السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

السيرة النبوية الشريفة

تقديم : د. محمد الرمادى
فيينا / 201
9

 أَوَّلِ ‴مَا نَزَلَ عَلَيْه

تمهيد لـــ " معرفة أول ما نزل...
التعبير عن تلقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للقرآن بنزوله عليه يشعر بقوة يلمسها المرء في تصور كل هبوط من أعلىٰ . ذٰلك لعلو منزلة القرآن وعظمة تعاليمه التي حولت مجرىٰ حياة البشرية وأحدثت فيها تغيرا ربط السماء بالأرض ، ووصل الدنيا بالآخرة ، ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي في مصدره الأول والأصيل -وهو القرآن- تعطي الدارس صورة عن التدرج في الأحكام ومناسبة كل حكم للحالة التي نزل فيها دون تعارض بين السابق واللاحق ، وقد تناول هذا أول ما نزل من القرآن على الإطلاق وآخر ما نزل على الإطلاق ، كما تناول أول ما نزل وآخر ما نزل في كل تشريع من تعاليم الإسلام ، كالأطعمة ، والأشربة ، والقتال... ونحو ذلك . وللعلماء في أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ، وآخر ما نزل كذلك أقوال ...". [(67)]
ومبحث:" نزول القرآن:" مهم في علوم القرآن بل هو أهم مباحثه جميعاً لأن العلم بنزول القرآن أساس للإيمان بالقرآن وأنه كلام الله وأساس للتصديق بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الإسلامَ حقٌ ثم هو أصل لسائر المباحث... في علوم القرآن فلا جرم أن يتصدرها جمعاء ليكون مِن تقريره وتحقيقه سبيل إلىٰ تقريرها وتحقيقها وإلا فكيف يقوم البناء علىٰ غير أساس ودعائم ولأجل الإحاطة بهذا المطلب العزيز يجب الــ -تكلم- إن شاء الله علىٰ معنىٰ نزول القرآن ثم علىٰ مرات هذا النزول ودليل كل نزول وكيفيته وحكمته ثم علىٰ الوحي وأدلته العقلية والعلمية مع دفع الشبهات الواردة في ذلك المقام"... هذا ما خطه بيمينه الشيخ الأستاذ المعلم محمد عبدالعظيم الزُرقاني في عام 1943م...
وقلتُ (الرمادي) وهذه البحوث -على أهميتها- ستخرجنا إلىٰ بحوث علوم القرآن ؛ الحديث هنا عن فرع واحد فقط منها لذا أحيلُ القارئ -تفضلا وتكرماً- إلىٰ مصادر هامة -لمن أراد المزيد- إلىٰ ما كتبه الزركشي أو السيوطي.
-*-*-
مبحث فِي مَبْعَثِهِ[(68)] -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ - وَأَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ:
بَعَثَهُ اللَّهُ -سبحانه في علاه وعلا في سماه وتقدست اسماه- عَلَىٰ رَأْسِ أَرْبَعِينَ[(69)] وَهِيَ سِنُّ الْكَمَالِ . وَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيَا ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. [(70)]
قِيلَ : وَكَانَ ذَلِكَ سِتَّةَ[(71)] أَشْهُرٍ ، وَمُدَّةُ النُّبُوَّةِ[(72)] ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً[(73)] ، فَهَذِهِ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقلت (الرمادي) هذه المسألة تحتاج إلى إعادة نظر وبحث!!.
ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ وَهُوَ بِغَارِ حِرَاءٍ، وَكَانَ يُحِبُّ الْخَلْوَةَ فِيهِ...
وأتوقف قليلاً لإثبات حال يحتاج إلىٰ إلقاء اضواء عليه :
١ . ] الحال الأول :" قَدْ كَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَرَى ضَوْءًا وَيَسْمَعُ صَوْتًا ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَتُنَادِيهِ بِالنُّبُوَّةِ ، وَهَذِهِ أُمُورٌ ابْتُدِئَ بِهَا تَدْرِيجِيًّا لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنُّبُوَّةِ ، وَاسْتِلْطَافًا لَهُ ؛ لِئَلَّا يَفْجَأَهُ صَرِيحُ الْوَحْيِ ، وَيَبْغَتَهُ الْمَلَكُ ، فَلَا تَحْتَمِلُ ذَلِكَ قُوَّتُهُ الْبَشَرِيَّةُ . "[(74)]
٢ . ] الحال الثاني :" السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ أَكْثَرُ إِيجَازًا ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا هُمْ أَبْلَغُ الْعَرَبِ وَأَفْصَحُهُمْ ، وَعَلَىٰ الْإِيجَازِ مَدَارُ الْبَلَاغَةِ عِنْدَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ مُعْظَمَهَا تَنْبِيهَاتٌ وَزَوَاجِرُ وَبَيَانٌ لِأُصُولِ الدِّينِ بِالْإِجْمَالِ .
٢ . ١. ] أُسْلُوبُ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ: إِنَّ أَكْثَرَ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ لَا سِيَّمَا الْمُنَزَّلَةُ فِي أَوَائِلِ الْبِعْثَةِ قَوَارِعُ تَصُخُّ الْجَنَانَ ، وَتَصْدَعُ الْوِجْدَانَ ، وَتُفْزِعُ الْقُلُوبَ إِلَىٰ اسْتِشْعَارِ الْخَوْفِ ، وَتَدُعُّ الْعُقُولَ إِلَىٰ إِطَالَةِ الْفِكْرِ فِي الْخَطْبَيْنِ الْغَائِبِ وَالْعَتِيدِ ، وَالْخَطَرَيْنِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ ، وَهُمَا عَذَابُ الدُّنْيَا بِالْإِبَادَةِ وَالِاسْتِئْصَالِ ، أَوِ الْفَتْحُ الذَّاهِبُ بِالِاسْتِقْلَالِ ، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ وَهُوَ أَشَدُّ وَأَقْوَىٰ ، وَأَنْكَىٰ وَأَخْزَىٰ - بِكُلٍّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ أَنْذَرَتِ السُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ أُولَئِكَ الْمُخَاطَبِينَ إِذْ أَصَرُّوا عَلَىٰ شِرْكِهِمْ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا بِدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ عَنْ ضَلَالِهِمْ وَإِفْكِهِمْ ، وَيَأْخُذُوا بِتِلْكَ الْأُصُولِ الْمُجْمَلَةِ ، الَّتِي هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ ، وَلَيْسَتْ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُنْكِرُهُ الْعَقْلُ ، أَوْ يَسْتَثْقِلُهُ الطَّبْعُ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَقْلِيدُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ ، يَصْرِفُ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ . رَاجِعْ تِلْكَ السُّوَرَ الْعَزِيزَةَ ، وَلَا سِيَّمَا قِصَارُ الْمُفَصَّلِ مِنْهَا كَـ ( الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ) ، وَ ( الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ ) ، وَ ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) ، وَ ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) ، وَ ( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ) ، وَ ( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ) ، وَ ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ) ، ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ) ، ( وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ) ، ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ) .[(75)] تِلْكَ السُّوَرُ الَّتِي كَانَتْ بِنَذْرِهَا ، وَفَهْمِ الْقَوْمِ لِبَلَاغَتِهَا وَعِبَرِهَا ، وَتَفَزُّعِهِمْ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ ، حَتَّىٰ يَفِرُّوا مِنَ الدَّاعِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَانٍ إِلَىٰ مَكَانٍ ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ )[(76)] - ( أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ )[(77)] ثُمَّ إِلَىٰ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ الطِّوَالِ ، فَلَا نَجِدُهَا تَخْرُجُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَنْ حَدِّ الْإِجْمَالِ ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [(78)] ، وَقَوْلِهِ بَعْدَ إِبَاحَةِ الزِّينَةِ وَإِنْكَارِ تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَىٰ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) "[(79)]
... فَأَوَّلُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) [(80)] هَذَا قَوْلُ -أم المؤمنين ؛ زوج النبي؛ بنت أبي بكر الصديق- عائشة[(81)] وَالْجُمْهُورِ[(82)] .
وَهَذَا أَوَّلُ مُصْحَفِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَعَلَ فِي أَوَّلِهِ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ).[(83)]
بيد أنه قَدْ جَاءَ مَا يُعَارِضُ هَذَا ، فَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ جَابِرٍ -بن عبدالله- : أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ... ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )[(84)]
وَالصَّحِيحُ قَوْلُ عائشة لِوُجُوهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا .
الثَّانِي : الْأَمْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي التَّرْتِيبِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ ، فَإِنَّهُ إِذَا قَرَأَ فِي نَفْسِهِ أُنْذِرَ بِمَا قَرَأَهُ ، فَأَمَرَهُ بِالْقِرَاءَةِ أَوَّلًا ، ثُمَّ بِالْإِنْذَارِ بِمَا قَرَأَهُ ثَانِيًا[(85)].
الثَّالِثُ : أَنَّ حَدِيثَ جابر[(86)] ، وَقَوْلَهُ : أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )[(87)] -هذا- قَوْلُ جابر[(88)] ، وعائشة أَخْبَرَتْ عَنْ خَبَرِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ[(89)]
الرَّابِعُ : أَنَّ حَدِيثَ جابر الَّذِي احْتَجَّ بِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ نُزُولُ الْمَلَكِ عَلَيْهِ أَوَّلًا قَبْلَ نُزُولِ ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ )[(90)] فَإِنَّهُ قَالَ : فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ ، فَرَجَعْتُ إِلَىٰ أَهْلِي فَقُلْتُ : " زَمِّلُونِي... دَثِّرُونِي " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي جَاءَهُ بِحِرَاءٍ أَنْزَلَ عَلَيْهِ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) فَدَلَّ حَدِيثُ جابر عَلَىٰ تَأَخُّرِ نُزُولِ ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) وَالْحُجَّةُ فِي رِوَايَتِهِ لَا فِي رَأْيِهِ[(91)] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ".
ونتمم البحث بما :" ذَكَرَه الْحَافِظُ السَّيُوطِيُّ فِي الْإِتْقَانِ... إذ ذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فِي أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ:
أَحَدُهَا : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ( 96 ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
ثَانِيهَا: ( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 74 ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ.
وَجَمَعُوا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَىٰ الْإِطْلَاقِ ، وَهُوَ صَدْرُ سُورَةِ اقْرَأْ . وَالثَّانِي أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِتَمَامِهَا ، أَوِ الثَّانِي أَوَّلُ مَا نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ آمِرًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ . وَقِيلَ فِي الْجَمْعِ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي " الْإِتْقَانِ".
ثَالِثُهَا : سُورَةُ الْفَاتِحَةِ ، قَالَ فِي الْكَشَّافِ : ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ إِلَىٰ أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ ( اقْرَأْ ) وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَىٰ أَنَّ أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ( قَالَ السُّيُوطِيُّ ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ هُوَ الْأَوَّلُ . وَأَمَّا الَّذِي نَسَبَهُ إِلَىٰ الْأَكْثَرِ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا عَدَدٌ أَقَلُّ مِنَ الْقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَىٰ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ . وَحُجَّتُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ " وَالْوَاحِدِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِخَدِيجَةَ:" إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً ، فَقَدْ وَاللَّهِ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَمْرًا " . فَقَالَتْ : " مَعَاذَ اللَّهِ ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَفْعَلَ بِكَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ" - ... وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخْبَرَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ وَرَقَةً أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَثْبُتَ وَيَسْمَعَ النِّدَاءَ ، وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا خَلَا نَادَاهُ - أَيِ الْمَلَكُ - " يَا مُحَمَّدُ قُلْ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - حَتَّى بَلَغَ - ( وَلَا الضَّالِّينَ ) ... قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي الْحَدِيثِ : " هَذَا مُرْسَلٌ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَنَقَلَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ احْتِمَالَ أَنَّ هَذَا بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ).
هَذَا - وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ -محمد عبده- فَقَدْ رَجَّحَ أَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَىٰ الْإِطْلَاقِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) ... واستدرك صاحب المنار بالقول :" وَنَزَعَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَىٰ ذَلِكَ مَنْزَعًا غَرِيبًا فِي حِكْمَةِ الْقُرْآنِ وَفِقْهِ الدِّينِ فَقَالَ مَا مِثَالُهُ ... ".[(92)]
وقد بحثتُ المسألة هذه في فصل :" مرحلة النبوة ".[علىٰ صفحات موقع استروعرب نيوز] . فالرجاء يراجع في موضعه.. والحمد لله رب العالمين!. "
-*-*-
ثم وجدتُ مَن حاول -يائسا- أن يطعن في المسألة؛ ويبخر حولها ؛ لذا رايتُ -ومِن الله تعالىٰ ذكره- التوفيق والصلاح أن أجعل هذه المسألة ضمن شبهات حول القرآن العظيم والذكر الحكيم ؛ وهو ملحق في نهاية البحوث... فاللهم نرجو منك في علاك التوفيق والهداية.
-*-*-
وثبت في صحيح الإمامين البخاري ومسلم “ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْوَحْيِ : الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُولَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا ، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ . فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ . قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [(93)] . فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ : زَمِّلُونِي ، زَمِّلُونِي . فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ : أَيْ خَدِيجَةُ ! مَا لِي ؟ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، فَقَالَ : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَلَّا ! أَبْشِرْ ، فَوَاللَّهِ ! لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا . وَاللَّهِ ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ . فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِالْعُزَّى- وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا ، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ، وَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ - ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : أَيْ عَمِّ ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ . قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ : يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَ مَا رَآهُ ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا ، يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ! لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا[(94)] .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَوَاللَّهِ ! لَا يُحْزِنُكَ اللَّهُ أَبَدًا. ”
وعليه فـــ :" أَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "[(94)].وقد ذكرتُ قولها قريباً...
وأختم هذا البحث بمقدمات في مسائل أول ما نزل من القرآن
قاعدة البحث في مسائل أوّل ما نزل:
فقال محمد بن عبدالعظيم الزُرقاني (ت: 1367هـ): ( مدار هذا المبحث علىٰ النقل والتوقيف. ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها[(95)]
وذكر الإمام عبدالله بن محمد بن أبي شيبة: في مصنفه قولاً واحداً " عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ :" اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ " ، ثُمَّ نُونٌ .
كما ذكر ابن أبي شيبة قولا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ ثُمَّ نُونٌ .
وذكر عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : أَخَذْت مِنْ أَبِي مُوسَى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ وَهِيَ أَوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [(96)] ".
-*-*-*-*-*-*-
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مقدمة الرسالة المحمَّدية وارهاصات البعثة الأحمَّدية : ٤. ] بحوث المجلد الرابع: 《...زَمَانُ آخِرِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》-صلى الله عليه وآله وسلم -
تشرف بمراجعة وقراءة وكتابة هذا الفصل من المجلد الرابع :
د. مُحَمَّدٌ الرَّمَادِيُ
المراجع والمصادر والهوامش تجدها في نهاية البحوث؛ إن شاء الله تعالىٰ

أعلى الصفحة
فهرس

يوم „ مبعثه ‟
بحوث الفصل الرابع:《...زَمَانِ آخِرِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》-صلى الله عليه وآله وسلم-فصل: يوم بعثته

تمهيد :
أركان الإسلام أو أعمدته التي يبنىٰ عليها كيان الدين الحنيف يجب أن تكون قطعية الثبوت ؛ ويجب -أيضا- أن تكون قطعية الدلالة ؛ فيجب أن تثبت هذه الأركان عند تلقيها والحديث عنها بطريق لا يتطرق إليه إرتياب أو شك ؛ وهذا ما سماه السادة العلماء قطعية الثبوت ؛ أي أنه وحي من قِبل الحاكم... أي صاحب الآمر ... ومالك النهي -سبحانه وتعالى- وتم التبليغ لكافة البشر -العامة من الناس قَبل أهل التخصص وأصحاب العلم الراسخ- بطريقة لا يتطرق إليه الشك أو الإرتياب ؛ إذ هي -أركان الإسلام ؛ وعقائده- الأساس الذي سيبنىٰ عليه الأحكام الشرعية العملية التفصيلية اليومية المتعلقة بالحياة الدنيا ، والتي قد لا يدرك كنهها العقل البشري المحدود والقاصر ولكن قد يسعىٰ العالِم لشرح حكمتها واستنباط دلالتها ، وتلك الأحكام المتعلقة بالحياة الآخرة ، بجانب القَصص القرآني ؛ فجميع قضايا الإيمان وكل مسائل العقيدة يجب أن تكون قطعية الثبوت... كما يجب أن تكون كل قضية بمفردها أو مسألة بعينها قطعية الدلالة... بمعنى أنها تدل علىٰ معنىٰ واحد لا يتعداه إلىٰ آخر ولا يصح أن يفهم أمر آخر ؛ أو أمر ثان... فيحدث التباس في الذهن أو تشويش في الفهم ؛ أو تداخل بين فهمين في قضية واحدة فتضيع عقيدة أو يهتز إيمان...
لذا فــ قضايا العقيدة أو موضوعات الإيمان يجب أن تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة.
أما مسائل الأحكام الشرعية العملية اليومية التفصيلية للمسلم فيكفي فيها غلبة الظن ؛ أو ما يطلق عليه العلماء شبهة دليل ؛ فــ كثير من النصوص الشرعية -سواء آيات من الذكر الحكيم أو أحاديث نبوية- قد تحتمل آكثر من معنى-كــ آية :"أو لامستم (وفي قراءة :"لمستم") النساء"- وهنا يأتي صاحب العلم الراسخ في العلوم اللُغوية والعلوم الشرعية ليستنبط حكما شرعيا في المسألة المبحوثة... ويذهب إلى ما لم يذهب إليه العالِم الآخر الراسخ في العلوم الشرعية واللُغوية... والممارس لتبيين الأحكام الشرعية العملية يجد فناً فقهيا تحت مسمىٰ "الفقه المقارن" ، كما نجد بحوث "آيات الأحكام" وبحوث "أحاديث الأحكام" ؛ فالواقع الفقهي يُظهر بوضوح وجود مذاهب... مثل مذهب النعمان بن ثابت -أبي حنيفة- ؛ ومذهب مالك بن أنس ؛ ومذهب محمد بن إدريس الشافعي ؛ ومذهب أحمد بن حنبل... وعلماء كثر -رحمهم الله تعالى جميعاً-... فهم بحثوا في المسائل الفقهية العملية .
إذاً هناك مسألتان لكل منهما أدلتها... فــ
أولاً : مسائل العقيدة وقضايا الإيمان... وهذه أدلتها قطعية الثبوت قطعية الدلالة... و
ثانياً : مسائل الأحكام الشرعية العملية اليومية التفصيلية في حياة المسلم...
**
عزيزيــ(ــتي) القارئــ(ـة) !
مازلتُ أبحث مقدمات النبوة الخاتمة لرسالة السماء الآخيرة... والحديث مازال متصل عن ارهاصات نبوة خاتم المرسلين وآخر المبتعثين وإمام الأنبياء والمتقين محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وآله وسلم.
والثابت بعثة الرسول محمد... سواء جاء الإخبار عنها علىٰ لسان السادة الأنبياء ؛ مثل :
- دعاء أبي الأنبياء الخليل إبراهيم وابنه -الذبيح ابن هاجر المصرية- النبي إسماعيل أو
- بشارة ابن العذراء البتول الزهراء مريم بنت عمران -المعجزة في الخلق والتكوين والإيجاد والتصوير: عيسى ابن مريم- ؛ أو من خلال بشارات :
- الكتب السماوية السابقة أو كما ذكرتُ من بعض
- الكتب الدينية عند بعض الأقوام...
و
الثابت -أيضا- أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- بُعث بكتاب سماوي (كلام الله تعالىٰ) تحدىٰ به الإنس والجن أن يأتوا بمثله ، فما استطاعوا ومازال التحدي قائم حتىٰ يرث الله -تعالى- الأرض ومن عليها... و
الثابت أنه -عليه السلام- أوتي القرآن ومثله معه ؛ فصار المسلم لديه بين يديه قرآنا يتلىٰ وهو منهاج حياة ؛ وطريقة معينة في العيش بغض النظر عن مكان الإنسان وزمانه وأيضا لديه سنة -طريقة- نبوية عطره وهي سلوك عملي وكيفية معينة في الحياة... وهما -القرآن الحكيم والسنة النبوية المحمدية- مصدرا التشريع لحياة المسلم ومصدرا المنهجية الحياتية...
**
والحديث عن بحوث《...زَمَانِ آخِرِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》-صلى الله عليه وآله وسلم- وبعض المسائل ؛ مثل:《...الدين الذي كان عليه قبل الرسالة..》و《...بدء الوحي..》و《...سنه عند التبليغ..》و《...يوم بعثته..》تجد فيها أقوال متقاربة وليست متعارضة ؛ وهذا يحتاج مني- بحسن معونته سبحانه وتعالى وتمام توفيقه وكامله – أن أفرد في نهاية البحوث فصول حول الشبهات التي اثارها البعض ؛ إما طعناً في الدين وبعض إحكامه -ومازالت تتردد على ألسنة النقلة وأقلام الجهلة- أو طعنا بمن أرسل به للعالمين بشيرا وهاديا ونذيراً ، ويكفي الرد على تلك الخزعبلات والأوهام قوله تعالىٰ علوا كبيرا حين نطق القرآن يقول :" . أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[(48)] "... والمعنىٰ صريح في كل النصوص القرآنية والآيات الرحمانية ؛ فيتبقىٰ أحاديث المصطفىٰ وأقوال المجتبىٰ المحتبىٰ المرتضىٰ فنطق القرآن قائلاً وإننا نسمع تمام الآيات تقول : ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ * فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ﴾ [(49)].
بيد أنه توجد بعض تفصيلات... كما جاء في حديث عند مسلم في صحيحه : " وَ... عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ « كَمْ أَتَى لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ مَاتَ ». فَـ
قَالَ « مَا كُنْتُ أَحْسِبُ مِثْلَكَ مِنْ قَوْمِهِ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَاكَ ».[(50)]
والشاهد من الحديث في بعض الأمور الفرعية والنقاط التفصيلية القول :
قَالَ قُلْتُ « إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ النَّاسَ فَــ :„ اخْتَلَفُوا ‟ عَلَيَّ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ قَوْلَكَ فِيهِ » [(51)] .
**
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالَ : « إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ »
والشاهد من الحديث: « وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ » [(52)].
وبوَّب ابن خزيمة في صحيحه : كتاب الصوم؛ جماع أبواب صوم التطوع؛ بَابُ اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ إِذِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُلِدَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ، وَفِيهِ أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَفِيهِ مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " [(53)]. فجعل يوم المولد مثل يوم أوحي إليه فيه واليوم الذي مات فيه صلوات الله تعالى عليه وسلاماته وبركاته وتنعيماته.
والحديث مروي مرة عن عمر-رضي الله عنه ومرة عن رجل دون ذكر اسمه :
" عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ؟ قَالَ : « يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، وَيَوْمٌ أَمُوتُ فِيهِ» [(54)] هَذَا حَدِيثُ قَتَادَةَ.
وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُذْكَرْ عُمَرَ ، وَقَالَ : « فِيهِ وُلِدْتُ ، وَفِيهِ أُوحِيَ إِلَيَّ » [(55)].
وذكر ابن كثير في البداية :" وَقَدْ كَانَ نُزُولُ صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَهِيَ : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وَهِيَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا قَرَّرْنَا [ابن كثير في البداية] ذَلِكَ فِي " التَّفْسِيرِ " ، وَكَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، فَقَالَ : « ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ » .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " وُلِدَ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَنُبِّئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ". [(56)] وَهَكَذَا قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، أُوحِيَ إِلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ .[(57)].
ثُمَّ قِيلَ :
كَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ أَنَّهُ وُلِدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَفِيهِ بُعِثَ ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ . وَ
الْمَشْهُورُ [ كما قال صاحب البداية] :" أَنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا [(58)].
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ مُسْتَدِلًّا عَلَى ذَلِكَ بِمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ [(59)] فَقِيلَ : فِي ثَانِي عَشْرِهِ . وَ
رَوَى الْوَاقِدِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ ابْتِدَاءُ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. [(60)]
وَقِيلَ : فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لَسْتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ . وَ
رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ، وَلِهَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ [(61)]
قَالَ [(62)]: قَوْلُ الْبُخَارِيِّ هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَكَانَ النُّزُولُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَ
قِيلَ: لِتِسْعٍ، وَ
قِيلَ: لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَ
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ،
وَ
عِنْدَ الْمَسْعُودِيِّ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَ
عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: ابْتِدَاءُ التَّنْزِيلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ رَمَضَانَ وَعُمْرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَهُوَ تَاسِعُ شُبَاطَ لِسَبْعِ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا مِنْ سِنِي ذِي الْقَرْنَيْنِ،
ونقرأ :" فجاء أمينُ الوحي الرسولَ -صلى الله عليه وآله وسلم- لأول مرة في يوم الإثنين ؛ الحادي والعشرين [٢١] من شهر رمضان من العام الأربعين لميلاده بينما كان يتحنث بغار حراء ".
واختلف العلماء في تحديد تاريخ ذلك اليوم ، ورحج المباركفوري في الرحيق أنه اليوم الحادي والعشرون ... وهو ما لم يقل به غيره ؛ حسب علمي المحدود."[(63)] وَ
قَالَ ابْنُ عَبْدِالْبَرِّ : يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْفِيلِ، وَ
قِيلَ: فِي أَوَّلِ رَبِيعٍ، وَ
فِي (تَارِيخِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ الْفَسَوِيِّ): عَلَى رَأْسِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَ
عَنْ مَكْحُولٍ: أُوحِيَ إِلَيْهِ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَ
قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالدُّولَابِيُّ فِي (تَارِيخِهِ): نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَ
عِنْدَ الْحَاكِمِ مُصَحَّحًا: إِنَّ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُكِّلَ بِهِ أَوَّلًا ثَلَاثَ سِنِينَ قَبْلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَاقِدِيُّ وَقَالَ: أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ وُكِّلَ بِهِ غَيْرُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَزَعَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُكِّلَ بِهِ تَدَرُّبًا وَتَدْرِيجًا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا كَانَ أَوَّلَ نُبُوَّتِهِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. [(64)]
والأمانةُ العلمية الزمتني عرض ما قيل!!.. أما
* . ] خلاصة البحث:
فـ أعتمد أن أولَ ما بدء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ؛ فعلى رأس الأربعين [(65)] في اليوم الموفي الثاني عشر من ربيع الأول يوم الإثنين [(66)] بينما هو نائم إذ اتاه جبريل بنمط من ديباج مكتوب فيه { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إلى قوله {ما لم يعلم} .
ونكمل هذه المسألة في فصل مستقل تحت عنوان:" أول ما نزل من القرآن الكريم علىٰ قلب النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم.
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٤. ] بحوث المجلد الرابع: 《...زَمَانُ آخِرِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》-صلى الله عليه وآله وسلم-
مقدمة الرسالة المحمَّدية وارهاصات البعثة الأحمَّدية.
تشرف بمراجعة وقراءة وكتابة هذا الفصل من المجلد الرابع :
د. مُحَمَّدٌ الرَّمَادِيُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والمصادر والهوامش تجدها في نهاية البحوث؛ إن شاء الله تعالىٰ

أعلى الصفحة
فهرس

《... سِنُّ الْكَمَالِ ...》
٤. بحوث المجلد الرابع: 《...زَمَانُ آخِرِ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》-صلى الله عليه وآله وسلم-
فصل: سنُهُ -عليه الصلاة والسلام- حين التبليغ [(22)]

ــــــــــــــــــ

مدخل:
السيرةُ المحمديّة هي المدخل الطبيعي لمعرفة صاحب الرسالة الأخيرة العصماء ؛ والسيرةُ في الأصل : الكتاب الكريم والسنة العطرة ؛ كما أن الأصل في المسلم أن يعرف جيداً - حقا وصدقا ؛ بما لا يدع مجالا للشك أو الريبة -: النبي الذي يتبعه ، والرسول الذي يسير على خطاه ويلتزم هديه ويتقيد بطريقته ، وإنك لا تعرف رسول الله الخاتم -عليه السلام- إلا إذا عرفت الكتاب -القرآن الكريم والذكر الحكيم- الذي أُنزل عليه وحياً من ربه وبلغنا من خالقنا دون تحريف أو تعديل ، فهو المصدر الأول من المنهاج الرباني ؛ والمصدر الأول في التشريع الإلهي، فهو يعطي الخطوط الأساسية الواضحة كطريقة خاصة في حياة الإنسان وطراز خاص من عيش المرء ؛ أينما كان وفي أي زمان وعلى أي حال ، فهذه هي المعرفة الأولى ، أما الثانية فهي معرفة سنته -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أن السنة النبوية؛ وهي المصدر الثاني من مصدري الوحي السماوي المُنزل بواسطة أمين السماء المَلَكِ جبريل -عليه السلام- على قلبِ أمينِ السماء والأرض محمد بن عبدالله؛ فهي المصدر الثاني من التشريع الرباني والمنهاج الإلهي ، فـالسنةُ النبويّة هي مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريراته ، وهي أيضا الخطوط الأساسية العريضة لمنهاج المسلم في الحياة .
والسيرة المحمدية تُمهد -وثائقياً- للإيمان بنبوته؛ فينعقد الإيمان في قلب من يؤمن به خاتما للأنبياء ويعتقد اعتقادا جازما برسالة آخر المبتعثين ويصدق تصديقا لا شك فيه بكل ما آتى به متمم المرسلين ؛ فيصير التعريف بالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- مقدم على التعريف بالرسالة ، ولأن الإيمان بالرسول -عليه السلام- هو المقدمة الموطئة لتلقي هديه وسماع أمره وفهم طريقته ؛ وإذا لم يكن الأمر هكذا اضطرب الفهم وتعطل الإدراك فدخل الغريب في صلب عقيدةٍ الأصلُ فيها أن تكون بيضاء نقية لا لبس فيها ولا إيهام. ولا ابهام.. فالعقيدةُ لا تحتاج إلى كبير تأويل والإيمان لا يحتاج إلى عناء تفسير بل يجب أن تكون سهلة يدركها الجميع ويفهمها العامة قبل الخاصة صافية من الشوائب توافق الفطرة السوية البشرية وتتفق مع النزعة الأصلية الفطرية الآدمية فتقنع العقل تماما فيطمئن إليها القلب تصديقا وترتاح إليها النفس البشرية فتهدأ[(23)] .

مَبْعَثُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا-
واختلفَ السَّلَفُ في سنِّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- حين نُبئ كم كانت ؟ .

فقال بعضهم: نُبئَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما بنتْ قريش الكعبة بخمس سنين، وبعد ما تمت له من مولده أربعون سنة. [(24)] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا[(25)] بجنة عرضها السموات والأرض اعدت للمتقين المؤمنين... وهاديا للطائعين الذين يبحثون عن العقيدة الصحيحة... ونذيرا للعاصين والمنافقين والكافرين الذين يخالفون أمره ويعارضون ما ثبت عقلا ونقلا.
وابن القيم يوافق ابن إسحاق فيقول:" فِي مَبْعَثِهِ[(26)] -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :" بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ[(27)] وَهِيَ سِنُّ الْكَمَالِ (!).
بيد أنه تم اعتماد هذه السن دون تأكيد لمصدرها فــ قِيلَ : وَلَهَا تُبْعَثُ الرُّسُلُ[(28)] .

قول العلماء :
لكن أثبت محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه[(29)] :" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : « أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ ابْنُ „أَرْبَعِينَ”» ...
فـ التقط خيط الصحة للحديث وأحسن لضمه فقال العسقلاني في شرحه على البخاري :" وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ".[(30)] .
ثم ذكر :" فِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثُ أَنَسٍ بن مالك «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ عَلَى رَأْسِ „أَرْبَعِينَ”» ؛ كما ذكر الترمذي[(31)] .
حديث البخاري عن ابن عباس:" في سننه :" عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أنَسًا يَقُولُ ﴿... بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ „أَرْبَعِينَ” سَنَةً ﴾...
وقال أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ؛ ورواه مسلم في صحيحه ؛ باب المناقب فنصه :" بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً "[(32)] .
فهذا ما قال به عبدالله بن عباس ؛ وأنس بن مالك وعُروة بن الزُّبَير.

وهناك عند الطبري يوجد حديث موضوع أعرضتُ عنه فلم اذكره. [(34)] .
وشرحَ صاحب الأحوذي في :" ( بَابِ مَا جَاءَ فِي مَبْعَثِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَابْنُ كَمْ كَانَ حِينَ بُعِثَ )... ففصَّل فقال:" الْمَبْعَثُ : مِنَ الْبَعْثِ ، وَأَصْلُهُ الْإِثَارَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى التَّوْجِيهِ فِي أَمْرٍ مَا رِسَالَةً ، أَوْ حَاجَةً "...
ثم يأتي بمثالٍ فيقول :" وَمِنْهُ بَعَثْتُ الْبَعِيرَ إِذَا أَثَرْتُهُ مِنْ مَكَانِهِ " ؛ ويكمل بمثال ثان:" وَبَعَثْتُ الْعَسْكَرَ إِذَا وَجَّهْتُهُمْ لِلْقِتَالِ " ، ويزيد المسألة وضوحاً وتبياناً فيقول :" وَبَعَثْتُ النَّائِمَ مِنْ نَوْمِهِ إِذَا أَيْقَظْتُهُ " ، ويختم صاحب الأحوذي مقالته :" وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِرْسَالُ ".[(35)] .
ثم يؤكد صاحب الأحوذي وينهي البحث ؛ فيقول:" وَقَدْ أَطْبَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ حِيْنَ بُعِثَ ابْنَ „أَرْبَعِينَ” سَنَةً" .
ويوضح قَوْلَهُ : ( أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ) أَيِ : الْوَحْيُ ؛ ( وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ ) أَيْ : سَنَةً ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ وَحْيِ الْيَقَظَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ [(36)].
وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقَامَ بِمَكَّةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا -يعني صاحب الأحوذي- أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ[(37)] ...
ولإكمال البحث مع التحقيق والتدقيق...
قَالَ آخَرُونَ: بَلْ نُبِّئَ حِينَ نُبِّئَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. [(38)]
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بُعِثَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً .
وَالصَّوَابُ أَرْبَعُونَ سَنَة كَمَا سَبَقَ ، وهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ؛ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ[(39)] .
وأنهي -بعد تفضله سبحانه وتعالى عليَّ وكرمه- هذا الفصل من المجلد الرابع بما ذهب إليه العسقلاني حين يقول في الفتح :" فَعَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَكُونُ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ابْنَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ ".[(40)]
ويوجد استدرك عند ابن القيم الجوزية لهذا السن مقارنة بالسيد المسيح ابن مريم العذراء الزهراء البتول فيقول:" وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ[(41)] سَنَةً فَهَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ أَثَرٌ مُتَّصِلٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . "...
فتوقفتُ عن البحث إذ ليس وراء التحديد فائدة شرعية ترتجى!..
تنبيه :
تتداول بعض العامة -جهلاً- مقولة أن المرء يفعل ما يشاء إلى أن يصل إلى سن الأربعين... ثم بعدها يتوب ويقلع عن ما اقترفه ؛ وهذه لا أصل لها معلوم في دين أو رأي ينسب إلى عالِم راسخ في العلم؛ فسن التكليف هو سن بلوغ الذكر مبلغ الرجال ؛ وسن التكليف للإناث إذا وصلن إلى مبلغ النساء. والإعتماد على قوله تعالى حين نطق القرآن الكريم بالقول :" {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} وَ" الشاهد :{ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً}..{ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين} [(42)] لا دليل عليه .
كَانَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ -صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليهم أجمعين- بِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ ، وَالنَّصْرِ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ[(43)] .
يَقُولُ اللَّهُ -تَعَالَى- لِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ [ أَيْ ثِقَلَ مَا حَمَّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي ] ... ﴿ قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾[(44)] ... فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ ، وَالنَّصْرِ لَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ[(45)]

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى ".
مقدمة الرسالة[(46)] المحمدية البعثة الأحمدية[(47)].
تشرف بمراجعة وقراءة وكتابة هذا الفصل من المجلد الرابع :
د. مُحَمَّدٌ الرَّمَادِيُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش: تنشر في نهاية البحوث؛ بإذنه سبحانه وتعالى

أعلى الصفحة
فهرس

[ ٤ ] مقدمة المجلد الرابع 《..زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ..》صلى الله عليه وآله وسلم

لا يوجدُ أدنىٰ شك أو لحيظة ارتياب في أن أوان مبعث نبي آخر الزمان كان قد أوشك علىٰ الظهور؛ وقد أزف وقت مجئ الرسالة الخالدة لآخر المرسلين؛ وستهبط شريعة الخالق الواجد المبدع المصور الرازق الكاملة فقد وجبت أن تنزل من السماء بلا ريب للتقييد بالتنفيذ والتطبيق؛ وصار منهاج متمم المبتعثين يلزم البشر أجمعين أن يتقيدوا به؛ فجاءت الأدلة القطعية الثبوت؛ القطعية الدلالة من نصوص وحي السماء سواء العهد العتيق؛ أو العهد الجديد؛ والعهد الحديث تثبت هذا، وتخبر كل الأتباع بالأدلة العقلية والنقلية فتؤكد على هذا؛ كما تضافرت :
١ . ] إخْبَارُ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ، فَقد أَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنْ الْجِنِّ فِيمَا تَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ، إذْ كَانَتْ وَهِيَ لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ. وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا ذِكْرُ بَعْضِ أُمُورِهِ، لَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذكره وتقدس سره، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ، فَعَرَفُوهَا[(1)].
١ . ١ . ] قَذْفُ الْجِنِّ بِالشُّهُبِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ عَلَى مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
فَلَمَّا تَقَارَبَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضَرَ مَبْعَثُهُ، حُجِبَتْ الشَّيَاطِينُ عَنْ السَّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بِالنُّجُومِ، فَعَرَفَتْ الْجِنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْنَ بَعَثَهُ، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَيْهِ خَبَرَ الْجِنِّ إذْ حُجِبُوا عَنْ السَّمْعِ، فَعَرَفُوا مَا عَرَفُوا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حَيْنَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: { قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا }... إلَى قَوْلِهِ : { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا }[(2)].
فَلَمَّا سَمِعَتْ الْجِنُّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُشْكِلَ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْتَبِسُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الْحُجَّةِ، وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، ثُمَّ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ { قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } الْآيَةَ .
١ . ٢ . ] وتوجد رواية عن ابن هشام في السيرة النبوية تقول :" قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :" ... قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ... نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الْأَوْثَانَ، حَتَّى أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ[(3)] .هذه شهادة صدق...
١ . ٣ . ] وأما الرواية الثانية فنجدها في حديث ابن عم رسول الله[(4)] مع ملك الحبشة[(5)] وقت هجرته إليها روته أُمُّ سَلَمَةَ[(6)] بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَتْ: قَالَ " جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ[(7)]- عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : أَيُّهَا الْمَلِكُ[(8)] ، كُنَّا قَوْمًا : [ وأخذت أمنا؛ أم المؤمنين أم سلمة تعدد ما قاله سيدنا جعفر... فقال: كُنَّا قَوْمًا :
1. ] أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ
2. ] نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَ
3. ] نَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَ
4. ] نَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَ
5. ] نَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَ
6. ] نُسِيءُ الْجِوَارَ ، وَ
7. ] يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ...
فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى :
1. ] اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِـ
2. ] نُوَحِّدَهُ، وَ
3. ] نَعْبُدَهُ، وَ
4. ] نَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِـ
1. ] صِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَ
2. ] أَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَ
3. ] صِلَةِ الرَّحِمِ ، وَ
4. ] حُسْنِ الْجِوَارِ وَ
5. ] الْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنِ :
1. ] الْفَوَاحِشِ ، وَ
2. ] شَهَادَةِ الزُّورِ ، وَ
3. ] أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَ
4. ] قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ : نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ[(9)]. – قَالَتْ [أم سلمة] : فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحِلَّ لَنَا، فَغَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا؛ لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ[(10)]
وهذه أروع شهادة صدق من جعفر بن أبي طالب أمام ملك الحبشة اصحمة النجاشي وقت الهجرة الأولى إليها وأمام أثنين من وفد قريش للوشاية بالمسلمين..

وَ تضافرت روايات :
٢ . ] الْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ وَ
٣ . ] الرُّهْبَانِ مِنْ النَّصَارَى[(11)] بـ مُعْرِفَةِ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فـقَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لَمَّا تَقَارَبَ مِنْ زَمَانِهِ.
أَمَّا الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، فَعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ.
وهذه أدلة قد تعرضت لها في بحوث المجلد الأول؛ وأذكر القارئــ(ــ)ــة الكريمــ(ــ)ــة بما جاء :
*.] عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ» : كنتُ „ أَوَّلَ ‟ الأنبياء خلقا و „ آخِرَهم ‟ بعثا[(12)].
**. ] وجاء في مسند الإمام أحمد؛ مسند الشاميين، حديث عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ " مكتوبٌ " لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ؛ وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ [أمري] دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ؛ وَبِشَارَةُ عِيسَىٰ بِي؛ وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ "حين وضعَتني" وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ تَرَيْنَ ».
ولنا أن نسمع القول الصريح في سورة الصف؛ إذ نطق القرآن الكريم بالقول : ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين ﴾[(13)].
وعَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ ». فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ :« إِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ »[(14)].
وتحدثتُ من قبل عن :" بَدْءِ الْوَحْيِ„" مَبْعَثُهُ " ‟ [صلى الله عليه وآله وسلم] وجرى الحديث عن " الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ "... " الحَسَنَةِ ".
ثم كان الحديث عن :" مرحلة النبوة؛ وتحدثتُ عن إرهاصات نبوة محمد بن عبدالله عند أهل الكتاب وكهان العرب عندما قارب زمن بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.. بيد أنني فضلت وضعها ضمن ملاحق بحوث السيرة. وفي بحوث سابقة تحدثت عن إرهاصات النبوة قبيل البعثة فالرجاء مراجعة ما سبق وكتبته.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا : إِنَّ مِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَدَاهُ لَنَا - أَنْ كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رَجُلٍ مَنْ يَهُودَ، وَكُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ؛ وكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا : إِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ فَكُّنَا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[(15)] .
وَقَالَ وَرْقَاءُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ : اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ أَيْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ][(16)].
ثُمَّ
رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ بِخَيْبَرَ تُقَاتِلُ غَطَفَانَ فَكُلَّمَا الْتَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ فَعَاذَتِ الْيَهُودُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فَقَالُوا : اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنَّ تُخْرِجَهُ لَنَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ .
قَالَ : فَكَانُوا إِذَا الْتَقَوْا دَعَوْا بِهَذَا الدُّعَاءِ فَهَزَمُوا غَطَفَانَ فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرُوا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾الْآيَةَ[(17)] . وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ- وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ- قَالَ كَانَ لَنَا جَارٌ مَنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ قَالَ : فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا عَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي فَذَكَرَ الْقِيَامَةَ[(18)] وَالْبَعْثَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، قَالَ : فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَالُوا لَهُ : وَيْحَكَ يَا فُلَانُ أَوَتَرَى هَذَا كَائِنًا أَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، وَيَوَدُّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي الدَّارِ يَحْمُونَهُ ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ فَيُطَيِّنُونَهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا قَالُوا لَهُ : وَيْحَكَ يَا فُلَانُ فَمَا آيَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَحْوِ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ قَالُوا : وَمَتَى تُرَاهُ ؟ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ : إِنْ يَسْتَنْفِدَ هَذَا الْغُلَامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا، وَحَسَدًا قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَيْحَكَ يَا فُلَانُ أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ ؟ قَالَ : بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ بِهِ. [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ]. [(19)]
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ إِلَّا يَهُودِيٌّ وَاحِدٌ يُقَالَ لَهُ : يُوشَعُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : - وَإِنِّي لَغُلَامٌ فِي إِزَارٍ - قَدْ أَظَلَّكُمْ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْبَيْتِ- ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ- فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ. فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمْنَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي إِخْبَارِ يُوشَعَ هَذَا عَنْ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ وَنَعْتِهِ، وَإِخْبَارِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا عَنْ ظُهُورِ كَوْكَبِ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ قَالَ لِي : هَلْ تَدْرِي عَمَّ كَانَ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، نَفَرٍ مِنْ بَنِي هَدْلٍ إِخْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، ثُمَّ كَانُوا سَادَتَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : لَا . قَالَ : فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ يُقَالَ لَهُ : ابْنُ الْهَيِّبَانِ قَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ فَحَلَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ فَأَقَامَ عِنْدَنَا فَكُنَّا إِذَا قَحَطَ عَنَّا الْمَطَرُ قُلْنَا لَهُ : اخْرُجْ يَا ابْنَ الْهَيِّبَانِ فَاسْتَسْقِ لَنَا. فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مَخْرِجِكُمْ صَدَقَةً فَنَقُولُ[(20)] لَهُ : كَمْ ؟ فَيَقُولُ : صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ قَالَ : فَنُخْرِجُهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ بِنَا إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا فَيَسْتَسْقِي لَنَا فَوَاللَّهِ مَا يَبْرَحُ مَجْلِسَهُ حَتَّى يَمُرَّ السَّحَابُ، وَنُسْقَى قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ، قَالَ : ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عِنْدَنَا فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ قَالَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْبُؤْسِ وَالْجُوعِ ؟ قَالَ : قُلْنَا : أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ : فَإِنِّي إِنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَتَوَكَّفُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ فَأَتَّبِعَهُ وَقَدْ أَظَلَّكُمْ زَمَانُهُ فَلَا تُسْبَقْنَ إِلَيْهِ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَسَبْيِ الذَّرَارِيِّ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ - وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا - : يَا بَنِي قُرَيْظَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الْهَيِّبَانِ قَالُوا : لَيْسَ بِهِ قَالُوا : بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ بِصِفَتِهِ فَنَزَلُوا فَأَسْلَمُوا فَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا عَنْ أَخْبَارِ يَهُودَ[(21)]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نال شرف قراءة النصوص ومراجعة المصادر وكتابة مقدمة المجلد الرابع من السيرة المحمدية العطرة :
د. محمد الرمادي
5 رجب 1440 هـ ~ 12 مارس 2019م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش تجدها في نهاية البحوث.

أعلى الصفحة
فهرس

 [ ٧ . ] العصر الجاهلي ... 《 الجانب الإخلاقي ..》
بحث عن العرب في جاهليتهم !

* . ] لعل هذا الجانب الأخلاقي من حياة الناس في العصر الجاهلي قبل بزوغ نور الإسلام وإضاءة الدنيا بشمس الهَدي القرآني الكريم وسطوع أنوار السراج المنير المحمدي ... إذ هو خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين ... الذي -صلى الله عليه وآله وسلم- يحمل آخر رسالة تشريعية منهاجية تعبدية أخلاقية علوية إلهية ربانية للبشرية ... فرسالته طراز خاص من العيش وطريقة معينة في الحياة وكيفية فريدة في معالجات مسائل وقضايا وحاجات ومتطلبات الإنسان .. أينما وجد وفي أي زمان كان... حتى يرث الله تعالى الأرض ومن وما عليها .
اقول : هذا الجانب من جوانب الحياة الإجتماعية من اعقد بحوث حياة الإنسان في تاريخه القديم والحديث.. لما يحمل مِن المتناقضات والمتعارضات والمختلفات في كيان فرد أو تجمع أو قبيلة أو عشيرة أو دولة ... وما تمليه النفس الإنسانية لحظة الإشباع على المرء من رغبات وميول ونزعات وشهوات تتفق -أحيانا- مع صفته الآدمية النقية الصافية الراقية العلية ... أو تهبط به كثيراً من خلال وساوس الشيطان الإنسي أو الآخر الرجيم الملعون ... تهبط به إلى دركات بهيمية ومنزلقات غير إنسانية ... ويستغرب المرء أن يتم تشريع فساد خُلقي وإنحلال أخلاقي من خلال برلمان أو نظام أو قانون.
* . ] العرب في الغرب :
تظهر صورة العرب -النمطية- في الإعلام الغربي ... ويضاف بجوارها تصوّر في الذهن الجمعي عند مَن يسكن القارة الأوروبية أو الأمريكتين أو كندا عن المسلم ... تظهرا -الصورة والتصور- العربي/المسلم بألوان قاتمة السّواد ، تجلّلها مزاعم الإرهاب والتّخلف والرّجعيّة والجهل والسذاجة ، والحقيقة المُرة وأنّه على الرّغم من أنّ العرب تأخّروا عن ركب الحضارة وتخلفوا عن التّطور والتقدم العلمي حينما أصبحوا تبعًا للغرب يسيرون خلف ركابه في التّكنولوجيا والحداثة ، إلاّ - أنه من نافلة القول ؛ ويحلو عند البعض التغني بأمجاد الأجداد والتباهي بما كان عليه مَن سبقنا دون النظر إلى حاله اليوم أو محاولة تغييره- أنّ الفضل يعود إليهم ... وخاصّة في عصور النّهضة حينما كان الغرب يحرص على تعلّم لغتهم حتّى ينهل من علمهم ومعارفهم ، وما العلماء المسلمون الذي تميّزوا في كلّ ميادين العلم قديمًا إلاّ مثالاً على هذا التّطور وتلك النّهضة العلميّة والثّقافيّة [(83)] ...
واليوم -العام الدراسي 2019م~1440هـ- تُدخل وزارة التعليم للمملكة العربية السعودية اللغة الصينية مع أنها تحمل أكثر من ٠٠٠ ,٢٠ رمز ... وليس لها ابجدية... تدخلها في برنامج تعلم اللغات الأجنبية باعتبارها لغة الاقتصاد العالمي... ولغة المستقبل...!!!.
أعود لابحث 《 الجانب الإخلاقي ..》 عند العرب في جاهليتهم!..
* . ] العرب قبل الإسلام:
يُطلَق وصف العرب على الأشخاص الذين يتحدّثونَ باللغة العربيّة -الفصحى؛ وليس اللهجة العامية لكل منطقة أو الدارجة لكل مقاطعة- باعتبارها لغتهم الأمّ ، وقد بَيَّن باحثو التاريخ أنّ العرب ذوو أَصْلٍ ساميّ ؛ فهم ينحدرون من نَسْل سام بن نوح ، ويقطنونَ منطقة شبه الجزيرة العربيّة ...
* . ] العرب في الجاهليّة:
هم أولئك الذين عاشوا في الفترة التي سَبَقت ظهور الإسلام ، كما أنّ لفظة الجاهليّة تعني لغةً: ضدّ العِلم، والجاهليّة كمصطلح تعني: الفترة التي كانَ فيها العرب يجهلونَ وجودَ الله ، ورسوله ، وشرائع الدِّين ؛ إذ كانوا يعكفونَ على عبادة الأصنام ... وأدق تعبير يمكنني أن استحضره كمثال ما قاله :"... جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ للنجاشي؛ ملك الحبشة ، فَقَالَ لَهُ : أَيُّهَا الْمَلِكُ ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنَّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ ، وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ ، فَصَدَّقْنَاهُ ، وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ ، وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا ، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا ، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا ، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا ، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ . . " [(84)]
وقال آخرون : إنّ اسم الجاهليّة يعني: حالة من التباهي بالأحساب ، والمُفاخَرة بالأنساب ...
أمّا في القرآن الكريم فتعني لفظة الجاهليّة: الحِميّة، والطَّيْش، والغضب، كما تشير أيضاً إلى أفعال العرب في تلك الفترة[(85)].
وَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى هِيَ الْقَدِيمَةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْجَاهِلِيَّةُ الْجَهْلَاءُ ، وَهِيَ الزَّمَنُ الَّذِي وُلِدَ فيهِ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- : كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْبَسُ الدِّرْعَ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَمَشِي وَسَطَ الطَّرِيقِ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَى الرِّجَالِ ، وَقِيلَ : مَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ. وَقِيلَ : بَيْنَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ. وَقِيلَ : زَمَنُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ، وَالْجَاهِلِيَّةُ الْأُخْرَى : مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى : جَاهِلِيَّةُ الْكُفْرِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ . وَالْجَاهِلِيَّةُ الْأُخْرَى جَاهِلِيَّةُ الْفُسُوقِ وَالْفُجُورِ في الْإِسْلَامِ ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى في تأويل الآية :" .. وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ". : أي وَلَا تُحْدِثْنَ بِالتَّبَرُّجِ جَاهِلِيَّةً في الْإِسْلَامِ تَتَشَبَّهْنَ بِهَا بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْكُفْرِ . وَيُعَضِّدُهُ مَا رُوِيَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : "إِنَّ فيكَ جَاهِلِيَّةً " ؛ قَالَ : جَاهِلِيَّةُ كُفْرٍ أَمْ إِسْلَامٍ ؟ فَقَالَ : "بَلْ جَاهِلِيَّةُ كُفْرٍ " .[(86)].
من المفيد من باب المقارنة أن نلقي نظرة سريعة على :
* . ] الجانب الأخلاقي: في العالم قبل الإسلام: [(87)].
كان العالم قبل الإسلام بَعيدًا عن القِيم والأخلاق التي تحكم سلوك النّاس ومعاملاتهم، فقد استحوذ الشّيطان على نفوس النّاس... والهوي على قلوبهم... فأضلّهم الأول عن شريعة الله... والثاني عن أخلاقيّات الدّين ومنهاجه ؛ فشاعت فيهم مساوئ الأخلاق ومسترذلات المنكرات كالزّنا والبغي والسّرقة والعدوان والرّبا وشرب الخمر وغير ذلك الكثير. [(88)]... وهذا بصفة عامة... أما
* . ] حال العرب قبل الإسلام من ناحية الأخلاق[(89)]:
صفات العرب في الجاهليّة[(90)].. ممّا لا شكّ فيه أنّ العرب كان لهم صفاتهم وخصائصهم الإجتماعيّة والأخلاقيّة عبر التّاريخ التي تميّزوا بها بين الحضارات وبقية الأمم[(91)]:
أخلاق العربي في الجاهلية[(92)]:
لا شك في أنّ العربي في الجاهليّة عُرف بالعديد من الأخلاق التي ميّزته عن غيره ، وبالرغم من أن بعض هذه الصفات هي من الصفات الدنيئة وبعضها من الرذائل التي ينكرها عقل الإنسان السليم ، فقد انتشر بين العرب في الجاهلية المنكرات والبغي وشتّى صنوف المعاصي والآثام ، فكانت للزّانيات دورٌ لها وتعلق راياتٍ يعرفون بها ، كما شرب العرب الخمر وتغنّوا بها ، ولكنه تميز بالعديد من المزايا والأخلاق الفاضلة، ومن أهم هذه الأخلاق[(93)] والتي صارت من :
* . ] عادات العرب قبل الإسلام[(94)] :
امتلكَ العرب قبل الإسلام مجموعة من العادات والتقاليد السلبيّة التي حرص الإسلام على إلغائها ، واستبدالها بالعادات الحسنة والنافعة[(95)] ، فمن أهمّ هذه التقاليد والعادات[(96)]:
* . ] الغزو والثأر:
وهيَ عادةٌ كانت تُؤدّي إلى حروبٍ تستمرُّ لسنواتٍ طويلةٍ بين القبائلِ والعائلاتِ البدويّة ، وكانت أسباب الحروب تتمثّل أساساً بصعوبة الحياة في الصحراء ؛ فقد كانَوا يقتتلون لأبسط الأسباب ، كالخلاف على المراعي ؛ وذلك بسبب الجوع ، وشُحّ الامطار في المنطقة[(97)].
* . ] التعصُّب:
إذ كانَ العربيّ يفتخر بانتمائه إلى قبيلته ، فيمدحها ، ويدافع عنها ، حيث كانوا مُتفرِّقين ، لا تجمعهم سُلطة عُليا مُحدَّدة ، إذ كانت القبيلة هيَ الحاكمة لكلِّ فئة من الناس؛ ممّا وَلَّد لديهم التعصُّب، والهمجيّة[(98)].
* . ] شُرب الخمر ... ولعب المَيسِر:
بالغَ العرب قبلَ الإسلامِ في شُربِ الخمرِ حتى اتَّخذوا لهم ساقياً ، كما كانوا يمارسون لعب المَيسِرَ ، وما يتبعه من شرور ، وقد أنكرَ بعض العرب عادة شُرب الخمرِ ؛ لما يُحدِثه من ذهابٍ للعقلِ ، وخَدْشٍ للمروءة[(99)].
وعلى الرّغم من تلك الصّفات الذّميمة ، إلاّ أنّ العرب كانت لهم بعض الخصال الحسنة مثل النّخوة والجود والكرم.
تميَّز العرب منذ زمنٍ طويلٍ بمجموعةٍ من العادات والتقاليد ، التي تُشكل الموروث العربي الأصيل ، والمتمثل بالقيم والمبادئ السامية ، التي كانت تتجلى في حياة العرب ، وخلال تعاملهم مع الآخرين ، ورغم أنّ هناك بعض العادات المُشينة ، التي بددها ظهور الإسلام في شبه جزيرتهم العربية قبل آلاف السنين ، بيد أن هناك بعض الشيم والعادات المُشرفة التي عزّزها الإسلام لدى العربي ، ومن هذه الصفات تلك المتعلقة بالرجال العرب ...
صِفات العرب قَبْل الإسلام[(100)] :
اتَّصفَ العرب قَبل مجيء الإسلام بمجموعةٍ من الصِّفاتِ الحسنةِ، منها: [(101)]
صفات الرجال عند العرب[(102)]
* . ] الفَخْر:
وذلك نظراً لوقوعِ المسجدِ الحرامِ في شبة جزيرتهم... جزيرةِ العربِ ، حيث كانوا يَعتزّونَ بأنفسهم ، ويفتخرون بذلك ، حتى وصل بهم الأمر إلى أن يتكبَّروا به على الناسِ[(103)]
*. ] الشّهامة والنّخوة[(104)]:
فالعربي يتحلّى بصفات الشّهامة والنّخوة التي تأبى عليه إلاّ نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف[(105)] ... فتمثلت هاتان الصفتان بنجدة الملهوف ، وإغاثة المنكوب ، وإعانة المحتاج ، فمن استجار بالرجل العربي لم يمسه ظلم ، ولم يقربه أذى ، كما أنّ الرجل العربي لا يقبل أنّ يرى محتاجاً لمالٍ ، أو طعامٍ ، أو كساءٍ ، ويقف مكتوف الأيدي دون مدّ يد المساعدة.
* . ] الكرم والجود[(106)] :
وهما من الصفات المُتأصِّلة في العرب قَبل الإسلام ، من عادات العرب الأصيلة إكرام الضيف ؛ باستقباله حسن استقبال ، والترحيب به بأجمل الكلام والودّ ، بالإضافة إلى عمل ولائم الطعام التي تليق بالضيف ، وتُعبّر عن كرم المُستقبِل له ، وقد كانوا يُوقِدونَ النار في الليل ؛ حتى يستدلَّ المسافرونَ على بيوتهم ، علماً بأنّهم كانَوا يطلقون عليها اسم «نار الضيافة» ، ومن أشهر الشخصيّات العربيّة التي ارتبطَ اسمها بالكرم حاتم الطائيّ. [(107)] ، فلاشتهار العرب قديمًا بالكرم والسّخاء رويت في ذلك القصص والحكايات الكثيرة ، فقد كان حاتم الطائي أحد من تميّزوا بالكرم والسّخاء الشّديد قديماً ، وممّا يروى عنه أنّه كان إذا أتاه عبده بضيفٍ من الأضياف أعتقه مكافأةً له على ذلك ، كما أنّه ذبح يومًا خيله النّفيسة وقدّمها طعامًا لضيوفه حينما لم يجد ما يضيّفهم به ، ومن الشّخصيات التي اشتهرت بالكرم أيضًا من العرب عقبة ابن أبي معيط الذي يعتبر أحد وجهاء قريش وألدّ أعداء الدّعوة الإسلاميّة ؛ حيث كان يولم لكبراء قريش في كلّ مرّة يرجع فيها من أسفاره . [(108)] وقد عُرف عن العرب قديماً عدم سؤالهم عن حاجة الضيف إلا بعد مرور ثلاثة أيام ... فالكرم[(109)]:‏ إذاً من الصفات التي كان العربي يتباهى بها بل ويتبارز أيضاً ، كما أن العديد من الأشعار العربية كانت تحكي عن الكرم التي تميز به العربي[(110)]‏.
* . ] العِزّة:
فقد كانَ العرب قبلَ الإسلام يرفضونَ العيش بذلّ ، ويعتزّون بحرّيتهم، ويرفضون الظُّلمَ[(111)].
* . ] العِفّة:
على الرغم من اتِّصاف جزءٍ من العرب بعدم اهتمامهم بالعِفّة ، وانشغالهم بالشُّرب ، ولعب المَيسِر ، إلّا أنّ فريقاً من العربِ كانوا أشدّ غيرةً على النساءِ من غيرهم من الشعوب ، وكانوا يحافظونَ على عِرْضهم ، وشَرَفهم ، حتى وصلت فيهم الغيرة إلى وَأْد البنات ؛ حتى لا يلحق بهم العار ، أمّا المرأة ، فقد كانت تحافظ على نفسها ، كما كانت تتَّصف بعِزّة النفس[(112)].
* . ] الفطنة ورجاحة العقل:
كان العربي يستبصر صفات الناس ومقاصدهم ، من الشكل الخارجي ، وطريقة الكلام والتصرف ، وكان قادراً على الحكم بالعدل بين الناس ، وتوظيف الحكمة بالقضاء العشائري.
* . ] طلاقة اللسان فصاحته... ومِن ثم الخطابة[(113)]:
فهذه من الصّفات التي ميّزت العرب بلا شك حتّى اشتهروا بالفصاحة والبيان شهرةً بلغت الآفاق ، وقد كانوا يجتمعون في أسواق ومجالس أدبيّة يتبادلون فيها القصائد والشّعر والخطابة ويتنافسون على ذلك ، وما المعلّقات السّبع [والمذهبيات] التي كانت تعلّق على أستار الكعبة إلاّ مثالًا على هذه الصّفة المتأصّلة فيهم[(114)] ، فكان الرجل العربي مفوّهاً ، طليق اللسان ، بليغ الكلمة ، وفصيح المعنى ؛ فإذا ما تحدث أصاب ، وإذا ما صمت كان ذلكٍ لحكمةٍ حقيقية ، وكان فرسان القوم من العرب شعراء يُجيدون النظم والتصور ، وكثيراً ما كانت تُقام التعاليل من أجل الاستماع لشاعر القبيلة وفارسها .
* . ] العفو عن المُخطئ:
رغم قدرة العرب على معاقبة المُخطئ ، فقد كان العفو سيّد الموقف ، في حين اشتهرت بلاد العرب بعادة الدخيل الذي يقصد شيخاً أو وجيهاً من وجوه العشيرة ؛ ليحتمي به من شر ما فعل ، أو شرّ ما تم اتهامه به ، وعليه كان يحصل على العفو في أغلب المرات ، بسبب كفالته من أحد الأطراف ، وعفو الطرف الآخر عنه.
* . ] الصّدق[(115)]:
فالعربي الأصيل ... وحتّى قبل الجاهليّة كان يحرص على الصّدق حتّى لا يقال بين العرب أنّه كاذب ، فلقد اجتمع «أبو سفيان» وقت كان كافراً وقبيل إسلامه -يومًا- بـ «هرقل» عظيم الرّوم فسأله بعض الأسئلة عن الرّسول عليه الصّلاة والسلّام فصدقه القول ولم يكذب في ذلك على الرّغم من عدواته للإسلام حتّى لا يؤثر عنه الكذب بين العرب[(116)]... فتميَّز العرب قبلَ الإسلام بالصدق ، ونفورهم من الكذب ، وقد كانت هذه إحدى أهمّ الصفات التي تميَّز بها الرسول الأعظم -عليه الصلاة والسلام-، وصاحبه «أبا بكر» الصديق[(117)].
* . ] تجنب الغدر أو الخيانة:
من صفات العربي الأصيل أنّه لا يغدر حتى بعدوّه ، ولا يلجأ للخديعة ، بل يواجه الطرف الآخر بكلّ بسالة ، وإذا ما ناله ظلم وسُلب منه حق ، وما كان بالمقدور تحصيله باليد ، راعى أصول ذلك بالتشكي لدى رأس القبيلة ، أو قاضياً من قضاة البادية المعروفين بنزاهتهم وإنصافهم للمظلوم.
* . ] الفروسيّة والشّجاعة[(118)]:
فقد اتّسم العرب بصفات البطولة والشّجاعة حتّى إنّهم كانوا يعيبون على بعضهم الفرار من المعارك ويعتبرونها سُبَّة وبالتالي سبتة على المرء لا تزول بزوال الأيّام ، وقد كان الرّجل منهم يتمنّى الموت في خضم المعارك وفي ساحات الوغى حيث مظنّة التحام الصّفوف وضرب الأسنة والرّماح[(119)] ... فـكانت الشجاعة صِفة غريزيّة في كلّ عربيّ ، إذ كانَ العربيّ يمتلك قوّةً تدفعُه إلى القتالِ دون خوف ، ونصرة المظلومِ دونَ تردُّد، وقد ساعدَت ظروف حياتهم البدويّة على التأهُّب لأيّ خطرٍ قد يصيبهم ، فلمّا جاءَ الإسلام ، قوَّم هذه الصِّفة ؛ فأمرَ بكَفّ الأيدي عن الاعتداء على الآخرينَ دونَ وجودِ سببٍ للقتال[(120)].
* . ] عزة النفس والإباء وعدم قبول الضيم[(121)]:‏
وهذه الصفات نتيجة لفرط شجاعة العربي ، ولشدة غيرته ، وسرعة انفعاله[(122)].
* . ] تحدي المخاطر:
فها هو «الزير سالم» قد أرسلته الجليلة ، زوجة أخيه «كُليب وائل التغلبي»، إلى وادي السباع ، لإحضار حليب إناثها ، سعياً منها للتخلّص من الزير للأبد ، لكنه خيّب ظنها وعاد بالفعل ، مُحضراً حليب السباع ، بمساعدة أخيه «همام» وصديقه «امرؤ القيس».
* . ] صفات أخرى:
* . ] الذود عن الحمى:
حيثُ لا يقوى على غزو عشيرته أحد ، وإن حصل بالفعل لقي المُعتدين ردّاً قاسياً ، تحكي فيه القبائل ، وتتباهى فيه ألسن الشعراء.
* . ] حُسن الجِوار: كانَ العرب يُؤدّونَ حقّ الجار كجزءٍ من خِصالهم النبيلة التي كانوا يحرصونَ عليها، فكانوا يُقدِّمون الحماية ، والإغاثة لجيرانهم ، ويَعدّونه جزءاً من شَرَفهم[(123)].
* . ] الصَّبر:
تُعَدّ الظروف المعيشيّة للعرب في شبه الجزيرة العربيّة ظروفاً قاسيةً، وهذا ما وَلَّد فيهم قوّةً وصَبْراً على تحمُّلِ مختلفِ المصاعبِ التي قد يواجهونها، كالجوع، والسفرِ الطويل، وغيرها[(124)].
* . ] المضي في العزائم[(125)].
* . ] الحلم، والأناة، والتؤدة[(126)].
* . ] الصدق البدوي ، وعدم التلوث بملوثات الحضارة ومكائدها‏، فقد عُرف العربي بصدقه ونقائه[(127)]
* . ] الوفاء:
وهو عكس الغَدْر ، والكذب، حيث كانَ العرب يُحافظونَ على عهودهم، ويُثنونَ على الوفيّ، ويُشهِرونه، ويرفضون الغدر، وخيانة الوعود[(128)].
* . ] الوفاء بالعهود[(129)]:
عُرف العربي بوفائه بالعهود مهما كانت ، فقد كان العهد مثل الدين الذي يتمسكون به ، وهنالك العديد من القصص الشهيرة التي تناقلتها المصادر التاريخية[(130)]. فـ إذا ما قطع على نفسه عهداً التزم به ، وكان أعزّ عليه أنّ يُجزّ رأسه عوضاً عن عدم وفائه بها.
-*-*-*
* . ] أحوالھم الخُلقیة:
كان فیھم -العرب- من الدنايا والرذائل ما ينكره العقل السلیم ، لكنھم حافظوا على جملة من الأخلاق تمیزوا بھا عن سائر الأمم حینئذ والشعوب ، كالوفاء بالعھد وعزة النفس ومضاء العزيمة وإباء الضیم والنخوة والمروءة والشجاعة والكرم ، وحميد الصفات التي شاع الفخر بھا في أشعارھم.
والمتأمل لحالة العرب قبل الإسلام ، وحالة الأمم الأخرى من غیرھم يمكن أن يستنتج بعض الحكم التي كانت سببا في تشريفھم بحمل عبء الرسالة العامة ، وقیادة الأمة الإنسانیة والمجتمع البشري إلى أعظم الرشد وأبین الھدى.
- فمن حكمة اختیار العرب لھذه المھمة أنھم أقل الأمم حینئذ حضارة وأبعدھم عن المدنیة ، فھم قوم أمیون كما وصفھم الله: { ھُوَ الَّذِي بعَثَ فِي الْأُمِّیِّینَ رَسُولاً مِنْھُم } [(131)].
إذ لو كانوا متحضرين كأھل المدنیات المجاورة من فرس وروم ويونان لربما قال قائل :« أنه انفعال حضاري وارتقاء مدني» ، بل شاء الله أيضاً ان يكون رسول ھذه الأمة أمیاً كذلك تأكیداً لذات المعنى { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِیَمِینِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ }[(132)].
لقد شاء الله أن تكون معجزة النبوة والشريعة واضحة في الأذھان لا لبس فیھا.
- ومن حكمة اختیار العرب لمھمة قیادة البشرية حفاظھم على الأخلاق التي لم تعرف لغیرھم على ھذا النحو ، خصوصاً : الوفاء بالعھد، وعزة النفس، ومضاء العزم، إذ لا يمكن لأي أمة بدون ھذه الصفات أن تحمل أمانة ، أو تتحمل مسؤولیة ولا يمكن قمع الشر والفساد ، وإقامة العدل والخیر إلا بھذه القوة القاھرة وبھذا العزم الصمیم والذي خلت منه الأمم الأخرى.
وقد ظھر ھذا البرھان العملي من خلال المواجھات التي ثبتوا فیھا أمام العالم أجمع وتحدوا فیھا أرقى الأمم حضارة ، وأكثرھا عددا وأمضاھا سلاحاً لذلك أظھر النبي صلى الله علیه وسلم اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبادئ الحق وإقرار مكارم الأخلاق .
وقد شھد النبي -صلى الله علیه وآله وسلم- حلف الفضول وكان في العشرين من عمره، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ»[(133)]. وقد كانت رجولته -صلى الله علیه وسلم- في القمة، بَیْدَ أن قواه الروحیة وصفاءه النفسي جعلا ھذه الرجولة تزداد بمحامد الأدب والاستقامة والقنوع ؛ فلم تُؤثرَ عنه شھوة عارضة ، أو نزوة خادشة ، ولم تحكَ عنه مغامرة لنیل جاه أو اصطیاد ثروة ، بل على العكس بدأت سیرته تومض في أنحاء مكة بما امتاز به عن أقرانه - إن صحت الإضافة؟- - من خِلالِ شمائلَ كريمةٍ، وفكرٍ راجحٍ، ومنطقٍ صادقٍ ونھجٍ أمینٍ ... وبعد زواج خديجة رضي الله عنھا تابع النبي صلى الله علیه وسلم حیاة العزلة وھجر ما كان علیه العرب من خمر ولغو وقمار وأوثان... وإن لم يقطعه ذلك عن إدارة تجارته وتدبیر معاشه والضرب في الأرض والمشي في الأسواق... وتأتي حادثة تجديد بناء الكعبة قبل البعثة بخمس سنین لتكشف عما وصل إلیه النبي صلى الله علیه وسلم من مكانة أدبیة بین قومه... فقد اختلفت قريش فیمن يستأثر بشرف وضع الحجر الأسود في مكانه فاتفقوا على تحكیم أول داخل من بني شیبة ، فدخل رسول الله صلى الله علیه وسلم ، فلما دخل ھتفوا جمیعاً: ھذا الأمین ارتضیناه حكماً، فأمر بثوب فأخذ الحجر ووضعه في وسطه، ثم أمرھم برفعه جمیعاً، ثم أخذه بیده الشريفة فوضعه مكانه! ... وتتابعت إرھاصات نبوته صلى الله علیه وسلم ، وقد أخذ يقترب من الأربعین فكان يسمع تسلیم الحجر علیه ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد حُبب إلیه العزلة والتعبد في غار حراء... حتى جاء الیوم المشھود، أسعد يوم في تاريخ البشرية كلھا، لقد بُعث رسول الله صلى الله علیه وسلم .{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿ 1﴾ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ 2﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿ 3﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿ 4﴾ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم (5) }[(134)].
-*-*-*-*-*
أقول ([(الرَّمَادِيُّ)]) : أكتفي بهذا القول عن حياة العرب قبل الإسلام .. وقبل البعثة المحمدية وقبل الرسالة الخاتمة لسيد ولد آدم أجمعين... ومِن يريد الزيادة فالرجاء العودة إلى كتب التخصص عن تاريخ العرب قبل الإسلام ؛ ولعل ما يحضرني الأن ما كتبه الأستاذ الدكتور: شوقي ضيف في موسوعته «العصر الجاهلي؛ تاريخ الأدب العربي»... على سبيل المثال وليس الحصر...
-*-*-*
سلسلة بحوث:
﴿ سنن الأنبياء؛ وسبل العلماء؛ وبساتين البلغاء؛ والأعجاز العلمي عند الحكماء في تأويل آيات الذكر الحكيم المنزل من السماء ﴾
( يُتْبَعُ بإذنه تعالى )
نال شرف قراءة المصادر ومراجعتها وكتابة البحث:
د. مُحَمَّدُفَخْرُالدينِ الرَّمَادِيُّ بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
حُرِّرَ في يوم الأربعاء ٢٢ جماد آخر ١٤٤٠ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ~ الموافق ٢٧ من شهر فبراير عام ٢٠١٩ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم العذراء الزهراء البتول عليهما السلام.
-*-*-*-*

أعلى الصفحة
فهرس

6 «„الجانب 《.. الاجتماعي ..》 في العصر الجاهلي ‟»

١ . ] كانت في عرب الجاهلية أوساطٌ متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض ، كما في أي مجتمع في أي مكان من العالم.. فقد كانَ العرب يعيشونَ -بصفة عامة- كبَدوٍ في شبه الجزيرة العربيّة ، وكانوا يُقيمون فيها كقبائل تنقسمُ إلى ٣ طبقاتٍ[(66)]، وهي:
[ أ . ] أبناءِ القبيلة الذينَ ينتمونَ إلى أهلِها بالدَّم[(67)]، و
[ ب . ] الموالي الذين يُعَدّونَ أقلَّ منزلةً من أبناءِ القبيلة[(68)]، و
[ ج . ] العبيد الذينَ أَسَرَتهم القبيلة عن طريق الحروب ، علماً بأنّ البيئة الاجتماعيّة كانت تحملُ مختلفَ الصِّفاتِ الكريمة، والسيِّئة، كالشجاعة، والكَرَمِ، أو العَصَبيّة، والسَّلْب[(69)].
بيد أنه بدقة النظر في مظاهر الحياة في العصر الجاهلي؛ خاصة «„ الجانب 《.. الاجتماعي ..》 ‟» نجد أنه ينقسم العرب في الجاهليّة إلى قسمين رئيسيين[(70)] :
القسم الأول :
سكان البدو: وكانت هذه الفئة هي الفئة الغالبة ، واعتمد عيش هذه الفئة على التنقّل خلف مصادر الماء والعشب، كما أنهم اتخذوا الخيام مساكن لهم، وتميزوا بقدراتهم الشعرية الفريدة، وكان طعام أهل البادية عبارة عن الحليب والتمر، فقد كانت الإبل عماد حياتهم، فقد كانوا يأكلون لحومها، ويشربون حليبها، ويلبسون من وبرها، ويُحمّلونها أثقالهم، وكانوا أيضاً يفتدون بها أسراهم ويحررونهم، وكانوا أيضاً يُقوّمون بها الأشياء، فتُقدّر أثمان السلع بالإبل أو المواشي[(71)]. أما
القسم الثاني :
سكان الحضر: وهم مَن سكن المدن، وعاشوا في الدور والقصور، وأصبحوا أقل شجاعة ومروءة، كما أنهم عرفوا بحب المال، وتفاخروا بجمال الثياب، وأطباق الفضة والذهب التي يأكلون بها، وتزيين القصور والمنازل التي سكنوها، وقد عملوا في التجارة والزراعة، ومن أشهر الأمثلة على الحضر سكان الحجاز[(72)].
٢ . ] حال العرب قبل الإسلام ونظرتهم إلى المرأة[(73)] :
كانت في العرب أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض، فكانت
٢ . ١ . ] علاقة الرجل مع أهله مِن الأشراف على درجة كبيرة من الرقى والتقدم، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول القسط الأوفر، وكانت محترمة مصونة ؛ وآتي بمثال :" هند بنت عتبة العبشمية القرشية الكنانية، أبوها عتبة بن ربيعة سيد من سادات قريش وبني كنانة، عرف بحكمته وسداد رأيه. وهي إحدى نساء العرب اللاتي كانت لهن شهرة عالية قبل الإسلام وبعده. زوجة أبي سفيان بن حرب، وأم الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان. وكانت امرأةً لها نَفسٌ وأنفة، ورأي وعقل. "... والمرأة تُسَلُّ دونها السيوف، وتراق الدماء، ولنراجع قصة :" مقتل ملك العرب عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان اللخمي.. المشهور بـ عمرو ابن هند على يد عمرو بن كلثوم[(74)] فذكروا أن عمرو ابن هند، وأمه هند بنت الحارث بن حجر بن آكل المرار الكندي وأبوه المنذر بن ماء السماء اللخمي، هذا نسب أهل اليمن.
قال الملك عمرو ابن هند ذات يوم لجلسائه: "هل تعلمون أن أحداً من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي؟"
فقالوا: "لا ما خلا عمرو بن كلثوم فإن أمه ليلى بنت المهلهل أخي الملك كليب، وعمها الملك كليب، وهو وائل بن ربيعة وزوجها كلثوم". فسكت عمروعلى ما في نفسه. ثم بعث عمرو ابن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره وأن تزور ليلى هنداً. فقدم عمرو من البحرين في فرسان تغلب، ومعه أمه ليلى، فنزل شاطئ الفرات وبلغ عمرو ابن هند قدومه. فأمر بخيمة فضربت بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه مملكته فصنع لهم طعاماً ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق وهو وعمرو بن كلثوم وخواص من الناس في السرادق، ولأمه هند في جانب السرادق قبة وأم عمرو بن كلثوم معها في القبة. وقد قال عمرو ابن هند لأمه: "إذا فرغ الناس من الطعام فلم يبق إلا الطُرَف فنحّي خدمك عنك، فإذا دعوت بالطرف، فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء" يريد طرف الفواكه وغير ذلك من الطعام. ففعلت هند ما أمرها ابنها حتى إذا دعا بالطرف قالت هند لـليلى: "ناوليني ذلك الطبق". قالت: "لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها". فقالت: "ناوليني" وألحت عليها. فقالت ليلى: "واذلاه.... يا لتغلب". فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه والقوم يشربون. ونظر عمرو ابن هند إلى عمرو بن كلثوم، فعرف الشر في وجهه، وقد سمع قول أمه: "واذلاه يا لتغلب"، ونظر إلى سيف عمرو ابن هند ، وهو معلق بالسُّرادق ولم يكن بالسرادق سيفٍ غيره فثار إلى السيف مصلتاً فضرب به رأس عمرو ابن هند فقتله ثم خرج فنادى :"يا لتغلب". فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء ولحقوا بالجزيرة. وقد كان المهلهل بن ربيعة وكلثوم بن عتاب أبو عمرو بن كلثوم اجتمعوا في بيت كلثوم على شراب، قال وعمرو يومئذ غلام وليلى أم عمرو تسقيهم فبدأت بأبيها مهلهل ثم سقت زوجها كلثوم بن عتاب ثم ردت الكأس على أبيها وابنها عمرو عن يمينها فغضب عمرو من صنيعها وقال:
صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو * وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِيْنَا
وَمَا شَرُّ الثَّلاَثَةِ أُمَّ عَمْـرٍو * بِصَاحِبِكِ الذِي لاَ تَصْبَحِيْنَا
فلطمه أبوه وقال: "يا لكع (أي يا أحمق)، بلى والله شر الثلاثة. أتجتري أن تتكلم بهذا الكلام بين يديّ؟". فلما قتل عمرو ابن هند قالت له أمه: "بأبي أنت وأمي، أنت والله خيرُ الثلاثة اليوم ". [(75)] وكان الرجل إذا أراد أن يمتدح بما له في نظر العرب المقام السامي من الكرم والشجاعة لم يكن يخاطب في معظم أوقاته إلا المرأة، وربما كانت المرأة إذا شاءت جمعت القبائل للسلام، وإن شاءت أشعلت بينهم نار الحرب والقتال، ومع هذا كله فقد كان الرجل يعتبر بلا نزاع رئيس الأسرة وصاحب الكلمة فيها، وكان ارتباط الرجل بالمرأة بعقد الزواج تحت إشراف أوليائها، ولم يكن من حقها أن تفتات عليهم‏.‏ بينما هذه حال الأشراف، كان هناك في
٢ . ٢ . ] الأوساط الأخرى : لم يحترم العرب المرأة في الجاهليّة بل عاملوها كما يعامل متاع الرّجل، فهي عندهم لا ترث، وإذا مات عنها زوجها أهملت نفسها ومرّغت نفسها بالتّراب[(76)]، وكان أولياء الرّجل أحقّ أحيانًا بها من أهلها[(77)]، وهناك أنواع من الاختلاط بين الرجل والمرأة، لا نستطيع أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والسفاح والفاحشة‏.‏
٢ . ٢ . ١. ] روى البخاري-في صحيحه- وغيره عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها‏. إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء‏:‏ فــ
٢ . ٢ . ١. ] نكاح منها نكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها، ونكاح آخر‏:‏
٢ . ٢ . ٢. ] كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرتْ من طمثها‏:‏ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الـولد، فكان هـذا النكاح ‏‏يسمى‏‏ نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر‏:‏
٢ . ٢ . ٣. ] يجتمع الرهط دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت، ووضعت ومر‏‏ت ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، ‏فـ‏تقول لهم‏:‏ قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان فـ‏تسمى من أحبت منهم‏ باسمه، فيلحق به ولدها‏.‏ لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل ونكاح رابع :‏
٢ . ٢ . ٤. ] يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها،وهن البغايا،كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطته به، ودعى ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بعث ‏الله‏ محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم بالحق هدم نكاح أهل‏ الجاهلية كله إلا نكاح الإسلام اليوم‏.‏ و
٢ . ٣ . ] كانت عندهم اجتماعات بين الرجل والمرأة تعقدها شفار السيوف، وأسنة الرماح، فكان المتغلب في حروب القبائل يسبي نساء المقهور فيستحلها، ولكن الأولاد الذين تكون هذه أمهم يلحقهم العار مدة حياتهم‏.‏ و
٢ . ٤ . ] كان من المعروف في أهل الجاهلية أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه، حتى حددها القرآن في أربع‏.‏ و
٢ . ٥ . ] كانوا يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوجون بزوجة آبائهم إذا طلقوها أو ماتوا عنها حتى نهى عنهما القرآن ‏{‏وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏[(78)] ‏وكان الطلاق والرجعة بيد الرجال، ولم يكن لهما حد معين حتى حددهما الإسلام‏.
٢ . ٦ . ] وكانت علاقة الرجل مع أولاده على أنواع شتى، فمنهم من كان
٢ . ٦ . ١ . ] يئد البنات خشية العار والإنفاق، كما كان أحدهم يكره أن يرزقه الله ببنت، وإذا رزق ببنتٍ تشاءم لذلك واسودّ وجهه وسارع إلى وأدها ودفنها في التّراب وهي حيّة خوفًا من الفقر والعار [(79)]. و
٢ . ٦ . ٢ . ] يقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق‏:‏‏ {‏قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ [(80)]‏ .
٢ . ٦ . ٢ . ١ .] ولكن لا يمكن لنا أن نعد هذا من الأخلاق المنتشرة السائدة، فقد كانوا أشد الناس احتياجًا إلى البنين ليتقوا بهم العدو‏.‏ أما
٢ . ٧ . ] معاملة الرجل مع أخيه وأبناء عمه وعشيرته فقد كانت موطدة قوية، فقد كانوا يحيون للعصبية القبلية ويموتون لها، وكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة تزيدها العصبية، وكان أساس النظام الاجتماعي هو العصبية الجنسية والرحم، وكانوا يسيرون على المثل السائر‏:‏ ‏(‏انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا‏)‏ على المعنى الحقيقي من غير التعديل الذي جاء به الإسلام؛ من أن نصر الظالم كفه عن ظلمه، إلا أن التنافس في الشرف والسؤدد كثيرًا ما كان يفضى إلى الحروب بين القبائل التي كان يجمعها أب واحد، كما نرى ذلك بين الأوس والخزرج، وعَبْس وذُبْيان، وبَكْر وتَغْلِب وغيرها‏. أما العلاقة بين
٢ . ٨ . ] القبائل المختلفة فقد كانت مفككة الأوصال تمامًا وكانت الأشهر الحرم رحمة وعونًا لهم على حياتهم وحصول معايشهم‏.‏ فقد كانوا يأمنون فيها تمام الأمن؛ لشدة التزامهم بحرمتها ..
وقصارى الكلام أن الحالة الاجتماعية كانت في الحضيض من الضعف والعماية، فـ يُغیر بعضھم على بعض فیقتلون ويسبون، ويخوضون الحروب الطاحنة لأتفه الأسباب، والخرافات لها جولة وصولة، والجهل ضارب أطنابه ويستمرئونه ، ويُحَكِّمون العادات.، والناس يعيشون كالأنعام، والمرأة تباع وتشترى وتعامل كالجمادات أحيانا، والعلاقة بين الأمة واهية مبتوتة، وما كان من الحكومات فجُلُّ همتها ملء الخزائن من رعيتها أو جر الحروب على مناوئيها‏.
فلما جاء الإسلام بتباشير النّور ليبدّد ظلمات السّلوك الإنساني التي سادت لفتراتٍ طويلة، وليأصّل أخلاقيّات التّعامل الإنساني، وتسود شريعة كاملة شاملة تحكم سلوك الأفراد وعلاقاتهم مع بعضهم البعض[(81)].
محمد الرمادي
18 فبراير 2019م
يتبع بإذنه تعالى

أعلى الصفحة
فهرس

٥ . ] 《 الحالة الدينية في بلاد العرب قبل الإسلام! 》[(41)]

٥ . ١ . ] « ديانات العـرب»:
في العصر الجاهلي كانت هناك العديد من الأديان التي يتبعها العرب وغيرهم، ولكن معظمهم كانوا من عبدة الأصنام والأوثان، فقَبلَ ظهورِ الإسلامِ كانَ العرب يعبدونَ الأوثان بشكلٍ رئيسيّ[(42)]، ومن أهم الأوثان التي عرفها العرب وعبدوها في الجاهليّة فأشهر أصنامهم التي عبدوها: اللّات، وهُبَل، والعُزّى[(43)]، ومناة، فقد كانوا يقدّمون الذبائح لها، وفي بعض المناطق كان العرب يعبدون القمر[(44)]، كما كانَ جزءٌ منهم يعبدُ الشمسَ[(45)]. إضافة إلى أنّ القليل منهم اعتنقَ الديانة اليهوديّة، والمسيحيّة[(46)]، إذ قد كانت هنالك ديانات أخرى في الجاهلية كاليهودية، والحنفية التي يعبد أتباعها الله وحده، وغيرها العديد من المذاهب والديانات المختلفة[(47)]، وقد وُجِد أنّ مِن العرب أيضاً مَن يتبعُ ديانة إبراهيم -عليه السَّلام-[(48)]. ويوجد رأي يقول بأنه كان معظم العرب يدينون بدين إبرهيم -عليه السلام- منذ أن نشأت ذريته في مكة وانتشرت في جزيرة العرب، فكانوا يعبدون الله -سبحانه وتعالى- ويوحدونه ويلتزمون بشعائر دينه الحنيف، حتى طال عليهم الأمد ونسوا حظًا مما ذكروا به، إلا أنهم بقى فيهم التوحيد وعدة شعائر من هذا الدين.
٥ . ٢ . ] إنَّ مما لا شك فيه أنَّ هاجر المصرية؛ أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل كانت مسلمة، وأن ولدها إسماعيل كان مسلماً كأبيه إبراهيم وأمه هاجر، وأن الله -تعالىٰ- نبّأه وأرسله رسولاً إلىٰ أهل بيته من زوجة وولد، وإلىٰ أخواله وجيرانه من قبيلة جُرهُم اليمانيَّة، وأن دين الله -وهو الإسلام بمفهومه الواسع- قد عَمَّهم وانتظمت حياتهم به زمناً طويلاً لا يُعُرف منتهاه. وكما هي سنة الله -سبحانه- في الناس إذا انقطع الوحي عليهم، جهلوا واصبحوا كالأرض إذا انقطع عنها الغيث –مطر السماء- أمحلت وأجدبت، وتحولت خضرتُها ونضارتُها إلىٰ فترة وظلام يجهل فيه الإنسان ذاته ويتنكر فيه لعقله[(49)].
٥ . ٣ . ] وأول ما بدأ الشركُ في العرب المستعربة من ولد إسماعيل أنهم كانوا إذا خرجوا من الحرم لطلب الرزق، أخذوا معهم حجارةً من الحرم، فإذا نزلوا منزلاً وضعوها عندهم، وطافوا بها طوافهم بالبيت، ودعوا الله عندها، وإذا رحلوا أخذوها معهم، وهكذا. وبموت من أحدث لهم هذا الحدث، ومع مرور الزمان، نشأ جيلٌ جاهلٌ ينظر إلىٰ تلك الأوثان من الحجارة أنها آلهة يتقرب بها إلىٰ الله -تعالى- رب البيت والحرم وخالق الناس والمخلوقات. فكان هذا مبدأ الوثنية في أولاد إسماعيل من العدنانيين[(50)].
٥ . ٤ . ] حتى جاء عمرو بن لُحَيٍّ رئيس خزاعة، وكان قد نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة والحرص على أمور الدين، فأحبه الناس ودانوا له، ظنًا منهم أنه من أكابر. ".
٥ . ٤ . ١. ] بداية الخلل جاء عن طريق العلماء وأفاضل الأوليـاء‏:
ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك وظنه حقًا؛ لأن الشام محل الرسل والكتب، فقدم معه بـ « هُبَل » وجعله في جوف الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله فأجابوه، ثم لم يلبث أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة؛ لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم‏.‏‏ ثم كثر فيهم الشرك، وكثرت الأوثان في كل بُقعة‏.‏"
٥ . ٤ . ٢. ] أما فكرة الشرك وعبادة الأصنام فقد نشأت فيهم على أساس أنهم لما رأوا الملائكة والرسل والنبيين وعباد الله الصالحين من الأولياء والأتقياء والقائمين بأعمال الخير ـ لما رأوهم أنهم أقرب خلق الله إليه، وأكرمهم درجة وأعظمهم منزلة عنده، وأنهم قد ظهرت على أيديهم بعض الخوارق(!!!) والكرامات، ظنوا أن الله أعطاهم شيئًا من القدرة والتصرف في بعض الأمور التي تختص بالله -سبحانه وتعالى-، وأنهم لأجل تصرفهم هذا ولأجل جاههم ومنزلتهم عند الله يستحقون أن يكونوا وسطاء بين الله -جلَّ وعلا- وبين عامة عباده، فلا ينبغى لأحد أن يعرض حاجته على الله إلا بواسطة هؤلاء؛ لأنهم يشفعون له عند الله، وأن الله لا يرد شفاعتهم لأجل جاههم، كذلك لا ينبغى القيام بعبادة الله إلا بواسطة هؤلاء؛ لأنهم بفضل مرتبتهم سوف يقربونه إلى الله زلفي‏.‏
٥ . ٤ . ٣. ] ولما تمكن منهم هذا الظن ورسخ فيهم هذا الاعتقاد اتخذوهم أولياء، وجعلوهم وسيلة فيما بينهم وبين الله -علا في سماه وتقدست اسماه-، وحاولوا التقرب إليهم بكل ما رأوه من أسباب التقرب؛ فنحتوا لمعظمهم صورًا وتماثيل وهذه الصور والتماثيل هي التي تسمى بالأصنام‏.‏
٥ . ٤ . ٤. ] وربما لم ينحتوا لهم صورًا ولا تماثيل، بل جعلوا قبورهم وأضرحتهم وبعض مقراتهم ومواضع نزولهم واستراحتهم أماكن مقدسة، وقدموا إليها النذور والقرابين، وأتوا لها بأعمال الخضوع والطاعات، وهذه الأضرحة والمقرات والمواضع هي التي تسمى بالأوثان‏.
٥ . ٥ . ] قلتُ: أن الأصنام والتماثيل أول من أتىٰ بها من الشام إلىٰ الديار الحجازية «عمرو بن لُحي الخُزاعيٌّ»[(51)]،
ونكمل هذه المسألة : إذ أنه سافر ذات مرة من مكة إلىٰ الشام فرأى أهلَ الشام يعبدون الأصنام، فسألهم قائلاً: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ ،
قالوا: نعبدها نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا.
فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً فأذهب به إلىٰ بلاد العرب فيعبدوه؟
فأعطوه صنماً يقال له: «هُبل»[(52)]، وهو الذي نصبوه حول الكعبة وبقي حولها إلىٰ يوم الفتح الإسلامي حيث حُطَّم مع ثلاثمائة وستين [360] صنماً، وأبعدت، فطُهِّر البيت الحرام، وطهرت مكة والحرم منها، والحمد لله رب العالمين. وكان «عمرو بن لُحي» محترماً في مكة عند أهلها، يشرع لهم فيقبلون شرعه، ويبتدع لهم فيُحَسِّنون بدعتَهُ، فكان أول من بدَّل دينَ إبراهيمَ وإسماعيلَ في الحجاز، ويشهد لهذا قولُ النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ- في حديثه الصَّحيح: " رأيت عمرو بن لُحي يجرٌّ قُصبَهُ في النار .. إنه كان أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبحَّر البحيرة، وسيَّب السَّائبة، ووصل الوصيلة، وحمىٰ الحامي [(53)]، [(54)].
وبمقتضىٰ بدعة «عمرو بن لُحي» في جَلبِ الأصنام إلىٰ الحجاز من الشام انتشرت الأصنامُ في بلاد العرب، وهذا بيانُ أسمائها ومواقعها، والقبائل التي كانت تعبدها، كما ذكر ذلك ابنُ إسحاق وغيرُه من المؤرِّخين:
١ . ] سُواع: بِـ:" رُهَاط بساحل ينبع، تعبده قبيلةُ هذيل المُضرية" .
٢ . ] ود: بـ:" دُومة الجندل شمال المدينة قريباً من الشام، تعبده كَلبٌ القضاعيةُ".
٣ . ] يغوث: بـ :"جُر ". [(55)].
٥ . ٥ . ١ . ] تحقيق هذه المسألة :" جاء تحت عنوان :« أَوَّلُ عِبَادَةِ الْحِجَارَةِ كَانَتْ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ » فـ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: -وَيَزْعُمُونَ- أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ ، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ ، وَالْتَمَسُوا الفَسَحَ فِي الْبِلَادِ ، إلَّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ ، فَحَيْثُمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ فَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ ، حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنْ الْحِجَارَةِ ، وَأَعْجَبَهُمْ ؛ حَتَّى خَلَفَ الْخُلُوفُ ، وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ غَيْرَهُ ، فَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ ، وَصَارُوا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ مِنْ الضَّلَالَاتِ ؛ وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا ، مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ ، وَالطَّوَافِ بِهِ ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ ، وَهَدْيِ الْبُدْنِ ، وَالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، مَعَ إدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ . فَكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أَهَلُّوا قَالُوا : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ . فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ . يَقُولُ الحقُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنبيه ورسوله وخاتم رسله مُحَمَّدِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [(56)]، أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي.[(57)].
٥ . ٥ . ٢ . ] « جَلَبُ الْأَصْنَامِ مِنْ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ » قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ- وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ . وَيُقَالُ عِمْلِيقُ بْنُ لَاوِذْ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ- رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا لَهُ : هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا ، فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا ، ونَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا ، فَقَالَ لَهُمْ : أَفَلَا تُعْطُونَنِي مِنْهَا صَنَمًا ، فَأَسِيرَ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ ، فَيَعْبُدُوهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ هُبَلُ ، فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ ، فَنَصَبَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.[(58)].
٥ . ٥ . ٣ . ] « قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وَذِكْرُ أَصْنَامِ الْعَرَبِ » ؛ « رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ »[(59)] " قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « „ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ ، فَقَالَ : هَلَكُوا‟» [(60)].
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَاسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ : عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَامِرٍ ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: «„ يَا أَكْثَمُ ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ ، وَلَا بِكَ مِنْهُ : فَقَالَ أَكْثَمُ: عَسَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا ، إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ ، إنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ[(61)] ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ[(62)] ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ[(63)] ، وَحَمَى الْحَامِي[(64)] ‟» [(65)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بإذْنِهِ تَعَالىٰ)
﴿ سُنن الأنبياء؛ وسبل العلماء؛ وبساتين البلغاء؛ والأعجاز العلمي عند الحكماء في تأويل آيات الذكر الحكيم المنزل من السماء﴾
بحوث السيرة النبوية؛ على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام.
المجلد الثالث :" حصوله -صلىٰ الله عليه وآله وسلم- علىٰ بعثة خاتم الأنبياء.. وتكليفه برسالة آخر المرسلين.. وارتقاءه منصب نبوة متمم المبتعثين".
نال شرف قراءة المراجع ومراجعة المصادر وكتابة هذا البحث:
مُحَمَّدُفَخْرُالدينِ الرَّمَادِيُّ بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
حُرِّرَ في يوم الإربعاء ١ جماد آخر ١٤٤٠ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ومتمم المبتعثين ~ الموافق ٦ من شهر فبراير عام ٢٠١٩ من الميلاد العجيب للسيد الجليل والنبي النبيل المسيح عيسى ابن مريم النذيرة العذراء الزهراء البتول عليهما السلام.هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ومتمم المبتعثين ~ الموافق ٦ من شهر فبراير عام ٢٠١٩ من الميلاد العجيب للسيد الجليل والنبي النبيل المسيح عيسى ابن مريم النذيرة العذراء الزهراء البتول عليهما السلام.

أعلى الصفحة
فهرس

«العالم قبل البعثة الرسولية المحمدية»

[ ٤. ] المدخل للمجلد الثالث:
[ ٤. ١. ] العالم قبل مبعث الرسول «محمد بن عبدالله»-صلى الله عليه وآله وسلم-:
رسول الله -صلى الله علیه وآله وسلم- بُعثَ والناس في ضلالة عمیاء، وجاھلیة جھلاء، والعالم يموج بألوان مختلفة من الشرك والظلم، والتخلف والانحدار والبعد عن الفطرة التي فطر الله -تعالى في سماه وتقدست اسماه وعلا في علاه- الناس علیھا.
وفي صدارة العالم دولتان فقدتا مقومات البقاء، وانحدرتا إلى مستوى البھائم العجماء، فالفرس مجوس يعبدون النار، ويُحِلُّون نكاح المحارم، ويغرقون في لُجِّيٍّ من الخرافات، والروم حرفت المسیحیة، واعتنقت خرافة الثالوث، وعقیدة الصلب والفداء، وباتت مُخترقة من عدة وثنیات أفلحت في إضلالھا، ومن وراء ھؤلاء يھود غضب الله علیھم لضیاع الدين بینھم، واتخاذھم أحبارھم أرباباً من دون الله ، يحلون لھم ما حرم ويحرمون ما أحل، وھنود يُطبقون على عبادة العجول والأبقار، ويونان قد مسختھم الأساطیر الكلامیة والفلسفات المنطقیة، وصدتھم عن سبیل الھدى، وديانات أخرى كثیرة تنتشر ھنا وھناك في أرجاء المعمورة، وتتشابه في أوصاف التخبط والانحلال والاضطراب والحیرة.
وكان سبب شقاء ھذه الحضارات المزعومة، والمدنیات المحرومة قیامھا على أسس مادية فقط دون أن يكون لھا أي تعلق بنور الوحي الإلھي، لا جرم أَنْ نظر الله لأي أھل الأرض فمقتھم، عربھم وعجمھم إلا بقايا أھل الكتاب، كما قال النبي صلى الله علیه وسلم، فقد جاء عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: " ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان وإن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة قال استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق........" [(34)].
وھذه البقايا تتمثل في أفراد أبت أن تنزلق في أوحال الشرك، وظلت ثابتة على منھج التوحید منتظرة خروج نبي جديد بشرت به أنبیاؤھم، وتعلقت به أحلامھم.
[ ٤. ١. ١. ] الحياة «الإنسانية»
كانت الحياة «الإنسانيّة» قبل مجيء الإسلام حياةَ يتخبّط أفرادها في غياهب الضّلالات وظلمات الشّرك، وقد كان منطق القوة والقبليّة يحكم سلوك الأفراد وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، فلقد كانت القبائل العربيّة وغيرها تتناحر فيما بينها وتتقاتل لأهونِ الأسباب، فحرب «البسوس»[(35)] مثلاً التي استمرت ما يقارب أربعين سنة كان سببها أنّ ناقةً داست بأقدامها بيضة لطير القبّرة، وكذلك كانت حرب «داحس» و «الغبراء»[(36)]. ولقد ساهمت «البداوة» وظروفها الصّعبة أحيانًا كثيرة في إكساب النّاس صفات الهمجيّة وعدم الرّحمة، فقد كان همّ كثيرٍ من القبائل أن تعيش في مأمن وعيش كريم؛ حيث يتوفّر الماء والكلأ بدون التّفكير في بناء علاقات حسنة مع القبائل الأخرى، ويمكن القول أنّ جميع جوانب الحياة «الفكريّة» و«الإجتماعيّة» و«الإنسانيّة» و«العلميّة» كانت سوداء قاتمة، باستثناء قلّة من النّاس الذين تمسّكوا في عقيدتهم بدين «الحنيفيّة» السّمحة، وهو دين خليل الرحمن «إبراهيم» عليه السّلام..
- فما هي أبرز جوانب الحياة ما قبل الإسلام ؟.
الحياة ما قبل الإسلام
[ ٤. ٢. ] العرب قبل الإسلام :
لم يكن حال العرب قبل الإسلام في جميع نواحي حياتهم إلاّ مثالاً على التخلّف والجهل والضّلال، فعلى الرّغم من وجود بعض الإيجابيّات وتوافر بعض الأخلاق عند العرب في الجاهليّة، إلاّ أنّ معظم أفكارهم ومعتقداتهم كانت مبنيّةً على الباطل والعرف الخاطىء، وقد أتى الإسلام بنوره حينما بعث النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- في جزيرة العرب ليبدّد هذا الظّلام القاتم وليضع للنّاس منهجًا ربانيًّا واضحًا في الحياة وكيفية معينة من العيش وطرازاً خاصاً من الحياة يضمن للنّاس حياة السّعادة والطّمأنينة التي ينشدون في الحياة الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة.
- فما هي أبرز مظاهر أحوال العرب قبل مجيء الإسلام؟ [(37)].
كانت القبائل في فترة ما قبل الإسلام يغزو بعضها بعضاً، وقد كانت الحرب بدون ضوابط أخلاقيّة، فقد كانت تسمح للمتغلّب أن يقتل وأن يسرق وأن يسبي النّساء والذّراري بمنطق متوحّش، بعيد عن أيّ معنى من معاني الإنسانيّة.
أمّا بالنّسبة لأعمال النّاس وتكسبهم فقد كان كثيرٌ منهم يرعى الإبل والأغنام، كما اشتغل عددٌ منهم بالتّجارة، وعلى الصّعيد الفكري والعقدي فقد مثّل أظلم جوانب الحياة الإنسانيّة حيث كانت القبائل تتخذ أصنامًا تصنعها بيدها وتعبدها من دون الله -سبحانه وتعالى-، حتّى وصل عدد الأصنام حول الكعبة المشرفة بمكة المكرمة إلى ما يقارب من ثلاثمائة صنم.
وقد كان النّاس قبل الإسلام يتطيّرون ويتشاءمون، فعندما كان يهمّ أحدهم بسفرٍ أو عمل معيّن كان يضع طيراً ثمّ يحرّش بينها فتطير، فإذا طارت باتجاه اليمين تفاءل بذلك واستبشر ومضى في أمره، وإن طارت باتجاه الشّمال تشاءم بذلك ونكص على عقبيه فلم يعزم، كما أنّهم كانوا يتشاءمون من صوت الغراب والبومة.
**
ولم يكن العرب أحسن حالاً من ھذه الأمم، فقد بدّل لھم عمرو بن لُحِي الخزاعي[(38)] ديانة إبراھیم الخلیل التي كانوا يدينون بھا، ومن ثم انتشر الشرك بین أھل مكة وخارجھا، حیث كان أھل الحجاز أتباعاً لمكة لأنھم ولاة البیت وأھل الحرم.
وبانتشار الوثنیة بین العرب كثرت الخرافات الدينیة التي أثرت بدورھا في الحیاة السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادية تأثیراً بالغاً.
" العالم قبل مبعث الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يستعد لتحول عام في جميع الكيان البشري. وقد كان الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى وبعض الكهنة يُنبئ بمقدم مثل هذا الرسول، لما وجدوه في كتبهم من صفته وزمانه.
وكانت يهود (يثرب) إذا حدثت بينهم وبين العرب (المشركين) منازعات، يتوعدونهم بظهور النبي وانهم ينصرونه، فينتقمون من أعدائهم.
قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستفتحون على (الأوس) و(الخزرج) برسول الله، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. [(39)].
وإلى هذا تشير الآية الكريمة: ﴿ وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِين ﴾ [البقرة:89] [(40)]. وقد كان الكهان من العرب تأتيهم الشياطين من الجن، فتذكر بعض أمر الرسول، مما كانت تسترق السمع، فلما تقارب زمانه -صلى الله عليه وآله وسلم-، حيل ـ في السماء ـ بين الشياطين وبين المقاعد التي كانت تقعد فيها وتسترق الأنباء، وكانت إذا أرادت أن تستمع إلى الملأ الأعلى ترمى بالشظايا والشهب.
وإلى هذا تشير الآية الكريمة ـ عن لسان الشياطين ـ ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾ [*] ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾ [*] ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾[(41)].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع بإذنه تعالى
محمد الرمادي

أعلى الصفحة
فهرس

[ ٣ . ] تمهيد المجلد الثالث:
« .. وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ »

[(23)]

[ ٣ . ١ . ] قد يتعَّجب البعض .. وقد يستنكر من اهتمامي -في هذا التمهيد للمجلد الثالث- بالحديث عن العالم قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم عموماً؛ والحديث عن حالة العرب خصوصاً علىٰ الرغم من أنهما ضرورة من ضرورات التعمُّق في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه؛ لفهمها وإدراك حتمية البعثة؛ والمدخل الطبيعي لرسالة السماء الخاتمة؛ وليس ذلك ترفًا فكريا أو إضافة من القول أُبيضُ به فازيد عدد صفحات المجلد، وإنما هو مقدِّمة تمهيدية لازمة ومدخل علمي لاكتمال فهم السيرة النبوية فهمًا دقيقاً كاملاً.. والإدراك الصحيح والفهم الواعي لضرورة وجود المنهجية القرآنية والكيفية العملية والقولية لسيد الجليل والنبي النبيل الخليل خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين.
وذلك لأنه كما قال الأولون: «بضدها تتبيَّن الأشياء»[(23)] . فلا يمكن لمتابع مدقق واع ومن ثم مؤمن عن قناعة وفهم أن يستوعب جمال السيرة المحمدية وبالتالي يدرك بفهم ووعي السنة النبوية وكمال صاحبها صلى الله عليه وسلم، ولا أن يُدرك سموَّ مبادئ الإسلام وعظمة تشريعاته ودقة منهجه في الحياة إدراكًا تامًّا، إلاَّ إذا رأى مدىٰ الانحطاط الذي وصل إليه العالم قبل مجئ البعثة المحمدية والرسالة المصطفوية -رسالة الإسلام- في كل مجالات الفرد والمجتمع والحياة ؛ خاصَّة في المجالات الفكرية والإنسانية، كالعقائد والتشريعات الإجتماعية والإقتصادية والقانونية والنظم الداخلية والمبادئ العامة والأخلاق التي يجب ان تسود الأفراد والمجتمع والأسرة والعلاقات السياسية بين الدول والنظم الخارجية.
فقد انحدرت كل القيم الإنسانية في طول الأرض وعرضها، ولم يبقَ علىٰ الكوكب أحد يتمسَّك بالدين والأخلاق إلا أفراد قلائل من أهل الكتاب.
**
[ ٣ . ٢ . ] العالم قبل الإسلام:"
كان العالم قبل مجيء الإسلام في ضلالٍ عقدي ، وتيهٍ فكريّ ، وظلمةٍ أخلاقيّة ؛ وفساد إجتماعي.. ففي الحديث النّبوي الشّريف يذكر أنّ الله -سبحانه وتعالىٰ- اطّلع علىٰ أهل الأرض قبل نزول رسالة الإسلام فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقيّةٌ من أهل الكتاب.
ولا شكّ أنّ المقت مِن الله -تعالىٰ ذكره وجل قدره- يتضمّن كراهية حال النّاس التي كانوا عليها بابتعادهم عن منهج الله -تعالىٰ- وشريعته التي أنزلها علىٰ أنبيائه وبعث بها رسله.
فعن عياض بن حمار المُجاشعيِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته فيما يرويه عن ربِّ العزَّة -عز وجل-: "... وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ[(24)] ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ [(25)] ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا. وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ[(26)] عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [(27)]. [(28)] .
لقد استحقَّ مَنْ علىٰ الأرض جميعًا مقت الله تعالىٰ لهم ؛ وذلك بسبب الانهيار القيمي والفساد الأخلاقي اللذين حدثا بوازع من وساوس الشياطين وأمانيهم ، التي ظلَّت تلعب بنفوس الناس علىٰ مدار قرون، حتى "اجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
**
[ ٣ . ٣ . ] العصر الجاهلي :"
عُرف العصر الجاهليّ بكونه ضحلاً علىٰ مستوىٰ الفكر والثقافة عند مقارنته بالعصور الأخرىٰ كعصر الرومان، واليونان، والفرس، والهنود، فقد تميّزت هذه العصور بازدهار العلوم والآداب والفلسفة ، وربما كان الشعر والقصص والأمثال ما ميّز العرب في الجاهلية ، إضافة إلىٰ معرفتهم بالأنساب وبعض طرق العلاج والطبّ التي توارثوها، وبالرغم من وجود هذه المعرفة إلّا أنّها لا ترقىٰ لمرتبة العلوم؛ كونها غير منظّمة، ولم يوجد علماء ومختصون يدوّنونها ويثبتونها، ولكن في أطراف الجزيرة العربية في العصر الجاهليّ برزت بعض أشكال العلوم والفنون مثل إرواء الأرض ، وهندسة البناء المميزة والفريدة من نوعها وخاصة بناء القصور وزخرفتها، وفي مجال الطب أيضاً ، وفي الزراعة ، وفي بيطرة الدواب والمواشي ، وربما يعود سبب وجود هذه العلوم إلىٰ الاتصال المباشر مع الحضارات الأخرىٰ كالرومان، والفرس، والحبشة نظراً لقربهم من هذه المناطق. [(29)].
[ ٣ . ١ . ١. ] شرعية تذاكر أحوال الجاهلية:"
وليس في الحديث عن أمر الجاهلية شيء؛ فقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- يتذاكرون أمر الجاهلية في أحاديثهم ليعرفوا نعمة الله -تعالىٰ- عليهم بالإسلام، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن ذلك؛ بل كان -عليه الصلاة والسلام- يبتسم، فكان ذلك منه إقرارًا لهم علىٰ فعلهم؛ فعن سِمَاكِ بن حرب قال: قلتُ لجابر بن سَمُرَةَ رضي الله عنه: أكنتَ تُجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "نَعَمْ، كَثِيرًا كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الْغَدَاةَ حَتَّىٰ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ "[(30)]

وقال النووي في شرحه علىٰ صحيح مسلم :« وَفِيهِ جَوَازُ الْحَدِيثِ بِأَخْبَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ ». [(31)]
وإذ أتناول هذه الفترة لن أكتفي بالحديث عن جزيرتهم العربية وحدها، وإنما سأتحدَّث عن العالم كله قبل الإسلام؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بُعِث للعالمين كافَّة رحمة ونورًا وهداية، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [(32)] ؛ فميدان عمل دعوته -صلى الله عليه وسلم- هو الأرض بكاملها بمَن عليها.. وفي الزمان بأكمله منذ بُعث إلىٰ أن يرث الله تعالىٰ الأرض ومن عليها.
كما أن الدعوة والدولة الإسلامية كليهما لهما تقاطعات مع هذه الحضارات في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فكان هناك مؤيِّدون للدعوة من هذه الحضارات، وكان هناك معارضون، وكذلك كان هناك محايدون، ولن يمكن أن نفهم ردود فعلهم إلا بدراسة أحوالهم ودوافعهم لاتخاذ المواقف التي سجلتها السيرة المحمدية العطرة وسطرتها السنة النبوية الزكية البهية.
[ ٣ . ١ . ٢. ] خصائص الحضارات قبل الإسلام:"
وسنجد أن كل الحضارات الموجودة قبل الإسلام امتازت بخصائص كثيرة متشابهة ؛ لعلَّ من أبرزها ثلاثًا:
[ ١ . ] أولها فهو الانحراف العقائدي الكامل؛ حيث فسدت العقائد، وعبدَ الناس آلهةً شتىٰ من دون الله -جلَّ في علاه وتقدست اسماه وسما وعلا في سماه؛ سبحانه وتعالى عما يشركون- لا تملك لأنفسها -فضلاً عن أن تملك لهم- ضرًّا ولا نفعًا؛ فعبد العرب الأصنام، وعبد الصينيون بوذا، وعبد الفُرْس النار، وتخبَّط الرومان بين الوثنية والمسيحية المحرَّفة التي ابتدعوها؛ بينما عَبَدَ المصريون القدماء آلهة متنوعة من الشمس إلىٰ أوهام أخرىٰ كحورس وبتاح وآمون. و
[ ٢ . ] ثانية الخصائص هي الانهيار الأخلاقي التام؛ والفساد الإجتماعي.. حيث انتشرت الفواحش، ولم يعد الناس يعرفون معروفًا أو يُنكرون منكرًا؛ بل انقلبت الأحوال حيث أصبح المنكر معروفًا يتداوله الناس جهرًا دون خشية ، وصار المعروف بينهم منكرأ.. كـ إنتشار الزنا والمخادنة وتفشي الدعارة مثلاً؛ فصارت الداعرات ذوات بيوت مُشْهَرَة ، وعلامات مرفوعة ؛ وآلوية منصوبة.. كما صارت نسبة أولاد الزنا للزناة أمرًا شائعًا مشروعًا لا ينفيه أحد ، ولا تُصيبه معرَّة بسببه.
وأما الخاصية [ ٣ . ] الثالثة فهي التعاظم الشديد في القوة المادية؛ فقد كانت هذه الحضارات دنيوية صِرْفة، لا يهتم ملوكها وحكامها إلا بالقوة المادية التي تزيد في ملكهم؛ لذا فقد اهتمُّوا بزيادة قوتهم؛ وتكوين جيوش ضخمة يحاولون بها السيطرة علىٰ العالم واستعباد البشر.
ومن هنا تعلم -أيها القارئ الكريم- أن المسلمين حينما انطلقوا للدعوىٰ لـ عبادة الرب الواحد الأحد الفرد الصمد ؛ الذي لا تصح أن تكون له صاحبة ولا يجوز أن يكون له ولد ، وواجهوا تلك الحضارات في صراعات عسكرية ، كانوا يُواجهون في الواقع قوىٰ عظمىٰ تملك قدرات عسكرية وآلة تدمير جهنمية -حسب وقتها- ومادية هائلة ؛ ولكن نجح المسلمون –بفضل من الله تعالىٰ- في الانتصار علىٰ هذه القوىٰ بالفرق الواضح بينهم في الجانب العقائدي والجانب الأخلاقي ؛ علىٰ الرغم من التفاوت الهائل في القوى المادية. [(33)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بإذنه تعالى)
نال شرف قراءة المصادر وتكحلت عيناه باعداد البحث وكتابته :
د. مُحَمَّدُفَخْرُالدينِ الرَّمَادِيُّ بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
حُرِّرَ في يوم الإثنين ١٤ جماد أول ١٤٤٠ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ~ الموافق ٢٠ من شهر يناير عام ٢٠١٩ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم النذيرة الزهراء العذراء البتول عليهما السلام.

أعلى الصفحة
فهرس

مقدمة المجلد الثالث

﴿ سُنن الأنبياء؛ وسبل العلماء؛ وبساتين البلغاء؛ والأعجاز العلمي عند الحكماء في تأويل آيات الذكر الحكيم المنزل من السماء﴾
[ ١ . ] مقدمة المجلد الثالث
العنوان العريض للمجلد : حصوله -صلىٰ الله عليه وآله وسلم- علىٰ بعثة خاتم الأنبياء.. وتكليفه برسالة آخر المرسلين.. وارتقاءه منصب نبوة متمم المبتعثين
[ أ. ] السلسلة الأولىٰ:« خاتم الأنبياء » صلى الله عليه وآله وسلم
« الرسالة النبوية؛ والدعوة الإبراهيمية؛ والبشرىٰ العيساوية؛ والشمائل المصطفوية؛ والخصائل الرسولية؛ والدلائل الإعجازية؛ والصفات الأحمدية؛ والأخلاق المحمدية لـسيدنا محمد بن عبدالله خير البرية صلىٰ الله عليه وآله وسلم « .. سلسلة بُحُوث السِيرَةِ النَّبوية -علىٰ صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وكامل البركات.. „أبحاث تمهيدية لمستقبل أمة زاهرة.. ذات حضارة ‟
**
حضرات السيدات القارئات المربيات.. والسادة المتابعين القوامين.. وطلاب العلم.. !
عشنا ما يزيد عن عامين سواء وفق التقويم الهجري الإسلامي [ فبداية نشر هذه السلسلة الطيبة علىٰ موقع „ استروعرب نيوز ” كان يوم الإثنين ٢١ صفر ١٤٣٨ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ] أو ميلادياً حسب واضع عدَّ السنين الراهب الأرمني دنيسيوس الصغير؛ أو وفقاً للتقويم الغريغوري نسبة إلىٰ غريغوريوس الثالث عشر بابا روما في القرن السادس عشر الذي قام بتعديل نظام الكبس في التقويم اليولياني ليصبح علىٰ النظام المتعارف عليه حاليًا مع فارق اربع سنوات لم تحسب [ بدءً من ٢١ من شهر نوفمبر عام ٢٠١٦ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن „ النذيرة مريم” العذراء الزهراء البتول عليهما السلام]..
اقولُ: عشنا ما يزيد عن عامين مع تمهيدات بعثة السيد الجليل؛ والنبي النبيل؛ وتعايشنا ارهاصات رسالة خاتم الأنبياء الكريم ومقدمات آخر المرسلين الموثقين ومداخلات عامة لمتمم المبتعثين من رب الأولين وإله الآخرين لكافة العالمين.. ولعل ما أطال الفترة مع هذه المقدمة التمهيدية والمدخل إلىٰ سيرته العطرة -صلىٰ الله عليه وآله وسلم- والتي استوعبت مجلدين [لهما استدراكات وزيادات]؛ استعرضتُ فيهما بشارات مجيئه -صلىٰ الله عليه وآله وسلم- منذ عهد أبي البشر آدم؛ ومروراً بأبي الأنبياء إبراهيم الخليل؛ وما ذكر من بشارات في العهد العتيق [توارة سيدنا موسى الكليم -عليه السلام-] فالعهد الجديد [انجيل كلمة الله وروح منه؛ المعجزة في ولادته؛ والمعجزة في حياته.. عبد الله ونبيه ورسوله عيسى ابن مريم بنت عمران النذيرة العذراء الزهراء البتول -عليهما السلام-] فالعهد الحديث [كتاب الله (سما في علاه وعلا في سماه وتقدست اسماه): القرآن المجيد والذكر الحكيم والمصحف الشريف]..
اقولُ: استعرضتُ بشارات مجيئه؛ وأوضحها بشرى كلمة الله وروح منه السيد الجليل صاحب المعجزات بإذن ربه العلي القدير : المسيح عيسى ابن مريم العذراء البتول -صلى الله عليه وآله وسلم- فـ نسبه وعائلته وتنشأته والأحداث الهامة التي جرت قبل بعثته فزواجه من أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله تعالى عنها-..
وقد تبقت مكملات بحوث واستدركات فصول سأضعها -مِن بعد إذنه تعالىٰ وكامل توفيقه وحسن رعايته وتمام هدايته- في نهاية المجلدات والتي توقعتُ حسب خطة البحث أنها ستصل إلى عشرة مجلدات؛ اضف الهوامش والتعليقات والترجمات للشخصيات التي ورد ذكرها إثناء البحث.. وفهرس للآيات القرآنية وموضعها من الكتاب الكريم؛ وإن تيسر ما افهمه من التفسير أو التأويل، والأحاديث الشريفة مع تخريجها ودرجتها.. ولعل ما أطال الفترة الزمنية في النشر الأسباب الآتية:
١ . ) وفرة المصادر والمراجع التي تتكلم وتبحث عن الفكرة الواحدة؛ فوجب قراءتها ومن ثم مراجعتها بتمعن وإدراك وفهم ومحاولة استخلاص المفيد منها والتوفيق بينها إذا استلزم الأمر.
٢ . ) إنشغالي ببحوث آخرىٰ بعيدة عن موضوعات ومسائل وقضايا السيرة النبوية.
٣ . ) التزامات يجب أن اقوم بها..
وقد ألزمت نفسي من البداية تقديم ما اطمئن إليه علمياً من حيث التدقيق والتحقيق والتوثيق.
*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*-*
[ ٢ . ] توثيق البعثة المحمدية وتحقيق الرسالة النبوية الأحمدية من خلال النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة:
[ ٢ . ١ . ] واللهُ تعالى كَامِلُ الْقُدْرَةِ.. كَامِلُ الرَّحْمَةِ فَــ أَرْسِلَ رَسُولًا رَحْمَةً مِنْهُ.. كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا «„ رَحْمَةً ” » لِلْعَالَمِينَ ﴾[(1)] ..
فقال الطبري:" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَىٰ خَلْقِنَا إِلَّا رَحْمَةً.. "..
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَىٰ هَذِهِ الْآيَةِ ، وتأويل الآية فيه تفصيل ؛ يرجع إليه في مواضعه . وَأَوْلَىٰ الْأقْوْالَ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ .. الْقَوْلُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما- ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِجَمِيعِ الْعَالَمِ . [(2)]
[ ٢ . ٢ . ] وكونُه مبعوثاً إِلَى كافة الورىٰ، اثبت القرآن المجيد قوله تعالى: ﴿ „ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ” ﴾ [(3)] و
[ ٢ . ٣ . ] قال تعالى: ﴿ „ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ” ﴾ [(4)] و
[ ٢ . ٤ . ] قال تعالى: ﴿ „ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ” ﴾ [(5)] أي: وأُنْذِرُ مَنْ بِلَغَه، و
[ ٢ . ٥ . ] قال تعالى: ﴿ „ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ” ﴾ [(6)] و
[ ٢ . ٦ . ] قال تعالى: ﴿ „ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ” ﴾ [(7)]، و
[ ٢ . ٧ . ] قال تعالى: ﴿ „ تَبَارَكَ الَّذِي نـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ” ﴾ [(8)] و
[ ٢ . ٨ . ] قال تعالى: ﴿ „ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ ” ﴾ [(9)].
هذا من حيث النصوص القرآنية ... أما حيث السنة النبوية المحمدية فــ
[ ٢ . ٩ . ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - « „ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ” » . [(10)]. و
جاء من طريق آخر: عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: « „ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَادِيهِمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ ” ».[(11)] . و
[ ٢ . ١٠ . ] يأتي جزء من حديث [(12)] يقول فيه عليه السلام: « „ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَىٰ قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَىٰ النَّاسِ عَامَّةً ” » و
[ ٢ . ١١ . ] يأتي جزء آخر من حديثه". [(13)] عليه السلام:" عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « „ أُعْطِيت خَمْسًا وَلَا أَقُولُهُ فَخْرًا ” » :-منها- « „ بُعِثْت إلَىٰ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ” » . [(14)].
[ ٢ . ١١ . ١. ] وجاء من طريق آخر :" عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَىٰ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ وَأُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ كَانَ قَبْلِي.. ” » :-منها- « „ بُعِثْت إلَىٰ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ” » [(15)].
[ ٢ . ١١ . ٢. ]عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : خَرَجْت فِي طَلَبِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدْته يُصَلِّي ، فَانْتَظَرْته حَتَّىٰ صَلَّىٰ ، فَقَالَ: « „ أُوتِيت اللَّيْلَةَ خَمْسًا لَمْ يُؤْتَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي.. ”.. -منها- : «„ وَأُرْسِلْت إلَىٰ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ ” » [(16)].
**
والحاصل : أَنَّ إرْسَالَ الرَّسُولِ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَالَةِ عَلَىٰ كَمَالِ قُدْرَتِهِ- سبحانه وتعالى- وَإِحْسَانِهِ . [(17)]
-*-*
وينبغي لي أن أتحدث في تمهيدٍ عن ثلاثة محاور:
١. ] الأول: الغاية من بعثة الرسل.
أما المحور الثاني :
٢. ] حاجة الناس إلى الرسل.
أما الثالث:
٣. ] الغاية من بعثة خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين النبي العربي الأمي الأمين صلىٰ الله عليه وآله أجمعين.
كما ينبغي لــ كل إنسان الإجابة عن تلكم الأسئلة:"
١ .] ما هي الغاية من الخلق والإنشاء والإبداع والتقويم للإنسان؛
٢ .] ما هي الغاية من وجود الإنسان علىٰ الأرض؛
٣ .] ماذا بعد إنتهاء الحياة لكل إنسان علىٰ الأرض؛ أموتٌ بعده فناء وعدم!!؟.. بمعنىٰ أنه : لا حساب ولا مسائلة ولا جزاء!!..
أم نعيم مقيم دائم!!
أو تلك الآخرىٰ..
١ .] فإذا كان الأمر فيه محاسبة علىٰ أفعال قمنا بها؛ وأقوال تكلمنا بها، وجزاء علىٰ تصرفات في الحياة الدنيا سنحاسب عليها في الحياة الآخرة .. هنا حق لنا أن نعلم جيداً وبالتفصيل كيف نعيش وفق منهاج خالق.. وكيف نحيا وفق طريقة رازق.. وكيف نعمل ونقول وفق شريعة رب غفور رحيم.. فوجب إرسال الرسل وبعث الكتب..
فنطق القرآن الكريم بالقول الصادق: ﴿ „ وَاللَّـهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ „ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ” وَجَعَلَ لَكُمُ „ السَّمْعَ ” وَ „ الْأَبْصَارَ ” وَ „ الْأَفْئِدَةَ ” لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ” ﴾ [(18)]
فأعطىٰ سبحانه وتعالىٰ الجميع دون استثناء أدوات التعلم .. ثم جاء الأمر بتعلم أمرين؛ أو بتعبير أدق بتعلم كتابين..
الأول منهما : ﴿ „ اقْرَأْ ” بِــ „ اسْمِ رَبِّكَ ” ﴾ وهذا قُصد به الكتاب المحفوظ في الصدور؛ القرآن الكريم والذكر الحكيم والمصحف الشريف..
وأما قراءة الكتاب الثاني فقال : ﴿ الَّذِي „ خَلَقَ ” ﴾.
ثم جاء بمثال عن كيفية خلقه -سبحانه- لآحدى مخلوقاته ... وهو أرقاه : ﴿ خَلَقَ „ الْإِنسَانَ ” مِنْ عَلَقٍ ﴾ [(19)] وهذا قصد به قراءة الكتاب الذي هو في الكون منشور..
لذا فقد وجب قراءة كتاب نزل من خالق الإنسان في أحسن تقويم وواجد الكون ومنشأ الحياة.. وجب قراءة كتاب نزل بواسطة أمين السماء جبريل -عليه السلام- علىٰ قلب أمين السماء والأرض محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب صلى الله عليه وآله وسلم وهذا هو الكتاب الأول.. القرآن المجيد والذكر الحكيم والهدي الكريم والنور المبين... قراءة تطبيقية.. منهجية.. تشريعية.. وليس قراءة قراء المقابر...
أما الكتاب الثاني فقراءة الكتاب المنشور في كينونة الإنسان وتركيبته النفسية والخَلقية ؛ وما هو منشور في الكون والحياة.. ثم يبين سبحانه : ﴿ „ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ” ﴾ ﴿ „ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ” ﴾ [(20)]
وهذه هي الآيات الخمس والتي هي أول ما نزل علىٰ قلب أمين السماء والأرض بواسطة أمين السماء جبريل -عليهما السلام- مِن مَن خلقهما -سبحانه وتعالى-..
وكي تتضح لنا غاية إرسال خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين نقرأ معاً ما سيقوم به معنا الرسول من دور نبوي ووظيفة رسولية..
فكان الدور الأول متعلق بـ الآيات والعلامات العقلية والذهنية والإستدراكية في الكون والحياة والإنسان ؛ فقال :
١ . ] ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ „ آيَاتِكَ ” ﴾ وَ
٢ . ] ﴿ يُعَلِّمُهُمُ „ الْكِتَابَ ” ﴾ وقصد هنا القرآن الكريم وَ
٣ . ] ﴿ „ الْحِكْمَةَ ” ﴾ وقصد هنا السنة النبوية وَ
٤. ] ﴿ „ يُزَكِّيهِمْ ” ﴾ [(21)] .. بمعنىٰ يطهرهم طهارة قلبية ونفسية وعقلية وجسدية وما فوق الجسد من ملابس ثم طهارة مكانية ..
ثم تأتي قضية هامة وجوهرية فنطق القرآن المجيد والذكر الحكيم يقول:
٥. ] ﴿ „ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ” ﴾ [(22)]...
ونعيد صياغة الأسئلة؛ فما هي :
١ . ] الغاية من بعثة الرسل.!!
٢ . ] ما هي صفات الأنبياء والرسل..!!
٣ . ] ما هي وظيفة الرسل وما هو دور الأنبياء ..!!
٤ . ] ما هي صفات الرسل ومميزات الأنبياء..!!
٥ . ] ما هي الكتب السماوية.. وعما تتحدث ..!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بإذْنِهِ تَعَالىٰ)
نال شرف قراءة المراجع ومراجعة المصادر وكتابة هذا البحث:
مُحَمَّدُفَخْرُالدينِ الرَّمَادِيُّ بِثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
حُرِّرَ في يوم الإربعاء ٣ جماد أول ١٤٤٠ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ومتمم المبتعثين ~ الموافق ٩ من شهر يناير عام ٢٠١٩ من الميلاد العجيب للسيد الجليل والنبي النبيل المسيح عيسى ابن مريم النذيرة العذراء الزهراء البتول عليهما السلام.

أعلى الصفحة
فهرس

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا