولا درس خصوصي لطتلميذ ابتدائي.. دي.. الساعة بقت اتناشر نصف الليل؛ وأنا بكره عندي شغل بدري ”
فقال: „ لأ.. دي لسه الساعة حداشر وربع.. والوقت لسه بدري ” ..
فقلت له: „ .. بدري من عمرك .. لسه لما أنزل وأركب.. وحياة جوز خالتك خلي الدرس ده ليلة الجمعة أو السبت إلي جايين!! ”
فقال بطريقة فيها عدم رضا: „ إنتَ حر.. العلم في الرأس وموش في الكراس.. خلينا يوم الجمعة الجاية نكمل.. تصبح علىٰ خير ”..
فكان ردي: „ وإنت من أهل الخير ..”..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ) *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ ١ ] الجزء الأول
رواية «... الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ... »
الْوَرَقَةُ الْخَامِسُةُ مَنْ كُرَاسةِ إِسْكَنْدَرِيَّاتٍ
[ ١ . ٥ . ] „الخمسون ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الجمعة‏، 01‏ محرم‏، 1444هــ ~ ‏الجمعة‏، 29‏ تموز‏، 2022م ~ ‏29‏/07‏/2022‏ 01:05:43 ص

دار إسماعيل
[ 4 ] „ مستشفىٰ البلدية لرعاية الأمومة والطفولة . „

 رفيقي ” مغرمٌ بمِصرِهِ.. شعباً وأرضاً وهواءاً وبحراً ونهراً.. وتاريخاً وثقافةً.. مغرمٌ بمِصرِه غرام العاشق الولهان.. ثم هو متيمٌ بإسكندارِيَّتِه.. فهو يحبُ كل حبة رملٍ تستجم علىٰ شواطئها تحت أشعة ذهبية لشمس النهار وتغني عرائس البحر حين العزف علىٰ خيوط القمر الفضية وقت المساء..
.. وهو يحب كل قطرة ماءٍ عذب مِن ترعة المحمودية ترويه..
.. وكل قطرة ماء بحر لسقم جلده تشفيه..
.. وكل نسمة يستنشقها فجراً أو عصراً وعند لحظات السكينة حين يسدل الليل الستور وتغفو الطيور وتنعس الزهور..
.. وهو يعشق لهجتها ولكنتها..
.. وهو يدس أنفه في „ ملاية الإسكندرانيَّة الْلَف ”.. فجدته لأبيه؛ وعمته غير الشقيقة أحسنا كيفية لبسها؛ وهو مازال يذكر رائحة ملاية جدته.. إذ وضعتها في دولابها -صندوق ملابسها- وكانت تضع عطراً بين حوائجها أحضرته مِن الحجاز.. وآخر أهدته صديقتها وقريبتها الحاجة„ نبيه ” لها..
.. متيمٌ بالإسكندرية حتىٰ أنه كتب لها شعراً إثناء زيارة له لــ قرطاج.. تونس الخضراء واصفا إياها بأنثاه الوحيدة.. ويُشم من قوله أن هناك آخريات..
فــ حين يترك له المجال يتحدث عنها.. وبصوت خافت أخذ يردد مطلع قصيدته:
إسكندَرِيَّتي!
” ... فرمَالُكِ فراشي ...
و وشَاحُها.. كسماءكِ غطائي ...
ولستُ كآدمَ أمام حواء..„
إسكندرِيَّتي! ..
.. فلا تدري -وأنت تسمعه- أيتحدث عن مِصرِه أم يتحدث عن مسقط رأسه.. إسكندريته!..
.. ولعل ضريبة الغُربة له ولــ أمثاله تُدفع باهظة التكاليف لا ندفع نحن.. مِن ينصت إليه مصاريفها.. لكننا -نحن.. مَن نسمع صوت المغترب ولو مِن بعيد وندرك هزات رنات الأنين الصاعد مِن قلب العاشق الولهان المسكين- فــ نحن نُسعد بما يقول أو يكتب علىٰ قصاصات الورق في سفره أو ترحاله..
.. „ رفيقي ” في جلسةٍ هادئة بمفردنا علىٰ شاطئ الدانوب؛ والنهر يتدفق أمامنا بعد آداء صلاة العصر.. ننتظر رفع آذان المغرب لنعود لنصلي ثم نذهب للمرواح..
ونحن -هكذا- نجلس بدء يقول و:" بالقرب مِن المصلىٰ السعودي!.. "..
فــ قاطعته وصححت له مسماه فقلت له :" تقصد المركز الإسلامي!؟.."..
فــ ابتسمَ محلقاً في سماء مدينة „ ليالي الأنس ”.. كما غنت اسمهان لــ فيينا.. ومِن بعدها بسنوات طوال في آحدىٰ مدارس المدينة الرسمية غنت آحداهن.. وهي أبنة آحد مَن يتردد علىٰ مصلىٰ سلفي.. فغنت بلغة العرب في بلاد العم : „ جوته ”؛ ما رددته أسمهان والتي أتت مِن جبل لبنان.. وكأنه يريد أن يلمح بتضارب الأقوال بين المنع مِن سماع الموسيقىٰ وتحريم الغناء وبين إباحته للأطفال في سن ما قبل البلوغ وقبل مبلغ الأنثىٰ مبلغ النساء!.. وبين عورة صوتها وبين دخول الوجه والكفين فيها! ..
.. ثم اردف قائلا: « مِن العجب أن تجد في آحدىٰ شوارع فيينا العاصمة مقهىٰ لشد النرجيلة وسحب دخان الشيشية اسمه ليالي الأنس » ؛
ويكمل القول: « بل الأعجب أن بدروم في عمارة قديمة يسمي نفسه بالمركز الإسلامي التركي »..
ثم شهق شهقةً كأن روحه تريد أن تغادر المكان وليس الجسد.. وقال: « العبرة ليست بالمسمىٰ.. بل العبرة بواقع الحال وما يقدم للناس »..
ثم ابتسم وقال: « خلينا في إللي أحنا بتكلم فيه ! »..
.. أقول.. إن .„ رفيقي ” في ليلةٍ صفىٰ نسيمها؛ وتعطر هواؤها؛ وراقت سماؤها فلا تجد سحابة تحمل أو تكاد تحمل زخات مِن مطر السماء ترغب في إنزاله علىٰ غابات المدينة العتيقة أو أحراش ما حول المدينة.. أراد „ رفيقي ” أن يتحدث عن مِصرِه أو إسكندريته.. فقال بعد أن قذف حصاة في مجرىٰ الدانوب الأزرق كأنه يسعى لإعادة ذكريات أو كأنه يريد كتابة تاريخ بحبر جديد وقلم جديد عن بلد المنشأ.. فقال.. بصوت مبحوح يخرج من أعماق قلب مكلوم وصدر مألوم.. وكأني أرىٰ لمعان دمعة حزينة تلمع في عينيه ولم تسقط بعد ولكنه تمالك نفسه وبدء يتحدث: « انفتحت مِصرُ علىٰ جيرانها ومَن حولها منذ بدء التاريخ المعلوم »..
ثم أنتقل ببصره من نظرته إلىٰ الدانوب الساري إليَّ كي يطمئن أنني استمع إليه.. وكأنه أدرك أنني بالفعل أصغي إلىٰ كلامه.. فبعد برهة تكاد لا تحسب في الزمان أكمل.. فقال: « فــ فتحت -مِصرُ- أبوابها.. بل قل إن شئت ذراعيها.. بل الدقة في الحديث قلبها ».. كأنه يريد أن ينبهني لهذه الجزئية مِن كلامه ..
ثم قال: « فتحت.. صدرها بل قلبها.. فــ منذ كتابة التأريخ المسطور سواء أكان هذا الانفتاح تحت مسمىٰ هجرة الأنبياء إليها أو قدوم رسل السماء لأرضها الأمنة.. بدءً مِن أبي الأنبياء وجد المرسلين الخليل »..
.. ثم ذهب بصره مرة ثانية إلىٰ مجرىٰ الدانوب الأزرق.. كأنه يريد أن يعيد مجرىٰ التاريخ بتسلسل زمني في ذهنه أو سردي في كلامه.. ويشد علىٰ يدي جيداً..
ويقول: « أتذكر جيداً رحلة العائلة المقدسة.. هرباً مِن بطش الحاكم.. وخوفاً مِن قتل الوليد.. »؛ ثم كأنه يريد أن يعيد شريط الأحداث إلىٰ الأذهان..
فقال: « أم الوليد العذراء البتول لم تتجاوز الثالثة عشر ربيعاً من عمرها.. وعلينا أن نذاكر هذه التجربة الفريدة مِن نوعها علىٰ مر التاريخ وكر الأزمان.. فتاةٌ منذ قليل من عمرها عبرت سن الطفولة إلىٰ شط الصبايا.. فهي مازالت صبية كادت تصل إلىٰ مبلغ النساء منذ أيام معدودات أو شهور قمرية محسوبات.. فــ تصير حاملاً بجنين يتحرك في أحشائها الطاهرة.. وعند إكتمال عدتها تضعه بمفردها.. ثم يصدر قرار بشري بقتله.. فيأتي قرار آلهي بحفظه.. فيصبح مكان الحفظ والإيواء مِصر.. » ؛ ثم كأنه يريد أن يتذكر أو يذكرني بأمر هام
فيقول: « فلــ نترك جانباً الجدل الذي لن ينتهي.. أكان ابناً لــ آله بسبب الخطيئة الكبرىٰ الأبدية لأبي البشرية آدم.. أم اصطف بين الآله فصار مثلهم آلهاً.. أم أنه رسول رب العباد ونبي مالك الحياة.. » ؛
ويعلو صوته قليلا: « انظر إلىٰ هذه الحادثة.. فمكان الأمان لالهٍ أو لأبنه أو لرسوله.. مكان الحفظ والإيواء هو مِصر.. » ؛
.. توقف „ رفيقي ” عن الحديث.. وكأنه يريد أن يبكي.. لعل.. لتأثره بهذا الموقف..
ثم تدارك ما يريد أن يقوله: « قصة إبراهيم الخليل شكك في صحتها معالي الدكتور و.. » ؛
فــ أوفقته قبل أن يكمل..: « أي معالي دكتور شكك في صحتها يا دكتور المعالي!؟.. » ؛
فقال: « بلغني أن خريج السربون الدكتور طه.. الدكتور .„ طه حسين ” قال في كتاب له إنه لا توجد آثار تدل علىٰ وجود رجل في التاريخ اسمه إبراهيم »!..
فقلت مسرعاً: « ولكنه تراجع عن هذه المقولة سريعاً!!! » ؛
فرد حازماً: « تراجع فضيلة الدكتور عن مقولته في الطبعة الثانية بعد أن قُدم ضده بلاغاً للنائب العام » ؛
ثم قال مؤكداً: « ثوابت القرآن الكريم.. وما يثبت صحتها مِن آثار مادية أو اكتشافات علمية.. مسألة خطيرة جداً.. والخوض فيها لابد أن يكون من أهل التخصص » ؛..
ثم قال: « كيف نثبت قطعي الثبوت.. وهو كل القرآن.. بظني الثبوت.. وهو ما نتلقفه من علوم! » ؛..
فقلت له: « قاعات الدرس تصلح لخاصةِ أهل العلم.. وليس عرض مثل هذه المسائل علىٰ العامة! » ؛..
.. فسكت.. وكأنه يريد أن يقول شيئاً ما .. لكنه سكت!
ونظر إلىٰ مجرىٰ الدانوب الأزرق يريد أن يكمل ما بدأه.. فقال: « التأريخ المسطور يحدثنا عن هجرات القبائل مِن مناطقهم القاحلة الجافة إلىٰ بر الخير.. ومنبت الزهر وحصاد القمح.. وجني الخضروات والفواكه علىٰ مدار العام » ؛... « إنها مِصر » ؛
ثم التفت في شمخة العالم ببواطن الأمور.. وقال: « أو قدوم كبار الصحابة وصغارهم.. ومِن بعدهم التابعين.. لنشر الدعوة.. ومِن ثم البقاء بين ربوعها » ؛
ثم كأن في حلقه غُصة .. فقال: « أو الانفتاح القَصري تحت مسمىٰ بغيض „ استعمار خارجي ” أو „ غزو عسكري ”.. أو „ عملاء مِن الداخل ” لــ استنزاف خيراتها؛ وتعبيد مع إذلال شعبها الآبي.. أو „ لصوص ” يسرقون آثارها؛ أو إنفتاح مِن نوع آخر تحت مسمىٰ „ التجارة ” ومرور قوافلها المحملة بخيرات البلاد » ؛ ..
.. ثم كأنه تذكر: « أو قوافل الحجاج والمعتمرين مِن اقصىٰ الغرب؛ وذهاب المَحْمَل محملاً بكسوة الكعبة المشرفة عاماً علىٰ نفقة دولة مِصر وعاماً علىٰ نفقة الآخرين » ؛..
ثم قال: « لا تنس أن غالبية الحجيج في طريق العودة يفضلون البقاء في مِصر الخضراء علىٰ أن يكملوا الرحلة إلىٰ بلدانهم الأصلية! » ؛ .
ثم كأنه يستخلص زبد الكلام فيقول: « هي -مِصر- وبامتياز أرض معبر بين الغرب والشرق أو بين الجنوب والشمال أو عكسهما.. خاصةً.. وهي.. -مِصر- تطل برأسها تجاة القارة الأوربية وهي متربعة علىٰ قمة القارة الأفريقية الغنية بكل موارد الحياة الإنسانية.. وتمد قدميها إلىٰ عمق القارة التي هي جزء منها.. وقد صدر ما يشبه القرار السياسي دون القدرة علىٰ تنفيذه مِن قِبل الحكام أو الساسة بأن السودان بمفردها تعتبر سلة غذاء دول الجامعة العربية في ستينات القرن المنصرم.. » ؛
.. ثم بدء وكأنه يتغزل في امرأة يعرفها جيداً فــ
قال: « فــ مِصرُ تغسل شعرها في البحيرة المتوسطية عند بزوغ كل فجر جديد.. ولحظة شروق الشمس من مرقدها.. وعند سماع أول زقزقة العصافير.. وعند النعاس تزيل ما علق مِن أتربة الكد والكفاح مِن جسدها الطاهر.. تارة باغتسالها في البحر الأبيض المتوسط.. وتارة آخرىٰ بغرفات مِن الأحمر.. وتُسقي ضيوفها ومَن يمر علىٰ ترابها الطاهر بـ ماءٍ طهور مِن الرافد الفضي عذب الفرات يروي الظمأن.. نهر النيل؛ منبعه جنة الرضوان.. وقد قيل قديماً أن مصر „ هبة النيل ”.. فصحح المؤرخ العبقري هذه المقوله فكتب يقول أن مصر „ هبة المصريين ” وعلىٰ يمين الصاعد مِن القارة السمراء تجد بحر القلزم فتغسل قدميها صباح مساء.. فهذا ملح أجاج دواء.. وذلك عذب فرات غذاء.. فهي تملك مقومات الحياة ومستلزمات البقاء.. » ؛
وصدق مَن قال -ضاحكاً-: « أصله معداش علىٰ مصر » ؛ .. وأردف: « .. ولعل موقعها الجغرافي فتح شهية الآخرين.. ليس فقط للمرور.. بل.. وإما البقاء للعيش وللاستثمار أو الاستعمار ولنهب الخيرات والآثار.. إلىٰ حين..
.. „ رفيقي ” أحياناً كثيرة تشعر في حديثه عن بلده أنها صبية شابة فتية فــ مِصرُ عنده.. كما يقول: « بين حبات ترابها الصالح دوماً للزراعة ومنتجة لقوت البشر.. وفوق ذرات رمال شواطئها الشاسعة جذبت كل الناس إليها مِن كافة الأطياف فوجد كل فريق منهم رغيفَ عيشِ.. خبزةً مغموسةً بخضروات البلاد ومرقة لحوم الأضاحي فإن شبع حلىٰ فمه بفاكهة الشتاء أو الصيف.. » ؛
ثم أخذ يقهقه بصوت مرتفع إذ تذكر مقوله مفادها: « أن مِصر زمن الفساد الملكي.. كان البواب: سوداني.. والجرسون: إيطالي.. والمصوراتي: يوناني.. الحلاق: لبناني.. الحلواني: سوري.. والترزي: أرمني.. والجزار تركي » ؛ .
فقلت له: « لكن لمّا .. » ؛
فقال لي: « بس.. بس ما تكملش.. وحياة جوز خالتك! » ؛
فرديت عليه: « جوز خالتي.. تعيش إنتَ!.. » ؛ ..
فقال: « طيب وتربة جوز خالتك تسكت ! » ؛..
.. و.. كنا نمزح كثيراً..
.. „ رفيقي ” منذ طفولته وصباه عاصر وعايش حكم „ ناصر العروبة ” و „ جمال مِصر ”.. لم يعش العصر الملكي وإن ولد في لحظة نهاية النهاية.. وهو يذكرني -دائماً- ويلح في حديثه هذا بأن في زمن حكمِ صاحب الكريزما التي لا تقاوم والطاغية علىٰ جميع جوانبه.. سواء في طلته البهية أو حديثه العذب المتدفق أو كلامه بلهجته الإسكندرانية.. في زمنه تم تسجيل كامل „ القرآن الكريم ”[(*)] وهي لم تحدث مِن قبل.. وافتتاح إذاعة القرآن الكريم..
ولكنه أحياناً ما ينبه سامعه بأن في تعليمه درس مساوئ حكم أسرة „ محمد عَلِي ”.. ذٰلك العسكري الألباني..
.. ثم يكمل مباشرة فيقول: « وكنتُ أسمع مِن ابن خالتي „ المحامي ”؛ وكبير „ موظفي المستشفىٰ الأميري ” مساوئ حكم „ الامبراطورية العثمانية ”؛ أو ما كانت تسمىٰ بالــ „ خلافة العثمانية ”.. وأطلق عليها السلطنة العثمانية وحين شببتُ عن الطوق قمتُ بنفسي بدراسة لكل منهما.. كما أنني اهتممت بحال التُرك والعرب إذ أن أمير الشعراء „ أحمد شوقي ” في ابرز قصيدتين نظمهما في عام 1923م؛ وهو عام سقوط الخلافة العثمانية علىٰ يد الذئب الأغبر"أبي التُرك" أتاتُورك الذي خدع أمير الشعراء فتبرأ منه بعد أن أنقلب علىٰ الخلافة والإسلام والحجاب وترجم الأذان للغة التركية.. وقد فوجئت بأن أمير الشعراء أحمد شوقي رثىٰ سقوط الخلافة التركية بقصيدة مطلعها :
عادت أغاني العُرسِ رجعَ نواحِ * ونُعِيتِ بين معالمِ الأفراحِ
ثم يقول: « تخيل معي أعراب القرن الواحد والعشرين- الذين سخر منهم في فيلم ( لورانس العرب )- قال عنهم شوقي » :
نزعوا عن الأعناق خير قلادةٍ * ونضوا عن الأعطاف خير وشاحِ
هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم * موشيةَ بمواهب الفتاحِ
والقصيدة الثانية بعنوان :
الله أكبر كم في الفتحِ من عجبِ * يا خالد التُركِ جدد خالد العربِ
وينبهني بأنها القصيدة التي تبرأ منها شوقي بعد انقلاب أتاتورك علىٰ الخلافة والإسلام..
ثم ينهي الأولىٰ بقوله:
بكت الصلاةُ وتلك فتنةُ عابثٍ * بالشرعِ عربيدِ القضاء وقاحِ
أفتى خزعبلةً وقال ضلالةً * وأتى بكفرِ في البلادِ بواحِ
الحق أولٰى من وليكَ حرمةً * وأحقُ منكَ بنصرةِ وكفاحِ
ثم يختم شوقي رائعته الحزينة الغاضبة :
إن الذين جرىٰ عليهم فقههُ * خُلقوا لفقه كتيبةٍ وسلاحِ
إن حدثوا نطقوا بخُرسِ كتائبٍ * أو خوطبوا سُمعوا بصمِ رماحِ
أأقول من أحيا الجماعة ملحدٌ * وأقول من رد الحقوقَ إباحي؟
أستغفر الأخلاق لستُ بجاحدٍ * من كنتُ أدفعُ دونه وألاحي
***********
ثم ينظر رفيقي إلىٰ أفق بعيد لا أدركه.. وأظنه أيضاً لا يدركه.. فيقول متألماً: « ونتيجة رد فعل سقوطها نشأ تجمع إسلامي.. بل عدة تجمعات إسلامية نتيجة هذه الصدمة التي فاجأت الأمة الإسلامية وليس فقط الأمة المِصرية كبلاد الهند مثلاً.. لتعيد أمجاد الماضي » ؛
.. لاحظتُ ابداً أن .„ رفيقي ” في جملة واحدة يمكنه أن يخلط ورقة تسرد تاريخاً بورقة تبحث وتحلل سياسة ببيتِ شعرٍ وبقصيدةِ غزلٍ.. لم أتمكن كــ راوٍ عنه أن اتقن ما يريد قوله أو يبوح به! ..
.. وهو „ رفيقي ” يحسن يإجادة أن يُقدم لحديثه بمقدمة طويلة كي يقنع السامع بسطره الآخير في نهاية مقولته!
.. أعود لحال مِصر.. فــ في خضم هذه المتناقضات أو قُل وجهات النظر المتباينة بين رافض للنظام الجمهوري الوليد.. وبين مؤيد للملكية التي تربىٰ عليها وفيها.. كوالده -مثلا-.. وبين عضو في تنظيم سري أو جماعة.. وبين مَن يوالي الحاكم ويمسح جوخاً.. تربىٰ „ رفيقي ” وحيناً مِن الدهر لم يكن يهتم بالشأن العام أو يمارس دوراً إيجابياً في الحياة العامة؛ فقد عاش في طفولته وصباه ومقتبل شبابه كبقية أقرانه يتعلم كما يتعلمون وينتقل مِن مرحلة دراسية إلىٰ آخرىٰ كما ينتقلون.. ويسبح في البحيرة المتوسطية بلباس السباحة كما يسبحون. وقد تعجبه صبية أو فتاة مثل „ فاطمة ” القادمة مِن الأقاليم بــ المنديل : „ أبو أويه ” وعاش وفق ما هو متوفر في رغدٍ مِن العيش.. فطلباته مجابةوكان مرفه..
.. ولعل الطيف الصوفي كان مسيطراً بصورة ما علىٰ المناخ العام للحياة الإجتماعية في ذلك الحين.. ذٰلك لسهولته.. وإنعزاله عن الحياة.. وعدم اصطدامه برجال الحكم أو مخاصمة الوسط السياسي.. وهؤلاء الرجال الذين يرقصون حول الشموع المشتعلة.. كما وصفهم : „ رفيقي ” كثيراً .. فـ ينهد حيلهم بعد صلاة العشاء فلا يتبقىٰ لهم مِن قوة جسدية أو فكرية سوىٰ الخلود إلىٰ النوم كي يستعد ليوم عمل جديد..
-*/*-
.. وقد تربىٰ „ رفيقي ” علىٰ رفعة الرأس؛ وعلو الجبهة؛ وشموخ الأنف؛ إلا لبارئه وخالقه.. فبين جوانبه يحمل إنفةً دون كبرياء؛ وغنَى النفس دون التكبر علىٰ الآخرين؛ وثبوت القدم لما يقدم عليه؛ وشيم الأعزاء ونبل الكرماء.. ويغلب علىٰ ظني.. وأنا أروي عنه إنها تربية جدته لأبيه وأكملت التربية أمه.. اضف ما يردده كثيراً بأنه شبَّ في عهد: „ ناصر مِصر ”..
وكان يروي لي أن علىٰ ظهر كراسته المدرسية كتب:
„ أنت سيد في ظل الجمهورية ” ..
-*/*-
.. وبالتأكيد فقد لعبت أمه دوراً جوهرياً في بناء كيانه الفكري وإدراكه الذهني وبالقطع لعبت جدته لأبيه „ الحاجة السيدة ” دوراً مكملاً ولم يكن ثانوياً في تربيته..
في هذا المناخ العام..
.. „ أمه ” رفضت الأعراف المعمول بها في وسط عائلة مِن الطبقة المتوسطة.. محافظة متدينة.. فرفضت أن تأتيها الداية „ أم سماعين ” إلىٰ البيت لتساعدها في عملية التوليد.. بل صممت أن تلد في مستشفىٰ „ دار الخديو إسماعيل ”.. „ مستشفىٰ البلدية لرعاية الأمومة والطفولة ”.. „ مستشفىٰ.. المحافظة للولادة „ دار إسماعيل ” .. „ مستشفىٰ نساء وتوليد ”؛ وعنوانها: „ باب سدرة البراني؛ بحري.. قسم كرموز.. ” بدائرة مينا البصل غرب الاسكندرية
.. ولعل جرأتها في إتخاذ هذا القرار آثار حفيظة نساء العائلة جميعاً.. فهي الأولىٰ بينهن؛ والتي اصرت أن تلد علىٰ يد طبيب متخصص وليس الداية.. جهلت كمبتدئة أو صاحبة خبرة.. كــ : „ أم سماعين ” الداية.. بل وضد رضا رجال العائلة.. وقد فتحت الأبواب المغلقة عُرفاً وتقليداً أمام قريناتها مِن بنات العائلة أو نساء الجيران.. ولعل تحصيلها قدراً جيداً مِن التعليم ساعدها في اتخاذ هذا القرار..

.„ أُم رفيقي ” تروي له -في اقتضاب بالغ- بأن المولدة له كانت امرأة أنجِليزية.. وكان المشرف علىٰ عملية الولادة الطبيعية رجلاً.. لم تصفه ولم يدرِ أكان طبيبا مِصرياً أم أجنبياً.. وعلىٰ وصفها.. أنها كانت -المولدة- شابة في منتصف العقد الثالث مِن عمرها ووصفت جمالها كــ امرأة.. ورقتها في معاملتها كمتخصصة.. ولم تزد عن تلك الكلمات..
.. ولعل هذه الجرأة في اتخاذ هذا القرار مع عدم وجود معارض فعلي -أي والده- يمنع مثل تلك الولادة في مستشفىٰ عام وليس في المنزل يتناسب زمنياً مع الوضع الثقافي العام لزمن الملكية المِصرية.. وهي النظرة الجادة للعلم والأخذ بــ أدواته.. وإن كلَّف خزانة الملكية من الموال الكثير ومن الديون أكثر وأكثر.. .
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ) *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(*)] " إذاعة القرآن الكريم مِن القاهرة ".. تأسست في الـ 25 مارس عام 1964م .. مع وضع آليات لتوثيق القرآن الكريم، مِن قِبل وزارة الأوقاف -آنذاك- وكانت البداية تسجيل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت القارئ الشيخ / محمود خليل الحصرى -رحمه الله-، لتوزيعها علىٰ المسلمين فى أنحاء العالم الإسلامي، ويعد هذا أول جمع صوتي للقرآن الكريم بعد أول جمع كتابي له فى عهد خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبي بكر الصديق .. لإذاعة المصحف المرتل الذى تم تسجيله بواسطة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وبعد موافقة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
بدأ إرسال إذاعة القرآن الكريم بمدة إرسال قدرها 14 ساعة يومياً، مِن السادسة حتىٰ الحادية عشرة صباحًا، ومِن الثانية بعد الظهر حتىٰ الحادية عشرة مساءً علىٰ موجتين إحداهما قصيرة والأخرىٰ متوسطة، لتكون أول صوت يقدم القرآن كاملًا بتسلسل السور والآيات كما نزل علىٰ سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-..
والحكاية أصلها أن ثارت حالة مِن الاستياء والغضب في مِصر عام 1961م وعدد مِن الدول العربية والإسلامية، علىٰ خلفية تسرب أعداد كثيرة مِن طبعات للقرآن الكريم بها أخطاء إملائية، ما أدىٰ إلىٰ تدخل الرئيس جمال عبدالناصر بشكل مباشر في هذا الأمر..
فما هي قصة هذه الواقعة؟.
البداية كانت في عام 1961م، عندما اجتاحت مِصر في عصر الرئيس جمال عبدالناصر والعالم الإسلامي، مِن بعض دول الخليج، عدداً مِن الطبعات للقرآن الكريم فيها أخطاء إملائية وتشكيلية، وبالتوازي مع ذلك بدأت تتوافد أصوات مجهولة في الإذاعة العربية تقرأ القرآن الكريم بأخطاء في التلاوة، ما أدىٰ هذا الأمر إلىٰ غضبة كبيرة في مِصر.
قرار ناصر
وقتها، أصدر عبدالناصر قرارًا بإعدام أكثر مِن ألفِ نسخةٍ محرفة، ثم تم تكليف الإذاعة المِصرية بتشكيل لجنة بشأن هذا الأمر، فاقترحت اللجنة أن يتم تسجيل مصحف مرتل وطبع مصحف، فتم تكليف مطبعة "الشمرلي" التي تأسست سنة 1944م بطبعة نسخ جديدة من القرآن.
أما بخصوص التلاوة فاقترحت اللجنة وضع قيمة مالية كبيرة لأي قارئ يريد تسجيل المصحف، علىٰ أن يضع كل قارئ في ظرف مقفول قيمة المبلغ الذي يريده، وفتحت اللجنة كافة المظاريف.. والتفتت إلىٰ مظروف مكتوب فيه: „ لن أتقاضىٰ مليماً واحداً في حال عمل المصحف المرتل ”، وكان هذا القارئ هو: „ محمود خليل الحصري ” -رحمه الله- الذي سجل المصحف المرتل الأول في العالم الإسلامي سنة 1961م.
إذاعة القرآن الكريم
وبعد هذه الواقعة بثلاث سنوات تأسست إذاعة القرآن الكريم في مصر..
ومن أشهر برامج إذاعة القرآن الكريم منذ تأسيسها وحتىٰ يومنا هذا: "بريد الإسلام، ومضة تفسيرية، في ظلال الهدىٰ النبوي، خواطر الشيخ الشعراوي، طلائع الإيمان، دقيقة فقهية، منبر الفكر، مع الأحاديث القدسية، قطوف من حدائق الإيمان، موسوعة الفقه الإسلامى". .
[ (**) ] إعمار الإسكندرية: حدث عمران للإسكندرية في عهد محمد علي، وقد ازدادت عمراناً في عهد إبراهيم وعباس، ثم في عهد سعيد الذي كان يحب الإقامة فيها، ويؤثرها علىٰ عاصمة البلاد، وقد جدد بها مسجد البوصيرى بالميناء الشرقي، وبلغ عدد سكانها في عهده نحو مائه ألف مِن السكان. وازداد عمرانها في عهد إسماعيل.. فاختطَّ فيها شوارع جديده وأحياء جديدة، كــ شارع إبراهيم الممتد مِن مدرسة السبع بنات إلىٰ ترعة المحمودية، وشارع الجمرك، وشارع المحمودية، وفتح ستة شوارع أخرىٰ ممتدة بين سكة باب شرقي والطريق الحربي الذي كان يحيط بالمدينة.. وأنيرت أحياؤها بغاز الاستصباح بواسطة شركة أجنبية وأنشئت بلديتها للاعتناء بتنظيم شوارعها وللقيام بأعمال النظافة والصحة والصيانة فيها، وتم تبليط كثير مِن شوارع الإسكندرية، وعملت المجاري تحت الأرض لتصريف مياه الأمطار وغيرها، وعَهَدَ الخديوي إلىٰ إحدىٰ الشركات الأجنبية توصيل المياه العذبة مِن المحموديه إلىٰ المدينة وتوزيعها بواسطة وابور مياه الإسكندرية.
وعُمِرت جهة الرمل في عهدِه عمراناً كبيراً، واتصلت بالمدينة بخط سكة حديدي، وأنشأ بها الخديوي عدة قصور له ولذويه للإقامة بها في الصيف، واليه يرجع الفضل في جعلها مصيف القطر المِصري، وفتح شارعاً عظيماً يبتدئ من باب رشيد وينتهي إلىٰ حدود الملاحة بزمام (المندرة) ماراً بالسراي الخديوية بالرمل، طوله مِن باب شرقي إلىٰ السراي 400 متر في عرض 12 متراً ومِن السراي إلىٰ الملاحة 4000 متر عرض ثمانية أمتار، ومد طريقاً مِن الملاحة إلىٰ ترعة المحمودية. وأنشأ حديقة النُزْهة علىٰ ترعة المحمودية، وجعلها متنزهاً عاماً، وبنىٰ سراي الحقانية التي أنشئت بها المحكمة المختلطة -ولي حديث عنها في قابل الصفحات-، وأصلح ميناء الإسكندرية، وبلغ عدد سكان المدينة في عهده 212,000 نسمة. ..
.. „ ويُعد مستشفىٰ „ دار إسماعيل„ للولادة والأطفال بمنطقة كرموز؛ غرب الإسكندرية مِن أقدم المستشفيات المتخصصة في الولادة والذي يعود إنشاؤها إلىٰ ما قبل 117 عاماً؛ وذلك في عام 1905م.. وجرىٰ تشغيلها عام 1912م.. وتم بناءها علىٰ مساحة =4= آلاف متراً مربعاً وكان يطلق عليها قديماً اسم : „ مستشفىٰ المحافظة ” .
بيد أنه بتاريخ :" الإثنين: 16. أغسطس 2021م انتاب بعض الأهالي تخوفات مِن أن يكون مصير مستشفىٰ دار إسماعيل هو نفس ما آل إليه مستشفىٰ العجمى الذى تم إغلاقه منذ سبع سنوات ولم يجرِ افتتاحه حتىٰ الآن.".
[ ١ ] الجزء الأول
رواية «... الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ... »
الْوَرَقَةُ الرَّابِعُة مَنْ كُرَاسةِ إِسْكَنْدَرِيَّاتٍ
[ ١ . ٤ . ] „ مستشفىٰ البلدية لرعاية الأمومة والطفولة ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الخميس‏، 01‏ ذو الحجة‏، 1443هــ ~ ‏الخميس‏، 30‏ حزيران‏، 2022م ~ ‏30‏/06‏/2022‏ 03:12:29 م

[ 3 ] الخطوبة

في مجتمعٍ يَسودُه العُرف الذي أخترعه الناس دون سندٍ يذكر؛ فتعارفوا حوله.. وتمسكوا به فتتسيد أعراف المجتمع علىٰ أفراده؛ وإن كانت بالية.. ويحكمه التقليد.. الذي نشأ في اذهان الجدود منذ عقود.. فيصبح قيداً ملزماً في الأعناق.. لا ينفك عنه أحد.. ومَن يرد تغييره يهاجم مِن الآخرين.. فتتحكم في جميع مفاصل هذا المجتمع التقاليد؛ وتعلوه العادة الموروثة مِن الأجداد فتتمسك بها الأحفاد عبر سنوات ويتناقلونها مِن خلال أعوام وكر أيام.. فتصبح العادات والتقاليد والاعراف محكمة في ظل العرش المَلكي المِصري.. الراغب في بقاء كل شئ علىٰ ما هو عليه.. وهذا ديدن كل فاسد ومتسلط وظالم.. دون أن يسأل أحد عن صواب العُرف أو حسن التقليد أو موافقة العادة لشعب عريق.. فيطلق عليه « سِلْوُ [(*)]» بلادنا.. إذ قد تراجعت المؤسستان الدينيَّتان -وإن تعانق الهلال مع الصليب؛ ولكن في وقت الأزمات-.. تراجعا عن دورهما في تحسين شأن البلاد وإصلاح العباد نتيجة حالة ضعف شديد أصابهما فانفصلت تعاليم الأديان عن الحياة المعاشة للــ إنسان.. فانعكس علىٰ الأتباع والمريدين فاصاب الأُولِيتان بحالةٍ مِن الجمود الفكري المقيت مع تمسك بقشور باهتة لـ دين.. وإنتكاسة في فهم صحيح الدين بشتىٰ الأمور.. فتقبل هذا الوضع المزري رجال دينيهما فأصاب الآخريان حالة من الكسل والتهاون في التطبيق.. فسار جُل الشعب خلفهما.. فقدم في خمارة والآخرىٰ بالقرب من بيت دعارة.. إلا قليلاً.. ثم وحدثت إفاقة(!) فنشأت حركات دينية لم يكتمل وعيها الديني أو نضجها السياسي.. كما وجرت مساجلات فكرية ومعارك كلامية في العديد مِن الساحات مِن افراد مِن الأتباع مِن مَن طل إطلالة علىٰ الغرب.. الذي فصل الدين عن الحياة؛ ففصل تعاليم الدين وإرشاداته عن الدولة والحكم والعرش.. خاصةً مَن طلَّ علىٰ فرنسا كــ السيدة „ نُور الهُدىٰ الشعراوي “ في مجال حقوق المرأة وإنسانيتها أو الدكتور „ طه حسين “ في مجال الفكر وتحرره والتعليم ومبادئه والثقافة واصولها.. وايضاً مِن مَن يشبههما في الفكر أو الرأي.. أو اقترب مِن مشربيهما وفكرهما..
.. وهما -الشعراوي وحسين سافرا ومكثا زمناً كافياً وتعلما اللغة الفرنسية وأتقاناها ؛ الأولىٰ في بيت أبيها الباشا „ محمد سطان “ الكائن في محافظة المنيا بــ „ صعيد “ مِصر لأسرة مِن الطبقة العليا.. والثاني المولود في قرية الكيلو قريبة مِن مغاغة إحدىٰ مدن محافظة المنيا في „ الصعيد الأوسط “ المِصري" - فحدث مِن خلال القراءة بالفرنسية والتحدث بها مع أهلها من ذوي الفكر المستنير التأثير الوجداني والشعوري؛ والتفاعل الفكري والثقافي بل وكيفية النظر إلىٰ الأمور كوجهة نظر في الحياة وكيفية معالجة القضايا وإيجاد حلول ناجعة للمسائل..
.. في تلك اللحظة مِن سرد „ رفيقي “ لأحداث ما قبل ميلاده.. لاحظتُ أنه رفع حاجبيه.. كأنه مستغرباً.. وحدق في السماء تكاد تكون لا سقف لها.. وضاقت عليه غرفة الجلوس بما كثر من افكار وشخوص.. وكأنه يتعارك مع أحداث زمان والتي لم يعشها ورجال ونساء لم يعرفهم إلا على صفحات الكتب أو قصاصات الجرائد.. أفكار يرغب في مراجعتها بدقة.. ثم يقول بصوت لم اسمعه جيداً كأنه يتسائل مع نفسه قبل محدثه : " مِن جنوب مِصر حدث تغيير جذري في المنطقة العربية وإن لم تكن الإسلامية بأكملها وما زال قائماً نتيجة أطروحات السيدة نور الهدىٰ وحضرة الدكتور!!؟.. بل حدث تصادم دموي بين دعاة المدنية الحديثة والدولة الوطنية/المدنية وفق وجهة نظر الغرب وبين دعاة السلفية التقليدية والطرق الصوفية والجماعات الرجعية والتي جميعها لم تصقل بصحيح الدين ومتين العلم ونحن نعيش بداية القرن العشرين.. إذ بقيَّ الدين أطروحة لم تنتهي بعد.. بين الفهم الصحيح ومحاولة تجديد الخطاب الديني ومقولات الإمام محمد عبده وتلاميذه.. وبين مَن يشد الجميع إلىٰ قوالب متحجرة صنعت في أزمان سالفة.. يراد صياغتها وفق عصر جديد حديث علمي!
.. في هذا المناخ العام.. ووفقاً للتقليد المتبع.. والعرف السائد والعادة المنتشرة بين العائلات.. ذهبتْ „ أمُ عبده “.. الست „ عديلة “ الأخت غير الشقيقة لأبي „ رفيقي “ ترافقها الحاجة „ السيدة “„ أم أحمد “ لخطبة عروس مِن عائلة سِي „ السيد “.. أصغر البنات وآخر العنقود.. والتي تمت لهما مِن بعيد بصلةِ قرابة.. لأبنها „ الوسطاني “.. ومعهما „ زيارة “.. أي هدية تناسب مقامهما ومقام مَن ذهبنا إليهم..
.. ولأن الست „ عديلة “ معروفة عند العائلة خاصةً وهي صديقة أخت العروس الكبرىٰ الست „ أم حسن “„ أمينة “ تمت الحفاوة بالوفد الزائر مع معرفة مسبقة بسبب الزيارة ودواعيها.. إذ أن عديلة وأمينة يتقاربا في السن وتجمعهما صداقة منذ الطفولة لقرب بيت الحاجة „ السيدة “„ أم أحمد“ أم العريس مِن بيت الحاجة „ السيدة“„ أم محمد “ أم العروسة فلا يفرق بين البيتين سوىٰ شارع راغب باشا.. ولعلهما تزوجا في نفس الوقت..
.. تم الترحيب بالضيفتين.. مع تقديم واجب الضيافة من أكواب الشاي وحلويات من صنع يد عروس المستقبل.. إذا تم توفيق رأسين في الحلال..
.. بيد أن الأخ الأصغر للعروس „ يُوسِف “ ابدىٰ عدم موافقته منذ البداية لمثل هذه الزيجة في الوقت الذي ما زالتا -الأخت والأم- تتحدثان عن مميزات أبنهما -العريس- ومحاسن زوج المستقبل.. وأنه راجل كسيب. ومعاه القرش.. وعلىٰ رأي المثل وكما يقولون „ الراجل ما يعيبهوش إلا جيبه “..وايضاً قامت „ أم حسن “ بتوضيح قدرات أختها العروس في الطبخ والغَرف والعَجْن والخَبْز.. وترتيب البيت وتنظيفه وأنها مدبرة مِن الدرجة الأولىٰ وشاطرة وشملولة ومطيعة.. ولا تقول تلث التلاته[(**)] كام!
.. وهي تلك المواصفات المرغوبة في العروس..
.. الظاهر أن الأخ الصغير لعائلة سي „ السيد “ كانت له كلمة مسموعة وسط إخوته الكبار.. فالأخ الكبير „ أبو إحسان “.. ومِن بعدها -إذ هي البكرية- أطلق عليه „ أبو السيد “ وهو الأسطىٰ „ محمد “.. وهو معلم كبير في ورشة لصناعة الأحذية لصاحبها الخواجه الطلياني.. لم يكن „ محمد “ يتمكن مِن مجاراة أخيه الصغير في الحديث أو المناقشة وكان الأخ الوسطاني „ إبراهيم “ „ أبو جابر “ لا يبدي رأياً ولا يعارض قولاً..
.. أبدىٰ „ يُوسِف “ أعتراضه لأسباب مقنعة عنده لم يُبدها.. ولم يقل أسبابه.. وكأنه اراد أن تقوم أخته الصغرىٰ بخدمة أمه المريضة.. وجرىٰ نقاش حاد بعد إنتهاء الزيارة بين أبناء العائلة -الرجالة-.. وبما أن الأب قد أنتقل إلىٰ جوار ربه.. فبدأت الأم في التنبيه بأن البنت كبرت.. واردفت أنه.. أي „ يُوسِف “ اعترض علىٰ الكثير مِن الخطاب وسوف يفوتها -أخته- قطار الزواج وتدخل في زمرة العوانس.. وأيدت قول الأم أخت العروس الست „ أمينة “.. فقبل أخوها علىٰ مضضٍ وانتهىٰ النقاش.. فقد كانت الأم „ السيدة “ „ أم محمد “ أصيبت بجلطة دماغية أفقدتها الحركة الطبيعية والحديث بكلمات مفهومة..
بعد عدة سنوات من مولد رفيقي وفي جلسة خاصة أخبرته أمه بهذه الحادثة!
.. يكمل „ رفيقي “ الحديث.. وهو يحاول استرجاع شريط أحداث مرت عليه أعوام ومضىٰ منذ أزمان.. فبعد برهة مِن الوقت.. قال لي:" وكان أبي يأتي مع أمه واخته لزيارة العروس فقط في المواسم.. كموسم رجب أو شعبان أو موسم العيد ".. ومِن المتعارف عليه أن زيارة المواسم للعروس أن يحضر لها الخاطب ما يصلح أن يكون مِن مستلزمات البيت.. مستقبلاً.. وكان في شارع راغب باشا محل للأطقم الصينية اسمه : „ أحمد براهيم[(**)] “ كأطقم القهوة والشاي وصحون الطعام بكافة أنواعها سواء أطباق لغَرف الشوربة أو الوجبة الأساسية من لحوم أو أسماك.. ثم أطباق صغيرة للحلويات وكذا أطقم السفرة مِن معالق وسكاكين وشوك.. وكل ما يحتاجه المطبخ وبقية الغُرف مِن نجف وما يشتريه الخاطب أو تجهزه العروس لبيت عُرْسِها..
.. تمت زيارات موسمية مع هدايا متعلقة بالشوار وتجهيزات بيت الزوجية..
ويغلب علىٰ ظن „ رفيقي “ أن فترة الخطوبة لم تتجاوز سنة!
.. وتمت الدخلة بسلام فقد تم حفل الزفاف للأخ الأكبر الشقيق „ محمد “ وأبي „ رفيقي “ وسكنا كل منهما في شقة واحدة لكل منهما غرفتان!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ) *
[ ١ ] الجزء الأول
رواية«... الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ... »
الْوَرَقَةُ الْثَالِثَةُ مَنْ كُرَاسةِ إِسْكَنْدَرِيَّاتٍ
[ ١ . ٣ . ] الخطوبة وفق العرف والعادة والتقليد!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الإثنين‏، 14‏ ذو القعدة‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 13‏ حزيران‏، 2022م ~ ‏13‏/06‏/2022‏ 05:16:39 م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(*)] أما عن “سلو” فى اللغة العربية: فـ سلو: المصدر سلا.. عن يَسلُو، اسْلُ، سَلْوًا وسُلُوًّا وسُلْوانًا، فهو سالٍ، والمفعول مَسْلُوّ.. فــ سلا سلوًا وسلوانًا: نسيَّه وطابت نفسه بعد فراقه [المعجم الوجيز].
السُلُوًّ : الهِجْرَانُ، النِسْيَانُ ، السُلْوَانُ [المعجم الرائد]
السُّلْوَانُ: ماءٌ كانوا يزعمون أَن العاشق إِذا شربه سَلا عن حبه؛ فــ
السُّلْوَانةُ: إذاً خَرزةٌ كانوا يزعمون أَنه إِذا صُبَّ عليها ماءُ المطر فشربه العاشقُ سَلا.
السُّلاَّءُ : شوكُ النخلة واحدتُهُ سُلاَّءةٌ؛ و
سَلْوى النَّحْلِ : العَسَلُ،
المَسْلاَةُ: ملهاةٌ، عملٌ مسرحيّ ترفيهيّ يتكوَّن من مشاهد تمثيليَّة وأغنيات ورقصات وغيرها.
سَقَيْتَنِي سُلْوانًا [سُلْوَةً:] طَيَّبْبتَ نفْسي.
سَلْوة من العيش: رغدٌ منه يُسلِّي عن الهمّ.
سَلاَهُ أَوْ عَنْهُ: طَابَتْ نَفْسُهُ بَعْدَ فِرَاقِهِ وَغَابَ عَنْهُ ذِكْرُهُ.
سَلاَّهُ عَنْ هُمُومِهِ: جَعَلَهُ يَنْسَاهَا.
وأكاد أميل أن اصل الكلمة عند الكثيرين ممن يستخدموها آتىٰ من تطيِّبب النفس وراحتها.. وهذا يعني أن المعنى المُدرج لدينا بأن السلو هو العُرف!..
لكن المؤلم.. ومازال يستخدمه البعض كلمة :" حق رقبتها ".. بدلا من استخدام عطية .. هدية للزوجة..
والقاعدة الأولى من سلو بلدنا هي أننا يجب أن نسير على سلو بلدنا ولا نخالفه. و«السلو» عمومًا مُجرد إرث سخيف ورثناه من أسلافنا وأجدادنا، وطبقناه بحذافيره، دون تفكير، مرددين جملة «هذا ما وجدنا عليه آبائنا وأجدادنا».. فأنت تسمع حكايات مضحكة أحيانًا، ومحزنة أحيانا أخرىٰ، عن عُرف المدن والقرىٰ المختلفة عند الزواج، وعن دفاعهم المستميت عن عُرفهم هذا، رغم غياب منطقيته أو عقلانيته.. «هو دا سلو بلدهم».. ما أرجوه منكم جميعا، أن تُعمِلوا عقولكم في بعض المفاهيم المتعلقة بالعُرف.. والتقاليد والعادات.. .
[(**)] أحياناً يغلب علىٰ رفيقي لهجته التي تربىٰ عليها سنوات طوال مع اقرانه فتَخرج مِن بين شفتيه المسميات كما ينطقها أهل الإسكندرية .

(٢ ) منشأُ إنسان

«... الرجلُ تزوج امرأةً فرنسية.. وعمّها قسيس أثّرَ فيه بعمق ... »
.. نظرية وضعها د. محمد عمارة -الكاتب الإسلامي المتزن- حين أراد تحليل شخصية عميد الأدب العربي؛ والتحدث عن تأثره بفكرة الشك في كتاباته؛ الرجل صاحب مقولة „ التعليم كالماء والهواء.. حق لكل مواطن ” .. الحديث عن الدكتور طه حُسين.. ولعل هناك تقارب ما بين شخصية العميد وجانب من شخصية „ رفيقي ”..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
„ قبيل ميلاد „ رفيقي ”!
.. منذُ اللحظة الأولىٰ في الحياةِ الزوجيّة لــ أمهِ.. حين أنتقلت إلىٰ بيت أبيه.. أرادت أن تتميز عن بقية اقرانها وتختلف عن عامة أترابها.. وهذا سوف يظهر في مسيرتها التربوية/التعليمية والتثقيفية وعملية بناء النفسية والعقلية وفي كيفية تنشأة مَن سيصبح أبنها الوحيد طوال حياتها.. إذ لم تنجب غيره..
وهي قد تحصلت تعليماً متوسطاً في مقتبل عمرها.. وإن تربت في بيئة محافظة تقليدية لا تخرج عن ما هو متعارف عليه عند الطبقة المتوسطة -وقتذاك- ومعمول به في الأوساط المِصرية -آنذاك- مِن أعْراف سائدة.. وتقاليد متجذرة.. وعادات متوارثة.. جميعها متحكمة في المظهر الخارجي لــ الأمة المِصرية.. والتي تتمسك بها في مجتمع برمته وجميع فئاته يرغب في التغيير ويسعىٰ إلىٰ التحسين.. مع مفارقة غريبة وحالة عجيبة إذ تلاحظ أن الناس خاصةً في العاصمة -القاهرة- والمدن الكبرىٰ -الإسكندرية مثالاً- تجدهم يقبلون الأمرَ ونقيضه؛ ويتفهمون الشئ وعكسه؛ ومع أنه مجتمع بجناحيه الإسلامي والمسيحي تعلوه قشرةَ تدين لامعه فتجدها حاضرة في مناسبة السنة الهجرية؛ واحتفالات السنة الميلادية؛ وعيدي الفطر -الصغير- و-الكبير- الأضحىٰ؛ وعيد الميلاد المجيد.. وعيد الفصح والزعف؛ وموسم الربيع: المولد النبوي؛ ومواسم شم النسيم ورجب وشعبان علىٰ مدار العام.. بيد أنك تجد بجوار المصلىٰ خمارة لخواجة يوناني؛ وترىٰ مقابل الكنيسة بار طَلياني؛ وتلمح خلف المعبد بيت دعارة.. والكازينوهات الليلية تأخذ تصريحا رسميا ببيع الخمور ومزاولة المهنة.. فتذهب بائعة الهوىٰ المِصرية أو الأجنبية -الساقطة مِن نظر الجميع في قاعه- للفحص بشكل دوري للطبيب للكشف عليها وإعطائها شهادة صلاحية مزاولة وأنها خالية مِن الأمراض المعدية؛ وكأن الجميع أتفق تضامناً بأن مَن يريد الذهاب إلىٰ معبده أو مسجده أو مصلاه فليذهب.. وأما الآخر فيذهب حيث شاء.. مع وجود طبقة عريضة مِن المنتفعين مِن هذا الفساد أو من ادعياء الإصلاح والصلاح.. وهم ليسوا مِن الساسة أو الطبقة الحاكمة أو القصر بل هم يسيرون مع الرائجة وتجدهم خلف الرابحة.. مع وجود بشكل طافح فساد يزكم الأنوف في الحكم وتشم رائحة كثرة نزوات لملك البلاد وحاكم العباد.. والفسادان -فساد المنتفع وفساد الحاكم- مختلفان.. مع تفشي الخزعبلات والترهات والتخريفات والبدع ورواج عند العامة للمجاذيب وطلب الدعاء منهم.. فتطفو علىٰ السطح نزعة صوفية.. إنعزالية.. إذ أنه إذا ظهر في أرض وعمَّ الفساد بين العباد فتنسحب مِن المشهد العام جماعةٌ مِن القوم يرغبون في السلامة فيهتمون بدواخل أمورهم وخاصية نفوسهم وتربية النشأ داخل البيت دون مرعاة تأثير عناصر المجتمع وتأثره علىٰ الكل الصالح قبل الطالح.. ولقد أبدع صاحب الثلاثية والحاصل علىٰ نوبل للأدب في تشريح أعماق المجتمع المِصري في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.. وكذلك غيره من الأدباء والكتاب والمفكرين الذين غاصوا في أعماق الحارة/الريف المِصري فخرجت لنا روايات تراها علىٰ الشاشة الفضية تفضح المستور وتكشف المحجوب!
.. أمُ „ رفيقي ” تحصلت قسطاً جيداً مِن التعليم.. فــ رغب ناظر مدرستها -سابقاً- أن يعينها عنده معلمة.. فاعترضت العائلة بحجةِ أنهم مِن أسرة ميسورة الحال وفي غنىٰ عن راتبها الشهري.. وسرعان ما سوف تتجوز وتذهب إلىٰ بيت اَلْعَدَل[(1)] ..
وكان يقول أخوها الكبير لمن يريد أن يسمع.. وكأن الكلام لكِ يا جارة : „ البنت -مِن دول- مصيرها تتجوز وتقعد في بيت رجلها.. وتخدمه هو وحماتها.. وبعدين يجي الحَبَل.. والولادة.. والرضاعة.. وتربية العيال.. ولما يكبروا تجوزهم.. وبعدين لما تفضىٰ تروح تعمل حجتها وتشفعها بعمرة مِن مسجد عِيشه.. مرات النبي.. وتزور قبر سيدنا النبي -عليه الصلاه- ” ..
.. وكان يتردد علىٰ مسامع „ رفيقي “ في صغره.. حين كان يرافق جدته لأبيه في درس ما بعد العصر.. فيسمع مِن الشيخ أحمد.. إمام وخطيب مسجد „ الراوي ” ؛ وايضاً في خطبة مسجلة لــ فارس المنابر: „ أن المرأةَ لها ثلاثة خروجات في حياتها الدنيا.. مخرجها مِن رحم أمها.. ساعة ولادتها.. وهذا الأول.. ومخرجها مِن بيت أبيها لبيت زوجها لمَا تتجوز.. وخروجها الأخير إلىٰ قبرها لتدفن فيه ”..
ثم يردف الأخ الكبير -ضاحكاً- سي محمد قوله هذا :" أو تفضل قاعدها في ارابيزنا وتصبح عانس.. ".
.. طفولة أُمِ „ رفيقي “ وسنوات صباها عايشت الساعات الأخيرة قبل القضاء علىٰ حكم المَلكية المِصرية.. فتصبح مِصر جمهورية.. ولم تحدثه البتة عن زمن الملكية والباشوية أو البَكاوات.. ولكنه يتذكر أنها أخبرته -ذات مرة- أن أحد أعمامها أصبح أو كاد يصبح من زمرة الباشوات!
.. كما واكبت -أمه- التغيرات الجذرية في البنية الإجتماعية لــ طبقات الشعب المِصري أولاً ثم تلتها بقية شعوب المنطقة العربية ومِن بعدهما شعوب إسلامية!
ولعل اسماء مثل: مرقص فهمي المحامي وكتابه:" المرأة في الشرق " وما كتبه قاسم أمين : "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة".. ودور السيدة هدىٰ شعراوي.. وصفية زغلول ونبوية موسىٰ.. والحركة النسوية في مهدها وقد قَدِمت إلى مِصر.. وقد قرأت شيئا ما عنهم.. أو تعرفت علىٰ افكارهم.. ولكن هذا لم يكن أبدا موضوعاً للمناقشة مع „ رفيقي ”.. ولعلها تابعت محاولات رفع شأن مِصر.. إذ يقول وزير المعارف -آنذاك- الدكتور طه حُسين: „ أننا قطعة مِن أورُبا ”!.. إذ أنه في كتابه: " مستقبل الثقافة في مِصر، يرسم خطة متكاملة للتعليم في مِصر [(2)] ".
..لعل هذا المناخ العام والخلفية الثقافية والبيئة الجديدة الحاضنة لأفكار جديدة غريبة مستوردة من خارج المنظومة الثقافية والفكرية لمجتمع محافظ تعلوه مسحة دينية اقرب ما تكون في ذلك الزمن إلىٰ الكهنوتية وتفشي الطابع الصوفي الدراويشي مع وجود حوارات ومعارضات من الكُتاب والمثقفين.. قد تكون آثرت في نفسية نساء الطبقة المِتوسطة وعُليّة القوم في باكر الحركة النسوية في مِصر؛ ثم سهل تنقلها إلىٰ بقية الأقطار..
.. وكما يروي لي „ رفيقي “.. سعتْ أمه أن تكون متميزة وليست فقط واحدة في صف الحريم.. وكأن لها نظرة مستقبلية تجمع بين عبق الشرق الأصيل بما يحمل من تراث غني بالمعارف وبين تقدم العلم في الغرب في كافة مجالاته!
.. لم يروِ لي كثيراً „ رفيقي “ عن أسرة أمه.. فقط كلمات قليلة عن خالته أمينة[(3)].. وزوج خاله إبراهيم.. ولعل قضية الميراث التي وصلت إلى أبواب المحاكم أوصدت الباب معهم.. إلا قليلاً.. وأما عائلة أبيه فكانت زوج عمه محمد هي المقربة لقلبه بابنائها وهو أكبرهم سناً.. ويكثر من زيارتها.. أما بقية زوجات الأعمام كان الأبناء كبار عن سنه فكانت تتم زيارات عائلية روتينية في المواسم والأعياد ومناسبات الزواج..
.. نشأ „ رفيقي “ في أسرة ميسورة الحال.. كانت جدته لأبيه تلاعبه وتكرمه وتعلمه.. وأبوه يصرف عليه ويحضر له ألعاباً.. وأمه تدلِلَه وتغذيه..
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ) *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ ( 1 ) ] تمنيات تسمىٰ وفق التراث "شعبية" أطلقتها عواجيز القرن الماضي لمن تنتظر عريساً؛ ويغلب علىٰ ظني أنها لا تستخدم اليوم!.. وانقرضت من علىٰ ألسنة الكثير.
[ ( 2 ) ] „ مشروع طه حُسين الثقافي والتربوي ”.. أعده عشية توقيع اتفاقية الاستقلال سنة 1936م، وقد أثارت فصوله الأولىٰ لغطاً بدعوتها إلىٰ اتباع الغرب، فكراً وفعلاً، لأن مِصرَ -بحسب العميد- جزءٌ مِن أوروبا في الواقع. بيد أن :"التركيز -فقط- علىٰ دعوته لتغريب مِصر، وتجاهل كل ما قاله عن كونية القيم، ودفاعه عن استقلال مِصر، الفكري والعملي، عن الغرب". يفقد مصداقية القراءة أو النقد [راجع: عدي الزعبي: قاص وصحفي سوري، حاصل علىٰ دكتوراه في فلسفة اللغة من جامعة ويست أنجيليا في لندن. ]!
[ ( 3) ] يظهر بوضوح أن اسماء خالاته وأعمامه وأخواله وعمته مِن الاسماء الإسلامية التقليدية !
[ ١ ] الجزء الأول من رواية «...الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ ... »
الورقة الثانية من كراسة إسكندريات
[1 . 2. ] منشأُ إنسان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الإثنين‏، 07‏ ذو القعدة‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 06‏ حزيران‏، 2022م ~ ‏06‏/06‏/2022‏ 09:33:41 ص

 

الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ

مدخل
" رُوَايَّةُ الْمَشْرَقِيُّ "
الجزء الأول من رواية : « „ الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ ” ».
-*/-*/-
روايةُ المشرقي معالجةٌ أدبيةٌ لقصة حياة شاب سافر من الشرق ليدرس في الغرب.. امتزجَ في قصتِهِ العنصرُ الديني -حسب مكان النشأة- وفقَ فهم الإنسان المعاصر للتدين بعنصرِ العادات؛ واختلط عنصري التربية والتعليم بعنصر التقاليد.. والروايةُ تُظهر كيفية إشباع الإنسان لحاجاته العضوية وكيفية استعطاءه لمظهر مِن مظاهر غرائزه.. وإن أخفىٰ منهما -حاجاته وغرائزه- عن العين المشاهدة أموراً وتجاوز عن أشياءٍ..
وروايةُ هذه الرجل المشرقي حدثت بالفعل مع رفيقي؛ وتفاعلتُ معها أوقات إخبار صاحبها بأحداثها لي، فأخرجتها حسب قدرتي في الكتابة وأمكانياتي في التعبير.. ومؤهلاتي في الإنشاء.. وأردتُ مِن خلالها طرح عدة قضايا هامة تهم الإنسان الغربي والمشرقي -بالصورة النمطية لهما والتي رسخت في الأذهان- علىٰ السواء.. ولا ادعي أنني وفقت في معالجةِ تلك القضايا.. لكنني حاولت! .
**
تنبيه :
اسماء الشخصيات أو الأماكن والأحداث، نحتها خيال الكاتب.. وتطلبتها الحبكة القصصية واستلزمها السرد الدرامي، فإذا صادف واشترك إثنان في الوصف أو النعت والإسم والزمن فهذا مجرد تشابه ليس أكثر .

«... الْرَجُلُ الْمَشْرَقِيُّ... »

[ ١. ] الجزء الأول

« ١ « ازعمُ أن «المشرقي« مروراً بشبه القارة الهندية.. وهي أول موطأ قدم لآدم، أول عاشق للمرأة الموحدة.. والوحيدة.. والتي خلقها بارئها خصيصاً له مِن نفسه.. إذ أنها جزء مِن كيانه وقطعة مِن ذاته ليصلح أن يسكن إليها ويطمئن بجوارها فتهدأ نفسه.. فهي خلقت مِن جنسه ومِن تركيبته الأصلية الآدمية وكينونته الأساسية البشرية وتتفق معه تماماً في الأصل الإنساني كي يَسهل أن يكون بينهما مودة ويصلح أن يتبادلا فيتعاملا معاً بالرحمة.. فيعيشا في حالة من الإنسجام النفسي والهدوء العاطفي والتناغم الوجداني والتقارب الفكري..
.. هذا الإنسان الأول الذي اختلس لها -المرأة الأولىٰ في حياته- بذورَ زهور ورياحين وورود الجِنَّان قبل أن يهبط لأرض العناء والبلاء والتعب والشقاء والاختبار..فغرسها في بستان حواء بحديقتها الأمامية.. لتطل عليها كل صباح فتتعطر بنسيم الرياحين وطيب عطر الورود..
.. تلك المرأة الوحيدة التي تملكت كل خصائص الأنثىٰ وامتلكتها فخبأتها بين رقائقها وثنتها بين حشايا جوانبها لبيحث في طيات معاطفها تلك الأنوثة المغروزة في ثنايها والمدفونة في جوانحها.. فــــ يفوح مِن مفرق شعرها شذا عطرها وتسحره بنظرة عينها الهلابة فتجذبه إلىٰ دفء قلبها وتقربه إلىٰ سمو روحها قبل أن يشعر بحرارة جسدها ودفء بدنها.. ثم فجرتها -أنوثتها- مِن قلب العاشق الكتوم عند كل لمسة منه وبعد كل نظرة شوق لها، وجددت شبابه.. فاسكنته الجنَّة مرتين، جنّة الرضوان وقت رضا الخالق عنهما، وجنّة حنانها وعطفها لحظة رضاها عنه..
.. هذا المشرقي نفسه الذي مر بأرض فارس التي تنازع أهلها في هوية آدم، ثم جزيرة العرب التي استقر بها عرشُ العشق ومُلْكه حين ازدلفت إليه حواء فتعارفا..
.. ازعمُ أن هذا المشرقي يعرف كيف يعشق، بل ازعمُ أنه يملك ابجديات العشق وحروفة وتراكيب جمله وأبيات شعره، ويعرف مراحلَه الخمسين وكيف يمر بها واحدة تلو الآخرىٰ وبيده مفاتيحه وأدواته، فهو.. إذاً.. القادر..
.. وازعمُ أن العربي هو أول مَن كتبَ المعلقات، فلم يجد أفضل من أَستار الكعبة موضعاً، فعلقها على كساءها.. والكعبةُ أول بيت للحب الآلهي، ليمزج حبَ الخالق بأرقىٰ معانيه مع عشق المخلوقة في أسمىٰ لحظات العفة والعفاف.. تلك المخلوقة التي كَمُلت بصنع واجدها بيده ووضع لمساتها الآخيرة علىٰ عيّنه وصارت أنثىٰ برعايته ووفق مشيئته..
.. هذا العربي الذي أبدع تلك المذهبات والتي نقشها بماء الذهب، وهيّ المجموعة الشعرية التي تلي المعلقات في الجودة، لتدلا - المعلقات والمذهبات - علىٰ مدىٰ قدرته الفائقة علىٰ التعبير ليظهر غرضه مِن الغزل والنسيب بشقَّيْه المكشوف والعفيف، ولغة العرب هي اللغة الوحيدة التي وضعت لدرجات الحب ما يربو علىٰ خمسين معناً ووصفا ودرجةً، فالعربي لحظة أن أوقد النار في الحطب لإعداد الطعام أو تحضير الشاي، أعدَّ قصائدَه بجوار أميرة شعره قرباً وطرباً.. أو علىٰ شرارة الحطب بعداً وهجراً، فتنقدح أبيات العشق مِن صميم فؤاده، وتملأ غرف قلبه فتنبعث من فمه وتخرج ممزوجة بعسل فمه.. فهو ملك الصحراء.. وراعي نجوم السماء.. الذي توّج في ليلة قمراء.. أميراً علىٰ عرش قلبها بيدها البيضاء.. ولحظة التتويج انسدلت علىٰ جبينه خصلة مِن جدائل فاتنته الحُمَيراء، فيصفها كما تُظهر الطبيعة مفراداتها كنحاتٍ يملك خيالاً خصبا وبيده أدوات التعبير يشكل وصف أنثاه بدقة متناهية علىٰ جدارية التاريخ.. فيشهد الجميع.. مَن حضر أو مَن غاب.. ومن تزامن معه السماع أو من سيأتي فتنقل له الرواية.. فلها المجد والثناء.. وله تاج الفخر والبهاء .
.. هذا العربي نشر معلقاته لكل مَن قصد البيت العتيق المعمور ليصف "أنثاه" بأرق التعابير وأجزلها؛ واسمى الألفاظ وأبدعها فعلق المذهبات.. ولم يجد أغلىٰ من الذهب مداداً لأحاسسه ووجدانه.. فأذابه بشجونه وصهره علىٰ نار شوقه وحنينه، وزين أستار الكعبة بمعلقات تبارىٰ بها مع فحول الشعر فكان له السؤدد، مستخدماً مادة الطبيعة بمكوناتها الوفيرة وجميع أطياف ألوانها، ليكسي رموز الكون بما يرىٰ لصياغتها كما يريد هو في كلمات ليقطر بالقرب مِن قِرطها المعلق علىٰ أذنها اليسرىٰ القريبة مِن قلبها.. يُقَطِر .. عصارةَ حبه وعشقه ومزيج دموعه وآهاته ونحيبه وشوقه ولوعته، فيلفها كلها في نسيج خياله فترتدي ثوباً قشيباً خيوطه ربطت بقلبه الولهان وجدلت بإحكام بلبه فوق غلالة العفاف، فهو مبدع هذه الصناعة بدون منازع، ومَن قلده مِن بعده أفلس، ومَن قال بعده ليصفها فهو أخرس، فمهنة العشق تحتاج لإتقان لا تقليد كما يردد من لا يفقه قول البغبغان، وسر الإبداع يعود لذلك المزج بين روحانية العاشق المشرقي برهافتها ورقتها وشفافيتها وعلوها وسموها ـ في بيئتها الأصلية ـ ثم تتساقط كسخات الندىٰ بعد طول ليل السهد حين تلامس جمرات الشوق، فلهيبه يُطيّر كلمات العشق التي خُلدت إلىٰ عنان السماء فترددها طيور الفضاء، السر يعود إلىٰ ذلك المزج الذي تم بين روحانية المشرقي الذي هبط من جنّة عدن وبين احتياجات الإنسان الراقية وغرائزه السامية وفق معايير ومقاييس وُضعت منذ آلاف السنين مِن عقلية رجل ذاق طعم الإنفراد فستوحش.. ثم ذاق طعم الأنس والقرب فاستأنس، فرسم في خياله لها صورةً، أبعادها بين الثرىٰ والثريا، وأطرافها بين الكواكب في السماء الصافية وبين المجرات علىٰ تباعدها واتساعها.. مربعاتها ما بين المشرق والمغرب، يضئ المكان وهيج حطب الشوق حين يحضّر في ذاكرته كلماته ليلقيها علىٰ قلبها قبل أذنها حين يقابلها أو حين يرسل رسولاً أميناً بمكتوب، أو يضئ .. قمرُ الليالي.. كراستَه التي امتلئت بمئات من صورها -وفق خياله الخصب- عندما يكتب لها.. ومداد قرطاسه يستمده مِن دموعه التي يخفيها بين حبات الندىٰ الساقطة فوق رمال الصحراء ... فهذا المشرقي .. هو القادر ..
.. اتقنَّ – العربي - العشقَ فلُقبَ بـ «المجنون» ، أبدع في صياغة وجدانه بكلمات تُقرأ فصارت بعد مئات السنين قرآنا يحفظ، يحتاج لمراجعة وشرح وتعليق، وخبرة عملية تراكمية للعاشق القادم.. صفىٰ المنبع فزدان المورد بفرسان الكلمة.. واتسع الحوض لمن لديه الموهبة والقدرة فسعدت نساء العرب والعجم جميعاً .
فيا سعادة المرأة التي خلدها العاشق فأتم ما قام به الخالق في السماء فوصفها لما هبطت علىٰ الأرض.. فبقوله يعيدها كما كانت إلىٰ السماء.. نقية.. بهية .. عفيفة.. صافية.. طاهرة.. شريفة .. راقية، ومَن لم يفهمه سماه المجنون، ومَن غار منه وحسده حبسها في بيت الحريم يُفرج عنها لحظة رغبته الوقتية ولحيظة استنزال شهوته الدنية وحين أصدر أوامر الإعتقال النفسي والإبعاد العقلي ذيّل الفرمان بالسماح لها فقط .. بالإنجاب، وحين يعود إلىٰ ذكوريته في غابته يلزمها إرتداء حزام العفة الذي صنعه الحداد .
.. ازعمُ أن هذا المشرقي يعرف كيف يعشق، بل ازعمُ أنه يملك أدواته، وخير دليل علىٰ صحة الإدعاء والزعم : الترجمات مِن النصوص الفارسية والعربية إلىٰ اللغات الغربية كــ الفرنسية والألمانية..
.. والجانب العملي في ممارسة الحب يُؤخذ في الغرب مِن المعابد الهِندية التي أفسدتها برودة الجندي البريطاني زمن الإحتلال ووقت اغتصاب خيرات الأرض ليرحلها إلىٰ الجزيرة النائية، فــ الهندي المشرقي عبَّر عن حبه لها بأن بنىٰ لها معبداً ليخلد صورتها؛ وجنود الإمبراطورية البريطانية لحالة الجمود العاطفي عندهم والتربية الكهنوتية الخاطئة حطم معبد مشرقي هندي دون أن يفهم مِن صاحبه القصد.. أو يستفسر مِن الباني عن مغزىٰ البناء..
.. ومجموعة الكتب التي صورت لحظة الوصال بعد الشوق وهي آتية أيضاً مِن التقليد الشرقي القديم الذي يعرف باسم " كاما شاسترا " „Kama Shastra“ ، والذي يعود إلىٰ أزمنة سحيقة والبعض يرجعها إلىٰ ما بين 200 و 300 بعد الميلاد العجيب، وأول ترجمة لهذا التقليد للإنجليزية كانت عام 1884م، أو تؤخذ من كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" „The Perfumed Garten“ والمترجم للفرنسية عام 1850م..
.. أذهب إلىٰ أمهات المكتبات وسترىٰ صدق ما زعمت ! .
-*/*-
.. رفيقي .. المشرقي ـ مالك هذه الرواية ـ اكتسب سابق كل الخبرات واستفاد مِن تلك التراكمات، فرسائِلُه إليها ـ السيدة الغربية التي حبها فعشقها ـ رسائله لها كانت دائماً ملونة، ولعل دفء جغرافيا مدينته الساحلية « الْإِسْكَنْدَرِيَّة » وشخصية مؤسسها " .. الأكبر " ومدرسة الإسكندرية الفلسفية ورجالها علىٰ مر العصور والحقب التاريخية التي مرت علىٰ مدينته.. هذا .. وهو الذي عاش بين أهلها الذين إذا غربوا سبحوا في بحيرتهم " البيضاء النقية المتوسطة " مع الحيتان، وحين يرفعوا رؤوسهم يتسلقوا إلىٰ السماء وفي أيديهم حبالهم التي نسجت من خيوط ذهبية جدلتها أشعة الشمس.. فإذا أغتسلت معهم في بحيرتهم وقت الغروب تمسكوا بالحبال الفضية التي هياءها القمر لحظة غياب شمس النهار، وإذا عطشوا يمموا الوجه المليح إلىٰ الجنوب فيأتهم الشاب الفضي -النيل- الأصيل بطميّه ورزقه .
.. جغرافيا مدينته ـ الْإِسْكَنْدَرِيَّة ـ جعلته يُحسن تلوين الشمس في الزاوية العليا مِن رسائلِه لها.. فيعطيها حقها مِن اللون الذهبي كشعرها المنسدل علىٰ ظهرٍ أخذ لونَه مِن المزج الدقيق بين نهار وضّاح وبين شَّفَق قبل الغروب، تلك هيّ المرأة الغربية التي تُوجت بتاجها الذهبي الفريد، ثم يكثر مِن زرقة السماء بدرجتيها الخفيفة والثقيلة، فهو دائماً.. أينما ذهب ينظر عيناها، إنه يلون السماء كأن صفحته لها شرفة.. منها يطل علىٰ سماء دنياه بعينيها، ثم يضع حرفاً أو أكثر من أوائل اسمها، مع أداة التعريف« الـ » في لغته مِن اليمين ولغتها من اليسار « ELLE » ، فيضع نصف „ELLE“ ، فيكتب „EL“ في وسط الشمس الذهبية بأشكال مختلفة .
**
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ) *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحةٌ مِن كراسة إسكندريات
« الرجل المشرقي »
[ 1. ] الجزء الأول
[ 1 . 1 . ] تمهيد.. مدخل للرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الإثنين‏، 29‏ شوال‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 30‏ أيار‏، 2022م ~ ‏30‏/05‏/2022‏ 10:08:39 م
-*-*
مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــالدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

كتاب & مراسلون

أوسترو عرب نيوز

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا