السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

السيرة النبوية الشريفة

تقديم : د. محمد الرمادى
فيينا / 202
1

١١٢ " اسْبَابُ الْهِجْرَةِ "

[ ١٠ الْمُجَلَّدُ الْعَاشِرُ ]
بحوث : " دَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ السُّنَّةِ ".
[ ١ ] الْبَابُ الْأَوَّلُ: " اسْبَابُ الْهِجْرَةِ "
تقديم :
الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسنِ تقويم(*)؛ فخلقنا علىٰ الفطرة المستقيمة: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ }(**) فأمنا به رباً واحداً فرداً صمداً لا صاحبةَ له ولا ولدَ.. فـ اعتقدنا أنه الخالق الرازق المحيي المميت؛ الذي بيده الخير وهو علىٰ كل شئ قدير؛ فالحمد لله علىٰ نعمة الخلق والايجاد؛ والتنشأة والتكوين في أحسنِ تقويم.. ثم الحمد لله علىٰ نعمة العقل والإدراك والفهم والاستيعاب؛ فبإدراكنا الموجودات المصنوعة؛ ورؤية المخلوقات المتنوعة علمنا أن هناك موجداً أوجدها -جميعها- مِن عدم؛ وصنعها دون مثال سابق يحتذىٰ؛ فابدعها مِن غير تقليد صورة مماثلة أو جثة شاخصة.. ثم الحمد لله علىٰ نعمة الإيمان ومبادئ الإسلام وأركان العقيدة؛ فالحمد لله علىٰ بعثة خير الأنام؛ خير ولد آدم بالتمام رسول الرحمة والسلام البشير النذير الشفيع والسراج المنير، خاتم المرسلين ومتمم المبتعثين وآخر المصطفين مِن الخلق أجمعين: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فالحمد لله علىٰ تمام رسالته وكمال دينه؛ ورضاه -سبحانه- أن جعل لنا الإسلام منهاجاً وديناً ونظاماً وشريعة(***) بوحي أنزله أمين السماء جبرائيل علىٰ قلب أمين السماء والأرض محمد -عليهما السلام- ديناً حوىٰ آيات الكتاب الكريم؛ وسُنن نبوية تُبينُها بمنهاج قويم وشريعة للعقل السليم..
والحمد لله.. فــ بحسن توفيق منه -عز وجل- وتمام هداية وكامل رعاية أنهيتُ تسعةَ مجلدات.. وأبدءُ في المجلد العاشر مِن السيرة المحمدية النبوية علىٰ صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وعظيم البركات وكامل التحيات وعلىٰ الآل والأصحاب والتابعين لهم بإحسان؛ فاللهم تمم بخير واعصمني من الخطأ والزلل.. والشكر الجزيل الموصول لــ إدارة موقع آستروعرب نيوز لتفضلها بنشر البحوث.. وللسادة والسيدات القراء والمتابعين.
وارجو مِن السميع العليم أن أكونَ قد وفقتُ في ما سبق مِن البحوث -وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم- وإن كان هناك بعض المسائل المعلقة سابحثها في الإستدراكات علىٰ الموضوعات في نهاية المجلدات!.. وإن وقعتْ عينُ المراقب علىٰ خطأٍ مني ليس مقصود.. فلينبهني لــ اصححه.. ومِن الله -تعالى ذكره- العون ومنه السداد والهداية..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) استنادا لقوله -عز وجل-: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم } [التين:4] .
(**) تمام الآية الكريمة : { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون } [الروم:30]
(***) اعتمادا على قوله { .. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } [المائدة:3] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.. المتتبع لخطوات سير الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في حمل دعوة نظام الإسلام ومنهاج الرحمن وشريعة الديان وتبليغ رسالة الهدىٰ لــ عشيرته ومِن ثم لــ قومه.. ثم عرض نفسه الزكية علىٰ مَن توسم فيهم الخير ومِن رجالات القوم ووجهائهم ووفود القبائل في مواسم الحج؛ فقد :" كان يأتي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- القبائل في منازلها، وكانت مِنى والمزدلفة وعرفة أسواقاً مِن أسواق العرب، وكانت عرفة وذو المجاز وعكاظ علىٰ طريق اليمن، والقبائل تأتي إلىٰ عكاظ مِن الطائف، فمِنى كلها أسواق تجارية (ثقافية) للعرب تجتمع فيها، ويعلنون فيها انتاجهم الأدبي، فالشاعر ينشد قصيدته، والخطيب يلقي كلمته، والتاجر يبيع سلعته مِن الحيوانات أو غيرها مِن المبيعات، ويتبادل الناس السلع والأغراض في تلك الأسواق.[(1)]
فالمشاعر كانت أسواقاً في الجاهلية، وكانت أيضاً أماكن عبادة في الحج، فكان -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يعرض نفسه علىٰ القبائل في مواسم الحج، ويأتي القبائل في منازلها، ويقول لهم :«„ أنا رسول الله، هل فيكم مَن يحميني حتىٰ أبلغ دعوة الله؟ ”»؛ مرةً قال له رجل :„ أنا أحميك! ”؛ فــ :„ ماذا لي مَن بعدك؟ ”؛ قال :«„ لك ما للمسلمين ”»؛ قال :„ لا؛ بل يكون لي الأمر من بعدك ”؛ قال :«„ ما هي مساومة ولا ميراث ”»[(1)]..
والمتتبع لــ خروجه الكريم إلىٰ الطائف لمقابلة كبار أعيان ثقيف.. ثم وفد الخزرج في المقابلة الأولىٰ قبل الهجرة النبوية بسنتين.. وذلك في العهد المكي(*) وربط كافة مفاصل هذا العهد بمراحل الإنتقال مِن مرحلة إلىٰ آخرىٰ..
أقول(الرَّمَادِيُّ): يغلب علىٰ ظن -المتابع- صعوبة بل استحالة قيام كيان إسلامي في مكة بما يحمل هذا الإسلام -الدين الجديد/الرسالة الخاتمة- مِن افكار راقية جديدة ليست مِن فكر البشر بل وحيا مِن رب وخالق الناس والبشر.. هذه الأفكار الراقية تعارض ما هو موجود داخل المجتمع المكي -وقتذاك-؛ و يدعو إلىٰ قيم عالية مخالفة تماماً لما هو عند القوم؛ ويلزم أتباعه بــ مفاهيم مرتبطة بالسلوك و مقاييس ملاصقة إثناء القيام بأي عمل أو تصرف بالجواز أو المنع و قناعات عقلية ونفسية تناقض العادات الموروثة والتقاليد المتبعة والأعراف المعمول به؛ وما رسخ في عقول وتشبعته قلوب وما يحرك بعض مشاعر الناس؛ وإن كان أهل مكة وحجاج البيت الحرام ما زالوا علىٰ بقايا دين الخليل إبراهيم عَلَيْهِ السَلَّامَ- ..
أقول(الرَّمَادِيُّ): ولعل الإشكال -في سابق الزمان ولاحقه واليوم- يكمن في مسألة بقايا دين.. وبقايا عقيدة.. وتشويش في إيمان؛ وبقايا عبادات وشعائر خلطت بالغريب عن أصل التشريع؛ والبعيدة عن صحيح المنهاج؛ ومزجت بالعجيب والذي ليس له مرجع في صلب الدين المنزل من السماء؛ وبقايا مشاعر إسلامية اختلطت بالناحية الوطنية والقومية والعشائرية ثم الحزبية في نفوس الناس.. ثم غلبت المصلحة والمنفعة وحب الدنيا وسوء الطاعة مِن خلال تكتل في جماعة مسيسة أو صوفية -غلب هذا وأمور آخرىٰ- علىٰ ما جاء به الوحي المنيف بشقيه القرآن الكريم والسنة المحمدية العطرة..
.. ومن هنا جاءت أهمية دراسة السيرة المصطفوية النبوية العطرة بجزئيها؛ باعتبارها الطريقة العلمية والعملية التوضيحية والسلوكية لحياة أمة تريد أن تنهض مِن كبوتها وقد مر عليها حين من الزمان..
فالجزء الأول منها -السيرة المحمدية-: بدءَ منذ عهد آدم ومروراً بالأنبياء والرسل السابقين عليه -سلام الله تعالى عليهم أجمعين-؛ أما الثاني فمنذ بداية البعثة في مسقط رأسه الشريف بمكة المكرمة وحتىٰ إنتهاء الرسالة الخاتمة بإنتقاله إلىٰ الرفيق الأعلىٰ في مدينته المنورة..
بيد أنه يجب أن تدرس السيرة النبوية دراسة علمية تطبيقية سلوكية حياتية فقهية وليس دراسة تاريخ مضىٰ وأنتهىٰ واستحضاره في مناسبات؛ واستذكاره يوم الهجرة أو يوم مولده.
أقول(الرَّمَادِيُّ): دراسة السيرة النبوية في عهدها المكي تختلف تماماً عن دراستها في العهد المدني؛ فدراستها خلال سنوات العهد المكي غلب عليه الجانب التنظيري؛ والعرض الفكري التأسيسي؛ والجانب العقائدي المبدئي؛ والبناء العقلي والنفسي والمشاعري لمَن سيقوم علىٰ أكتافهم بناء الكيان التنفيذي في يثرب -مدينته عليه السلام المنورة- كل هذا غلب علىٰ الجانب العملي التطبيقي -ماعدا مسألة الصلاة- وانتبه لرد الرسول الكريم حين قيل له :" إفلا نميل علىٰ أهل الوادي بسيوفنا!"؛ فرد قائلاً:" لم أُؤْمر بعد!؟... استمع لما قيل.بعد بيعة العقبة الثانية؛ والتي عرضتها في الفصل السابق : فقد قال له العبَّاسُ بنُ عُبادةَ بنِ نَضْلةَ :„ [يا رسول الله] والذي بعَثَكَ بالحقِّ، [إن] لئنْ شِئْتَ لَنُمِيلَنَّ علىٰ أهلِ مِنًى غدًا بأسيافِنا؟ ”؛ قال: فقال رسولُ اللهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-:«„ لم أُؤمَرْ بذلك ”».. و:«„ لكن ارجعوا إلىٰ رحالكم ”». [(2)].
تنبيه :
لحظة مقالة العباس بن عبادة كانت لحظة مبايعة كاملة الأركان ووجد -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فيهم قوة ومنعة ومع ذلك لم يحرك ساكناً ضد كفار قريش!.. وهذا يبين الخطأ الجسيم الذي تقوم به بعض ممن ينتسب إلىٰ الإسلام -أفرادا أو جماعات- في غير ساحة معركة لحماية الوطن أو العرض أو المال مِن أعمال مادية -اعتداء لفظي أو مادي: كـ التخريب والتدمير والقتل- أو ما يسمىٰ بأعمال إرهابية؛ فهذا يخالف طريقته -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ونتائج هذه الأفعال يراها الجميع!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد :
منذ اللحظة الأولىٰ من البعثة المحمدية -الرسالة المتتمة لشرع ربنا عز وجل والخاتمة لمنهاجه-؛ ونزول أول آيات الذكر الحكيم؛ أول نزول آيات التبليغ؛ و "من أوَّل يومٍ في الدَّعوة الإسلاميَّة المبارَكة والرسولُ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يعلَم أنَّه سيَخرُج مِن بلده مُهاجِرًا"[(3)]؛ فنسمع الحديث الذي جرىٰ بين القس ابن عم السيدة خديجة زوج النبي -رضي الله عنهما(*)- وبين النبي المرسل محمد بن عبدالله؛ فقد كان :" ورقة أحد الْجَمَاعَة الَّذين رَغِبُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عَن عبَادَة الْأَوْثَان، وَسَأَلَ عَن الدّين الحنيف عُلَمَاء أهل الْأَدْيَان، وَكَانَ ينْتَظر خُرُوج رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ليتبعه.. لِأَنَّهُ سمع أمرَه مِن أهلِ الْكتاب، ووقف علىٰ بعض صِفَاته عِنْدهم، وَكَانَت خَدِيجَة تخبره عَن أَحْوَال النَّبِي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- من حِين أخْبرهَا غلامها ميسرَة الَّذِي وجهته مَعَ النَّبِي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- تَاجِرًا إِلَىٰ الشَّام، وَسمع مَا قالته فِيهِ الرهبان"[(4)].
فــ قال القس له -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في أربع مفاصل تربط مراحل البعثة بــ عهديَّها المكي ثم المدني .. فلنراجع معاً ما جرىٰ :
" فَلَمَّا قضىٰ رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- جواره وَانْصَرف صنع كَمَا كَانَ يصنع.. بَدَأَ بِالْكَعْبَةِ فَطَافَ بهَا، فَــ لَقِيَهُ ورقة بن نَوْفَل وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ فَـ قَالَ وَرَقَةُ لَهُ :„ يَا بن أخي.. أَخْبرنِي بِمَا رَأَيْت وَسمعت ”؛ فَأخْبرهُ رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ، فَقَالَ لَهُ ورقة :„ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ أَنَّك لنَبِيّ هَذِه الْأمة، وَلَقَد جَاءَك الناموس [جبرائيل] الْأَكْبَر الَّذِي جَاءَ مُوسَىٰ، وَ
( ١ .)》 لَتُكَذَّبَنَّهُ(**) 》،
وَ
( ٢ . )》 لَتُؤْذَيَنَّهُ(**) 》
وَ
( ٣ . )》 لَتُخْرَجَنَّهُ(***) 》
وَ
( ٤ . )》 لَتُقَاتَلَنَّهُ 》[سبق تخريجه تحت رقم(145)]
قلت(الرَّمَادِيُّ): ما قاله ليس رجماً بالغيب ولكنه تحصيل حاصل ما قام به الأنبياء والمرسلين -سلام الله تعالى عليهم أجمعين- وحياً من رب العزة والملكوت مع ملاحظة ردود وأفعال الناس عامة؛ وخاصةً اصحاب المصالح وأهل المنافع!.
ثم يكمل ورقة قوله :
وَلَئِن أَنا أدْركْت ذَلِك لأنصرن الله نصراً يُعلمهُ ”؛ ثمَّ أدنىٰ رَأسه مِنْهُ فَقبل يَافُوخه، ثمَّ انْصَرف رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَىٰ منزله وَقد زَاده ذَلِك من قَول ورقة ثباتاً، وخفف عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم.". [(5)] ".
فــ القس ورقة بن نوفل؛ لقراءته وإطلاعه على كتب السابقين فقد [كَانَ ورقة قد تنصر، وَقَرَأَ الْكتب، وَسمع مِن أهل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل،][(5)] فــ ألَمَ بأحوالهم وعلم أخبارهم وماذا جرى لهم.. فبدء الحديث مع السيدة خديجة بقوله :" وَإنَّهُ لنَبِيّ لهَذِهِ الْأمة، فَقولِي لَهُ فليثبت، "[(5)].
" فَرَجَعت خَدِيجَة إِلَىٰ رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فاخبرته بِمَا قَالَ ورقة، فكان رد فعل محمد أن: سهل ذَلِك عَنهُ بعض مَا كَانَ فِيهِ من الْهم بِمَا جَاءَهُ"[(6)].
:" ومن ساعَتِها عَلِمَ النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أنَّ الطريقَ غير ممهَّد، وليس مَفرُوشًا بالورود، بل محفوفٌ بالمخاطر والمهالك، وأنَّه مُخرَجٌ من مكَّة حَتمًا لا مَحالة.[(7)]
-*-*-
أمَّا عن أهمِّ أسباب الهجرة مِن مكة المكرمة إلىٰ المدينة المنوَّرة فهي كما يلي:
١ .] " عدم تقبُّل مكَّة للإسلام ابتداءً ":
قضَىٰ رسولُ الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-ثلاثةَ عشر عامًا في مكَّة يدعو قومه إلىٰ عبادة الله الواحد الأحد، ونبذ عبادة الأوثان، والكفر بكلِّ ما علىٰ الأرض من طواغيت، واستَعمَل -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- معهم كلَّ أساليب الرِّفق في الدَّعوة إلىٰ الله - عزَّ وجلَّ - بشتَّىٰ صُوَرِها، وكانت وسيلته في الدعوة: الحكمة تارة، والموعظة الحسنة تارة آخرى، والجِدال الرَّفيق بالتي هي أحسن، ومنهجه دائمًا هو: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾[(8)].. وإن كانت الآية الكريمة مدنية؛ إلا أن نسيج آيات القرآن الكريم واحد!.. فقد حرص النبيُّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- حرصًا شدَّيدا؛ بل اشدَّ الحِرص على هِدايَة قومِه ودخولهم دين التوحيد، وبالرغم مِن عدم إكتمال التشريع وعدم إكتمال تمام المنهاج؛ إلا أنهم رفضوا؛ لعلمهم السابق أن إذا كان هناك آمر فسيأمرهم بإتباع أوامره؛ وقد تخالف ما اعتادوا عليه؛ وإن كان هناك ناه فسينهاهم عما ألفوه من افعال[(9)].
كان رسولنا -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يريد من المجتمع المكي أنْ يُخلي بينه وبين الدعوة إلىٰ الله، ولقد كان عظيم الرِّفق، طويل الصبر في البَلاغ، وسلَك إلىٰ ذلك وسائل الإقناع الواضح الرشيد، ومن أروع هذه الوسائل أنْ يقول ما علَّمه له ربُّه أنْ يقوله ممَّا أنزله عليه من الكتاب: ﴿... وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [(10)]، وليس هو إلاَّ على الحق المبين، لكنَّه أدب المحاورة في أسمى صوره.[(11)]
بل يعلِّمه أنْ يقول: ﴿ قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [(12)]؛ أي: إن كانت الدعوة إلى تَخلِيصكم من عبادة البشر، والخضوع الذليل أمام الحجر جريمة - فليس عليكم شيءٌ من وِزر جريمة (التوحيد، التحريم)، فهل بعد هذا رِفقٌ في البَلاغ، وتواضعٌ في الخطاب؟[(13)]
لكنَّ الجاهليَّة المكيَّة لم تتقبَّل دعوةَ الإسلام بالكِبر الأعمىٰ، والكُفر الأصم، والعِناد الجاحد فقط، بل شنَّت عليها حربَ الإبادة في تبجُّح مستهتر، وأبَتْ عليها حقَّ الحياة.[(14)]
" أما الذي أزعجهم؛ فقد صرحوا به واثبته القرآن بقولهم : { أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب } [ص:5]؛ وما اعتادوا عليه تقبلوه؛ وخلافه رفضوه فأعلنوا : { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَق } [(15)].بل وشككوا في الأمر كله فقالوا : { أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب } [(15)]؛ ومحصلة هذا العناد : أنَّ قريشًا أبَتْ إلاَّ أنْ تُحارِب الله ورسولَه، فبحَثَ النبيُّ عن مكانٍ آخَر يكون أكثر استِعدادًا لقبول دعوته، فكان عرض نفسه الزكية علىٰ قبائل العرب في مواسمهم؛ وخروجه إلىٰ الطائف -سبق وبينت هذا الأمر- وأخيراً: كان هذا المكان هو يَثرِب (مدينته المنوَّرة).[(16)].
لم ينتهي الأمر عند حد الرفض والتشكيك والشك فيما يقوله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-بل تجاوزه إلى الإيذاء المعنوي والبدني والجسدي؛ بل إيذاه في بناته بتطليقهن..
٢ .] " تعرُّضه -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-لــ صُنُوفٍ من الإيذاء:
لقد تعرَّض -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- للابتِلاء الشَّديد والمِحَن العَصِيبة والإختبار الأليم؛ فقد آذاه قومُه بكُلِّ أنواع الإيذاء، واستَخدَمُوا معه كلَّ ما استَطاعُوا لإخماد نور وحيِه، والقَضاء علىٰ سِراج دعوَتِه في مَهدِها، وتمثَّل هذا الإيذاء بنوعَيْه: بــ
- الكلام ؛
و
- الفعل.
فبالكلام قالوا عنه-والعياذ بالله تعالىٰ-: "ساحر وشاعر ومجنون"، ومنه: لَمَّا نزلَتْ: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [(17)]، صَعِدَ النبيُّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- علىٰ الصَّفا، فجعَل يُنادِي :«„ يا بني فِهر، يا بني عَدِيٍّ ”»؛ - لبطون قُرَيش - حتىٰ اجتمَعُوا، فجعَل الرجل إذا لم يستَطِع أنْ يخرُج أرسَلَ رسولاً لينظُرَ ما هو، فجاء أبولهبٍ وقريش، فقال -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-:«„ أرأيتَكُم لو أخبرتُكم أنَّ خَيْلاً بالوادي تُرِيد أنْ تُغِيرَ عليكم، أكنتم مُصدِّقيَّ؟ ”»؛
قالوا :„ نعم؛ ما جرَّبنا عليك إلاَّ صدقًا (*)”»؛
قال :«„ فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ ”»؛
فقال أبولهبٍ :„ تبًّا لك سائِرَ اليوم، ألهذا جمعتَنا؟ ”؛ فنزلت: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [(18)] (**)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(*) انتبه لردهم عليه :" ما جربنا عليكَ إلا صدقاً".
(**) صحيح البخاري" (6/ 111) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
و
" أمَّا بالفعل:
فقد روى البخاري من حديث عُروَة بن الزُّبير، قال: "سألتُ ابنَ عمرو بنِ العاص: أخبِرنِي بأشد شيءٍ صنَعَه المشركون بالنبيِّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قال: بينا النبيُّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يُصلِّي في حِجرِ الكَعبة، إذ أقبلَ عُقبَةُ بن أبي مُعَيط، فوَضَع ثوبَه في عُنُقِه، فخَنقَه خنقًا شديدًا، فأقبل أبوبكرٍ حتىٰ أخَذ بمنكبه، ودفَعَه عن النبيِّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ... ﴾ [(19)][(20)]
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما أيضًا من حديث عمرو بن ميمون: "أنَّ عبدالله بن مسعود حدَّثَه أنَّ النبيَّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كان يُصلِّي عند البيت، وأبوجهل وأصحابٌ له جُلُوسٌ، إذ قال بعضهم لبعض: أيُّكم يَجِيء بسَلَى جَزُورِ بني فلان، فيضعه علىٰ ظهْر محمدٍ إذا سجَد؟ ..
فانبَعَث أشقىٰ القومِ فجاءَ به، فنظَر حتىٰ سجَد النبيُّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فوضَعَه علىٰ ظَهرِه بين كتفَيْه، وأنا[ابن مسعود] أنظُر لا أُغنِي شيئًا، لو كان لي مَنعَة!؛ قال: فجعَلُوا يَضحَكُون ويُحِيل بعضهم علىٰ بعض، ورسولُ الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-ساجدٌ لا يَرفَعُ رأسَه، حتىٰ جاءَتْه فاطمة، فطرحَتْ عن ظهره، فرفَع رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- رأسَه ثم قال :«„ اللهمَّ عليكَ بقريش ”»؛ ثلاثَ مرَّات، فشقَّ عليهم إذ دعا عليهم، قال: وكانوا يرَوْن أنَّ الدَّعوة في ذلك البلد مُستَجابة، ثم سَمَّىٰ :«„ اللهم عليك بــ
- أبي جهل، وعليك بــ
- عُتبَةَ بن رَبِيعة، و
- شَيْبَةَ بن رَبِيعةَ، و
- الوَلِيد بن عُتبَة، و
- أميَّة بن خلف، و
- عُقبَة بن أبي مُعَيط ”»؛ وعَدَّ السابع فلم يُحفَظ، قال: فوالذي نفسي بيَدِه، لقد رأيتُ الذين عَدَّ رسولُ الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- صَرعَىٰ، في القَلِيب قَلِيب بدرٍ"[(21)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن أواخِر المَكِيدات الفعليَّة في مكَّة اتِّفاقُهم علىٰ قَتلِه -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في فِراشِه وهو ما حَكاه أهل السِّيَر؛ حيث اجتَمَع رجالٌ من قريش ذاتَ يومٍ وتشاكَوْا وتشاوَرُوا في أمر النبيِّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وانتَهَى بهم الأمرُ إلىٰ قتْله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فاقتَرَح عليهم أشقىٰ القوم أبوجَهل بن هِشام أنْ يَأخُذوا من كلِّ قبيلةٍ شابًّا فتيًّا جليدًا نسيبًا، ثم يعطوا كلَّ شابٍّ منهم سيفًا فيَضرِبوه -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ضَربةَ رجلٍ واحدٍ، فيتفرَّق دمُه -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بين القبائل فلا يقدر بنو عبدمَناف علىٰ حَربِهم جميعًا، فنَجَّاه الله منهم بمنِّه وكرَمِه[(22)]. وستأتي هذه المسألة في قابل الصفحات -إن شاء الله تعالى- بالتفصيل؛
ولم يتوقف الأمر عن إيذاه نفسيا ومعنويا وبدنيا وجسديا بل أمتدت الأيدي لكل مَن أمن به وقدروا عليه
٢ .] " النَّكال وإيقاع العَذاب بكُلِّ مَن آمَن به -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- : وقدروا عليه ولم يكن عنده منعة:
" ولم يكن إيذاء المشركين قاصرًا علىٰ الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وحدَه، بل لقد تعرَّض أكثر المؤمنين في مكَّة لألوانٍ من الفِتَن والمِحَن صبَّها عليهم المشركون صبًّا: فــ
- الكلمات البذيئة النابية، و
- الألفاظ الوقحة الجافية، و
- الصَّفع واللَّطم والرَّكل، و
- التقييد في السلاسل، و
- الحبس في الظُّلمات، و
- تعرية أجساد المؤمنين وطرحها على رمال الصحراء المتوقِّدة، و
- وَضْع الأحجار القاتلة على الصدور، و
- فَقء الأعين، و
- الكي بالحديد المحمَّى، و
- الرَّجم بالحجارة، و
- منع الطعام، وحبس الشَّراب عن السُّجَناء من المُجاهِدين في سبيل الله، و
- وضعهم للتعذيب في مُستَنقَعات المياه، و
- الجلد بالسِّياط، و
- التَّفرِيق بين الأزواج...
كلُّ ذلك وغيره ممَّا يندى له جَبِينُ الإنسانيَّة، ويظلُّ عارُه يشين فاعِلِيه إلى يوم القيامة، وإنَّ نتَن ريحه ليُزكِم الأنوف، لكنَّهم أقدَمُوا عليه مُفاخِرين: نافَسوا الذِّئاب فكانوا أشرس منها، وتبارَوا مع السِّباع في التوحُّش والضراوة فكانت السِّباع أكرَم وأطهَر، وأعفَّ وأنبَل؛ لأنها لا تترصَّد للمؤمنين، ولا تختار فرائسها إلاَّ منهم كما فعل مع المشركين.[(23)]
كان العربي بقِيَمِه الموروثة يرى الاستِئساد على المرأة نَذالة وحطَّة، ويرى صيانتها والدفاع عنها شرفًا ومكرمة، لكنَّ الجاهليَّة المكيَّة حشدت أبطالها لحرب النِّساء والصِّبيان من الذين آمَنوا، واحتشدَتْ ذات يومٍ لمعركةٍ مع :« سُميَّة ».. أم عمار وزوجة ياسر، وخرَجت المرأة المؤمنة من المعركة ظافرة مُنتَصرة على كلِّ بطش قريش وإجرامها، وإنْ ظفرت منها قريش بجسدٍ من التراب، وإلى التراب قد عاد، نقول: إنَّ « سمية » قد انتصرت على قريش حين أرادت قريش أنْ تسلب هذه المرأة إيمانها، فما استطاعت - بكلِّ قوَّة كبرائها وصلف زُعَمائها - أنْ تَنال من يقين هذه المؤمنة المعتصمة بالله، وفي موكب غيبي باهر استَقبَلت الملائكة الكرام بالتجلية والترحاب روح :« سميَّة » لتزفَّها إلى مكانها الموعود: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [(24)][(25)].
واستمرَّت الجاهليَّة القرشيَّة في عتوِّها وصلَفِها وأثيم غُرورِها، حتى تواصَلتْ بصحيفةٍ ظالمة علَّقتها على جدران الكَعبة، وبها فرضت الحصار والمقاطعة والمَجاعة على المؤمنين في شِعب (حي) بني هاشم واستمرَّت هذه المقاطعة الآثِمة ثلاثة أعوام حسومًا، حتى أكَلت الأرضة صحيفةَ الظُّلم وهي معلَّقة.[(25)]
كل هذا وغيره كثيرٌ كان يُحتِّم على الدَّعوة أنْ يكون لها (محضن) في غير جوِّ مكَّة الخانق القاتل.[(26)]
"عاشَ المسلمون المؤمنون الفَترةَ التي قضَوْها في مكَّة في قلق نفسي؛ إذ كان البعض منهم مُعذَّبين مُضطهَدِين، وعُبَّاد الأوثان والركع لـ الأصنام -الكافرون- لا يَرقُبون فيهم إلاًّ ولا ذمَّة، وليس لهم من ظَهْرٍ يَحمِيهم، ولا جَيْشٌ يُدافِع عنهم، ولا مَن يَذُبُّ عن بيضَتِهم -وما أشبه اليوم بالبارحة؛ في كثير من مناطق العالم-، فكان لا بُدَّ مِن خَلاصٍ لهذا الاضطهاد المستمرِّ، وهذا النَّكال المُفظِع، وهذا القلق المانع للنوم .. فكانت الهِجرَة إلىٰ المدينة لإقامة المجتَمَع الآمِن لهؤلاء المؤمنين تُمثِّل لهم ضَرُورةً مُلِحَّةً حتىٰ يَعبُدوا ربَّهم في مَأمَنٍ من الكُفرِ وأهلِه.
فهذه عائلة "آل ياسر" قد سامَهم الكُفَّار سُوءَ العَذاب مِن الضَّرب والإهانة وشدَّة التَّعذِيب، حتىٰ إنَّ النبيَّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-مرَّ عليهم مرَّةً وهم يُعذَّبون فقال لهم -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- :«„ صَبرًا آل ياسِر؛ فإنَّ مَوعِدَكم الجنَّة ”»[(27)].
بل كانت :« سميَّة » أمُّ عمَّار - رضِي الله عنهما - أوَّل شهيدةٍ في سبيل الله في الإسلام.
وبلال الذي أُوذِي إيذاءً شديدًا عندما كانوا يكبُّوه - رضِي الله عنه - علىٰ الرَّمضاء في نَهار صيف مكَّة القائظ ويضَعُون الحجر علىٰ ظَهرِه حتىٰ يَرجِع عن دينه، فلا يزيد إلاَّ أن يقول :„ أحَدٌ ”؛ „ أحَدٌ ”؛ حتىٰ مَرَّ به أبوبكرٍ الصِّدِّيق يومًا وهم يصنَعُون به ذلك، وكانت دار أبي بكرٍ في بني جُمَح، فقال لأميَّة :„ ألاَ تتَّقِي الله في هذا المِسكِين؟ ”؛ „ حتى متى؟ ”؛ قال :" أنت أفسَدته فأنقِذه ممَّا تَرَىٰ "؛ قال أبوبكرٍ :„ أفعَلُ، عندي غلامٌ أسوَدُ أجلَدُ منه وأقوىٰ علىٰ دِينِك، أعطيكه به ”؛ قال :" قد قبلتُ "؛ قال :„ هو لك ”؛ فأعطاه أبوبكرٍ غُلامَه ذلك، وأخَذ بلالاً فأعتَقَه، ثم أعتَقَ معه علىٰ الإسلام قبل أنْ يُهاجِر من مكَّة ستَّ رِقابٍ، بلالٌ - رضِي الله عنه - سابعهم[(28)].
وكذا كان من كَيْدِهم أمرُ الصَّحيفة الظالمة والشِّعب؛ قال ابن سيِّد الناس :„ ثم إنَّ كفَّار قريش أجمَعُوا أمرَهم واتَّفَقَ رأيُهم علىٰ قتْل رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وقالوا :" قد أفسَدَ أبناءَنا ونساءَنا "؛ فقالوا لقومه :" خُذُوا مِنَّا ديَةً مُضاعَفة ويقتُلُه رجلٌ مِن غير قُرَيش وتُرِيحوننا وتُرِيحون أنفُسَكم "؛ فأبىٰ قومُه بنو هاشم مِن ذلك، فظاهرَهُم بنوالمطَّلب بن عبدمَناف، فأجمَعَ المشركون مِن قريش علىٰ مُنابَذتهم وإخراجهم مِن مكة إلىٰ الشِّعب، فلمَّا دخَلُوا إلىٰ الشِّعب أمَر رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مَن كان بمكَّة مِن المؤمنين أنْ يَخرُجوا إلىٰ أرض الحبشة، وكان متجرًا لقريش، فكان يُثنِي علىٰ النجاشي بأنَّه لا يُظلَم عنده أحدٌ، فانطَلَق إليها عامَّة مَن آمَن بالله ورسوله، ودخَل بنوهاشم وبنوالمطَّلِب شِعبَهم، مؤمنهم وكافرهم؛ فالمؤمن دينًا والكافر حميَّة، فلمَّا عرفَتْ قريش أنَّ رسولَ الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-قد منَعَه قومُه أجمَعُوا علىٰ ألاَّ يُبايِعوهم، ولا يَدخُلوا إليهم شيئًا مِن الرِّفق، وقطَعُوا عنهم الأسواق، ولم يَترُكوا طَعامًا ولا إدامًا ولا بَيْعًا إلاَّ بادَرُوا إليه واشتروه دُونَهم، ولا يُناكِحوهم ولا يقبَلُوا منهم صُلحًا أبَدًا، ولا تأخُذُهم بهم رأفةٌ حتىٰ يُسلِموا رسولَ الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-للقَتْل، وكتَبُوا بذلك صحيفةً وعلَّقُوها في الكعبة، وتمادَوْا علىٰ العمل بما فيها من ذلك :« ثَلاث سِنين ”»؛ فاشتدَّ البَلاءُ علىٰ بني هاشم في شِعبِهم وعلىٰ كلِّ مَن معهم، فلمَّا كان رأس ثلاث سِنين تَلاوَم قومٌ مِن قُصيٍّ ممَّن ولدَتْهم بنوهاشم ومِن سواهم، فأجمَعُوا أمرَهم علىٰ نقْض ما تعاهَدُوا عليه مِن الغدر والبَراءة، وبعَث الله علىٰ صَحِيفتهم :„ الأرَضَة ”؛ فأكَلتْ ولحسَتْ ما في الصَّحيفة من مِيثاق وعَهد[(29)] ".
-*-*-*-*-
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) من أهل العلم (محمد بن صالح بن العثيمين) مَن جوَّز الترضي علىٰ ورقة بن نوفل؛ بل أعتبره أول الرجال إيماناً بالنبي الخاتم-عليه السلام- ومن بعد إذنه تعالى سأتكلم عنه في مجلد :« شخصيات محورية ».
(**) عندما اصطَحبَتْه زوجُه خديجة - رضِي الله عنها - إلى ابن عمِّها، عندها قال له ورقة :„ هذا النامُوسُ الذي نزَّل الله علىٰ موسىٰ، يا ليتَنِي فيها جَذَعًا، ليتَنِي أكون حيًّا إذ يُخرِجك قومُك ”»؛ فقال رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-:«„ أوَمُخرِجِيَّ هم؟! ”»؛ قال :„ نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا ”؛ ثم لم ينشَبْ ورقةُ أنْ تُوفِّي"[مسند أحمد (43/ 53)، صحيح البخاري(1/ 7).
قَوْلهَا: " فَقَالَ رَسُول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- :«„ أَومُخرجيَّ هم ”»؛ وَفِي رِوَايَة صَالح عَن الزُّهْرِيّ :«„ أَومخرجي قومِي؟ ”».[(أبو شامة؛ المقتفى: (1/ 162)]
قَالَ السُّهيْلي :„ وَفِي حَدِيث ورقة أَنه قَالَ لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - :«لتكذبنه»؛ فَلم يقل لَهُ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - شَيْئا، ثمَّ قَالَ :« ولتؤذينه »؛ فَلم يقل النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - شَيْئا، ثمَّ قَالَ :« ولتخرجنه »؛ فَقَالَ :«„ أَومخرجيَّ هم؟ ”»؛ فَفِي هَذَا دَلِيل علىٰ حب الوطن وَشدَّة مُفَارقَته علىٰ النَّفس، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حرم الله وَجوَار بَيته وبلد أَبِيه إِسْمَاعِيل، فَلذَلِك تحركت نَفسه عِنْد ذكر الْخُرُوج مِنْهُ مَا لم يَتَحَرَّك قبل ذَلِك فَقَالَ :«„ أَو مخرجيَّ هم؟ ”». [المصدر السابق: ج: (1)؛ ص: (163)]
ومن المسائل التي غابت عند بعض الأمة مسألة التيقن والتثبت بما هم عليه من العقيدة والإيمان .. أسمع لما فعلته أم المؤمنين خديجة :" ثمَّ انْطَلَقت مَكَانهَا حَتَّى أَتَت غُلَاما لعتبة بن ربيعَة بن عبدشمس نَصْرَانِيّا من أهل نِينَوَى يُقَال لَهُ عداس فَقَالَت: يَا عداس، أذكرك بِاللَّه إِلَّا مَا أَخْبَرتنِي هَل عنْدك علم من جِبْرِيل؟
فَقَالَ عداس: قدوس قدوس مَا شَأْن جِبْرِيل يذكر بِهَذِهِ الأَرْض الَّتِي أَهلهَا أهل الْأَوْثَان؟
فَقَالَت: أَخْبرنِي بعلمك فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ أَمِين الله بَينه وَبَين النَّبِيين وَهُوَ صَاحب مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام.".. ولنتابع ذلك التثبت والتيقن من العاقلة خديجة في ما رواه لها محمد :" فَلَمَّا وصفت خَدِيجَة لورقة حِين جَاءَتْهُ شَأْن مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - وَذكرت لَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَمَا جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من عِنْد الله عز وَجل قَالَ لَهَا ورقة: يَا ابْنة أخي، مَا أَدْرِي لَعَلَّ صَاحبك النَّبِي الَّذِي تنْتَظر أهل الْكتاب الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل، وَأقسم بِاللَّه لَئِن كَانَ إِيَّاه ثمَّ أظهر دعاءه وَأَنا حَيّ لأبلين الله فِي طَاعَة رَسُوله وَحسن مؤازرته الصَّبْر والنصر، فَمَاتَ ورقة ".[(أبوشامة؛ المقتفى من مبعث المصطفى: ج: (1) ؛ ص: (153)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
بحوث السيرة النبوية الشريفة
[١٠ ] [ الْمُجَلَّدُ الْعَاشِرُ ]؛ بحوث : " دَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ السُّنَّةِ ".
( ١ ] الْبَابُ الْأَوَّلُ:١١٢ " اسْبَابُ الْهِجْرَةِ "
حُرِّرَ في يوم الإثنين ١٧ ربيع الثاني ١٤٤٣ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ~ الموافق ٢٢ من شهر نوفمبر عام ٢٠٢١ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم العذراء البتول عليهما السلام.

أعلى الصفحة
فهرس

 

" ١١١ ﴿ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانية ﴾ "

:" حدثت هذ البيعة: سنة 13 من البعثة المحمدية؛ وهي التي تعرف في السيرة النبوية ببيعة العقبة الكبرىٰ ".
مَدْخَلٌ لــ قصص الأنبياء - علّيهم السلام- وسَيَّر الصحابة[(1)] - رضوان الله عليهم- "
.. إسلامُ خاتمِ الأنبياء؛ وهَديُّ آخرِ المرسلين؛ وطريقةُ متممِ المبتعثين: محمد بن عبدالله - صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- النبي الأمين والرسول المختار الشفيع..إسلامه لا يختلف عن طريق السادة العظماء الأنبياء وكبار السادة المرسلين-صَلَّوات اللَّهُ تعالى عَلَيْهِم وَتبريكاته وَسَلَّاَماته- الذين سبقوه في طريق عرض وحمل الدعوة من حيث مبدأ العقيدة وأساس الإيمان؛ ومسألة توحيد الآلهية وإثبات الحاكمية وصفات الربوبية واسماء الله الحسنىٰ.. ولكنها قد تختلف من حيث المنهج والتشريع والأحكام العملية السلوكية واليومية، فقال -عزَّ وعلا وتقدس وسما-: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [المائدة:48]؛ وقد قَصَّ اللهُ -تعالى- علينا في كتابه الكريم ما يكفي من قَصص بعضهم؛ وذَكَرَهم بالاسم والصفة.. ما ألزمنا دراسة أحوالهم.والعناية بسلوك أفرادهم كــ نبراس نستضئ به في حياتنا؛ وقصص الأنبياء تماماً كــ سيَّر الصحابة والصحابيات -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- لم تأتِ للتسلية وملئ فراغ الوقت.. ولكنها -القَصص والسيَّر- جاءت للتعليم والدراسة والفهم والقدوة والاعتبار.. وقد جاءت قَصص الأنبياء والمرسلين بقدر معلوم شابها الكثير من روايات مَن سبقنا مِن الأمم؛ خاصةً روايات بني إسرائيل بما يسمىٰ إصطلاحاً بــ „ الإسرائيليات ”؛ ولنا سماح في روايتها أيضا بقدر معلوم.. أما السيرة النبوية وأحوال مَن كانوا مع / حول الرسول الكريم - صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-؛ ورضوان الله عليهم أجمعين فقد جاءت بالتفصيل باعتبارها الرسالة الخاتمة للبشر أجمعين كي تكون هي الطريقة العملية المعتمدة في العقيدة والإيمان والأحكام العملية اليومية السلوكية وحمل الدعوة لغير المسلمين بشكل ملفت للنظر(!)؛ خاصةً وبالتحديد ونحن قد وصلنا -في هذه البحوث- إلىٰ قرب نهاية العهد المكي.. وقبيل الإنتقال إلىٰ العهد المدني وإنشاء الكيان الإسلامي وما يتبعه من مَدٍّ له في شرق الارض المعمورة وغربها فشمالها وجنوبها.. مع ملاحظة بشكل خاص الدور الفذ الرائع الذي قام به :« قَارِئُ الْمَدِينَةِ »[(2)] الصحابي الجليل: „ مصعب بن عمير ” في تهيئة المناخ العام؛ وإصلاح البيئة في يثرب قُبيل إنتقال نبي الهدي ورسول الرحمة إلىٰ مدينته المنورة؛ وقلتُ -أسفاً- أن دور الصحابي الجليل مصعب بن عمير وسيرته قد غابا ومنذ زمن عن حملة الدعوة سواء في داخل بلاد المسلمين [ولا أقول بلاد الإسلام؛ إذ اليوم المطبق من الإسلام -فقط- جزء من العبادات وليس كلها وبعض شعائره].
قلتُ (الرَّمَادِيُّ): غابتْ دراسة سيرة هذا الصحابي الجليل في بلاد المسلمين والتي تسكنها أكثرية مسلمة أو أقلية أو في بلاد الغرب.. دراسة عملية سلوكية.. وأتفق أن الكثير من المناطق يعاني المسلم؛ وخاصة المرأة المسلمة من سوء معاملة الآخرين لهم؛ ولكن هذا لا يتفق مع وجود منظمات إقليمية ومؤسسات رسمية وهيئات دولية عالمية تحمل الشارة الإسلامية وتتلحف بوشاح الإسلام اسماً فلا تحمل الدعوة بشكل ملفت للنظر(!) بل شجب واعتراض؛ وتوزيع كتيبات بلغات أجنبية أو مصحف مترجم يحتاج لمفسر؛ الذي غاب هو التعامل الحي المؤثر مع الآخر وفق الكتاب الكريم وسنة النبي الرسول العظيم..-إلا من رحم ربي- وهذا يعود لعدم مساندة دول تدعي أنها إسلامية تتعدىٰ 57 كيانا [ما يقترب من ثلث دولة العالم].. تتجمع تحت غطاء منظمة التعاون الإسلامي.. أو هيئة إسلامية -النمسا مثالاً- معترف بها في غالبية دول القارة الأورُبية (الاتحاد الأورُبي)؛ ولعل بحث هذا الإخفاق الظاهر يحتاج لدراسة تفصيلية أرحلها في بحوث قادمة.
.. قصدت مِن هذا المدخل أن دراسة قَصص الأنبياء كما ذُكرتْ في القرآن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين يجب دراستها؛ وأيضاً دراسة سيَّر الصحابة الكرام والصحابيات ذات الذيل الطاهر والقدر الرفيع العالي دراسة علمية فقهية سلوكية؛ إذ أننا يجب علينا :
١ . ] قراءة القرآن الكريم قراءة منهجية تشريعية فقهية سلوكية وليس فقط قراءة تجويد وتحسين (وهذا بالطبع مطلوب)؛ وقلت (الرَّمَادِيُّ): سابقاً أنه يكفي-أولاً- دراسة آيات الأحكام؛ كما يجب :
٢ . ] قراءة أحاديث الرسول الكريم قراءة تطبيقية سلوكية ننزلها علىٰ الأحداث والوقائع لنطبقها في الحياة. ويكفي دراسة أحاديث الأحكام؛ والأمر الثالث :
٣ . ] دراسة سيَّر السلف الصالح بدءاً من صحابة الرسول الكرام والصحابيات؛ فدراسة سيَّر السادة التابعين لهم بإحسان؛ فتابعي التابعين.. وأضيف (الرَّمَادِيُّ): السادة العلماء أصحاب القدم الراسخ في العقيدة والفقه!
ـــــــــــــــــــــ
( التَّمْهِيدُ ) :
مرتْ ما يقرب من :" ثلاث عشرة سنة من البعثة المحمدية وصل النبيّ الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مع قريش إلىٰ طريق مسدود، فقد آمن من آمن منها، وبقي غيرهم علىٰ شركه وعناده، ولم يعد من المتوقّع أن يؤمن أحد آخر من أهلها، فلم يكن ثمّة جدوىٰ من الصبر علىٰ الأذىٰ والتحمّل، طالما أنّه لا يوجد أمل في إيمان آخرين من قريش.. فبدأت مرحلة فجر الدعوة المكّيّة بالأفول، وأشرقت مرحلة الحفاظ علىٰ المكاسب الإيمانيّة التي حصلت، وتمّ إنقاذها من التدمير من قِبل قريش، فلا بدّ من البحث عن مكان آمن تنتقل إليه الدعوة الإسلاميّة .
فــ بعدما آمن سعد بن معاذ، وفشا ذكر الإسلام في المدينة، حتى لم يبقَ دارٌ من دور الأنصار، إلا وفيه مسلمون.. عاد مصعبُ بنُ عُمير رضي الله عنه إلى مكة المكرمة ليخبر النبيّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ويُبشّره بأنّ يثرب لم تَعُد بيثرب، بل طابت بالإسلام والإيمان، ومظاهر التّقوىٰ والإحسان.. عاد ليُخبره بأنّ يثرب قد مُلِئت طرقاتها من حطام الأصنام، وأنّ أبواب أهلها أضْحت مشرّعة لاستقباله واستقبال دعوته -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فقد حمل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم خبر إسلام أهل القوة والمنعة في المدينة. فــ لم يَبْقَ إلاّ أن يأتي وفد المدينة من الأوس والخزرج، ليُبرِمُوا البيعة الثّانية لنصرة النبيّ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فترى الجميع في انتظار موسم الحجّ على أحرّ من الجمر..
وجاء الموسم الموعود .. حان موعد الحجّ، فتداعى الحجيج إلى البيت العتيق، وسالوا من كلّ فجّ عميق .. والكعبة لا تنتظر إلاّ وفدا قادما من حرّة المدينة .. فهم لا يحملون إليها أصناما .. ولا يعلّقون بها تمائم .. إنّما سيحملون معهم توحيدا طاهرا يغسل ما علق بها من أدران الشّرك والوثنيّة ..
فإنّ الكعبة اشتاقت إلى عبادة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام.. ".[(3)]
-*-*-
*.] :" بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ [الْبَرَكةِ] الثَّانيّة [ذو القعدة من العام 0 ق. ه. ~ يونيو من العام ٦٢٢ م. ]
زمنها : السنة الثالثة عشر من النبوة- يونيو سنة 622 م-
في موسم الحج لــلــ عام الثالث عشر من النبوة[(4)] وبعد مرور عام كامل علىٰ بيعة العقبة الأولىٰ حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً مِن المسلمين مِن أهل يثرب، جاؤوا ضمن حجاج قومهم مِن المشركين.
وقد تساءل هؤلاء المسلمون فيما بينهم- وهم لم يزالوا في يثرب أو كانوا في الطريق- حتىٰ متىٰ نترك رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ .
ففي أواخر العهد المكي؛ كان حال النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كما وصفه جابر بن عبدالله الأنصاري : (فيروي لنا -رضي الله عنه- عن ذلك فيقول: «فَقُلْنَا حَتَّىٰ مَتَىٰ نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟!) هذه كانت حالة النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في نهاية المرحلة المكية؛ كما السواد القاتم الذي يسبق طلعة الفجر.
فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- اتصالات سرية[(5)] ويبدو أنّ مصعباً قَبْل حضوره إلى مكّة، كان قد رتّب اجتماعاً بين الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وبين مسلمي يثرب بعد انتهاء موسم الحجّ.
هذه الاتصالات أدت إلى إتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق[(6)] وواعدهم أن يجتمع بهم في العقبة في اليوم الثاني من أيّام التشريق ليلاً، وأمرهم بالحفاظ على سرِّيَّة الاجتماع.. في الشِعْب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولىٰ من منى،.
أي إلى أن يوافوه في الشِعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم، أي الذي يقال له مسجد البيعة[(7)] وأن يتم هذا الإجتماع في سرية تامة في ظلام الليل..
فواعد الرسول ومسلمو يثرب اللقاء في العقبة في ليلة الثاني عشر من ذي الحجة علىٰ أن يكون سرا حتىٰ لا تعلم قريش أو مشركو يثرب به فيفسدوه، ولما حان الموعد بدأ المسلمون يتسللون تسلل القطا[(8)] إلىٰ مكان الاجتماع وخرج إليهم الرسول ومعه عمه العباس وكان لايزال مشركا ولكنه أراد أن يثبت لابن أخيه من أهل يثرب[(9)] ولنترك أحد قادة الأنصار يصف لنا هذا الإجتماع التاريخي، الذي حول مجرىٰ الأيام في صراع الوثنية والإسلام، يقول كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: (خرجنا إلىٰ الحج، وواعدنا رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بالعقبة من أوسط أيام التشريق، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- لها، ومعنا عبدالله بن عمرو بن حَرام[(10)] ، سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا- وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا- فكلمناه، وقلنا له: يا أباجابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلىٰ الإسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- إيانا العقبة، قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا) .
قال كعب: (فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتىٰ إذا مضىٰ ثلث الليل خرجنا من رحالنا لمعاد رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتىٰ اجتمعنا في الشِعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان[(11)] من نسائنا: نسيبة بنت كعب- أم عمارة- من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو- أم منيع- من بني سلمة) [(12)] . ومعهم مصعب ليبايعوا رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ، وسر الرسول بانتشار الإسلام بين أهل يثرب ووجد فيهم المنعة والنصرة والحماية، ووجد المسلمون في يثرب الملجأ والملاذ والمأوىٰ فتاقت إليها نفوسهم وهفت إليها أفئدتهم وتمنوا ساعة الخلاص[(13)] . فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- حتىٰ جاءنا، ومعه (عمه) العباس بن عبدالمطلب- وهو يومئذ علىٰ دين قومه- إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، و تَوَثَّق له، وكان أول متكلم[(14)] . ".
-*-*
*.] بداية المحادثة وتشريح العباس لخطورة المسؤولية :
فَقَالَ الْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: يَا ابْنَ أَخِي لَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ جَاءُوكَ إِنِّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ فَلَمَّا نَظَرَ الْعَبَّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ ،[(15)] .
أقول: وهذا لا يخالف ما جاء أنه كان معه -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أيضا أبوبكر وعليّ لأن العباس أوقف عليا على فم الشِعب عينا له، وأوقف أبابكر على فم الطريق الآخر عينا، فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله أعلم،
وبعد أن تكامل المجلس بدأت المحادثات لإبرام التحالف الديني والعسكري، وكان أول المتكلمين هو العباس بن عبدالمطلب عم رسول الله[(16)] تكلم ليشرح لهم- بكل صراحة- خطورة المسؤولية التي ستلقىٰ علىٰ كواهلهم نتيجة هذا التحالف.
قال: (يا معشر الخزرج - وكان العرب يسمون الأنصار خزرجا، خزرجها وأوسها كليهما- إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الإنحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده) .
وفي رواية أن العباس قال: قد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رأيكم وائتمروا بينكم، ولا تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه.
قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت[(17)] .
وفي رواية: خذ لنفسك ما شئت، واشترط لربك ما شئت
وهذا الجواب يدل على ما كانوا عليه من عزم وتصميم وشجاعة وإيمان وإخلاص في تحمل هذه المسؤولية العظيمة، وتحمل عواقبها الخطيرة.

وألقى رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بعد ذلك بيانه، ثم تمت البيعة.
*.] بنود البيعة:
وقد روى ذلك الإمام أحمد [حديث رقم 14232 ] عن جابر مفصلا.
قال جابر: قلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟
(فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُبَايِعُكَ. )
قَالَ: تُبَايِعُونِي :
1. ] البند الأول عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَ
علىٰ
2. ] البند الثاني النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَ
عَلَى :
3- البند الثالث الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَ
4- البند الرابع : وعلىٰ أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَ
5- البند الخامس[(18)] والأهم؛ عَلَىٰ أَنْ تَنْصُرُونِي فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ[(19)]، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ. قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ ...» [(20)] .
وفي رواية كعب- التي رواها ابن إسحاق- البند الأخير فقط من هذه البنود، ففيه قال كعب: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق (نبيا) لنمنعنك مما نمنع أزرنا[(21)] فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا (عن كابر) .
ولما أراد الأنصار أن يستوثقوا لأنفسهم أيضاً من الرسول.. قال: فاعترض القول- والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم- أبوالهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ .
قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم[(22)]
وفي لفظ بدل الدم «اللدم» وهو بالتحريك: الحرم من القرابات: أي حرمي حرمكم. تقول العرب: اللدم اللدم، إذا أرادت تأكيد المحالفة هدمي وهدمكم واحد، أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته «وذمتي ذمتكم، ورحلتي مع رحلتكم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم»
أي وعند ذلك قال لهم العباس رضي الله تعالى عنه عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم في هذا الشهر الحرام والبلد الحرام، يد الله فوق أيديكم لتجدّن في نصرته ولتشدن من أزره، قالوا جميعا نعم، قال العباس: اللهم إنك سامع شاهد، وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته واستحفظهم نفسه، اللهم كن لابن أخي عليهم شهيدا.
*.] التأكيد من خطورة البيعة
وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي 11، 12 من النبوة، قام أحدهما تلو الآخر، ليؤكدا للقوم خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية ويتأكدا من ذلك.
قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: «الجنة» . قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه[(23)] .
وفي رواية جابر، قال: فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ -وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ -إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ ، [أَكْبَادَ الْإِبِلِ] إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنَّ يَعَضَّكُمُ السَّيْفُ[تَعَضَّكُمُ السيوف] فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَيْهَا إِذَا مَسَّتْكُمْ وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ وَمُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً ، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ عُذْرٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ[(24)] .
*.] عقد البيعة :
وبعد إقرار بنود البيعة، وبعد هذا التأكيد والتأكد بدأ عقد البيعة بالمصافحة، قال جابر- بعد أن حكى قول أسعد بن زرارة-: فَقَالُوا : يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا(25)] وحينئذ عرف أسعد مدى استعداد القوم للتضحية في هذا السبيل، وتأكد منه- وكان هو الداعية الكبير مع مصعب بن عمير، وبالطبع فكان هو الرئيس الديني على هؤلاء المبايعين- فكان هو السابق إلى هذه البيعة.
قال ابن إسحاق: فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده[(26)]
وبعد ذلك بدأت البيعة العامة، قَالَ جابر: فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا فَأَخَذَ عَلَيْنَا [البيعة] لِيُعْطِيَنَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، يعطينا بذلك الجنة[(27)] .
وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة فكانت قولا. ما صافح رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أجنبية قط[(28)] .
*.] اثنا عشر نقيبا
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتخاب؛ اي أن يختاروا من بينهم اثني عشر (زعيما) يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عنهم في تنفيذ بنود هذه البيعة.
قال كعب: وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم». فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
.. فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة في الخزرج وثلاثة من الأوس.
وهاك أسماؤهم: نقباء الخزرج: 1- أسعد بن زرارة بن عدس. 2- سعد بن الربيع بن عمرو. 3- عبدالله بن رواحة بن ثعلبة. 4- رافع بن مالك بن العجلان. 5- البراء بن معرور بن صخر. 6- عبدالله بن عمرو بن حرام. 7- عبادة بن الصامت بن قيس. 8- سعد بن عبادة بن دليم. 9- المنذر بن عمرو بن خنيس.
نقباء الأوس: 1- أسيد بن حضير بن سماك. 2- سعد بن خيثمة بن الحارث. 3- رفاعة بن عبدالمنذر بن زبير[(29)]
وفي رواية «أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا، فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل» أي لأنه عليه الصلاة والسلام حضر البيعة.
ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين.
قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي- يعني المسلمين- قالوا: نعم[(30)] .

وفي الصباح علمت قريش بأمر البيعة وأن أهل يثرب قد بايعوا محمدا ليخرج وخرجوا مسرعين إلى منازل أهل يثرب يسألوهم : إنا قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، وإنا والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فسكت المسملون وقام المشركون من أهل يثرب يحلقون لهم ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وعاد أهل يثرب إلى بلدهم، ولكن قريشا تيقنت خبر البيعة فخرجوا عليهم يظفرون بأهل يثرب ولكنهم لم يدركوا منهم إلا سعد بن عبادة فكتفوه وعادوا به إلى مكة يضربونه ويجرونه من شعره ولم يخلصه من بين أيديهم إلا مطعم بن عدي الذي أجاره فعاد إلى يثرب[(31)] .
وبعد هذه البيعة، قام العباس بن عبادة بن نضلة فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غدا بأسيافنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» ، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا [(32)].
وهكذا تمت بيعة العقبة الثانية[(33)] واصبحت هجرة الرسول والمسلمين إلى يثرب أمراً محققاً، ولكنها مسألة وقت فقط .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
(٩) [ الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ] من سلسلة بحوث عن : الرسالة النبوية؛ والدلائل الإعجازية؛ والدعوة الإبراهيمية؛ والبشرىٰ العيساوية؛ والشمائل المصطفوية؛ والخصائل الرسولية؛ والصفات الأحمدية؛ والأخلاق المحمدية؛ لـــــ خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين : سيدنا محمد بن عبدالله خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم
بحوث :„ ما قبل الهجرة النبوية الشريفة ‟؛ على صاحبها أفضل الصلوات وأتم السلامات وكامل التبريكات وعظيم التنعيمات؛ مسألة :„ بَدْءُ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ ‟-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-.
„البيعتان ‟
[ ١١٠ ]« بيعة العقبة الثانية سنة 13من البعثة »
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
حُرِّرَ في يوم الإثنين ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٣ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ~ الموافق ١٥ من شهر نوفمبر عام ٢٠٦١ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم العذراء البتول عليهما السلام.

الحواشي والمصادر:
[(1)] أهمية هذا المدخل بعنوانه أن الذي هيأ المناخ العام والبيئة الصالحة لبناء الكيان الإسلامي الأول في يثرب والتي تحولت بعد هجرته الشريفه إلىٰ المدينة المنورة؛ ثم أنطلق المدُّ الإسلامي منها إلىٰ بقية أنحاء المعمورة.. اقول: أن الذي قام بهذا الدور: صحابي جليل وليس النبي الكريم نفسه.. ” مصعب بن عمير “ وهذه إشارة واضحة آلهية ومِن ثم نبوية لدور المسلم في بناء المجتمع الإسلامي.. وهذه الجزئية مِن بحثي تحتاج لمزيد تفصيل؛ ابحثها -إن شاء الله تعالىٰ- في نهاية الكتاب في مجلد :" الشخصيات المحورية في سيرة النبي المختار.ً!.
[(2)] .
http://www.aymanwahdan.at/austria_today/1_ramadi_sira_nabwia21.htm
[(3)]عبدالحليم تومات؛ سلسلة السيرة النبوية؛ ومجلة الوعي بتصرف.
[(4)] رحيق مختوم؛ المباركفوري.
[(5)] المصدر السابق.
[(6)] المصدر السابق.
[(7)] إنسان العيون سيرة النبي المأمون.
[(8)] طائر معروف: بالخفة والحذر ..
[(9)] الأزهر البيعة.
[(10)] كانت فاتحة خير؛ أن أسلم هذا الصنديد السيد، عَبْدُاللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، الذي شهد بدرا، وقُتل في أحد، ذلك الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدث ولده جابر :
" أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ ؟ "
قَالَ جابر بن عبدالله : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ !
قَالَ : " مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ، إِلا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ : يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي؛ فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ : إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يَرْجِعُونَ ! قَالَ : يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي " قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ أخرجه ابن ماجه (186 )؛ وصححه الألباني].
[(11)] ومن الملاحظ أن عددَ أصحابِ العقبةِ زاد خلال السنواتِ الثلاثِ الأخيرةِ من ستٍ(*٦*) إلى اثني عشر(*١٢*) إلى سبعين(*٧٠*) ..
انتبه : لا أتحدث عن المسلمين في المدينة ! إنما أشير إلىٰ حركة حملة الدعوة الفاعلين في المجتمع اليثربي الذين كَلفوا أنفسهم مشقة السفر وتحمل تبعة البيعة؛ هذا النجاح الكبير للدعوة الإسلامية في المدينة كان بفضل رجال حملة دعوة توفر فيهم الإيمان والإخلاص والحماسة والعمل . وهذا ما غاب اليوم عند البعض!!.
[(12)] منهم اثنان وستون رجلا من الخزرج وأحد عشر رجلاً من الأوس وامرأتان من الخزرج ويذكر اليعقوبي أن عدد من حضر العقبة الثانية سبعون رجلاً وامرأتين، جـ2، ص 38 . .
[(13)] الأزهر البيعة.
[(14)]السيرة لــ ابن هشام: ج: ( 1 )؛ ص: ( 440، 441).
[(15)] المستدرك:ج: (3) [ ص: 531 ]
[(16)] ووجود العباس هنا له مغزىً مهم؛ ذلك لتعلمَ الأنصارُ أن الذين يدافعون عن محمد -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ليس أتباعه فحسب ؛ إنما يَنقسمُ الذب عن محمدٍ، على المسلمين عامة، وعلىٰ آل محمد خاصة مسلمهم وكافرهم علىٰ حد سواء؛ وهؤلاء المشركون ممن هم من بني هاشم وبني عبدالمطلب هم الذين ساندوا النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في محنة الحصار؛ ودخلوا معه الشِعب بقيادة أبي طالب.
يشير العباس إلىٰ ذلك بقوله : " وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ".
أما قوله : " وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ "، ففيه مبالغة. وموقفه هذا، وكلمته البليغة تيك؛ إنما يهدف بذلك كما قال سيدنا كعب : " أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقُ لَهُ" .
وفي ذلك درسٌ لأبناء الدعوة الإسلامية؛ أن يستعينوا برجالات المجتمع المنصفين ممن يُحسبون في صف المخالفين للدعوة؛ فقد تجد نماذجَ محترمة، ومعادنَ طيبة في بعض القادة والساسة والكُتاب ممن لا يعملون للفكرة الإسلامية. وواجب الدعوة أن تستفيد من هذه الرموز المنصفة خير استفادة لمصلحة الدعوة؛ كأن نَدْعُوهم لعمل مشترك، أو نوجه أحدهم لباب من أبواب الخير للدين، أو نعقد ندوة أو محاضرة لكاتب من كتابهم؛ يشرح ويطرح ما يخدم الدعوة.
علىٰ أن بعض قادة الدعوة أحيانًا يقعون في خطإٍ؛ هو العمل علىٰ تلميع هذه الرموز التي لا نضمن ولاءها الكامل للدعوة الإسلامية، وفي نفس الوقت نرىٰ بعض هؤلاء الرجال ـ من أبناء الدعوة الإسلامية ـ من لا يُحسن تفعيل الكوادر الفكرية والتربوية التي تنضوي تحت لواء الدعوة الإسلامية؛ ممن يستطيعون أن يسدوا مسد غيرهم أو يسدوا شيئًا من مسدهم.
هذا جانب من فقه موقف العباس .
وجانب آخر؛ أن يُحسن الداعية التمترس بأهله وعائلته وعشيرته؛ وأن يتخير لدعوته منهم؛ من يُوجهه التوجيه السديد لخدمة الدعوة، وهذا بالضبط ما صنعه النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مع العباس، ومع عمه أبي طالب من قبل..
[(17)] السيرة النبوية أبن هشام؛ ج: (1( ؛ ص: ( 441، 442).
[(18)] وهذه خماسيةٌ ؛ فوق سادسيةِ العام السالف، فتم للأنصارِ أحدَ عشرَ بندًا؛ هي نواة الدولة الإسلامية التي أوشكت على السطوع.
ومن الملاحظ أن بنود هذه البيعة أشد وأعلى من بنود السابقة.
أنت ترى " الإنفاق والقتال" في طيات هذه البيعة الكبرى.
إن الجهاد بالنفس والمال هو جوهر هذه البيعة العظيمة؛ فلا قوام لدعوة ولا دولة ولا خلافة دون تضحية بالنفس وبالمال . ..
[(19)] وهو الميثاق الغليظ الذي أخذه الله على الأمم السابقة؛ وقتما بُعث محمدٌ؛ لتؤمنن به ولتنصرنه :
{وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81].
[(20)] رواه الإمام أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم وابن حبان، انظر مختصر سيرة الرسول للشيخ عبدالله النجدي ص 155، وروى ابن إسحاق ما يشبه هذا عن عبادة بن الصامت، وفيه بند زائد، وهو «ألا ننازع الأمر أهله» انظر ابن هشام 1/ 454..
[(21)] العرب تكنىٰ عن المرأة بالإزار؛ وتكنىٰ أيضا بالإزار عن النفس. فهي كناية عن أنفسهم ونسائهم .
[(22)] السيرة النبوية لـ ابن هشام: ج: (1)؛ ص: ( 442). وانظر أحمد في مسنده.
[(23)] السيرة النبوية لـ ابن هشام: ج: (1)؛ ص: ( 446).
[(24)] رواه الإمام أحمد من حديث جابر في مسند أحمد ابن حنبل؛ مسند جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- حديث رقم 14232.
[(25)] المستدرك: ج: (3)؛ ص: (531).
[(26)] قال ابن إسحاق: وبنو عبدالأشهل يقولون: بل أبوالهيثم بن التيهان، وقال كعب بن مالك: بل البراء بن معرور [(انظر: ابن هشام؛ ج: (1)؛ ص: (447)] فــ: لعلهم حسبوا ما دار بينهما وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة، وإلا فأحرى الناس بالتقديم إذا ذاك هو أسعد بن زرارة. والله أعلم.
[(27)] مسند الإمام أحمد: حديث رقم 14232؛ والمستدرك:ج: (3)؛ ص: (531)؛ وقال الحاكم :" هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ جَامِعٌ لِبَيْعَةِ الْعَقَبَةِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ.
[(28)] الرحيق المختوم، بتصرف؛ أنظر صحيح مسلم؛ باب كيفية بيعة النساء: ج: (2)؛ ص: (131).
[(29)] زبير بالباء الموحدة، وقيل: بالنون. وقد قيل بدل رفاعة، أبوالهيثم بن التيهان.
[(30)] السيرة النبوية لــ ابن هشام؛ ج: (1) ؛ ص: ( 443، 444، 446) .
[(31)] راجع في بيعة العقبة الأولىٰ والثانية: ابن هشام 2/31 – 58، الطبري، جـ2، ص 360 – 394، ابن الأثير، جـ2، ص 68 – 70، اليعقوبي، ص 37 – 38، ابن كثير: البداية، جـ3، ص 360 – 364 ..
[(32)] زاد المعاد: ج: (2(؛ ص: (51) .
[(33)] تُعرف أيضاً ب:"بيعة الرجال"، وبيعة :"الحرب"، لأنها حققت بعد أن أذن الله للمسلمين بالجهاد كما تعرف أيضاً ببيعة :"العقبة الكبرى" تمييزاً لها من سابقتها الصغرى.

أعلى الصفحة
فهرس

[ ١١٠ ] قَارِئُ الْمَدِينَةِ

التَّمْهِيدُ لمسألة مُقْرىء المدينة:مِن الشخصيات المحورية في السيرة النبوية المحمدية العطرة؛ وشخصية ذات أهمية قصوىٰ في سير الأحداث وتسلسل المواقف زمن النبوة؛ نحتاجها نحن اليوم لــ دراستها كي نعيد التقييد بالهدي النبوي؛ والتمسك به وتفعيله في الحياة اليومية؛ وتلك الشخصية والتي لعبت دوراً أساسياً جوهرياً في سير الدعوة؛ خاصةً إثناء مفصل الربط والإنتقال ما بين العهد المكي والعهد المدني في يثرب -مدينة المصطفى- وقبل خروج النبي الرسول-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مهاجراً مِن مكة المكرمة إلىٰ مدينته المنورة؛ وما قامت به تلك الشخصية بتهيئة الأجواء وإزالة العقبات من طريق الدعوة قُبيل قدوم نبي آخر الزمان..
.. تلك الشخصية هي -بلا شك- شخصية الصحابي الجليل -رضي الله تعالىٰ عنه- :
" مُصْعَبُ بْنَ عُمَيْرٍ "
وهو : شاب مـتألق؛ أشد التألق، وكان مضربَ المثلِ في تربيته ورعايته من قِبل والديه ووجاهته وحسن هندامه وتعطره ورفاهيته بين شباب قريش"[(1)]
ونحتاج لدراسة شخصيته دراسة عملية تطبيقية؛ بعد أن صارت الكثير من قضايا الإسلام تطرح علىٰ مسامع الشباب والشبيبة بصورة مملة تقليدية خالية من المضمون.. وتلقى على أذان الكبار والعجزة مكررة معادة لا تحرك ساكناً..
فــ حين أقوم(كاتب هذه السطور) بربط الأحداث بين السابق الشامخ من سيرته العطرة وسيرة صحابته العظام وافعالهم وتصرفاتهم وبين الحاضر الحالي المخزي؛ فأنت ترىٰ المسلم الذي يعيش في بلاد الغرب؛ خاصةً -سواء طالب علم من جامعات أورُبا.. أو باحث عن عمل؛ أو لاجئ أو مَنْ يعلو منبر مصلىٰ أو من يتولىٰ إدارة صفحة إلكترونية ينشر من خلالها ما يرضي رغبة جمهور متابعيها علىٰ الشبكة العنكبوتية -الإنترنت- دون فائدة علمية.. أو مسؤول أمام حكومات الغرب يقوم برعاية شؤون مَن يتولىٰ أمرهم؛ أو ممثل بعثة دبلوماسية لــ حكومة دولته-.. هؤلاء جميعاً.. لم يتمثل أحد منهم -إلا مَن رحم ربي؛ وهم قلة- شخصية هذا الشاب -رضي الله عنه- كقدوة بعد الإسوة الحسنة والقدوة الطيبة لـ رسول الإسلام-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في حمل الدعوة لــ سكان القارة الأوربية أو الأمريكيتين أو أستراليا؛ أو في كيفية عرض أفكار وقيّم الإسلام ومفاهيمه وقناعاته ومقاييسه بإسلوب يتناسب مع مَن يخاطبهم بلغتهم الأم.. إلا في حالات نادرة كندرة الكبريت الأحمر؛ صحيح يوجد ما يزيد عن خمس ترجمات لمعاني القرآن العظيم باللغة الألمانية؛ ولكنها عسيرة الفهم لناطقي اللغة نفسها؛ وتحتاج لمن يشرح جمل الترجمة ويوضحها..
وقد تحول التواجد في الغرب إما إلىٰ محاولة إندماج من طرف واحد داخل المجتمع أو صراع لفظي أو عراك مادي؛ وهذا الصراع أو العراك يعود لغياب المؤسسات الرسمية -داخل أو خارج دول الغرب- أو التجمعات الأهلية -في الغرب- العربية منها أو مَن تتجمع تحت مسمىٰ إسلامي..
أقول : غاب عن الجميع أو يكاد عرض الإسلام بشكل ملفت للنظر في حمل الدعوة وتبيان أحكامه العقائدية والعملية الحياتية؛ خاصةً المتعلقة بالناحية الإجتماعية -علاقة الرجل بالمرأة؛ وما يترتب عليها- أو تبيان علاقة المسلم بغير المسلم في مجتمع غير إسلامي تعلوه مسحة دينية..
والملاحظ أنه يمكن القول -على أفضل تقدير- أنه يتم تبيان الإسلام بشكل غير مدروس أو ممنهج وفق معايير الإسلام وقيمه؛ والمفارقة أن مَن أسلم من أهل الغرب كان نتيجة إطلاعاته على أساس الإسلام- القرآن الكريم وسنة النبي- وليس بناء على سلوكيات المسلمين؛ إلا في حالات الزواج المختلط؛ فتؤمن الزوجة بإسلام زوجها نتيجة معاشرته بالمعروف معها؛ بناءً على الآية الكريمة والتي تقول : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا :«„ لِّتَسْكُنُوا ”»؛ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم :«„ مَّوَدَّةً ”»؛ وَ :«„ رَحْمَةً ”»؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون } [الروم:21] وهي حالات أيضا نادرة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مَدْخَلٌ:
ومما يدعوني الى الكتابة عن أحد صحابة النبي الكرام؛ قول النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- :« إنَّ اللهَ اختار أصحابي على العالمينَ؛ سِوَى النبيِّين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعةً - يعني - : أبابكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، رحمَهُم اللهُ؛ فجعلهم أصحابي. وقال في أصحابي : كلُّهم خيرٌ. واختار أمتي على الأممِ، واختار [ من ] أمتي أربعةَ قرونٍ: القرنُ الأولُ، والثاني، والثالثُ، والرابعُ » (*) .
وبناءً على ما قاله نَّبيِّ الهدى -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: « لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه » .
ولأن حبهم وتوقيرهم:" من أجل فضائلهم ومناقبهم.. لأن محبة الصحابة لكونهم صحبوا رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- ونصروه وآمنوا به وعزروه وواسوه بالأنفس والأموال.. فمن أحبهم فإنما أحب النبي-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فحب أصحاب النبي -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ ورضوان الله تعالى عليهم أجمعين- عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه.. كما جاء في الحديث الصحيح : [ حب الأنصار من الإيمان وبغضهم من النفاق ] وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وإنما يعرف فضائل الصحابة -رضي الله عنهم- من تدبر أحوالهم وسيرهم وآثارهم في حياة رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان والمجاهدة للكفار والمشركين ونشر الدين واظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضا ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئا .
ويكفينا ما ذكره" الله -تعالى ذكره- في كتابه من ثنائه عليهم؛ وما لرسول الله-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم " . [(2)]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضَيفُنا هو:
" مُصْعَبُ بْنَ عُمَيْرٍ "
الذي :«„ كَانَ قَبْلَ إسْلَامِهِ مِنْ أَنْعَمِ قُرَيْشٍ عَيْشًا وَأَعْطَرِهِمْ طيباً[(3)].. وَكَانَ أَبَوَاهُ يُحِبّانِهِ.. وَكَانَتْ أُمّهُ تَكْسُوهُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ الثّيَابِ.. وَكَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكّةَ.. يَلْبَسُ الْحَضْرَمِيّ مِنْ النّعَالِ.. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُهُ فَيَقُولُ: "مَا رَأَيْت بِمَكّةَ أَحْسَنَ لَمّةً وَلَا أَرَقّ حُلّةً وَلَا أَنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ" [ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ]. وَذَكَرَ أَيْضًا بِإِسْنَادِ لَهُ قَالَ كَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَتَى مَكّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا وَسِنّا.. وَكَانَتْ أُمّهُ شَدِيدَةَ الْكَلَفِ بِهِ وَكَانَ يَبِيتُ وَقَعْبُ الْحَيْسِ[(4)] عِنْدَ رَأْسِهِ يَسْتَيْقِظُ فَيَأْكُلُ.. فَلَمّا أَسْلَمَ أَصَابَهُ مِنْ الشّدّةِ مَا غَيّرَ لَوْنَهُ وَأَذْهَبَ لَحْمَهُ وَنَهَكَتْ جِسْمَهُ حَتّى كَانَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ فَرْوَةٌ قَدْ رَفَعَهَا، فَيَبْكِي[(!؟)] لِمَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ نِعْمَتِهِ[(5)]
قلت(الرَّمَادِيُّ) : وهذا في سبيل حمل الدعوة وفق المنهاج المصطفوي والطريقة السنية المحمدية.. والكيفية الرسولية النبوية وفق الشريعة الإسلامية.. وليس كما نرىٰ ونسمع ونشاهد كما يحدث مِن بعض الحركات والجماعات ذات الوشاح الإسلامي دون حقيقة الإسلام الحنيف؛ والذي جاء به نبي الهدى ورسول الرحمة.
.. ثم تأتي الضغوط النفسية والمعاناة السرية فَــ قد حَلَفَتْ أُمّهُ حِينَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ أَلّا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ وَلَا تَسْتَظِلّ بِظِلّ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهَا، فَكَانَتْ تَقِفُ لِلشّمْسِ حَتّىٰ تَسْقُطَ مَغْشِيّا عَلَيْهَا، وَكَانَ بَنُوهَا يَحْشُونَ فَاهَا بِشِجَارِ وَهُوَ عُودٌ فَيَصُبّونَ فِيهِ الْحَسَاءَ لِئَلّا تَمُوتَ ”»[(6)]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ 1. ] وضيفنا هو الشاب الذي تخرج مِن :«„ المدرسة ”» المصطفوية :«„ دار الأرقم بن أبي الأرقم ”» بالقرب مِن الصفا؛ ثم أتم تعليمه في :«„ الأكاديمية ”» المحمدية..
ثم هو :" [ أحد مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ] فِرَارًا بِدِينِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ[(7)] ..
فَــ
قَدْ تَقَدَّمَ - نُشر علىٰ موقع (أوستروعرب نيوز) ترقيم خاص مِن 80 وحتىٰ 88- بحوث عن :"
- الإيذاء على يد سفهاء المشركين؛
- الإيذاء البدني لصاحب الدعو !؛
- الْأَذِيَّةُ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ الأوائل ؛
- المستضعفون ؛
- أَبَو يَحْيَىٰ؛ صُهَيْبٌ بن سنان ؛
- عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَة ؛
- أَبُو فُكَيْهَةَ ؛
- جَارِيَةٌ مِنْ بَنِي الْمُؤَمَّلِ ؛
- صحابِيَّةٌ رُومِيَّةٌ ﴿ زِنِّيرَةُ ﴾ ..
فقد "- ذِكْرُ أَذِيَّةِ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانُوا يُعَامِلُونَهُمْ بِهِ مِنَ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالْإِهَانَةِ الْبَالِغَةِ، وَكَانَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ حَجَزَهُمْ عَنْ رَسُولِهِ-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَمَنَعَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا - أَرْضِ الْحَبَشَةِ - فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْبِعْثَةِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَأَنَّهُمُ انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِ مَا بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ، فَاسْتَأْجَرُوا سَفِينَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ إِلَى الْحَبَشَةِ، منهُمْ :" ... ( مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ).. [(8)] .
:" فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ ".
أتكلم عن الدور الجوهري والأساسي الذي قام به :" مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ". في يثرب؛ مدينة رسول الله-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-
تبدء الأحداث بُعيد " بَدْءِ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-:"
ولكي نربط الأحداث بعضها ببعض ..
فقد :" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَاعِزَازَ نَبِيِّهِ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا ".
[الرجاء : راجعة الفقرات ترقيم خاص من 102 إلى 109].
فالحديث هنا عن :" [(9)]:" بيعة العقبة الأولى: فقد
* .] كانت بيعة العقبة الأولى في السنة الثانية عشرة من مبعثه-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-وفي موسم الحج. ".
.. :" فَجَلَسُوا مَعَهُ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-فَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ.
قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ -أهل يثرب- فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قد غزوهم ببلادهم، فَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم شئ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ نَتَّبِعُهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ.
فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- أُولَئِكَ النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لبَعض يَا قوم تعلمُونَ وَالله إِنَّه النَّبِي الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ.
فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، وَعَسَىٰ أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَىٰ أَمْرِكَ وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
فَأَسْلَمُوا وَوَاعَدُوهُ إِلَىٰ قَابِلٍ.
.. انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَىٰ بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا "..
إذاً فهم :
" رَجَعُوا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ،
ثُمَّ
" وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- معَاذ بن عَفْرَاءَ وَرَافِعَ بْنَ مَالِكٍ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا يُفَقِّهُنَا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا مفصلية في سير الأحداث وذات أهمية قصوى في بلاد الغرب.. مِن تعلم أحكام الإسلام من عقائد وفقه؛ وخاصةً الجيل الثاني والثالث من ابناء التجمعات العربية والإسلامية غير ناطقة بعربية القرآن وعربية سنة رسول الإسلام؛ فمن يقوم بتعليمهم وتدريسهم!؟..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فَنَزَلَ عَلَىٰ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ.
فــ * .] الدعوة الأولىٰ في المدينة قبل الهجرة إليها بعث رسول الله-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مصعب بن عمير لــ
*.] يقرئهم و
*.] يعلمهم الإسلام و
*.] يفقههم في الدين فــ
كان يسمىٰ (مقرىء المدينة) وكان منزله على أسعد بن زرارة.
إذاً فقد :
" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِمَنَافِ بْنِ عَبْدِالدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأَمَرَهُ ".
١ .] أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ، وَ
٢ . ] يُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ
٣ .] وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ.
".ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ إِسْحَاقَ:.. قَالُوا كُلُّهُمْ: فَنَزَلَ مُصْعَبٌ عَلَىٰ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ،[ بن عدس أبي أمامة.".][(10)] فَكَانَ يُسَمَّىٰ بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ[(11)].
" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. ".
" وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كَتَبَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ(***) ، [وَفِي إِسْنَادِهِ غَرَابَةٌ ] .. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
* * *
ولكي لا أظلم أحداً؛ فبعض من يعتلي المنبر في الغرب يقوم بهذه الأدوار الثلاثة؛ ولكن ما غاب عنهم جميعاً هو ..
ومن هنا يبدء دور رابع :
" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِيبٍ، وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبى بكر ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ابْنَ خَالَةِ أسعد بن زُرَارَة، فَدخل حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ عَلَى بِئْر يُقَال لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ.
وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بن الْحضير يَوْمَئِذٍ سَيِّدًا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَىٰ دِينِ قَوْمِهِ[12)]. [قال الطبري:" وكان سعد بن معاذ بن النعمان ابن امرئ القيس، ابن خالة أسعد بن زرارة.]
فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدٌ ابن معاذ لِأُسَيْدٍ بن حضير: لَا أَبَا لَكَ! انْطَلِقْ إِلَىٰ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا.
قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَالَ لِمُصْعَبٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ.
قَالَ مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ.
قَالَ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عقبَة: فَقَالَ لَهُ غُلَام: أَتَيْتنَا فِي دَارنَا بِهَذَا الرعيد الْغَرِيب الطريد ليتسفه ضُعَفَاءَنَا بِالْبَاطِلِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. ".
" ابْنُ إِسْحَاقَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ.
قَالَ: أَنْصَفْتَ.
قَالَ: ثُمَّ رَكَّزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.
فَقَالَا فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ.
ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟
قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ثمَّ تصلي.
__________
فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. ".
" ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إِلَىٰ سَعْدٍ وَقَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ سعد ابْن معَاذ مُقبلا قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ.
فَلَمَّا وَقَفَ عَلَىٰ النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فعلت؟ قَالَ: كلمت الرجلَيْن، فو الله مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ.
وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَة خَرَجُوا إِلَىٰ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنهم عرفُوا أَنه ابْن خالتك ليحقروك. [عند الطبري:" ليخفروك]
قَالَ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُغْضَبًا مُبَادِرًا تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا سعد، فَلَمَّا رآهما مُطْمَئِنين عرف أَن أسيدا إِنَّمَا أَرَادَ أَن يسمع مِنْهُمَا، فَوقف عليهما متشتما ثمَّ قَالَ لاسعد بن زُرَارَة: وَالله يَا أَبَاأُمَامَةَ وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، أتغشانا فِي دَارنَا بِمَا نَكْرَهُ؟
قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ لِمُصْعَبٍ: جَاءَك وَالله سيد من وَرَائه [من] قَوْمُهُ إِنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمُ اثْنَانِ
قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَقْعُدُ فَتسمع، فَإِن رضيت أمرا رغبت فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ.
قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ،
ثُمَّ
رَكَّزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ.
وَذَكَرَ مُوسَىٰ بْنُ عُقْبَةَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ أَوَّلَ الزُّخْرُفِ.
قَالَ: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ.
قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثمَّ تصلي رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ.
ثُمَّ
أَخَذَ حربته، فَأقبل عَائِدًا إِلَىٰ نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ.
فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟
قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً.
قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حرَام حَتَّىٰ تؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله.
قَالَ: فو الله مَا أَمْسَىٰ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا أَوْ مُسْلِمَةً.
وَرجع سعد وَمصْعَب إِلَىٰ منزل أسعد بن زُرَارَة، فأقاما عِنْدَهُ يَدْعُوَانِ النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ، حَتَّىٰ لَمْ تَبْقَ دَارٌ - أَيْ مَحَلَّةٌ، مِنْ دُورِ الْمَدِينَة- مِنْ دَوْرِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ.
إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ، وَوَائِلٍ، وَوَاقِفٍ، قَبِيلَةِ أَبِي قيس، ثبطهم عَن الاسلام ".وَتِلْكَ أَوْسٌ، وَهُمْ مِنَ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ. ".
* . ] انتهاء المهمة الدعوية:
قبل حلول موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليبشر الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- بنجاح مهمته بتوفيق من الله عز وجل. ".
قلت: وهذا الدور الرابع من افعال مصعب بن عمير غاب عن المسلمين!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) رواه: جابر بن عبدالله؛ انظر: الألباني؛ في: السلسلة الضعيفة: (6123)؛ الحديث: ضعيف.
وبتتبع الأحاديث والتي جاءت بصيغة :"إن الله أختار اصحابي" . تبين أنها ضعيفة مثل :
*.) ما رواه جابر بن عبدالله؛ انظر : الذهبي؛ في : ميزان الاعتدال: (2/442)؛ الحديث: فيه عبدالله بن صالح الجهني له مناكير ".
*.) :" إنَّ اللهَ اختارَ أصحابي على جميعِ العالمينَ... الحديثَ بطولِه. رواه أيضاً: جابر بن عبدالله؛ انظر: النسائي؛ في: تهذيب التهذيب: (5/258 )؛ الحديث: موضوع
*.) :" إنَّ اللهَ اختارني واختار لي أصحابي وأصهاري ، وسيأتي قومٌ يَسُبُّونَهُم ويُبْغِضُونَهم فلا تُجَالِسُوهُم ولا تُشَارِبُوهُم ولا تُوَاكِلُوهُم ولا تُنَاكِحُوهُم". رواه: عبدالله بن عباس؛ انظر: الألباني؛ في: ضعيف الجامع؛ (1537 )؛ الحديث: ضعيف ".
*.) :" إنَّ اللهَ اختارني واختار لي أصحابي، فجعل لي منهم وُزَرَاءَ وأصهارًا وأنصارًا، فمَن سَبَّهُم فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ منه صَرْفًا ولا عَدْلًا ". رواه: عويم بن ساعدة الأنصاري؛ انظر: الألباني؛ في : ضعيف الجامع: (1536)؛ الحديث: ضعيف ". وانظر: في: السلسلة الضعيفة: (3036) ؛ الحديث: ضعيف ".
قلت: " وأعجبُ أن :" الذهبي؛ محمد بن عثمان؛ قد ذكر طائفة من هذه الأحاديث في كتابه :" الكبائر " ولم يعلق البته على درجة الصحة أو الضعف فيما استند إليه من أحاديث في باب : " الكبيرة السبعون : سب أحد من الصحابة -رضوان الله عليهم- ". !
(**) مخرج في الصحيحين.
(***) الحديث لا يصح أو إسناده فيه ضعف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الجمعة‏، 23‏ ربيع الأول‏، 1443هــ ~ ‏الجمعة‏، 29‏ تشرين الأول‏، 2021م
-*-*
أعد هذا الملف : د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــالدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ -حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَ

-أعلى الصفحة
فهرس

[ ١٠٩ ] ذكر العقبة الأولىٰ:

تمهِيد:
ما زلنا ندرسُ بحوثَ العَهدِ المكي؛ وهو العَهدُ الأول مِنْ عَهدي الدعوة الإسلامية في زمن النبوة.. وهو الأساس المتين الذي سيبنىٰ عليه العهد الثاني؛ وقد وصلنا إلىٰ أحداث ما قُبَيل البيعتين - حين لَقِيَّ وفد حجيج يثرب ( أنصار المصطفىٰ ) النبيَّ الأكرم- وشارفنا علىٰ ما سيحدث قَبْل الهجرة النبوية الشريفة مِن مَكةَ المكرمة - مسقط رأس نبي الهدىٰ والرحمة؛ ومبدء الرسالة الخاتمة - إلىٰ المدينة المنورة - أول كيان تنفيذي لمبادئ الإسلام الحنيف؛ وأول كيان تطبيقي لمجموعة المفاهيم والقيم وكتلة المقاييس وحزمة القناعات الإسلامية والتي جاءت عن طريق الوحي بواسطة أمين السماء جبريل نزل بها علىٰ قلب أمين السماء والأرض محمد بن عبدالله -عليهما السلام- -.
و
[ * . ] عهدا الدعوة الإسلامية ومراحلهما:
يَصلح أن أقسم الرسالة الإسلاميّة الخاتمة في زمن النبوة؛ والدعوة المحمديّة والبعثة المصطفويّة - علىٰ صاحبها الصلاة والسلام والتحية- إلىٰ عهدين يمتاز أحدهما عن الآخر تمام الامتياز وهما:
[ ١ . ] العهد المكي، ثلاث عشرة سنة تقريباً.
[ ٢ . ] العهد المدني، عشر سنوات كاملة.
ثم يشتمل كل مِن العهدين علىٰ مراحل ونقاط إلتقاء ومفاصل ربط؛ ولكل منها خصائص ومميزات تمتاز بها عن غيرها، ويظهر ذلك جلياً بعد النظر الدقيق في الظروف التي مرت بها الدعوة خلال العهدين.
ويمكن تقسيم العهد المكي إلىٰ ثلاث مراحل:
[ ١ . ] مرحلة سرية التكتل؛ وعلنية الدعوة، ثلاث سنين.
[ ٢ . ] مرحلة إعلان الدعوة في أهل مكة، مِن بداية السنة الرابعة مِن النبوة إلىٰ أواخر السنة العاشرة.
[ ٣ . ] مرحلة الدعوة خارج مكة، وفشوها فيهم، مِن أواخر السنة العاشرة مِن النبوة إلىٰ هجرته-صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- المباركةإلىٰ المدينة.
أما مراحل العهد المدني ومفاصل ربطه بعضه ببعض فسيجيء -بإذنه عز وجل- تفصيلها في موضعه -إن شاء الله تعالى؛ وبحسن توفيقه ورعايته-.[(1)]
وعند الحديث عن البيعتين نستأنسُ -أساساً- بحديثٍ رواه الصحابي الجليل الأنصاري ( جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ ) يشرح لنا فيه مفاصل مرحلة مِنْ أهم مراحل العهد المكي ثم مِنْ بعد هذه المرحلة ستأتي الهجرة الشريفة إلىٰ يثرب مدينته المنورة والتي طيب الله تعالىٰ ثراها بمرقده وبجواريه صاحبيه الصديق والفاروق -رضوان الله تعالىٰ عليهما وعلىٰ الآل وبقية الأصحاب- وسأستعين بعد الله- تبارك وتعالى - بدواوين السيرة والتي تقبلتها الأمة بالاستحسان والقبول؛ وسأسعىٰ بعون مِن الله -عزَّوجلَّ- وكرم وفضل في تفصيلها إلىٰ مفاصل مترابطة ومتتالية.
فقد خرَّج ابن حبان في صحيحه أنَّ النبي الرسول -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- :
وأُقَسِمُ حديثَ جابرٍ إلىٰ فقرات ليسهل فهم الحدث:
« „ ١ ‟» مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَكَّةَ سَبْعَ(1) سِنِينَ يتتبَّع النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ؛ ويوافي كل موسم سوق [(2)] بعُكاظ ومُجَنَّةَ وسوق ذي المجاز.. وَالْمَوَاسِمِ بِمِنًى.. و.. يتبع القبائل في رحالها؛ ويغشاها في أنديتها.. يدعوهم إلىٰ أن :
« „ أ ‟» يمنعوه
لــ
« „ ب ‟» يبلغ رسالة ربه
فلا يجد أحدا
« „ ج ‟» ينصره [(3)]..
فكان رسول الله -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عَلَىٰ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَىٰ الإِسْلامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ الْهُدَىٰ وَالرَّحْمَةِ، لا يَسْمَعُ بِقَادِمٍ يَقْدَمُ مِنَ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ إِلا تَصَدَّىٰ لَهُ فَدَعَاهُ إِلَىٰ اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ [(4)].
-*-
قلتُ(الرَّمَادِيُّ) :"وهذه السنَّةُ النبويَّة العطرة الطيبة غابت تماماً عن حملة الدعوة.. سواء في بلاد يسكنها أهل الإسلام حين يأتي مَن هم من أهل الغرب لزيارتهم؛ وأشدُ منها مَن يسكن مِن المسلمين في بلاد الغرب بل يستوطنها بل ويحمل جنسيتها.. وهي من السنن النبوية الغائبة!".
-*-
ويكمل الصحابي الجليل جابر القول:
فــ يَقُولُ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- :
« „ ١. ١ .‟» :« مَنْ يُؤْوِيني »
و
« „ ١. ٢ .‟» :« يَنْصُرُني »
و
﴿ الغرض والهدف مِن هذا الإيواء وتلك النصرة ﴾
« „ ١ . ٣ ‟» :« حَتَّىٰ أُبَلِّغَ -صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- رِسَالَاتِ رَبِّي؟ »
وهنا تأتي إضافة بعد ما يَقُولُ: » مَنْ يُؤْوِينِي، وَيَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي «.. إذ يَقُولُ: » وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ « .. فَلَا يَجِدُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤْوِيهِ.
ثم يبين لنا الصحابي جابر بن عبدالله ردود افعال الناس تجاه دعوة النبي فيقول :
« „ ٢ ‟» حَتَّىٰ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ (لَيَرْحَلُ) مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ (إِلَىٰ ذِي رَحِمِهِ) فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ.. فيأتي منهم التنبيه إذ يَقُولُونَ:
« „.٢ ١ ‟»:„ احْذَرْ غُلامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنْكَ [(5)].‟؛
ومن ردود افعالهم:
وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ (يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ)
« „٣ . ‟» وَهُمْ يُشيرون إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ؛
ثم تأتي اللحظة الفاصلة؛ إذ يقول الصحابي جابر :
« „ ٤ ‟» حَتَّىٰ بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ[(6)]. :
-*-
وهنا نبحث آحدىٰ أحداث سنة آحدىٰ عشرة من البعثة؛ بل أهمها علىٰ الإطلاق دون تقليل قيمة وشأن الأحداث الآخرىٰ
جاء في البدء والتاريخ للمقدسي:" حتىٰ كانت سنة إحدىٰ عشرة من النبوة لقي ستة نفر من الأوس(**) عند العقبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ الإسلام وعرض عليهم أن يمنعوه فعرفوه وقالوا:" هذا النبي الذي يوعدنا يهودنا به.. وهموا يقتلوننا قتل عاد وإرم".. فأمنوا به وصدقوه وهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر بن حديدة ومعاذ بن عفراء وجابر بن عبدالله بن رئاب وعوف بن عفراء وعقبة بن عامر وأول من أسلم فيهم أسعد بن زرارة وقطبة بن عامر وكان يقول في الجاهلية لا إله إلا الله ويقال بل أول من أسلم أبوالهيثم بن التيهان وكان لا يقرب في الجاهلية الأوثان فانصرفوا إلىٰ المدينة وذكروا أمر رسول الله صلى الله عليه فأجابهم ناس وفشا فيهم الإسلام " [(7)].
[الرجاء: مراجعة ترقيم آستروعرب نيوز : [ ١٠٤ ] تحت عنوان: الْأَنْصَار]
ذكر العقبة الأولىٰ] :
ومن الحوادث في هذه السنة[إحدىٰ عشرة من النبوة ] :
خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامئذ إلى الموسم وقد قدم وفد من [أرض] الأنصار اثني عشر « „ ١٢ .‟» : رجلا ، فلقوه بالعقبة، وهم:
« „ ١. ‟» :« أسعد بن زرارة » ، و
« „ ٢. و ٣ .‟» :« عوف ومعوذ [في ابن هشام: « معاذ »] ابنا الحارث بن رفاعة، و
« „ ٤.‟» :« رافع بن مالك بن العجلان » ، و
« „ ٥. ‟» :« ذكوان [قال ابن هشام: «ذكوان مهاجري أنصاري»] بن عبدقيس بن خلدة » ، و
« „ ٦. ‟» :« عبادة بن الصامت » ، و
« „ ٧.‟» :« يزيد بن ثعلبة بن خزْمة » ، و
« „ ٨. ‟» :« عباس بن عبادة بن نضلة » ، و
« „ ٩ .‟» :« قطبة بن عامر بن حديدة » ، و
« „١٠ . ‟» :« أبوالهيثم بن التيهان » واسمه: مالك، و
« „ ١١ .‟» :« عويم بن ساعدة ».
و« „ ١٢ .‟» :« جابر بن عبدالله بن رئاب ».
فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فروى عبادة بن الصامت [كما ورد الخبر في سيرة ابن هشام:ج: (1)؛ ص: (433)، وتاريخ الطبري: ج(2)؛ ص: (356)، ودلائل النبوة:ج(2) ؛ص: (436)، وابن سعد: ج(1)؛ ص: (220)] قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولىٰ ونحن اثنا عشر رجلا أنا أحدهم، فبايعناه علىٰ بيعة النساء(!)، علىٰ أن :
« „ ١.‟» :« لا نشرك باللَّه شيئا » ، و
« „ ٢.‟» :« لا نسرق » ، و
« „ ٣.‟» :« لا نزني ». و
« „ ٤. ‟» :« لا نقتل أولادنا » ، و
« „ ٥. ‟» :« لا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا » ، و
« „ ٦.‟» :« لا نعصيه في معروف » -
وذلك قبل أن تفرض الحرب.
قال: :« فإن وفيتم بذلك فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى الله، إن شاء غفر، وإن شاء عذب[(8)]. » .
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وتأتي رواية توضح عد السنين؛ بل تصححها فقد :
" (أ) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَوْلَى ثَقِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ ".
(ب) جاءت الرواية :" أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوْسِمِ وَمَجَنَّةَ وَعُكَاظٍ، وَفِي مَنَازِلِهِمْ بِمِنًى " . وعليه نعتمد هذه الرواية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
(٩) [ الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ]
[ ١٠٩ ]: „ البيعتان ‟
« الْفَصْلُ الْأَوَّلُ » : ( العقبة الأولىٰ )
‏الثلاثاء‏، 28‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الثلاثاء‏، 05‏ تشرين الأول‏، 2021م
-*-*
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــالدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

أعلى الصفحة
فهرس

[ ١٠٨ ] : [ الطريق إلىٰ البيعة ] .

(مدخل):
ليس المقصود مِن مدخل :«الطريق إلىٰ البيعة»؛ سرد أحداث سيرته العطرة -علىٰ صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام- بكاملها مرة ثانية؛ سواء منذ مولده المبارك وما رافق المولد الشريف مِن إرهاصات ومقدمات نبوة؛ أو مِن عرض مواقف مُنذ لحظة بزوغ شمس البعثة المحمدية وإلىٰ قرب لقاءه بوفد يثرب.. بقدر مقصودي مِن هذا المدخل وضع لبناتٍ فكرية أساسية لــ بناء ذهني متصور للعيان وليس خيالي عن أحداثٍ ترتبَ عليها إنتقال الدعوة مِن طور العرض {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحِجر:94] والمناظرة {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء:214] مع أمره سبحانه له : {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [الشعراء:215] ولن تقف الدعوة عند قوله : {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُون} [الشعراء:216] بل ستنتقل الدعوة إلىٰ طور التطبيق والتنفيذ والمنهج والتشريع : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [محمد:33] وحماية لأركان مجتمع جديد أضيف : {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا} [النساء:59] ثم التقيد الكامل بالقيام بأوامره والابتعاد عن نواهيه؛ فنطق القرآن يقول : {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65] ثم يظهر للجميع بجلاء : {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} ويوضح: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة:3]. فيتبين بوضوح كضوء الشمس في رابعة النهار: أن الإسلام ليس دين تعبدي -فقط- كهنوتي بالمفهوم السائد وقتذاك؛ أو اليوم مِن قصور التدين علىٰ محاسن الأخلاق وكفىٰ وعلاقة عبدٍ برب لحظة الحاجة والضيق وحلول المصيبة؛ أو لحظة الممارسة الطقوسية.. وهذه العلاقة تستغرق مِن سبحة النهار دقائق معدودات أو جزء مِن الساعة في يوم مِن الإسبوع.. ثم تنتهي؛ لتبدء العلاقة التعبدية عند ابتلاءٍ جديد؛ فيتذكر العبد قوة خارقة لا يدركها.. فينادي يا الله(!)؛ أما بقية العلاقات والتي تربطه بالآخر فيسيرها الإنسان كيف شاء؛ وبطريقته الخاصة.
أما نظام الإسلام -وأزيد وليس فقط مصطلح :„دين”-.. فهو -نظام الإسلام- علاقة عبدٍ برب -علاقة مخلوق بخالق-؛ وهذا أولاً؛ وثانياً الإسلام هو: علاقة هذا العبد -الإنسان- بنفسه؛ وثالثاً: علاقة العبد الإنسان بغيره مِن المخلوقات.. وبهذا يزيد الإسلام عن أنه علاقة طقوس تعبدية بالمفهوم الكهنوتي.. أو ما يمارس اليوم في المعابد وبيوت العبادة.
قلتُ(الرَّمَادِيُ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ) سابقاً أن إسلام محمد؛ الرسول النبي -عليه السلام- تميّز عن بقية الأديان -السماوية والوضعية- بأنه يربط الفكرة الإسلامية والتي أوحيت إليه لحظة عرضها -وحياً مِن الخالق بواسطة ملٰك التبليغ أمين السماء جبريل فيبلغها لأمين الأرض والسماء محمد -عليهما السلام- بكيفيتها التطبيقية وطريقتها التنفيذية؛ وهو ما يسمىٰ المنهاج والشريعة؛ لقوله تعالىٰ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}[المائدة:48] فنص القرآن حين يقول : {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون} [البقرة:3] أو قوله : {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِين} [البقرة:43] فلم يبين النص القرآن كيفية إقامتها ولا عدد ركعاتها أو تمام كيفية السجود.. فجاء رسول الهدىٰ بقوله :«صلوا كما رأيتموني اصلي»؛ ولم يقل : "صلوا كما أنا -الرسول محمد- اصلي". إذ بينهما فارق بين رؤيتنا له وإدراكنا إيها وفهمها فقياً وبين حقيقة صلاته.. كما أنه -عليه السلام- أظهر لنا في مسألة الزكاة: متىٰ تخرج -بعد مرور الحول (السنة القمرية)- وقيمتها ونصابها ونوع الزكاة ومستحقيها.. أقصد أزكاة مال أم زروع أو ماشية وتجارة ومصارفها الثمانية.. كما بينتُ سابقاً أن الإسلام ينظم علاقات: العبادة بأنواعها البدنية والمالية؛ والمطاعم والمشروبات حلالها وحرامها؛ والملابس وحد العورة عند الذكر والأنثىٰ؛ وما يجب ستره؛ وعلاقة الإنسان بغيره من بني الإنسان بل بالجماد والحيوان؛ أي بقية المخلوقات كافة؛ كما وينظم شكل المجتمع من الناحية الإجتماعية -الزواج الطلاق الميراث- والناحية الإقتصادية والعقوبات والتعزير والحدود.. فهو -إذاً- طراز خاص مِن العيش وطريقة معينة في الحياة وكيفية بعينها في المعاملات!
فنركز علىٰ الحديث عن ارتباط أهل الأرض برافع السماء دون عمد نراها مِن خلال الوحي علىٰ اعتبار وجود خالق رازق محيي ومميت!؛
ثم ارتباط أهلها بنبي السماء مِن خلال التكاليف علىٰ اعتبار وجود رسول مبلغ؛
وأخيراً ارتباط أهل الأرض بأحكام السماء الشرعية العملية علىٰ اعتبار وجود خليفة؛ فإسلام محمد لم يخترع أو يبدع فكرة الخلافة؛ فقد ذُكرت كمصطلح شرعي منذ عهد آدم؛ أبي البشرية -عليه السلام- : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة:30].
والواقع العملي والمتتبع لقصص الأنبياء وأحوال الرسل يثبت وجود ذلك {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى}[ص:26] {إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء} [الأعراف:69] { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون}[النمل:62] .
فالـــ
مدخلُ لمسألةِ البيعةِ مبنيٌ علىٰ:
«„ ١ ”» قاعدة وحي السماء -أوامر ونواه ومباحات-؛ لتنظيم علاقات الإنسان الثلاث -وهي مع ربه.. ثم مع نفسه.. فمع غيره- ويتم تبليغ الوحي عن طريق رسول نبي مِن البشر؛
فــ يبنىٰ عليها:
«„ ٢ ”» قبول الناس لما يوحىٰ وبالتالي حمله وتبليغه.. أو في المقابل : معارضته وبالتالي محاربته ومحاولة القضاء عليه؛
«„ ٣ ”» الفئة التي قبلت أحكام الوحي -تشريعاً ومنهاجاً؛ بمعنى آخر الفكرة الإسلامية وطريقتها في التنفيذ وكيفيتها في التطبيق- فــ فهمته فعقلته فأدركته واستوعبته.. ستتمكن مِن تنفيذه وتطبيقه وتبيانه.
.. لذا فسأسعىٰ إلىٰ عرض مقدمات تمهيدية لبلوغ الدعوة إلى مفصل «طلب النصرة والمنعة» مِن أهلها خلال أحداث العهد المكي.. مع إثبات أن النصر حُصرَ عند الله -تعالىٰ- ؛ لقوله :{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم} [آل عمران:126] مع توفر شرط : {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم} [محمد:7] بيد أنه لابد مِن الأخذ بالأسباب؛ لنص قوله -عليه السلام- :«أعقلها وتوكل»؛ وهذا ما فعله النبي الرسول مِن خروجه أولاً إلىٰ الطائف..
راجع؛ أيها القارئـ(ــة) الكريمـ(ــة):
97:" [٥ ] الْبَابُ الْخَامِسُ: الــمَسِيرُ إِلَىٰ „الطَّائِفُ‟ >> .
http://www.aymanwahdan.at/austria_today/1_ramadi_sira_nabwia20.htm#97
و : [١٠١ ] " النُّصْرَةُ : " عَرْضُ نَفْسِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْقَبَائِلِ " .. عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: « „ هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ” »
http://www.aymanwahdan.at/austria_today/1_ramadi_sira_nabwia21.htm#100
-**-
الطريق المؤدي إلىٰ بيعة رسول الإسلام؛ خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين-صلى الله عليه وآله وسلم-؛ البيعة له مِن وفد يثرب سواء البيعة الأولىٰ.. والتي سميت بيعة النساء(*)؛ أو البيعة الثانية(**)..
.. هذا الطريق للوصول إلىٰ البيعة استغرق مِن عُمر النبوة ومِن زمن الرسالة ما يقرب مِن 13 ثلاثة عشرة عاماً.. ويصلح ويصح قبل الحديث عن بيعتي العقبة؛ ومِن ثم إنتقال النبي الأكرم ويرافقه -إثناء هجرته- صديق هذه الأمة- رضي الله تعالىٰ عنه- مِن مكةَ: مبدء الوحي ونقطة انطلاق بداية الدعوة الخاتمة لرسالة السماء إلىٰ يثرب -مدينته المنورة- نقطة التمركز وتشيد الكيان التنفيذي الأول لما جاء به -عليه السلام- للناس وحياً مِن ربه بشقيه القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة؛ يصح قبل الحديث عن هذه النقلة.. والتي قلبت كل ما هو موجود علىٰ الأرض رأساً علىٰ عقب.. من حيث العلاقة التعبدية بين العبد وبين الرب أو علاقات الإنسان بأخيه الإنسان.. إذ أوجدت قوة جديدة في كل شيئ وفاعلة مؤثرة فيما حولها بما تحمل مِن مبادئ ومفاهيم إنسانية غير معهودة؛ ومقاييس بشرية غير معترف بها؛ وقيم وحقوق آدمية ومواثيق وعهود بين الناس؛ وقناعات مبلورة عن أفكار حياتية وايضاً آخروية.. هذه القوة الفاعلة المؤثرة الجديدة غيّرت موازين القوىٰ العالمية الموجودة آنذاك؛ ووضعت قدماً راسخاً بين أعظم وأكبر إمبراطوريات ذاك الزمان؛ فتحسّب لها الفرس والروم والصين والهند.. ومن غاب في ذاكرة التاريخ.. ويُعمل منذ أكثر مِن مائة عام علىٰ عدم إعادتها للحياة!.. ويكتفي البعض باطروحات نظرية كــ مَن تقوَّل : „الإسلام هو الحل”؛ فلما حَلَّ علىٰ مقعد التطبيق لم يتمكن مِن فعل شئ.. أو الصورة النمطية المتبقية في أذهان مَن غفل عن حقيقة الإسلام في نص قوله تعالىٰ واصفاً نبيه -عليه السلام- :{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}؛ والعالمون جمع عالَم؛ أي بــ بعثته صار رحمة لجميع الكائنات والموجودات.. فيتكلمون بجهل عن نشر الإسلام بحمل السيف مع فساد هذه المقولة.. أو أمثال مَن جعل الطائرات المدنية لنقل الركاب قنبلة موقوتة إنتحارية؛ ومَن تولد مِن تلك الفرق! فيفعلون ذلك حين أصابهم اليأس وتملكهم الجهل!
..هذا الوجود الجديد يصلح ويصح أن أتحدث عن كيفية الطريق المؤدي إلىٰ العهد المدني!.. فهذا الكيان التنفيذي الأول لم يولد كــ ثمرةٍ حين نَضَجَت علىٰ شجرتها سقطت في أيدٍ تلقفتها؛ أو كــ جنينٍ علمت أمه بحملها به فخرج من رحمها للساعة والتو؛ كما وأن الحديث عن هذا الكيان التنفيذي الأول ليس تاريخاً يسرد بل وقائع حياتية نحتاجها كأحكام شرعية عملية تطبيقية ليومنا هذا للخروج من هذا التيه؛ والصعود مِن بئر هذا المأزق الذي غرست فيه العقول قبل الأقدام!.
-**-
كان بدءُ نزول القرآن مناسبةً عظيمةَ الأهمية في تاريخ الإنسانية عمومًا، فهو ابتداءٌ لتلقي الإنسان آخِرَ وحي ينزل مِن السماء لهداية أهل الأرض جميعاً. وكان هذا البدءُ إشارةً إلىٰ أن الإنسانية ستظل تستمع إلىٰ هذا الوحي ما دامت الحياة قائمة؛ لأن الله -تعالىٰ- لن يُنزل بعد القرآن وحيًّا، كما أنه لن يرسل بعد الرسول محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نبيًّا.
لهذا كله اهتم الصحابة ومَن بعدهم مِن علماء المسلمين بتحديد موعد بدء نزول القرآن وما نزل فيه من الآيات، باعتبارها اللحظة الأولىٰ في شروق شمسهم علىٰ العالم، ولحظةَ البدء في ولادة أمة الإسلام ذات الوجود الأصيل في هذا العالم.[(1)]
ولعلي أجدُ في رواية جابر بن عبدالله- رضي الله تعالىٰ عنه- سنداً اتمثل به في هذا المقال؛ إذ أن - الحديثُ الذي يَحكي فيه جابرُ بنُ عبدِاللهِ -رضِيَ اللهُ عنهما- قِصَّةَ الدَّعوةَ مِن بِدايتِها في مكَّةَ حتىٰ الهِجرةِ إلىٰ المدينةِ؛[(2)] - يصح اعتماده ضوءَ إرشاد لما سأقوله.. بيد إني سأذكر محطات رئيسة كبرىٰ في سير الدعوة؛ وليس سردا تفصيلاً :
:« ١ » : في اللحظةِ الأولىٰ والتي كُلف فيها محمد بن عبدالله بحمل الرسالة ومِن ثم تبليغها؛ جاء وحي السماء يبلغه كما جاء في رواية عائشة أم المؤمنين-رضي الله تعالى عنها- :«حَتَّىٰ فَجَأَهُ الْحَقُّ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ :„يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ”»؛ ومن بعد : «ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ :„يَا مُحَمَّدُ، أَنَا جِبْرِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّه ”» . [(3)]
قال ابن شهاب الزهري: سمعت أباسلمة بن عبدالرحمن قال: أخبرني جابر بن عبدالله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي : « فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً فرفعتُ بصري قِبَل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء علىٰ كرسي بين السماء والأرض.. فجئتُ حتىٰ هويتُ إلىٰ الأرض. فجئتُ أهلي فقلت : „زملوني.. زملوني.. فزملوني”»؛ فأنزل الله تعالىٰ : {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ [***]}؛ إلىٰ قوله : { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }؛ فهذا يبين أن : «المدثر» نزلت بعد تلك الفترة وأن ذلك كان بعد أنْ عاين الملك الذي جاءه بحراء أولاً. فكان قد رأى الملك مرتين ».
.. وهذه مقدمة ضرورية ليعلم محمد الإنسان أنه صار نبياً وأصبح رسولاً وأن محدثه -جبريل؛ ملٰك أمين السماء علىٰ وحي ربه- جاءه في المرة الأولىٰ وهو -عليه السلام- يتحنث في غار حراء في شهر رمضان؛ حين بلغ الأربعين مِن عمره المجيد :«ثُمَّ قَالَ : „اقْرَأْ”؛ قُلْتُ :„مَا أَقْرَأُ ؟”؛ قَالَ : „فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّىٰ بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ”؛ ثُمَّ قَالَ : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [(4)] فَقَرَأْتُ»؛ وهذا النص عند الطبري[(5)] في تفسيره..
وفي الصحيحيين[(6)] من : حديث الزُهري عن عروة عن عائشة قالت : «حتىٰ جاءه الحق وهو في غار حراء. فجاءه الملٰك فقال : „اقرأ”؛ قال :„ما أنا بقارئ”؛ (يعني لست أعرف القراءة) قال : „فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني”؛ فقال : „اقرأ”؛ فقلت : „ما أنا بقارئ”؛ فأخذني فغطني الثالثة حتىٰ بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال :„اقرأ”؛ فقلت :„ما أنا بقارئ”؛ فأخذني فغطني الثالثة حتىٰ بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.. كتب صاحب التفسير المنير؛ د. الزحيلي يقول :"كان أول ما نزل مِن القرآن الكريم قول الله -تعالىٰ- مِن سورة العلق: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} {خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ} {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} {عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} [العلق 97/ 1- 5](7)]، وذلك يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة إحدىٰ وأربعين (****) مِن ميلاده صلّى الله عليه وسلّم، في غار حراء، حين بدأ الوحي، بواسطة جبريل الأمين -عليه السّلام-.[(الزحيلي)].[(8)]
.. يأمره-سبحانه وتعالى-؛ ومَن سيتبعه بأمر وتكليف؛ إذ أن „الدين” في عمومه: تصور لــ آِلهٍ.. يعتقد فيه ويؤمن به وإنه سوف يُعبد.. أما التكليف الأول في إسلام محمد خرج عن المألوف.. فــ „دينٌ سماوي” ينبغي أن يكون الحديث -في بدايته- عن العبودية والآُلهية والوحدانية؛ لكن الاتصال الأول بين جبريل الملٰك أمين السماء علىٰ وحي ربه وبين النبي المكلف -عليهما السلام- جاء بتكليف غير مألوف أو معتاد في ذلك الزمان؛ فالتكليف يقول: {اقْرَأْ} [العلق:1] [(9)] نزلَ علىٰ قلب رجل أُمي لا يحسن القراءة ولا يجيد الكتابة؛ كي لا يتسرب إلىٰ عقل أحد فيقول:" لــ تعلمه -في صغره وصباه- وقراءاته -المتعددة- ولثقافته-الواسعة- نقل ما عند الآخرين؛ ونَسَبَهُ إلىٰ نفسه أو إلىٰ الدين الجديد الذي يدعو له".. فأغلق القرآن -كتاب الله -تعالىٰ- والذي نزل علىٰ قلب محمد باعتباره نبياً ورسولاً.. أغلق أمام مَن سيتخرص في أي زمان.. فيقول أنه نقل مِن ثقافات الآخرين أو مِن كتب السابقين أو مِن كِتابيّ أهل الكتاب: التوراة والإنجيل.. ولتحقيق هذه الجزئية -وقد ابحثها في قابل الأيام- كانت إجابة مَن اراد منه القراءة أن رد قائلاً: «ما أنا بقارئ»؛ كما جاء في الصحيحيين .
.. قال العسقلاني في شرحه علىٰ صحيح البخاري :" أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ :{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق} [العلق:1] [(10)].
ولي(الرَّمَادِيُ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ) مع أول ما نزل مِن القرآن الكريم تبليغاً وتكليفاً لمتمم المبتعثين وآخر المرسلين وخاتم الأنبياء؛ لي وقفة إذ أن المطلوب شرعاً وتكليفاً قراءة كتابين؛ وليس كتاباً واحداً -كما يظن البعض أو يَفهم-..
الأول منهما : القرآن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين بنص قوله تعالىٰ : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} فهذا هو الكتاب الأول؛ وهو ما يطلق عليه البسملة مضافاً إليها الإستعاذة -أحكام بداية القراءة والتلاوة-؛ وقد يكون هذا من حيث الخصوص.. ويوجد ما يفيد الزيادة علىٰ مجرد قراءة نص قرآني -آيات المصحف الشريف- سواء للتعبد أو للحفظ؛ وعند الزحيلي في تفسيره المنير : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}؛ {واقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} : إطناب بتكرار الفعل :{اقْرَأْ}؛ لمزيد الاهتمام بشأن القراءة والعلم. فيكون هناك كتاب زائد علىٰ الكتاب الأول لينسجم عقد الكلمات القرآنية بأعتبارها تشريعاً وليس كتاب مطالعة؛ أو كراسة إنشاد.. فتجد النص يتكلم عن : {الَّذِي خَلَق}[العلق:1]. ولم يتكلم عن الذي يجب أن يُعبد أو يُسجد له أو يُطاع.. ولكن النص القرآني ينبه عن خالق : {الَّذِي} خلق كل ما عداه مِن موجودات أو بتعبير أدق مخلوقات؛ ثم يأتي بمثال لتلك المخلوقات وعلىٰ رأسها الذي كُلف بقراءة الكتابين فنطق القرآن يقول : {خَلَقَ الإِنسَانَ} ويبين أنه : {مِنْ عَلَق}.. وعليه فكل العلوم المتعلقة بالإنسان مِن تعليم وصحة ودواء وغذاء وكساء وبناء يجب تعلمها في أمة محمد؛ وعليه باعتبار الإنسان مثالاً تأتي بقية الأمثلة مِن المخلوقات؛ فنتعلم علم الأحياء والزراعة وبقية علوم الكائنات!
-*
:" ورد عند القرطبي:"قوله تعالى : " ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ، أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ "
(*) قوله تعالى : " أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً "
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :« مرض أبوطالب فجاءت قريش إليه، وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعند رأس أبي طالب مجلس رَجُل، فقام أبوجهل كي يمنعه ، قال : وشكوه إلى أبي طالب، فقال :„يا ابن أخي ما تريد من قومك ؟”؛ فقال:«„ يا عمِّ إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها الجزية العجم”»؛ فقال :„وما هي ؟”؛ قال :«„لا إله إلا الله”»؛ قال : فقالوا :{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً}؛ قال : فنزل فيهم القرآن :{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ}؛ حتى بلغ:{إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ}؛ [خرجه الترمذي أيضا بمعناه. وقال : هذا حديث حسن صحيح].
(*) وقيل : لما أسلم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شَقَّ على قريش إسلامه فاجتمعوا إلى أبي طالب وقالوا :„اقض بيننا وبين ابن أخيك”؛ فأرسل أبوطالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :„يابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تَمِل كُل المَيْل على قومك”؛ قال :«„وماذا يسألونني”»؛ قالوا :„ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك”؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«„أتعطونني كلمة واحدة وتملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم”»؛ فقال أبوجهل :„لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها”؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«„قولوا لا إله إلا الله”»؛ فنفروا من ذلك وقاموا؛ فقالوا :„{أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً}؛ فكيف يسع الخلق كلهم إله واحد”؛ فأنزل الله فيهم هذه الآيات إلىٰ قوله :{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} ”.
يتبين مما سبق ذكره أن طريق الدعوة مثمر لمن وفقه الله تعالى للسير على خطى نبيه ويلتزم بهدي رسوله؛ ونقر بما شاهدناه في سابق البحوث من وجود العناء بل وألوان من العذاب {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون}[يوسف:21]
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بيعة النساء :" بيعة العقبة الأولى مُتَقَدِّمة علىٰ نُزُول الآية، التي نزلتْ - بلا خلاف - بعد فتْح مكة، قال ابن حجر: إنَّ التصريح بأن البيعة الأولىٰ في العقبة هي بيعة النساء، وهمٌ مِن بعضِ الرواة، وذكر عدة أدلَّة تثبت صحَّة قولِه؛ منها:
• أنَّ هذه الآية نزلتْ - بلا خلاف - بعد قصة الحديبية، فكيف يقرؤها النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم في تلك البيعة؟!
• ما أخرجه الإمام مسلم من طريق الأشعث، عن عبادة في هذا الحديث: "أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخذ علىٰ النساء".
فهذه أدلَّة ظاهِرة في أنَّ هذه البيعة إنَّما صدرتْ بعد نزول الآية؛ بل بعد صُدُور البيعة؛ بل بعد فتح مكة.
والراجح في نصِّ بيعة العقبة الأولىٰ التي بايع عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وفد المدينة، ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت - قال: "بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألاَّ ننازع الأمرَ أهلَه، وأن نقوم - أو نقول - بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم". [ انظر: د. هدى بنت دليجان الدليجان؛ تفسير آية بيعة النساء في سورة الممتحنة (1/2)؛ المصدر: مجلة الدرعية، العددان التاسع والثلاثون والأربعون.] .
(**) بيعة الحرب :" قال ابن حَجَر في الرَّدِّ على ابن إسحاق في تسمية بيعة العقبة الثانيةِ بيعةَ الحرب: "والصواب أنَّ بيعة الحرب بعد بيعة العقبة؛ لأنَّ الحرب إنَّما شرعت بعد الهجرة، وهذه البيعة إنَّما كانت على عدم الفرار".
وبيعة الحرب إنَّما كانت في غزوة بدر عندما نزل قوله - تعالى -: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾. "[ راجع: د. هدى بنت دليجان الدليجان؛ تفسير آية بيعة النساء في سورة الممتحنة (1/2)؛ المصدر: مجلة الدرعية، العددان التاسع والثلاثون والأربعون.] .
(***) :" .. ثم جاء الإنذار الثاني بقوله : {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء:214]:" وبعد تأكد النبي صلى الله عليه وسلم من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه، صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم علىٰ الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم هتف‏:‏ ‏(‏يا صباحاه‏)‏
وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم‏.‏
ثم جعل ينادي بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل‏:‏ ‏«‏يا بني فهر، يا بني عدي، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبدمناف، يا بني عبدالمطلب‏»‏‏.‏
فلما سمعوا قالوا‏ :‏„من هذا الذي يهتف‏؟‏”؛ قالوا‏ :„محمد‏”؛‏ فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبولهب وقريش‏.‏
فلما اجتمعوا قال‏:‏ «‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيَّ‏؟»‏‏.‏
قالوا‏ :‏„نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏”.‏
قال‏:‏ ‏«‏إنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله‏»؛ ‏‏(‏ أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو‏)‏ «‏خشى أن يسبقوه فجعل ينادي‏:‏ „يا صباحاه”‏»؛‏ ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعمَّ فقال‏:‏ ‏«‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا‏».‏
«يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏».‏
«يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار»‏ .
«يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏».‏
«يا معشر بني عبدمناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا‏».
«يا بني عبدشمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏».‏
«يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار‏».‏
«يا معشر بني عبدالمطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ماشئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا‏».‏
«يا عباس بن عبدالمطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا‏».‏
«يا صفية بنت عبدالمطلب عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا‏».‏
«يا فاطمة بنت محمد رسول الله ، سليني ما شئت من مالي، أنقذِ نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغني عنك من الله شيئًا‏».‏
.. «غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها‏»؛‏ أي أصلُها حسب حقها‏.‏
ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبالهب واجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسوء، وقال‏:‏„تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا‏؟‏”؛ فنزلت‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏}‏ ‏[‏سورة المسد‏:‏1‏]‏‏.‏
كانت هذه الصيحـة العالية هي غاية البلاغ.
ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏94‏]‏، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله ، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم‏:‏ ‏{‏يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏59‏]‏،وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد‏.‏
اضيف ما اراه مفيدا بخصوص هذه المسألة:
رؤساء قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه وسلم
مَا دَارَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ، وَتَفْسِيرٌ لِسُورَةِ الْكَهْفِ
المكان: مكة
اجْتَمَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُوسُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالنَّضْرُ ابْن الْحَارِثِ (بْنِ كَلَدَةَ)، أَخُو بَنِي عَبْدِالدَّارِ، وَأَبُوالْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُوجَهْلِ ابْن هِشَامٍ وَعَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّانِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ. قَالَ: اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ :„ابْعَثُوا إلَىٰ مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّىٰ تُعْذِرُوا فِيهِ”؛ فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَأْتِهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلَّمَهُمْ فِيهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهُمْ، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ ، حَتَّىٰ جَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: „يَا مُحَمَّدُ، إنَّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْكَ لِنُكَلِّمَكَ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إلَّا قَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ” -أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ-
«وجاء من طرفهم»: „ فَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ :
«*»: تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا :
«*»: تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ :
«*»: تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ :
«*»: هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ- وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنْ الْجِنِّ رِئْيًا- فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذِرَ فِيكَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-« مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ:
«*»: اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا،
«*»: وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا،
«*»: وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فانتقلوا إلى نقطة أخرىٰ، وطلبوا منه أن يسأل ربه أن يسير عنهم الجبال، ويبسط لهم البلاد، ويفجر فيها الأنهار، ويحيى لهم الموتىٰ ـ ولا سيما قصي بن كلاب ـ فإن صدقوه يؤمنون به‏.‏
قَالُوا :„يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا مِمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَضْيَقَ بَلَدًا، وَلَا أَقَلَّ مَاءً، وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَسَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا، وَلْيُفَجِّرْ لَنَا فِيهَا أَنَهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، فَنَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُ: أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ.
فَقَالَ لَهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ :«مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ، إنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: „فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا لَنَا، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ وَسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ”؛
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا- أَوْ كَمَا قَالَ- فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ»؛
فانتقلوا إلى نقطة رابعة، وطلبوا منه العذاب‏:‏
قَالُوا: „فَأَسْقِطْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ”؛
قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ إلَىٰ اللَّهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ»؛
قَالُوا: „يَا مُحَمَّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمَ إلَيْكَ فَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتنَا بِهِ! إنَّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ منّا حَتَّى نملكك، أَوْ تُهْلِكَنَا”.
وَقَالَ قَائِلُهُمْ: „نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ”؛ وَقَالَ قَائِلُهُمْ: „لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَأْتِيَنَا باللَّه وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا”.أو كما قال‏.
فنطق القرآن يقول : {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا}[الإسراء:90] {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا}[الإسراء:91] {أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلا}[الإسراء:92] {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولا}[الإسراء:93] .
(****) عند العمري:" بعث رسول الله وعمره أربعون سنة (1). وقد شذت رواية تفيد أن عمره ثلاث وأربعون (2). وقد سعى البيهقي للتوفيق بين القولين بالاعتماد على مرسل الشعبي: "نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن على لسانه عشرين [سنة] " (3). ولكن هذا المرسل لا يصح للاحتجاج به لإرساله، وتفرده، ومثل هذا الخبر لابد أن يشتهر ويعرف في جيل الصحابة، ثم إن مفاجأة الوحي للنبي تدل على خلافه، مما يؤيد رواية الصحيحين بأن البعثة المحمدية بدأت وعمره أربعون سنة. ".[ السِّيرةُ النَّبَويَّةُ الصَّحيْحَةُ؛ مُحَاوَلَةٌ لِتَطبِيْقِ قَوَاعِدِ المُحَدِّثيْنَ فِيْ نَقْدِ روَايَاتِ السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ؛ الدكتور أكرم ضياء العمري؛ الجزْء الأَوَّل؛ النَاشِر" مَكتَبة العُلوم وَالحِكْمَ؛ المدَينَة المُنَوَّرة ؛ ج: (1) ؛ ص: ( 124).]
قلت وعلىٰ هذا نجد ثلاثة اقوال تتحدث عن عمره وقت نزول الرسالة وزمن التبليغ :
1.] عمره أربعون سنة؛
2.] عمره واحد وأربعون سنة؛
3.] عمره ثلاث وأربعون سنة. وسيأتي -إن شاء الله تعالىٰ وبوعونه وكرمه- في نهاية البحوث مسألة المراجعة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
الإصدار الأول مِن منشورات «استروعرب نيوز»
من سلسلة بحوث عن : الرسالة النبوية؛ والدلائل الإعجازية؛ والدعوة الإبراهيمية؛ والبشرىٰ العيساوية؛ والشمائل المصطفوية؛ والخصائل الرسولية؛ والصفات الأحمدية؛ والأخلاق المحمدية؛ لـــــ خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين : سيدنا محمد بن عبدالله خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم
بحوث :„ ما قبل الهجرة النبوية الشريفة ‟؛ علىٰ صاحبها أفضل الصلوات وأتم السلامات وكامل التبريكات وعظيم التنعيمات؛ مسألة :„ الأنصار ‟
(٩) [الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ]
بحوث :„ البيعة ‟ :
[ ١٠٨ ] : [ الطريق إلىٰ :« البيعة » ]
‏الإثنين‏، 13‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 20‏ أيلول‏، 2021 م
‏الإثنين‏، 13‏ صفر‏، 1443ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

أَهْلُ „ يَثْرِبَ ‟

قال جابرٌ -رضِيَ اللهُ عنه-: „ حتىٰ بَعَثَنا اللهُ -عزَّ وجلَّ- له مِن يَثرِبَ...‟[.(1).]؛ وهي المدينةُ النَّبويَّةُ، ويَثرِبُ اسْمُها قبْلَ الإسلامِ .." .
مسألةُ أهل : „ يَثْرِب ‟ قبل مقابلة ست شخصيات منهم للنبي -عليه السلام- وقبل عرض النبي الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الإسلام عليهم؛ ثم اعتناقهم الدين الجديد.. ومسألة اختيارها وحياً وأمراً من رب العزة المكان لتكون إليها الهجرة الشريفة وتكون بها نواة الكيان الأول التنفيذي للأحكام العملية المتعلقة بالعقيدة وأفعال وسلوك المسلم.. هما مسألتان تحتاجان إلىٰ إلقاء نظرة علمية وتفحص ودراسة وتبصر؛ وبحث صفات الشعوب؛ ومميزات القبائل وأحوال العشائر.. ومقومات وجود الأمم وفناءها؛ وهل يصح استخدام مصطلح : „ Mentalität ‟؛ وتعلم مقومات كيفية بناء النفسية البشرية؛ ومقومات أسس العقلية الآدمية وفهم الذهنية الإنسانية؛ فعليهما -النفسية والعقلية بمفهوم الإسلام- ستبنىٰ خير أمة تريد البقاء هداية للناس ورحمة للكائنات؛ وهذا يعني الترجمة العملية لأتباع الرسول؛ الذي نزل في حقه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين }[.(2).].. فالتأسي به -صلى الله عليه وآله وسلم- والسير علىٰ هداه والتقييد بسنته والتمسك بطريقته يصيبنا جزءاً من رحمة النبوة؛ خاصةً حين نُفعل مع مفهوم هذه الآية مفهوما آخر : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }[.(3).].. ومن هذا المنطلق يصح إلقاء ضوء على تلك المسألتين..
إذ أن دورهم الرائع والفذ قرب إنتهاء العهد المكي ثم ما حدث منهم -أهل النصرة والمنعة=الأنصار- وسيحدث في كامل العهد المدني يحتاج لفهم حقيقة هؤلاء!.. هذه واحدة!
أما الثانية: وهي لا تقل أهمية عن الأولىٰ.. تلك البقعة مِن الأرض -مِن ناحية علم الجغرافية؛ والتي تهتم بــ :" دراسة مظاهر سطح الأرض والظواهر الطبيعية والبشرية عليها ودراسة التاثير والترابط الانعكاسي بينهما، وتقوم على أساس الموقع والموضع والامتداد. كما تعني الجغرافيا أيضا بدراسة أشكال الأنظمة الموجودة على سطح الأرض والعلاقات الرابطة بين الظواهر المختلفة "[.(4).].- والتي سوف يبنىٰ عليهما „ يَثْرِبَ؛ وأهلها مع المهاجرين‟.. الكيان الأول التنفيذي لمجموع أفكار الإسلام ومفاهيمه ومقاييسه وقناعاته وقيمه..
فـ الثابت المعلوم أن نبي الهدى ورسول الرحمة -صلى الله عليه وآله وسلم- كما :" ذكر الواقدي أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مكث ثلاث سنين مستخفياً-من حيث التكتل وليس من حيث الدعوة-؛ ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلىٰ الإسلام عشر سنين، يوافي المواسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلىٰ أن يمنعوه حتىٰ يبلغ رسالات ربه، فلا يجد أحداً ينصره ولا يجيبه، حتىٰ إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة، فيردون عليه أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: " قومك أعلم بك "، فكان ممن سُمي لنا من تلك القبائل: بنو عامر بن صعصعة؛ ومحارب؛ وفزارة؛ وغسان؛ ومرة؛ وحنيفة؛ وسليم؛ وعبس؛ وبنو نصر؛ والبكاء؛ وكندة؛ وكعب؛ والحارث بن كعب؛ وعذرة؛ والحضارمة، وذكر نحوه ابن إسحاق بأسانيد متفرقة "[.(5).]..
وقبيل نهاية المطاف.. مر علىٰ منازل ذُهْل وشيبان بن ثعلبة.. وكلمهم في الإسلام‏.‏ وقد دارت بين أبي بكر وبين رجل من ذُهْل أسئلة وردود طريفة، وأجاب بنو شيبان بأرجىٰ الأجوبة، غير أنهم توقفوا في قبول الإسلام‏.. ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقبة منى، فسمع أصوات رجال يتكلمون، فعمدهم حتىٰ لحقهم، وكانوا ستة : „ نسمات طيبة من أهل يَثْرِبَ [.(6).]‟ .. ستة نفر من شباب يثرب كلهم من الخزرج ".
ومن المعلوم ايضاً أن :" قريش كانت تستقبل القبائل والقادمين إلىٰ مكة بسبِّهم لرسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- والاستهزاء به حتىٰ لا يقبلوا دعوته، وكان عمه أبولهب يتبعه ويلاحقه ويرد عليه ويصرف الناس عنه ".. وفي رواية آخرىٰ أبوجهل المخزومي..
ونثبت ما يستحق منا إعادة النظر فيه :
________________________________________
* . ] فعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: - أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم- لَبِثَ [مكث] [بمكة ] عَشْرَ سِنينَ يَتْبَعُ الحاجَّ [الناس] في مَنازِلِهم في المَوسِمِ وبِمِجَنَّةَ وبعُكاظَ، و[في المواسم]وبمَنازِلِهم بمِنًى يقولُ: » „ مَن يُؤْويني؟ مَن يَنصُرُني؟ حتىٰ أُبَلِّغَ رِسالاتِ [رسالة] ربِّي وله الجَنَّةُ؟ ‟ «؛ فلا يَجِدُ أحَدًا يَنصُرُهُ ويُؤْويه، حتىٰ إنَّ الرَّجُلَ يَرْحَلُ مِن مُضَرَ، أو [ليخرج]مِن اليَمَنِ، إلىٰ ذي رَحِمِه، فيَأْتيه قَومُه، فيَقولون: احْذَرْ غُلامَ قُرَيشٍ لا يَفتِنُكَ، ويَمشي بَينَ رِحالِهم يَدعوهم إلىٰ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ- [وهم] يُشيرون إليه بالأصابِعِ، حتىٰ بَعَثَنا[الحديث عن جابر بن عبدالله]اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- له مِن يَثرِبَ. [.(7).].
و
* . ] عن ربيعة بن عباد -رضي الله عنه- قال:„ رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو يدعو الناس إلىٰ الإسلام بذي المجاز وخلفه رجل أحول يقول:" لا يغلبنكم هذا عن دينكم ودين آبائك"، قلت لأبي -وأنا غلام- :" مَن هذا الأحول، الذي يمشي خلفه؟"، قال: هذا عمه أبولهب ‟.[.(8).].
و
* . ] عن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال:„ كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعرض نفسه علىٰ الناس في الموقف ويقول: „»ألا رجل يعرض عليَّ قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي -عز وجل- ؟! ‟ « ‟.[.(9).] .
و
* . ] عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:„ كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه في كل سنة علىٰ قبائل من العرب، أن يؤووه إلىٰ قومهم حتىٰ يبلغ كلام الله ورسالاته، ولهم الجنة ‟.[.(10).].
صَبْرٌ وفَتْح :
لقد اتسمت دعوةُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- القبائلَ الوافدة إلىٰ مكة في المواسم والحج بالصبر علىٰ الأذىٰ، وبداية الفتوحات وانتشار للدعوة الإسلامية، فقد تعرض -صلى الله عليه وآله وسلم- فيها لأذىٰ شديد، ومعاناة كبيرة، والكثير من المواقف الأليمة، فكان أبوجهل وأبولهب يلاحقانه ويتناوبان علىٰ تكذيبه والسخرية منه وإيذائه عندما يدعو هذه القبائل، إضافة إلىٰ ما يلحقه من إعراض وأذىٰ المدعوين أنفسهم، الذي لم يقتصر علىٰ الإيذاء النفسي فحسب، بل واجه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- منهم ما هو أشد وأقسىٰ.
فقد روىٰ[.(11).] عن مدرك بن منيب الأزدي -رضي الله عنه- عن أبيه، عن جده، قال: „ رأيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في الجاهلية وهو يقول: „» يا أيها الناس قولوا » لا إله إلا الله تفلحوا « «‟؛ فمنهم مَن تفل في وجهه، ومنهم مَن حثا عليه التراب، ومنهم مَن سبَّه، حتىٰ انتصف النهار، فأقبلت جارية بعس (قدح كبير) مِن ماءٍ فغسل وجهه ويديه، وقال: „» يا بنية لا تخشي علىٰ أبيك غلبة ولا ذلة «‟؛ فقلت: " مَن هذه؟"، قالوا:" زينب بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، وهي جارية وضئية (صغيرة جميلة) ‟.[.(11).] .
... هذا هو المناخ العام الذي كان يتعايش فيه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قبيل أن يتقابل مع وفد أهل يثرب.!
لذا وجب أن نلقي نظرة فاحصة علىٰ أهل يثرب؛ والمدينة التي استقبلت الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أنه خلال ما يزيد أو يقترب من عشر سنوات لم تتمكن دعوة القبائل والحجيج ومواسم التجارة من الإتيان بثمرة.. ولكن خلال عام تقبل سكان يثرب دعوة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-!
-**-
أعود إلى التاريخ :
- يُقال إنّ اسمَ يثرب عائدٌ إلى مَن سكنها؛ إذ إنّ أوّل مَن سكنها هو „يثرب بن قانية‟؛ من وَلَد „إرم بن سام بن نوح‟؛ وقد ورد ذكر يثرب في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ) [.(12).]،[٢] .
ومن الجدير بالذكر أنّ اسم „يثرب‟؛ في الإسلام يُعَدُّ مكروهاً، واسم المدينة هو الذي يليق بها؛ فقد نهىٰ سيّدنا محمد -عليه السلام- عن تسميتها باسم „يثرب‟؛ وذلك لأنّ اسم يثرب هو من التثريب الذي يعني: الملامة، والتوبيخ، كما أنّ يثرب من الثرب؛ أي الفساد، وكلا المعنيَين يدلّان علىٰ القُبح، وقد كان نبيّنا الكريم يحبُّ الأسماء الحسنة، ويكره القبيحة.[٣] .
وكانت المدينة (يثرب القديمة) منطقة محدودة تقع في سهل يمتد من الشّمال من جبل سلع وحتّى أطراف جبل أُحد من الغرب وحتّى وادي بطحان[.(13).].[١ :" ^ أ ب ت احمد الخالدي، المدن والآثار الإسلامية في العالم، عمان - الأردن: المنهل، صفحة 64-73. بتصرّف. ".]
الطبري:" ويثرب: اسم أرض، فيقال: إن مدينة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في ناحية من يثرب. [.(14).] " الطبري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2.] سورة الأحزاب، آية: 13.
3.]^ أ ب محمد شميم بن حمزة الملبياري، إرشاد الورى بأسماء مدينة خير الورى (ص) (دراسة عن أسماء المدينة المنورة)، بيروت: دار الكتب العلمية، صفحة 46-58. بتصرّف.
(*) :" التفسير الاشتقاقي لجذر الكلمة "ثرب"
التثريب: التقريع والتقرير بالذنب. قال تعالى:{ لا تثريب عليكم اليوم}[.(15).] [يوسف/92]، ورُوي: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثربها) (هذا جزء من حديث صحيح متفق على صحته، مروي عن أبي هريرة قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر). [.(16).]، ولا يعرف من لفظه إلا قولهم: الثرب، وهو شحمه رقيقة، وقوله تعالى:{ يا أهل يثرب }[.(17).]، أي: أهل المدينة، يصح أن يكون أصله من هذا الباب والياء تكون فيه زائدة. ".
وينبغي القول-وهنا تأتي خصوصية المكان والسكان؛ أن : " اليهود أحد الجماعات التى تسكن يثرب وهم أهل كتاب وعلم- فأشعلوا فى يثرب أن نبياً فى العرب سيبعث، وحان وقت ظهوره، وأنهم سيتبعونه وينتصرون به علىٰ العرب (الأوس والخزرج)..
فلما عرض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- نفسه عليهم وكانوا ستة تذكروا مقالة اليهود لهم؛ فقالوا:" والله انه للنبي الذى توعدكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه إلىٰ الإسلام، وواعدوه اللقاء العام القادم، ورجعوا الىٰ قومهم يدعونهم إلىٰ الإسلام فاتبعهم فريق منهم وسرعان ما انتشر الإسلام فى يثرب فلم تبق دار من دور الأنصار الا وفيها خبر عن الدعوة الإسلامية ورسولها ".
.....
ولم يكن الأنصار اسما لهم في الجاهلية حتىٰ سماهم الله به في الإسلام وهم بنو الأوس والخزرج[.(18).]،
و
„الخزرج‟: الريح الباردة؛ وقال بعضهم وهي الجنوب خاصةً. ودخول الألف واللام في الأوس على حد دخولها في التيم جمع: تيمي وهو من باب رومي وروم، لأن الأوس هي العطية أو العوض ومثل هذا إذا كان علما لا يدخله الألف واللام ألا ترىٰ أن كل أوس في العرب غير هذا، فإنه بغير ألف ولام كــ „أوس‟ بن حارثة الطائي.. وغيره وكذلك أوس وأويس: الذئب[.(19).] ..
قال الراجز:
يا ليت شعري عنه والأمر عمم ... ما فعل اليوم أويس بالغنم
وأبوهم حارثة بن ثعلبة [بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزدي]، وهو أيضا: والد خزاعة علىٰ أحد القولين.. وأمهم قيلة بنت كاهل بن عذرة قضاعية؛ ويقال هي بنت جفنة واسمه علبة بن عمرو بن عامر، وقيل بنت سيع بن الهون بن خزيمة بن مدركة؛ قاله الزبير بن أبي بكر في كتاب أخبار المدينة.
و „الأنصار‟: جمع ناصر علىٰ غير قياس في جمع فاعل ولكن علىٰ تقدير حذف الألف من ناصر لأنها زائدة فالاسم على تقدير حذفها: ثلاثي والثلاثي يجمع على أفعال وقد قالوا في نحوه صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد.[.(20).]. ".
" وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان ".[.(21).] .
" الحديث عن المصطلح القرآني :«„الأنصار”»؛ -رضي الله تعالىٰ عنهم-؛ استمع إلىٰ قوله-عزَّ وجلَّ- : { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ } { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } { رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم }[.(22).].
وهو :" لقبٌ أُطلق علىٰ الذين نصروا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وآووه مِن أهل : „يثرب”: (المدينة) مِن الأوس والخزرج تمييزاً لهم من المهاجرين من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، وتخليداً لدورهم وجهودهم في نصرة الدعوة الإسلامية، وقد وردَت في السّنَّة أحاديث تشيد بفضل الأنصار وتدعو لهم ولأعقابهم وأحفادهم بالخير والبركة. [.(23).] وسوف اتحدث عنها في موضعها من قابل البحوث ".
" كان بين الأوس والخزرج منذ استقروا في مدينة :„يثرب” صراع قوي علىٰ المجد المادي والأدبي، أوجدته العصبية الجاهلية التي كانت تمشي في أرجاء الجزيرة العربية كما يمشي الوباء. وتسري بين القبائل والبطون كما تسري النار في الهشيم[وربما كانت بتحريض ومكائد من اليهود]ٍ1. وكثيرًا ما أدت هذه العصبية بين الأوس والخزرج إلىٰ حروب دامية لم تكن تهدأ حينًا إلا لتبدأ من جديد قوية عنيفة، وكان آخر هذه الأحداث ما وقع بين الفريقين في يوم بعاث2، وهو يوم مشهور في تاريخ الأوس والخزرج، هلك فيه قادتهم ورؤساؤهم، وتصدعت قوتهم، وتعرض مركزهم في يثرب للدمار والانهيار.وكان يجاورهم في يثرب جماعات من اليهود، وهم :
- بنو قينقاع، و
- بنو النضير، و
- بنو قريظة. وطالما كان هؤلاء اليهود يثيرون العداوة والبغضاء بين الأوس والخزرج حتى يأكل بعضهم بعضًا، وحينئذٍ يقيم اليهود على أنقاض هذا الضعف قوة لهم.[.(24).]
وقد أدرك الأوس والخزرج هذا الشعور من اليهود، فأخذوا يعضون بنان الندم، ويحسون بالخطر الداهم يحيط بهم، ويتطلعون ذات اليمين وذات الشمال إلى قائد وزعيم يوحِّد كلمتهم ويجمع شملهم. وكان يزيد من خوف الأوس والخزرج أن اليهود كانوا يتوعدونهم بين الحين والحين بظهور نبي من العرب يُبعث، قد قَرُب زمانه يعرفونه بأوصاف ذُكِرت في كتبهم، ويتمنون لقاءه والالتفاف حوله حتىٰ يقوي أمرهم ويطردوا الأوس والخزرج من المدينة.. وإلى هذا يشير قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ}.. وقد أخرج أبونعيم في "الدلائل" عن ابن عباس قال: "كانت يهود بني قريظة والنضير من قَبل أن يُبعث محمد يستفتحون الله، ويدعون علىٰ الذين كفروا، ويقولون: إنا نستنصرك بحق النبي الأمي، ألا نصرتنا عليهم فينصرون {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} يعني محمد، {كَفَرُوا بِهِ} . وهناك أحاديث كثيرة في هذا ذكر أكثرها السيوطي في "الدر المنثور".. وهذا الشعور الذي امتلأت به نفوس الأوس والخزرج هو الذي جعل قلوبهم مستعدة لقبول الإسلام، والخضوع لقيادة محمد عليه الصلاة والسلام. وقد شاء الله أن يلتقي جماعة من الخزرج بمحمد -صلى الله عليه وسلم- في مكة، وكان ذلك في موسم الحج سنة 620م، فسألهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أحوالهم وعن علاقتهم باليهود، وحدثهم عن الدين الجديد، وبين لهم أصوله وتعاليمه، ودعاهم إلى الدخول فيه، وتلا عليهم بعض آيات من القرآن، فتأثروا إلى حدٍّ كبير بما سمعوا. ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا: والله إنه النبي الذي تتحدث عنه اليهود وتهددنا به. فأسلم ستة منهم، ووعدوه بنشر الإسلام بين أهلهم2. [.(25).] [د. محمد الطيب النجار (المتوفى: 1411هـ)؛ القول المبين في سيرة سيد المرسلين]
__________
2 في مغازي موسى بن عقبة عن ابن شهاب ذكر جماعة منهم معاذ بن عفراء، وأسد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصامت، وأبوعبدالرحمن بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة.
أسند ذلك البيهقي في "الدلائل" 2/ 431-432 عنه ثم قال: وذكر ابن إسحاق ذلك عن شيوخه أتم مما رواه موسى عن ابن شهاب، وزعم أنه لقي نفرًا منهم أسعد بن = (1/162)
[د. محمد الطيب النجار (المتوفى: 1411هـ)؛ القول المبين في سيرة سيد المرسلين]ثم عاد هؤلاء الستة إلى المدينة -يثرب- وذكروا لقومهم أمر ملاقاتهم لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وعرضه عليهم الإسلام، فصدقوا به وآمنوا برسالته، فسارع بعضهم إلى الدخول في هذا الدين قبل اليهود، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر محمد عليه الصلاة والسلام. وفي تلك الأثناء كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة ينتظر أخبار هؤلاء الستة الذين وعدوه المجيء في الموسم القادم، ليرى أثر دعوتهم في المدينة.[.(26).] .
-*-*-
ثم ابدءُ بحسن توفيقه وجميل عونه الحديث عن بيعتي العقبة؛ وأذكر البيعة الأولى ؛ ويقدر الباحثون أن هذا اللقاء الأول قد تمَّ سنة 620 من الميلاد العجيب..[.(27).].
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الأربعاء‏، 08‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الأربعاء‏، 15‏ أيلول‏، 2021م
-*-*
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــ الدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

أعلى الصفحة
فهرس

البيعة
(١٠٦) مسألة:„ بيعة الأنصار ‟

تحدثتُ عدة مرات عن ما سميته بــ :„ شخصيات محورية ‟ رئيسة لعبت دورا مهماً أو أكملت أمراً أو قامت بفعل خدم دعوة الرسالة الإسلامية في مهدها؛ أو صاحبها أو أحد من أصحابه إثناء السير في خطوات :„ العهد المكي ‟ أو إثناء الإنتقال إلىٰ :„ العهد المدني ‟ وبناء الكيان التنفيذي الأول.. ذلك السير المرتبط بــ السيرة النبوية؛ والتي استغرقت ما يقرب مِن ثلاثة وعشرين عاماً.. وقررتُ -إن شاء الله تعالىٰ وبكرم عونه وحسن توفيقه- وعزمتُ علىٰ تخصيص ملف كامل عن تلك الشخصيات المحورية كــ :„ ملحق ‟ في نهاية البحوث؛ بيد أني قد غَفلتُ -وليس عمداً؛ وهذا في أصل تكوين الإنسان؛ وصدق مَن قال :"وما سميت إنسانا إلا لنسياني"- أن اذكر انه يوجد أماكن ومناطق وآثار تحتاج لإلقاء الضوء عليها.. حين نتحدث عن السيرة النبوية العطرة.. علىٰ سبيل المثال وليس الحصر: موضع :„ مسقط رأسه ‟ الشريف وبيت أبي طالب؛ الذي تربى فيه؛ وبيت الزوجية :„ بيت خديجة ‟ -رضي الله تعالى عنها- ومكان :„ بئر زمزم ‟.. كرمنا الله تعالىٰ -مرات عديدة- مِن شرب مائه؛ بعد أن طمست معالمه الظاهرة؛ أو مكان أخذ البيعة عند :„ العقبة ‟ و :„ مسجد العقبة ‟؛ أو تحديد طريق خروجه إلىٰ :„ الطائف ‟ في رحلته الأولىٰ خارج مكةَ؛ والبستان الذي تكلم فيه مع :„ عداس ‟ الغلام النصراني الذي قَبَّلَ قدمه ويده الشريفتين؛ وإن كان مِن أتباع النبي يونس بن متى -عليه السلام- وإمثال تلك البقاع والأماكن في مكة المكرمة أو ما حولها؛ وخط السير في هجرته الشريفة مع صديق هذه الأمة؛ وموضع خيمة أم معبد.. ومن قبل هذا خط سير الهجرة الأولىٰ والثانية للحبشة؛ وبها ملك لا يظلم عنده أحد؛ ومكان :„ أول نزوله في يثرب ‟ -المدينة المنورة- .. ثم أماكن غزواته؛ وهي ما تسمى بخرائط توضيحية؛ وقد رُفع إلى نظري حديث يُفهم منه الحِفَاظ علىٰ الاثار؛ ومعالمها؛ إذ يقول فيه -عليه السلام- علىٰ ما رواه الطحاوي، عن علي بن عبدالرحمن، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا وهب بن جرير عن العمري عن نافع عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آطام المدينة أن تهدم).. وفي رواية: (لا تهدموا الآطام.. فإنها زينة المدينة). وهذا إسناد صحيح، ورواه البزار في (مسنده)، والآطام جمع أُطم، بضم الهمزة والطاء، وهو بناء مرتفع، وأراد بآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون(*)..
- إذاً توجد شخصيات.. وأيضاً أماكن وبقاع(*) ينبغي معرفتها وتسليط الضوء عليها؛ فالسيرة النبوية العطرة ينبغي دراستها بطريقة تعليمية حية مؤثرة نابضة بالتفاعل مع الأحداث اليومية كأننا نعيش معه -عليه السلام- كي نتمكن مِن التطبيق العملي كإسوة لنا وقدوة؛ ومثال يحتذى به لــ يصلح التأسي به في كافة افعاله؛ والتقييد بكافة اقواله والإلتزام بهديه وسنته؛ إذ أنه خطأ فادح أن تُقرأ السيرة النبوية مجردة عن واقع التطبيق؛ كتاريخ مضىٰ وانتهىٰ.. أو نعلم السنة المحمدية نظرياً بعيدة عن تحكيمها بجوار الذكر الحكيم في أمورنا كافة؛ كما أنه خطأ فادح التعبير بــ :„ كان ‟
و
*.] " بالنظر إلىٰ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن البيعة قد تمت في العهد المكي؛ زمن تكوين النواة الأولىٰ قُبيل أن تنتقل إلىٰ :„ المجتمع الإسلامي ‟ وقبل أن يتحول إلىٰ كيان تنفيذي فتصبح دولة في المدينة.. نجد أن البيعة تمت بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر مِن أهل يثرب؛ وسنستخدم مصطلح إسلامي جديد :„ الأنصار ‟، كما حصل في بيعة العقبة الأولىٰ وبيعة العقبة الثانية، وكان موضوع البيعة الأولىٰ هو :„ إقناع طائفة من الأنصار بالإسلام ‟؛ و „ دخولهم فيه ‟؛ وكان موضوع البيعة الثانية هو :„ مناصرة الأنصار للنبي ‟ صلى الله عليه وسلم، و :„ تأييدهم لدعوته ‟، و :„ منع أي اعتداء يقع عليه ‟؛ ثم حصلت البيعة بعد أن قامت دولة الإسلام في المدينة، مما يدل علىٰ أهمية البيعة في الإسلام في بناء الدولة، ومناصرة الإسلام، واجتماع الكلمة. ".
" وجدنا أسوة المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرسي مبدأ البيعة منذ اليوم الأول لقيام الدولة الإسلامية ".
*.]" ومما يدل علىٰ أهمية البيعة: أن البيعة بدأت منذ فجر الحضارة الإسلامية؛ حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم صحابته أكثر مِن بيعة: كــ بيعتي العقبة الأولىٰ والثانية، وكذلك بيعة الرضوان ".
لذا ينبغي تعريفها! :

*.]:" أولًا: المعنىٰ الْلُغَوي:
أصل مادة (بيع) تدل علىٰ بيع الشيء، وربما سُمي الشراء بيعًا، والمعنى واحد[(1)]
والبَيعة: بفتح الباء، مصدر من بايع يبايع بيعةً ومبايعةً، يقال: بايعه مبايعةً، وبياعًا: بمعنىٰ عقد معه البيع. وبايع فلانًا علىٰ كذا: عاهده وعاقده عليه، وبذل العهد علىٰ الطاعة والنصرة، وكأنّ كل واحد مِن المتبايعين باع ما عنده مِن صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه وطاعته، ودخيلة أمره[(2)]، وتبايعا: عقدًا بيعًا أو بيعةً[(3)].
والمقصود أن البيعة في مفهومها اللُغوي: إعطاء شيء مقابل ثمن معين، أو إعطاء العهد بقبول ولاية أو خِلافة[(4)] ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*.]:" ثانيًا: المعنىٰ الاصطلاحي:
عرّف العلماء البيعة قديمًا وحديثًا بتعاريف عدة، فعرّفها المناوي بقوله: «البَيعة -بالفتح- بذل الطاعة للإمام»[(5)].
وعرّفها ابن الأثير بقوله: «البيعة: المعاقدة علىٰ الإسلام والإمامة والإمارة، والمعاهدة علىٰ كل ما يقع عليه اتفاق»[(6)].
ومن التعاريف الجامعة تعريف ابن خلدون، حيث قال: «البَيعة: العهد علىٰ الطاعة لولي الأمر»،
ثم شرح هذا التعريف قائلًا: «كأن المبايع يعاهد أميره علىٰ أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء مِن ذلك، ويطيعه فيما يكلّفه به من الأمر علىٰ المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير، وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدًا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، وصارت البيعة تقترن بالمصافحة بالأيدي، هذا مدلولها في اللغة ومعهود الشرع»[(7)]".
" وعرفها بعضهم بقوله :„ البيعة علٰى التعاقد على الإسلام ‟ ،
وعرفت كذلك بأنها :„ أخذ العهد والميثاق والمعاقدة على إحياء ما أحياه الكتاب والسنة، وإقامة ما أقامه ‟ .
*.] " وعرفت بأنها :„ إعطاء العهد علىٰ السمع والطاعة في غير معصية الله ‟.
قلت(الرَّمَادِيُّ) وتكاد تكون التعاريف السابقة متقاربة مع استخدام ألفاظ متنوعة ولكنها تعطي المعنىٰ المقصود!
*.] صفة البيعة:
أهم الأمور التي بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها خمسة:
الأول: البيعة علىٰ الإسلام: وهي آكد أنواع البيعة وأوجبها وأعظمها.
1- قال الله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الممتحنة: 12].
2- وَعَنْ جَرِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [متفق عليه].
الثاني: البيعة علىٰ النصرة والمَنَعة:
كما بايع وفد الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ أن يمنعوه وينصروه، وهي بيعة العقبة الثانية في منى.
الثالث: البيعة علىٰ الجهاد:
1- قال الله تعالىٰ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 111].
2- وقال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [18] وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [19]} [الفتح: 18- 19].
قلت(الرَّمَادِيُّ): فـهذه البيعة لا تكون إلا لخليفة/حاكم/أمير المسلمين في دولة / كيان تنفيذي لمجموع افكار ومفاهيم ومقاييس وقيم وقناعات الإسلام؛ وليس كما يحدث منذ زمن مع أمراء القتال كــ القاعدة أو داعش أو ما شابههما!
الرابع: البيعة علىٰ الهجرة:
وكانت فرض عين علىٰ من أسلم، ثم انتهت بعد فتح مكة، والمراد بالهجرةِ الهجرةُ من مكة إلىٰ المدينة، وهذه قد انقطعت.
عَنْ مُجَاشِع بن مَسْعُودٍ السّلَمِيّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الفَتْحِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله بَايِعْهُ عَلَىٰ الهِجْرَةِ، قَالَ: «قَدْ مَضَتِ الهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا» قُلتُ: فَبِأَيّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: «عَلَىٰ الإِسْلاَمِ وَالجِهَادِ وَالخَيْرِ». [متفق عليه].
قلت(الرَّمَادِيُّ): والرسول الأعظم هنا هو القائد الأعلىٰ لكيان تنفيذي وجد في المدينة المنورة.
الخامس: البيعة علىٰ السمع والطاعة:
وهذه هي التي تعطىٰ للأئمة عند تعيينهم خلفاء للمسلمين، وهي المقصودة في هذا الباب.
1- عَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَلَىٰ السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَىٰ أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَىٰ أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَىٰ أَنْ نَقُولَ بِالحَقّ أَيْنَمَا كُنّا، لاَ نَخَافُ فِي الله لَوْمَةَ لاَئِمٍ. [متفق عليه].
2- وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَعَانَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَىٰ السّمْعِ وَالطّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: «إلاّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ الله فِيهِ بُرْهَانٌ». [متفق عليه].
*.] .صور البيعة:
للبيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عدة صور منها:
1- المصافحة والكلام، كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في :„ بيعة الرضوان ‟ .
قال الله تعالىٰ: { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: 10].
2- الكلام بدون مصافحة، وهذه عادته!؟ في مبايعته النساء، لأنه لا يجوز للمسلم مس يد المرأة الأجنبية [وهذا رأي شرعي فقهي يحترم لمن يتبناه؛ من باب نقض الوضوء.. وبحث هذه الأراء الفقهية ليس هنا موضعه].
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } .. إِلَى { غَفُورٌ رَحِيمٌ [12] } قال عُرْوَةُ: قالتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ، قال لَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قَدْ بَايَعْتُكِ». كَلامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَالله مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلا بِقَوْلِهِ. [متفق عليه].
3- الكتابة، كما بايع النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم علىٰ الإسلام.
*.] حكم مَن بايع الخليفة مِن أجل الدنيا:
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لا يُبَايِعُهُ إِلا لِدُنْيَاهُ، إِنْ أعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلاً بِسِلعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِالله لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ، فَأخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِهَا». [متفق عليه]. ".
*.] " وخلاصة القول:
إن :„ البَيعة ‟ بمعناها الخاص هي إعطاء الولاء والسمع والطاعة للرسول النبي -عليه السلام- في حياته؛ ومِن بعده للخليفة مقابل الحكم بما أنزل الله تعالىٰ، وأنها في جوهرها وأصلها :„ عقد وميثاق بين طرفين ‟ : الإمام مِن جهة وهو الطرف الأول، والأمة مِن جهة ثانية وهي الطرف الثاني، فالإمام يبايع علىٰ الحكم بالكتاب والسنة والخضوع التام للشريعة الإسلامية عقيدة وشريعة ومنهاج ونظام حياة وطراز خاص من العيش، والأمة تبايع علىٰ الخضوع والسمع والطاعة للإمام في حدود الشريعة.
فـ :„ البَيعة ‟ خصيصة مِن خصائص نظام الحكم في الإسلام تفرد به عن غيره مِن النظم الأخرىٰ في القديم والحديث، ومفهومه :„ أن الحاكم والأمة كليهما مقيد بما جاء به الإسلام من الأحكام الشرعية ‟، ولا يحق لأحدهما سواء كان الحاكم أو الأمة ممثلة بأهل الحل والعقد الخروج علىٰ أحكام الشريعة أو تشريع الأحكام التي تصادم الكتاب والسنة، أو القواعد العامة في الشريعة، ويعد مثل ذلك خروج علىٰ الإسلام؛ بل إعلان الحرب علىٰ النظام العام للدولة الإسلامية، بل أبعد من هذا نجد أن القرآن الكريم نفىٰ عنهم صفة الإيمان، قال تعالىٰ: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65]. فهذا مفهوم البيعة "...
و
-:" ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلب البَيعة مِن أصحابِه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وأنه أخذ منهم البَيعة قبل الهجرة في موضعين، هما بيعة العقبة الأولىٰ، وبيعة العقبة الثانية، وقبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، كما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ".
:" ومما يدل مشروعية البيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ البيعة من الصحابة في مواقف كثيرة، وعلى أمور مختلفة، كما في بيعة العقبة الأولى حيث بايع المسلمون الرسول صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء قبل أن تفرض عليهم الحرب، وفي بيعة العقبة الثانية، وفي بيعة الرضوان، وغيرها من البيعات. ".
:" الفرق بين مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعة غيره.
إن موضوع بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم يقتصر علىٰ التزام المبايعين وتعهّدهم بالسمع والطاعة، وخاصةً الالتزام بما بايعوا عليه، أما تعيينه صلى الله عليه وسلم للإمامة فإنما كان ذلك بالوحي‏، وأما بيعة غيره فهي التزام من كل من الطرفين، فهي من أهل الحل والعقد التزام للإمام بالسمع والطاعة، والإقرار بإمامته، والتزام من المبايع بإقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة‏، ويترتّب علىٰ البَيعة إذا تمّت علىٰ الوجه المشروع انعقاد الإمامة لمن بايعه أهل الحل والعقد، وأما سائر الناس غير أهل الحل والعقد فعليهم أن يبايعوه بعد ذلك تبعًا لأهل الحل والعقد ".
وللبَيعة أثرٌ إذ أن : " الأصل في البَيعة أن تكون علىٰ الكتاب والسنة، وإقامة الحق والعدل، وعلىٰ السمع والطاعة في المعروف، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند المبايعة، وقد بايعوه أيضًا علىٰ الإسلام، وعلىٰ الهجرة، وعلىٰ الجهاد، وعلىٰ الصبر وعدم الفرار من القتال، وعلىٰ بيعة النساء المنصوصة في القرآن. ".
:" البَيعة الخاصة.
وقد تكون البَيعة بيعة صغرىٰ جزئية خاصة، وللعلماء في هذا النوع من التحالف والعهد تفصيل:
فإذا كان موضوع التحالف مخالفًا للشرع فالعهد باطل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط؛ شرط الله أحق وأوثق)[(8)] وإذا كان العقد على أمر شرعي كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويكون العهد علىٰ طاعة من يرتضونه لعلمه، أو كفايته، فقد سوغها بعض العلماء. وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية مشروعية هذا التعاهد، فقال: «ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإن كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل لم تنصر الباطل، فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى الذين يريدون أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا»[(9)].
وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية على الحديث الذي رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة، إلا أمّروا عليهم أحدهم)[(10)] بقوله: «فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع؛ ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة»[(11)]. ".
:" ونجد أنه كانت هناك إمارات تتم في ظروف خاصة لمهام خاصة، مثل:
- إمارة الحج، و
- إمارة السفر، ومنها:
- تأمير خالد بن الوليد في مؤتة، والأمر في هذه الإمارات والبيعات يتم بصورة طبيعية لا يفهم منها أنها تحل محل الإمارة أو البيعة العامة.
فالناس لهم أن يتعاهدوا على فعل أي طاعة من الطاعات، كــ الدعوة، أو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو إغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم وهكذا، فلا يشترط لصحة هذه البيعات أن تكون على إقامة أحكام الإسلام كلها، ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
:" أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات فلا تجب إلا على من دخل فيها برضاه، فتجب عليه بالعهد الذي ألزم به نفسه، كأن يتعاهد اثنان على حفظ القرآن أو بعضه، فحفظ القرآن ليس بواجب على كل مسلم من حيث الأصل، أما إذا عاهد غيره عليه فقد وجب عليه الحفظ بالعهد لا بالأصل. ".
- أما ما يحدث داخل بعض الجماعات والأحزاب السياسية ذات الوشاح الإسلامي؛ سواء سميت بيعة أو قَسم.. فهي من باب الحفاظ على الكيان الداخلي لتلك الجماعة أو الحزب؛ وليس بَيعة بمفهومها العام؛ بل الخاص في مسألة بعينها؛ فتلك الجماعات أو الأحزاب ليست كيانا تنفيذيا بل هي أما :
- كيان دعوي؛ الأصل أن يكون مع غير المسلمين؛ لتوضيح تبيان وشرح الإسلام أولا : عقيدته ثم من بعد أحكامه العملية المتعلقة بكافة مسائل الإنسان في حياته اليومية؛ وهذا الكيان الدعوي غائب؛ إذ أن الدعوة في بلاد الغرب لا يتم مع غير المسلمين؛ لفقدان غالبيتهم لغة الحوار؛ والتأهيل الشرعي!
أو
- كيان علمي؛ وهذا أهم من الكيان الدعوي؛ إذ هو عمود الفسطاط وحامل الخيمة؛ سواء من ناحية صحيح العقيدة أو شروح القرآن أو شروح السنة!
- ولا يوجد لهما ثالث إلا ما أحدثه البعض من وجود :
- كيان جهادي؛ وهذا لتأخر قيام كيان إسلامي تنفيذي..
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أنظر :" عمدة القاري - العيني - ج ١٠ - الصفحة ٢٢٩" والحديث تجده :" شرح معاني الآثار للامام أبي جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن عبدالملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي المولد سنة 229 ه‍ - والمتوفى سنة 321 ه‍ الجزء الرابع حققه، وضبطه، ونسقه، وصححه محمد زهري النجار من علماء الأزهر الشريف دار الكتب العلمية ".
ثم وجدت عند الألباني؛ حديث رقم (4859 ) في :" سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ وأثرها السيئ في الأمة ، قوله :" - (لا تهدموا الآطام؛ فإنها زينة المدينة) .
وحكم عليه بأنه :"منكر؛ وذكر :"أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" (2/ 312 و 4/ 194) ، وابن عدي في "الكامل" (ق 213/ 2) عن عبدالله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ... فذكره. وقال ابن عدي: "عبدالله بن نافع ممن يكتب حديثه، وإن كان غيره يخالفه فيه ". ". ولعل هذا يثير حفيظة رجال الآثار وعلمائهم؛ وقد جرى مؤخراً نقاشاً بين د. كريمة ود. الهلالي؛ بخصوص مومياوات الفراعنة.. فلزم عليَّ إعادة البحث في الآثر مِن جديد لتحديد موقف تجاهه؛ ولا يحضرني الأن ما استعين به مِن المراجع واقوال العلماء بخصوص هذه المسألة!. كتبه(الرَّمَادِيُّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة:
الإصدار الأول مِن منشورات «
استروعرب نيوز» (٩) [ الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ] من سلسلة بحوث عن : الرسالة النبوية؛ والدلائل الإعجازية؛ والدعوة الإبراهيمية؛ والبشرىٰ العيساوية؛ والشمائل المصطفوية؛ والخصائل الرسولية؛ والصفات الأحمدية؛ والأخلاق المحمدية؛ لـــــ خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين : سيدنا محمد بن عبدالله خير البرية صلى الله عليه وآله وسلم
بحوث :„ ما قبل الهجرة النبوية الشريفة ‟؛ على صاحبها أفضل الصلوات وأتم السلامات وكامل التبريكات وعظيم التنعيمات؛ مسألة :„ الأنصار ‟
(١٠٦).:„ البيعة ‟
‏الجمعة‏، 26‏ محرم‏، 1443هــ ~ ‏الجمعة‏، 03‏ أيلول‏، 2021 م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

(١٠٥) (تمهيد لقاء وفد الأنصار)

يجب عليَّ أن أثبتُ مقدمات تمهيدية لمسألة لقاء النبيِّ المصطفىٰ -عليه الصلاة والسلام- ومقابلته لــ وفدَ الخزرج؛ حجّاج يثرب لمكةَ وزوار الكعبة.. وعرض الإسلام عليهم.. ثم بيعة العقبة الأولىٰ -بيعة النساء- والبيعة الثانية.. ومِن ثم مسألة الهجرة الشريفة مِن مكةَ المكرمة -مسقط رأسه الشريف؛ ومكان انطلاق بدء الدعوة الإسلامية: الرسالة السماوية الخاتمة - هجرته إلىٰ يثرب- مدينته المنورة؛ والتي طيّب الله -تعالىٰ- ثراها بقدومه إليها؛ وسيره بأقدامه الطاهرة العطرة علىٰ ترابها(*).. ثم بعد حين طاب هواؤها بمرقده وبجواره صاحبيه؛ ووزيريه وخليفتيه: صديق هذه الأمة وفاروقها -رضي الله تعالىٰ عنهما وعن بقية الأصحاب الأشراف- وتوجد مقدمات ليصح فهم هذا الإنتقال مِن مرحلة عرض النظرية وتقديمها مع بلورتها دون القدرة الفعلية علىٰ تمام التطبيق وإكمال التنفيذ؛ ثم -مِن بعد: العهد المدني- مرافقة النظرية للتطبيق وملاصقة أفكار المبدأ بالتنفيذ لحظة نزول الوحي بالأحكام الشرعية العملية؛ إذ أن الفكرة مهما كانت جيدة تحتاج لتطبيق عملي وإخراج تنفيذي لواقع الإنسان المعاش؛ مع ملاحظة أن الوحدانيّة والآلوهيّة والعبوديّة مِن خلال إفراد العبادة له -سبحانه- وحده بدأت-الوضوء والصلاة- منذ اللحظات الأولىٰ في التبليغ وعمر الرسالة؛ فعلم السيدة الأولى أحكام الطهارة والوضوء ثم علمها أحكام الصلاة وجاورهما الصبي : تربية الأنبياء؛ علي بن أبي طالب..
* . ] أُوشكُ أو أكاد أن أنتهي مِن بحوث المفصل -معَ أهميتِهِ القصوىٰ وصعوبةِ تطبيقه مِن قِبل جماعات الإسلام السياسي اليوم- المفصل الذي يربط ما بين العهد المكي -مكان بدء الدعوة؛ وموضع إعلانها والاحتكاك بمن يعارضها ثم التصادم مع مَن يرفضها وبداية نزول الرسالة المتممة- يربط هذا المفصل ما بين العهد المكي وبين العهد المدني -مكان إقامة الكيان التنفيذي الأول لمجموع أفكار مبدأ الإسلام؛ والتي أوحىٰ الله -تعالىٰ- بواسطة أمين السماء جبريل؛ وأنزلها علىٰ قلب آخر رسل الله للعالمين؛ ومِن خلال التطبيق العملي ستتحول -أفكار مبدأ الإسلام- إلىٰ كتلة مِن المفاهيم السلوكية؛ والمقاييس الحياتية؛ وحزمة مِن القيم الإنسانية والقناعات .. تلك والتي تتفق مع العقل فتطمئن إليه النفس فتهدأ الروح فيمتلئ القلب بالإيمان والفؤاد بالعقيدة إذ أنها جميعاً (الأفكار والمفاهيم والمقاييس والقيم والقناعات الإسلامية) تتفق مع الفطرة البشرية-؛ إذ أن العهد المكي استغرق مِن عُمر النبوة الخاتمة؛ ومِن زمن الرسالة الخالدة ما يقرب مِن ثلاثة عشر عاماً؛ تلك الفترة الزمنية -13 سنة- لتثبيت دعائم الإيمان في قلوب المسلمين؛ وتقوية أواصر العقيدة في عقول المؤمنين كي يبنىٰ عليهما (الإيمان الصحيح والعقيدة القوية) بقية أحكام الإسلام العملية الشرعية المتعلقة بالحياة الدنيا والمستنبطة مِن الكتاب الكريم والمأخوذة مِن السنة المحمدية العطرة كي نعبر بسلام إلىٰ جنّة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقيدين بأوامره -سبحانه- والمبتعدين عن نواهيه -جلَّ شأنه- والملتزمين بسنته -عليه السلام- وللمتقين.. لأن الفوضىٰ الفكرية -الحالية- والجهل مع التخبط في الأحكام الشرعية والتي تعيشها عدة جماعات ترتدي الوشاح الإسلامي في العديد مِن مناطق العالم سواء في المنطقة العربية أو في بلاد الأعاجم أو القارة الأوربية؛ وأخيراً وليس آخرا.. إلىٰ أن يتم التقييد الكامل بكيفيته -عليه السلام- وطريقته.. أخيراً ما حدث في مطار "كابُل" بتفجير إنسان نفسه؛ فقتل ما يربو علىٰ المائة مِن البشر لا ذنب لهم سوىٰ أن البعض منهم كان قدراً في مكان الإنفجار.. و 13 من قوات أمريكية أعلنت إنسحابها -سلفا- كي تتمكن "طالبان" مِن السيطرة علىٰ غالب أرض الأفغان..
.. اقول(الرَّمَادِيُّ) هذا الإنفجار لدليل واضح علىٰ التخبط والجهل بسنته -عليه السلام- فإثناء فترة تواجده -عليه السلام- في مكةَ المكرمة لم يرفع اصبعاً لتحطيم وثن؛ أو تكسير صنم أو عملية إنتحارية(**).. فاين الدليل الشرعي لهذه الأفعال الإرتجالية.!!؟
[ 1.] الْمُقَدِّمَة : مِن تتبع مجريات الأحداث في زمن النبوة؛ وتسلسلها في ثلاثةٍ وعشرين عاماً؛ مع مراجعة الأفعال والمواقف والأقوال والتصرفات لكافة السادة الصحابة.. والسيدات الصحابيات؛ والأخذ بعين الأعتبار ردود أفعال غير المسلمين مِن المشركين وتصرفات عُبَّاد أوثان؛ وتتوازي قبيل البعثة وإثناءها ما كان يقول به أهل الكتاب بـ: » „ مجئ نبي آخر الزمان ‟ « بصفته ونعته المذكور في كتبهم(***).. ثم تصرفهم المغاير وأقوالهم المخالفة حين بعث بالفعل وثبتت نبوته..
أقول(الرَّمَادِيُّ) التعمق في بحث ودراسة تلك الأحداث والأفعال والمواقف والتصرفات خاصةً والتي حدثت في زمن الرسالة السماوية الخاتمة؛ ووقت التكليف الآلهي بالوحي؛ وإنزال الأحكام الشرعية وإثناء إتمام التشريع وإكمال المنهاج ورسوخ الدين بإنتهاء الوحي.. أقصد أحداث زمن النبوة في عهديه: المكي والمدني.. إذ أنني قد بحثت السيرة النبوية المحمدية منذ عهد أبي البشر آدم مرورا بالأنبياء -جميعاً- إلى وقت مولده وتنشأته فبعثته.. هذا التتبع وتلك المراجعة تظهر لنا بوضوح دور رجال ونساء وأدوار شخصيات لعبت أدواراً وقدمت تضحيات.. وأعني رجال ونساء العهد المكي.. ثم رجال ونساء المفصل الحيوي الرابط بين هذا العهد والذي يليه ويتمثل في بيعتي العقبة.. ثم رجال ونساء العهد المدني.. ففي حقيقة الأمر توجد محطات ورجالات يجب الوقوف عندها ومراجعتها.. فالحديث هنا عن رجال ونساء اصطلح الذكر الحكيم تسميتهم بــ : » „المهاجرين ‟ «؛ ونساء ورجال سماهم القرآن الكريم بــ : » „الأنصار ‟ «.. وهذا يتطلب مني ويستلزم تخصيص ملف كامل متعلق بشخصيات محورية رئيسة لعبت دوراً جوهرياً زمن الرسالة.. حتىٰ وإن لم يكونوا مِن المسلمين؛ ومِن ثم ليسوا مِن المؤمنين.. كدور الجد عبدالمطلب في رعاية وتربية حفيده؛ وهو الذي سماه بـــ : » „ محمد ‟ «؛ وإن مات قبل البعثة الإسلامية المحمدية المصطفوية بما يقترب من ثلاثين عاما.. وهنا تأتي مسألة : » „ أهل الفترة ‟ «؛ وتفصيل وتوضيح هذه المسألة؛ وأيضاً دور العم الرائع الفذ؛ وهو الأخ الشقيق -لوالد النبي الرسول- لعبدالله بن عبدالمطلب؛ أبي طالب في حماية ابن أخيه.. وأمثالهم.. لذا -كما أرىٰ- هناك شخصيات محورية رئيسة لعبت دوراً جوهرياً في حياة نبي هذه الأمة وقامت بدور مشهود إثناء الرسالة الخاالدة.. يصح لنا معرفتها؛ ومن ثم دراستها واستخلاص الدروس والعبر.. وأسعىٰ -بحسن توفيق مِن الله -تعالى- وتمام هداية وكمال فهم في تقديم السيرة النبوية المحمدية المصطفوية مِن كافة جوانبها تصلح للفهم في هذا القرن وإن كنتُ خاوي الوفاض ونصيبي مِن العلم قليل كمَن يملك بضاعة مُّزجاة؛ { مُّزْجَاةٍ }[يوسف:88].. بيد أنني أسعىٰ لتحصيله وأرغبُ في الاستحواذ عليه مِن أطرافه.. ولعله -سبحانه وتعالىٰ- يستجيب لدعائي حين كنتُ أزور البيت الحرام وأشرب مِن : » „ بئر ماء زمزم ‟ «؛ راجياً أن يصيبني دعاء النبي كما دعا لعبدالله بن العباس -رضي الله عنهما-؛ فقد :" دعا له رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال:"اللهم علمهُ التأويل، وفقَههُ في الدَين".. وأن يضعني تحت رحمته -فلا أخطئ- وأنال رضاه -فلا أنحرف- ويكون لي نصيب وافر في قوله -تعالى- :" وكان سعيكم مشكوراً" استبشاراً بقوله تعالى: { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [الإسراء:19]؛ وامتثالاً لقوله -عز وجل-: { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا } [الإنسان:22]
[ ٢ . ] الْمُقَدِّمَة : اثبتُ أن النّبيّ - صلى الله عليه وآله وسلم- كان يعرض الإسلام علىٰ القبائل منذ السّنة الرّابعة لبعثته.[(1)]
.. وهذا يبين لنا بوضوح مسألة التقييد الكامل عند النبي بما يوحى إليه؛ وعدم التمايل مع هبوب ريح التغيرات السياسية، إذ يقول البعض منهم بأخذ ما يوجد عن الآخرين من افكار ومبادئ؛ أو البعض الآخر يقول بأخذ أنظمة بعيدة عن الإسلام وأحكامه.. لذا تجده-عليه السلام- يلتزم بأمر الله تعالى.
وأذكر ما جرىٰ مع : » „ ميسرة بن مسروق العبسي ‟ «؛ فعند المقدسي في البدء والتاريخ وعند الواقدي وتاريخ دمشق لابن عساكر.. نقرأ:
[ ٣ . ] الْمُقَدِّمَة : » „ ميسرة بن مسروق العبسي ‟ «؛ عن :" جعفر بن عبدالله بن أسلم؛ عن أسلم مولىٰ عمر؛ حدثني ميسرة بن مسروق العبسي قال قدمت بصدقة قومي طائعين ونحن على الأسلام لم نبال وما بعث علينا أحد حتى أدخلتها على أبي بكر الصديق فجزاني وجزى قومي خيرا وعقد لنا لواء فقال سيروا مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة وأوصى بنا خالدا وكنا إذا زحفت الزحوف نأخذ اللواء فنقاتل به بأبانين واليمامة ومع خالد بالشام لقد نظر إلي خالد بن الوليد يوم اليرموك فصاح بأبي عبيدة بن الجراح ادفع رايتك إلى ميسرة بن مسروق ففعل ففتح الله علي ".
ودقة الرواية نقرأها عند ابن كثير في السيرة النبوية: أخبرنا عبدالله بن وابصة العبسى ، عن أبيه ، عن جده قال : جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى ، ونحن نازلون بإزاء الجمرة الاولىٰ التى تلي مسجد الخيف وهو علىٰ راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة ، فدعانا.. " فو الله ما استجبنا له ولا خير لنا ".
قال : وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم، فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي ..
فقال لنا (ميسرة بن مسروق العبسي): " أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي ، فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ ".
فقال القوم : " دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به ".
وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة ، فكلمه ..
فقال ميسرة : " ما أحسن كلامك وأنوره، ولكن قومي يخالفوني، وإنما الرجل بقومه، فاذا لم يعضدوه فالعدى أبعد" .
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين إلىٰ أهليهم .
فقال لهم ميسرة : " ميلوا نأتي فدك فإن بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل ".
» „ علم أهل الكتاب وفقاً لرواية ميسرة العبسي ‟ «
فــ
مالوا إلىٰ يهود فأخرجوا سفرا لهم فوضعوه.. ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم
- النبي الامي العربي
- يركب الحمار و
- يجترئ بالكسرة ،
- ليس بالطويل ولا بالقصير و
- لا بالجعد ولا بالسبط ،
- في عينيه حمرة ،
- مشرق اللون ...
فــ
إن كان هو الذى دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه، فإنا نحسده ولا نتبعه، وإنا ـ منه ـ في مواطن بلاء عظيم ولا يبقىٰ أحد مِن العرب إلا اتبعه وإلا قاتله فكونوا ممن يتبعه .
فقال ميسرة : " يا قوم ألا ـ إن ـ هذا الامر بين ".
فقال القوم : " نرجع إلىٰ الموسم ونلقاه "..
فرجعوا إلىٰ بلادهم وأبىٰ ذلك عليهم رجالهم ،
فقال القوم : نرجع إلى الموسم ونلقاه فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم ، فلم يتبعه أحد منهم .[(2)] [(3)]
» „ تأكيد ما سبق من بيانه ‟ «:
.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوافي كل موسم سوق عكاظ وسوق ذي المجاز وسوق المجنة يتبع القبائل في رحالها ويغشاها في أنديتها يدعوهم إلىٰ أن يمنعوه ليبلغ رسالة ربه فلا يجد أحدا ينصره حتىٰ كانت سنة إحدىٰ عشرة مِن النبوة لقي ستة نفر من الأوس عند العقبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ الإسلام وعرض عليهم أن يمنعوه فعرفوه .
و
قالوا هذا النبي الذي يوعدنا يهودنا به وهموا يقتلوننا قتل عاد وإرم فأمنوا به وصدقوه .[(3)]
:ابن كثير ؛ السيرة : [* ] فصل
ـ في ـ قدوم وفد الانصار عاما بعد عام حتى بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة بعد بيعة ، ثم بعد ذلك تحول إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
فنزل بين أظهرهم كما سيأتى بيانه وتفصيله إن شاء الله وبه الثقة . [(4)]
وقال الامام أحمد : حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل ، عن عثمان ، يعني ابن المغيرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر بن عبدالله قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه علىٰ الناس بالموقف (أى موقف الناس بعرفة)، فيقول : " هل مِن رجلٍ يحملني إلىٰ قومه فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عزوجل ؟ " .
فأتاه رجل مِن همدان فقال : ممن أنت ؟
قال الرجل : من همدان .
قال : فهل عند قومك من منعة ؟
قال : نعم !
ثم إن الرجل خشى أن يخفره قومه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل .
قال نعم .
وفد الأنصار :
فانطلق ، وجاء وفد الانصار في رجب .
وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق، عن إسرائيل به، وقال الترمذى : حسن صحيح . [(5)]
ثم كان : » „المجلس الثالث ‟ : « ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَىٰ مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَمَا نَهَضْنَا حَتَّىٰ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، قَالَ عَلِيٌّ: „ وَكَانُوا صُدُقًا صُبُرًا [وَكَانُوا صُدَقَاءَ صُبَرَاءَ:السهيلي] -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- ‟. ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) كان يستحي الإمام مالك بن أنس أن يمتطي دابةً يركبها فوق تراب مدينة رسول الله -عليه السلام-:
(**) وقد قال-عليه السلام-: » „إننا لم نؤمر بقتال ‟ « ؛ قال هذا صلى الله عليه وسلم لأصحاب بيعة العقبة الثانية لمَّا استأذنوه بقتال أهل مكة. ودرجة الحديث: „حسن ‟ . ولفظه: » „لم نؤمر بذلك (يعني: القتال)، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ‟ « [رواه ابن إسحاق بسند صحيح؛ حيث قال: حدثني معبد بن كعب عن أخيه عبدالله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك به. ومن طريقه رواه: ابن جرير في (التاريخ)، والبيهقي في (الدلائل). انظر: (السيرة النبوية؛ ج:1؛ ص: 102)، (تاريخ الطبري؛ ج:2؛ ص:364)، (دلائل النبوة؛ ج:2؛ ص:/449)، (فقه السيرة؛ للغزالي؛ص162).
(***).انتشار أمره -عليه السلام- وعلم أهل الكتاب-اليهود- بخبره.
الرجاء -بعد التفضل والشكر- إعادة مراجعة المجلد الثاني والثالث مِن إصدار موقع آستروعرب نيوز والمتعلق بــ
* 56 المجلد الثانى >>
* 57 ميثاق النبيين >>
* 58 بشارة الكتب السابقة >>
* 59 بِشَارَاتُ وعَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ >>
* 60 ﴿ ٤ ﴾ الْبَابُ الرَّابِع : إِرَهَاصَاتُ وَبِشَارَاتُ وعَلَامَاتُ النُّبُوَّةِ >>
* 61 ﴿ ٤ . ٣. ﴾ الفصل الثالث مكان بعثته: صلى الله عليه وسلم >>
* 62 ﴿ ٤ . ٤. ﴾ الفصل الرابع البشارة بصفاته صلى الله عليه وسلم >>
________________________________________
* 63 مقدمة المجلد الثالث >>
* 64 وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ >>
* 65 العالم قبل البعثة الرسولية المحمدية >>
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
(٩) [ الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ]
[ ١٠٥ ] : « تمهيد لقاء وفد الأنصار ».
‏الإثنين‏، 22‏ محرم‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 30‏ آب‏، 2021 م

أعلى الصفحة
فهرس

[ ١٠٤ ] الْأَنْصَار

واجب الشكر :

أتقدم بالشكر الجزيل والعرفان بالجميل لإدارة موقع „ آستروعرب نيوز ‟ لتفضله حين كُرمت بنشر سلسلة: « „ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ‟ » -على صاحبها الصلاة والسلام- ولخالص شكري وامتناني للسادة والسيدات القراء؛ خاصةً لدخول هذه السلسلة عامها الخامس؛ إذ أن أولَ مقالٍ :"
حُرِّرَ في يوم الإثنين ٢١ صفر ١٤٣٨ مِن هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ".
فــــ : « جَزَاكَمُ اللَّهُ جميعاً خَيْرًا » [.( ).].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تذكير ( ١ ) :
- { وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم } [البقرة:282]
- { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } [النساء:65]
- { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب } [الحشر:7]
- { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون } [البقرة:151]
- { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين } [النحل:125]
1 . ] - ومن قراءة هذه الآيات وإدراك فقهها نفهم وجوب التقييد بكتابه كمنهاج وتشريع والتقيد بسنة رسوله كطريقة وكيفية!
2 . ] - الْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ مِنْ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشريفة العطرة -علىٰ صاحبِها أفضلُ صَلّاةِ اللّهُ تعالىٰ وَتمامُ سَلّامِه وعظيمُ إكرامه وكامل إنعامه- المتعلق بــ عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ وفترة الدعوة في »مَكةَ المكرمة« وما زلتُ أتكلمُ عن بحوث »الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ«؛ وبحث مسألة„» عَرْضِ الرَّسُولِ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ«‟؛ وخاصةً مسألة „»سَعْي الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ من أهل القوة والمنعة«‟؛ إذ كانت „»دعوة النبي للقبائل والأفراد إلىٰ الإسلام«‟ فــ كما عرض نبي الله صلّى الله عليه وسلم ورسوله الإسلامَ علىٰ القبائل، عرضه كذلك علىٰ الأفراد، فأسلم بعضهم، ومِن هؤلاء الذين أسلموا:
- سويد بن الصامت و
- إياس بن معاذ، وقد مات الاثنان بعد ذلك بشهور قليلة، و
أسلم :
- ضماد الأزدي وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك
أسلم :
- أبوذر الغفاري و
- الطفيل بن عمرو الدوسي.. وكان في إسلامهما فتحاً للإسلام والمسلمين.
وقد كتب الشيخ الغزالي -رحمه الله- [محمد الغزالي السقا (المتوفى: 1416هـ) في كتابه:" فقه السيرة "] فهماً لما حدث مع حسن التبويب؛ فقال تحت باب : [عرض الإسلام علىٰ القبائل] :" مضىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم علىٰ نهجِه القديم، ينذرُ بالوحي كلّ من يلقىٰ، ويخوض- بدعوته- المجامع، ويغشىٰ المواسم، ويتبع الحجيج في منازلهم، ويغبّر قدميه إلىٰ أسواق «عكاظ» و «مجنة» و «ذي المجاز» داعياً الناس إلىٰ نبذ الأوثان، والاستماع إلىٰ هدي القرآن، وكان يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة، ويعرض عليهم نفسه ليؤمنوا به، ويتابعوه ويمنعوه[.( ).] ...
وكان عمّه أبولهب يمشي وراءه ويقول:„ لا تطيعوه، فإنّه صابئ كذّاب! ‟.
فيكون جواب القبائل:„ أسرتك وعشيرتك أعلم بك! ‟ ثم يردّونه أقبح الردّ.
ومن القبائل التي أتاها الرسول عليه الصلاة والسلام ودعاها إلىٰ الله فأبت الاستجابة له: «فزارة» ، و «غسان» ، و «مرة» ، و «بنو حنيفة» [.( ).]، و «سليم» ، و «عبس» ، و «بنو النضر» و «بنو البكاء»؛] و «كندة» [.( ).]]، و «بنو عبدالله» مِن «كلب»[.( ).] ، و «عذرة» ، و «الحضارمة» [.( ).] و «ربيعة» و «بنو شيبان» [.( ).]، و «بنو عامر بن صعصعة» [.( ).] ، و «محارب بن حفصة» [.( ).] ..
فــ ما وجد عند هؤلاء قلباً مفتوحاً، ولا صدراً مشروحاً، بل كان الراحلون والمقيمون يتواصون بالبعد عنه، ويشيرون إليه بالأصابع.
وكان الرجل يجيء من الافاق البعيدة، فيزوده قومه بهذه الوصاة: „ احذر غلام قريش لا يفتنك!! ‟.
... مع ذلك فإنّ الرسول عليه الصلاة والسلام- في هذا الجو القابض- لم يخامر اليأس قلبه، واستمرّ مثابراً في جهاد الدعوة، حتىٰ تأذّن الحقّ- أخيراً- بالفرج.
__________
ومازلتُ -بحمد الله تعالىٰ وفضله ومنِّه وتوفيقه- أبحثُ الْمُجَلَّدَ التَّاسِعَ المتعلق بــ أنصار رسول الله -عليه السلام وعليهم رضوانه- في قبول دعوته ونصرة دينه وإعلاء كلمة التوحيد وإقامة الكيان التنفيذي الأول؛ لذا فهما- الْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ و الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ- وبحوثهما مِن أهم بحوث مفاصل السيرة النبوية؛ أي أبواب « „ عَهْدِ النُّبُوَّةِ ‟ » ومن أهم مسائل « „ السنَّة المحمدية ‟ »؛ باعتبارها المصدر الثاني الذي يلي القرآن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين... من حيث التشريع والمنهج والطريقة الإسلامية والكيفية العملية الرسولية.. إذ أن بحوثهما - الْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ و التَّاسِعُ- هو المفصل المتين والقنطرة القوية والمعبر الشديد.. ذلك المفصل الذي يربط بين طرفي « „ عَهْدِ النُّبُوَّةِ ‟ » ؛ والمتعلق بــ الدعوة في »مَكةَ المكرمة«: بحوث »الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ«؛ وبين « „ الْعَهْدِ الْمَدَنِيِّ ‟ » وكافة بحوثه والذي نحن علىٰ أبوابه؛ ولم أطرق تفاصيل بحوثه بعد! وهذه البحوث أغفلتها -عن عمد لجهل؛ أو قصد لصعوبتها- غالب الحركات الإسلامية والأحزاب التي تسربلت بوشاح الإسلام السياسي؛ كما حدث في السودان؛ ومصر وسوريا والعراق وتونس وأخيرا افغانستان..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأحداث التي أتكلم عنها ومنذ حين تدور حول إنتقال النبي الرسول؛ خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين-عليه الصلاة والسلام- ونحن جميعاً مِن خلفه له تابعين وملتزمين؛ وإلا ضاع الطريق من تحت اقدامنا وضللنا السبيل.. أتحدثُ عن إنتقال الرسول الكريم مِن طور دعوي إلىٰ طور في الدعوة آخر.. ومن الإنتقال مِن عهد إسلامي إلىٰ عهد إسلامي جديد.. يقول الإمام شمس الدين؛ أبو عبدالله ابن القيم الجوزية ؛ في زاد المعاد « „ فَأَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَىٰ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ أَنْ يُؤْوُوهُ حَتَّىٰ يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ ، فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُ قَبِيلَةٌ ، وَادَّخَرَ اللَّهُ ذَلِكَ كَرَامَةً لِلْأَنْصَارِ ‟ » [.( ).].
.. وهذا الإنتقال من عهد إسلامي إلى عهد إسلامي جديد مرتبط بوحي السماء وأمر مِن رب باسط الأرض ورافع بغير عمد سماء لذا نسمع عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: « „ لَمَّا أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَىٰ قَبَائِلِ الْعَرَبِ ‟ »[.( ).] وهذا ما نبه إليه الأستاذ أبوزهرة حين كتب تحت عنوان عريض :" استجابة محمد -صلى الله عليه وسلم- لأمر ربه "[.( ).].
فقلتُ(الرَّمَادِيُّ): .. فـ استجاب -عليه السلام- للأمر وقام بالفعل دون نظر إلىٰ صعوبة العرض أو تحجج بظرف غير مناسب وهذا يحتاجه المسلم في كل حين وعند كل أمر؛ مع التفريق الشديد والواضح بين الطريقة الإسلامية (وهي الكيفية النبوية الثابتة) وبين استخدام الوسائل والاساليب (وبالطبع هما -الوسيلة والاسلوب- متغيران مِن عصر إلىٰ عصر؛ بل مِن مكان إلى آخر)؛ وفارق بينهما -الطريقة (الكيفية النبوية) الإسلامية والوسائل والأساليب المتوفرة والمستخدمة والمتاحة- فارق ما بين الثرىٰ والثريا... فالطريقة الإسلامية (الكيفية النبوية) ثابتة والحيد عنها إبتعاد عن ما قال الله تعالىٰ ومخالفة لما فعله أو قاله أو اقره رسوله عليه الصلاة والسلام ... ولعل الذي يجري من بداية هذه الألفية في تونس فــ مِصر والأن -وإثناء تسطير هذه الكلمات في أفغانستان- يثبت صحة ودقة ما اقوله بأن الطريقة الإسلامية ثابتة واستخدام الوسائل والأساليب غيرها قطعاً... وما يؤلم أنهم اصابهم الخذلان لبعدهم عن طريقته -عليه السلام-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تذكير ( ٢ ):
جاء في نهاية الفصل [ ١٠٣؛ إصدارات آستروعرب نيوز ] » : إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟«.؛ » الْبَابُ الثَّانِي » من: ( الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ )
جاء في نهايته... ثم تأتي بشارة: ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ تَلْبَثُوا إلّا قَلِيلًا [يسيرا] حَتّىٰ [يمنحكم الله بلادهم] يُورِثَكُمْ اللهُ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ [بناتهم] نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبّحُونَ اللهَ وَتُقَدّسُونَهُ ‟ ،
انظر :
http://www.aymanwahdan.at/austria_today/1_ramadi_sira_nabwia21.htm
وأثبتُ رواية آخرىٰ جاء فيها : فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « مَا أَسَأْتُمْ فِي الرَّدِّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ دِينَ اللهِ لَنْ يَنْصُرَهُ إِلاَّ مَنْ أَحَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، أَرَأَيْتُمْ إِنْ لَمْ تَلْبَثُوا إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى يُورِثَكُمُ اللهُ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَيُفْرِشَكُمْ نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبِّحُونَ اللهَ وَتُقَدِّسُونَهُ ؟ ‟ ».[.( ).].
ويعلق "تومات" بالقول:" ويقصِد صلّى الله عليه وسلّم بقوله ذلك: أنّه إن أبيتُم أن تستجيبوا الآن لدعوتي، فهل ستُسلِمون إذا ظهر أمر الله تعالى على يد غيركم؟
وهذا هو عين الإخلاص في الدّعوة إلى الله عزّ وجلّ، ليعْلم المدعُوُّون أنّ العبرة بإسلامهم لا بعَونِهم.
فقال النّعمان بن شريك: اللّهمّ نعم.
فتلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَىٰ اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46)} [الأحزاب].
ثم نهض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قابضا على يد أبى بكر رضي الله عنه وهو يقول: « „ يَا أَبَا بَكْرٍ !.. أَيُّ أَخْلاَقٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ ! مَا أَشْرَفَهَا ! بِهَا يَدْفَعُ اللهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ ‟ ».
وفي هذه الخيمة كان آخر حزن، إذ لم يخرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعطاء، ولكنّه خرج ولم يَحثُ في وجهه أحدٌ التّراب، ولم يقرع آذانه شتم ولا سِباب. فدفع أبوبكر رضي الله عنه إلىٰ خيام أخرىٰ ..
إنّها خيام [الأوس] والخزرج .. خيام القادمين من حرّة يثرب ..
وحينها تمّ لقاء الغرباء بالغرباء .. هناك تمّ لقاء جدّد الدّنيا .. لقاء حوّل التّاريخ [.( ).].
-*-
:" يقول صاحب "زاد المعاد"؛ الإمام شمس الدين أبي عبدالله ابن القيم الجوزية :" فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَىٰ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِنْجَازَ وَعْدِهِ وَنَصْرَ نَبِيِّهِ وَإِعْلَاءَ كَلِمَتِهِ وَالِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ ، سَاقَهُ إِلَىٰ الْأَنْصَارِ [الخزرج] [.( ).] لِمَا أَرَادَ بِهِمْ مِنَ الْكَرَامَةِ ، فَانْتَهَىٰ إِلَىٰ نَفَرٍ مِنْهُمْ سِتَّةٍ ، وَقِيلَ : ثَمَانِيَةٍ[.( ).] وَهُمْ يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ عَقَبَةِ مِنًى فِي الْمَوْسِمِ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَرَجَعُوا إِلَىٰ الْمَدِينَةِ ، فَدَعَوْا قَوْمَهُمْ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ حَتَّىٰ فَشَا فِيهِمْ وَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [.( ).].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسألة البحث:
- الأَنْصَارُ.. ثلةٌ مِن المؤمنين[.( ).] الأوائل قدَّر الله -تعالىٰ جده وسما مجده- بمشيئته ثم بعزيمتهم وإرادتهم أن تبنىٰ علىٰ أكتافهم الكيان التنفيذي الإسلامي الأَوْل؛ وأن يسجل التاريخ البشري المحفوظ في الصدور والمذكور ثم المستور في الكتب بالسطور أسمائهم بحروف من ذهب علىٰ صفحات مِن فضة وبمرافقة صاحب الهدىٰ المبعوث رحمة للعالمين -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم- في تشييد صرح الدولة الوليدة الناشئة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهجرة العامّة مقدّماتها ونتائجها (العهد المدني)

[التحول الجديد] :
"حرم مشركو مكة الخير كله منذ جحدوا الرسالة، وقعدوا بكلّ صراط يوعدون، ويصدّون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا.
ولئن نجحت دعايتهم الكاذبة في منع قبائل كثيرة من دخول الإسلام، فإنّ الحق لا بدّ أن يعلو، وأن يثوب إليه المضلّلون والمخدوعون، علىٰ شرط أن يظل أهله أوفياء له، حراصا عليه، صابرين محتسبين.
وقد قيّض الله للإسلام من استنقذه من البيئة التي صادرته، فأنس بعد وحشة، واستوطن بعد غربة، وشق طريقه في الحياة، بعد أن زالت الجلامد الصلدة الملقاة في مجراه.
وبدأ هذا التحول علىٰ أيدي الوفود القادمة من (يثرب) إلى مكة في موسم الحج[.( ).].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال د. رزق:" لقد كان أهل المدينة أكثر الناس تجاوباً مع دعوة الرسول عندما عرض عليهم الإسلام؛ عرض على سويد بن الصامت[.( ).]

بيد أن لي هنا وقفة ونتساءل :" ما الذي مهد أفئدتهم لقبول الإسلام !؟
يأتي الرد :
1.] " اليهود كانوا معهم في بلادهم؛ ومعلوم أنهم أهل كتاب وعلم؛ فكان إذا وقع بينهم وبين اليهود نفرة أو قتال قال لهم اليهود :" إن نبيا مبعوثاً الأن قد أطل زمانه سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم"....ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم المقبل. فلم تبق دور من دورهم إلا فيها ذكر من رسول الله [.( ).]
2.] " سبب آخر أدى إلى تمهيد أفئدة أهل المدينة لقبول الإسلام وهو يوم بعاث[.( ).].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( تقديم : :" قال عليّ رضي الله عنه: فبينما هو عند العقبة، لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، قال لهم: (( مَنْ أَنْتُمْ ؟)).
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: (( أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ ؟ ))
قالوا: نعم.
قال: (( أَفَلاَ تَجْلِسُونَ أُكَلِّمْكُمْ ؟)). ".
نحن الأن في السنة الحادية عشرة من البعثة .. حين عرض نفسه الزكية على نفر عند ابن إسحاق عددهم ستة. وقال ابن كثير في البداية (3 /164) :" وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّوَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أَوَّلَ اجْتِمَاعِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِمْ كَانُوا ثَمَانِيَةً ، وَهُمْ : مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ،وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، وَذَكْوَانُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ،وَأَبُوالْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ . فَأَسْلَمُوا وَوَاعَدُوهُ إِلَى قَابِلٍ ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَرَافِعَ بْنَ مَالِكٍ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا يُفَقِّهُنَا .
فَبَعَثَ إِلَيْهِمْمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ... ؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واسعىٰ مرة آخرىٰ للتفصيل لأهمية هذه المفصل الحيوي حيث الإنتقال من طور إلىٰ آخر ومن مرحلة إلىٰ آخرىٰ ومن عهد إلىٰ عهد آخر جديد تماما عن سابقه ولمزيد تفصيل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الأحد‏، 14‏ محرم‏، 1443هــ ~ ‏الأحد‏، 22‏ آب‏، 2021 م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أعلى الصفحة
فهرس

 [ ١٠٣ ] : « إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ ».
« الْبَابُ الثَّانِي » من: ( الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ )

أحداث تمت قُبيل بيعة العقبة الأولىٰ، وَفِي هَذَا عَوْدٌ عَلَىٰ بَدْءٍ!
- نحن ما زلنا نعيش أجواء العام العاشر مِن البعثة المحمدية الخاتمة“صَلَّى اللَّهُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، أَزْكَى صَلَوَاتِهِ وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ، وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيراً” ونتعايش مع أحداث بدايات الرسالة الخالدة؛ والتي كَتبَ اللهُ -عز وجل- لها البقاء إلىٰ قيام الساعة.. وإلىٰ وقت حدوث القيامة؛ ووعد-سبحانه- بحفظ الذكر الحكيم فقال مَن عز شأنه وعلا فوق رؤوس الجميع سلطانه- :{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون } [الحِجر:9]
.. خاصةً ونحن نقترب-رويداً.. رويداً- مِن نهايات العهد المكي؛ بما فيه وعليه وله مِن كافة الجوانب المحيطة به سواء أكانت الإجتماعية أو الاقتصادية والسياسية أو العقدية.. وما جرىٰ فيه؛ وكيف تم بكلمة التوحيد زلزلة الأرض مِن تحت أقدام صناديد عبدة الأوثان وعبّاد الأصنام؛ والإخبار بــ بشارات أهل الكتاب وبقية أتباع الأديان؛ بمجئ نبي آخر الزمان؛ وما حدث مِن رجال هذا العهد ولهم وبهم ونسائه؛ ثم النقلة النوعية المتميزة والإنسانية والحضارية لمَن أمنوا بالله رباً واحداً لا شريك له؛ ولا صاحبةَ ولا ولد له؛ ولا ند ولا مثيل ولا وزير ولا معين له؛ ولا شبيه له-سبحانه وجلَّ شأنه-، فإذا أمر وجبت طاعته- دون كيف ولماذا-، وإذا نهىٰ حق علينا أن لا نقترب مما نهىٰ عنه وزجر؛ وكذلكَ النقلة النوعية العلمية لمَن أمنوا بمحمدٍ بن عبدالله آخرَ الأنبياء وخاتماً للمرسلين ومتمماً للمبتعثين، ليعم السلام وتنتشر الطمأنينة ويسود الوئام بين الأنام؛ وتعلو السكينة علىٰ قلوب وعقول العالمين.. فتزدهر الأرض بعلوم نافعة؛ فيمكث في الأرض ما ينفع الناس!
والأن نبحث الفصل الثالث بعد المائة الأولىٰ [تبويب موقع آستروعرب نيوز]؛ وهو نموذج رائع لكيفية حمل الدعوة للمشركين وغير المسلمين:
-*-
[ ١٠٣ ] : ذِكْرُ عرضه نَفْسِهِ الزكية - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَىٰ الْقَبَائِلِ لِــ :
- „يُؤْمِنُوا بِهِ” ، وَلِــ:
- „يَنْصُرُوهُ” قَبِيلَةً قَبِيلَةً..
فـ حديثي اليوم عن كيفية عرض نفسه الزكية البهية الآبية عَلَىٰ بَنِي:„شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ” ،
» [بنو شيبان] «
ذَكَرَ الْخَطّابِيّ وَقَاسِمٌ مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ مَعَ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ الذّهْلِيّ؛ زَادَ قَاسِمٌ تَكْمِلَةَ الْحَدِيثِ[(*)] فَرَأَيْتُ أَنْ نَذْكُرَ زِيَادَةَ قَاسِمٍ، فَإِنّهَا مِمّا تَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ[(1)] الموسوعي في سيرته العطرة-عليه السلام-
- „ أمرُ اللهِ -تعالى- لنبيه أن يعرض نفسه علىٰ قبائل العرب ” :
« المشهور ما رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: „ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- نَبِيَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَىٰ قَبَائِلِ الْعَرَبِ خَرَجَ - وَأَنَا مَعَهُ وَأَبُو بَكْرٍ - إِلَىٰ مِنًى حَتَّىٰ دَفَعْنَا إِلَىٰ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعَرَبِ..
[ 1 . ] : « „ المجلس الأول: ‟ » .
- قال علي :" فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ[(2)] وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ مُقَدَّمًا فِي كُلِّ حِينٍ [وفي رواية :"خَيرٍ" [(1)] وكَانَ رَجُلًا نَسَّابَةً؛ فَــ
قَالَ: „ مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ ‟ .
قَالُوا: „ مِنْ رَبِيعَةَ ‟ .
قَالَ: „ وَأَيُّ رَبِيعَةَ أَنْتُمْ؟؛ مِنْ هَامَتِهَا أَمْ مِنْ لَهَازِمِهَا؟ ‟ .
قَالُوا: „ بَلْ مِنْ هَامَتِهَا الْعُظْمَىٰ ‟ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: „ مِنْ أَيِّ هَامَتِهَا الْعُظْمَىٰ؟ ‟ .
قَالُوا: „ ذُهْلٌ الْأَكْبَرُ... ‟..
[ 2 . ] : « „ المجلس الثاني: ‟ » .
إلىٰ أن قَالَ:„ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَىٰ مَجْلِسٍ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَإِذَا مَشَايِخُ لَهُمْ أَقْدَارٌ وَهَيْئَاتٌ[(2)] فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَسَلَّمَ”.
قَالَ عَلِيٌّ:„وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ[(1) مُقَدَّمًا فِي كُلِّ حِينٍ [والرواية التي أثبتها:"خير"[(1)]،
فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: „ مِمَّنِ الْقَوْمُ؟ ‟ .
قَالُوا: „ نَحْنُ بَنُو شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ‟ .
فَالْتَفَتَ إِلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَقَالَ: „ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي.. لَيْسَ بَعْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ عِزٍّ فِي قَوْمِهِمْ هَؤُلَاءِ غُرَرٌ فِي قَوْمِهِمْ ”[(1)] .
- وكان في القوم:
- مَفْرُوقُ بن عمرو؛ و
- هانىء بْنُ قَبِيصَةَ، وَ
- مُثَنّى بْنُ حَارِثَةَ، وَ
- النّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ..
وكان أقرب القوم إلىٰ أبي بكر مفروق بن عمرو وَكَانَ مَفْرُوقُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ غَلَبَهُمْ جَمَالًا [وفي رواية:"بيانا"] وَلِسَانًا[(2)]؛ وَكَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ تَسْقُطَانِ عَلَىٰ [صدره] تَرِيبَتَيْهِ[(2)] ، وَكَانَ أَدْنَى الْقَوْمِ مَجْلِسًا مِنْ أَبِي بكر، فــ
قال له أَبُو بَكْرٍ: „ كَيْفَ الْعَدَدُ فِيكُمْ؟ ‟ .
قَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ: „ إنّا لَنَزِيدُ عَلَىٰ الْأَلْفِ، وَلَنْ تُغْلَبَ أَلْفٌ مِنْ قِلّة ‟ .
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ له: „ كَيْفَ المنعة فِيكُمْ؟ ‟ .
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: „ عَلَيْنَا الْجَهْدُ، وَلِكُلّ قَوْمٍ جد ‟.
فقال أبو بكر: „ كيف الحرب بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَدُوّكُمْ؟ ‟ .
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: „ إنّا لَأَشَدّ مَا نَكُون غَضَبًا لَحِينَ نَلْقَىٰ، وَإِنّا لَأَشَدّ مَا نَكُونُ لِقَاءً حِينَ نَغْضَبُ، وَإِنّا لَنُؤْثِرُ الْجِيَادَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَالسّلَاحَ عَلَى اللّقَاحِ[(أي الإبل)]، وَالنّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، يُدِيلُنَا مَرّةً وَيُدِيلُ عَلَيْنَا ‟ . ،
قَالَ مَفْرُوقٌ: „ لعلك أخو قريش؟ ‟ .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: „ إِنْ كَانَ بَلَغَكُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَهَا هُوَ ذَا ‟ .
فَقَالَ مَفْرُوقٌ: „ وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ ‟ .
-*-
التساؤلات عن الدعوة الجديدة!

ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَــ
[ 1 . ] التساؤل الأول:
قَالَ:.„ إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ ”
فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَلَسَ ،
وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ يُظَلِّلُهُ بِثَوْبِهِ؛
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
أ . ] « „ [أَدْعُو إلَىٰ[(1)]] أَدْعُوكُمْ إِلَىٰ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ‟ » .
ب . ] « „ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ‟ » .
العقيدة والإيمان أولاً؛ ثم تأتي :
ج . ] [وَإِلَىٰ[(1)] : « „ أَنْ تُؤُوُونِي ‟ » .
د . ] : « „ وَتَمْنَعُونِي ‟ » . ،:
هـ . ] : « „ وَتَنْصُرُونِي ‟ » .
ثم يأتي مطلب بناء علىٰ السابق من عرض الدعوة :
و . ] : « „ حَتَّىٰ أُؤَدِّيَ عَنِ اللَّهِ -تَعَالَىٰ- مَا أَمَرَنِي بِهِ ‟ » .
ثم يبين هذه الجزئية بقوله عليه السلام :
« „ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ، وَكَذَّبَتْ رَسُولَهُ، وَاسْتَغْنَتْ بِالْبَاطِلِ عَنِ الْحَقِّ، وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ‟ » ،
[ 2 . ] التساؤل الثاني :
قَالَ لَهُ: „ وَإِلَامَ تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ ‟ .
فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } .. ثم يكمل : { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [الْأَنْعَامَ: 151][(1)] { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون } [الأنعام:152] { وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون } [الأنعام:153] .
: الإعتراف الكامل :
بعد سماع مفروق لحديث الرسول الأعظم قال: „ فَوَاللَّهِ مَا هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَعَرَفْنَاهُ ‟ .
[ 3 . ] : التساؤل الثالث :
وَقَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ: „ وَإِلَامَ تَدْعُو أَيْضًا يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ ‟ .
فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } . [النّحْلَ: 90 ]
فَقَالَ لَهُ مَفْرُوقٌ: „ دَعَوْتَ وَاللَّهِ يَا قُرَشِيُّ [يَا أخا قريش: [عند السهيلي] إِلَىٰ :
أ . ] „ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ‟ ؛
ب . ] : „ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ ‟ .
[: „ وَاَللهِ ‟ . [عند السهيلي] وَلَقَدْ أُفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ ‟ ،
وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَّامِ هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ فَقَالَ: „ وَهَذَا هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ دِينِنَا ‟ ،
فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: „ قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ ، وَصَدَّقْتُ قَوْلَكَ ، وَإِنِّي أَرَى [أننا [(2)]] أَنَّ تَرْكَنَا دِينَنَا وَاتِّبَاعَنَا إِيَّاكَ عَلَى دِينِكَ لِمَجْلِسٍ جَلَسْتَهُ إِلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ وَلَا آخِرٌ إِنْ لَمْ نَتَفَكَّرْ فِي أَمْرِكَ وَنَنْظُرْ فِي عَاقِبَةِ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ إِنَّهُ زَلَّةٌ فِي الرَّأْيِ ، وَطَيْشَةٌ فِي الْعَقْلِ وَقِلَّةُ نَظَرٍ فِي الْعَاقِبَةِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الزَّلَّةُ مَعَ الْعَجَلَةِ ، وَإِنَّ مِنْ وَرَائِنَا قَوْمًا نَكْرَهُ أَنْ نَعْقِدَ عَلَيْهِمْ عَقْدًا وَلَكِنْ تَرْجِعُ وَنَرْجِعُ وَتَنْظُرُ وَنَنْظُرُ ‟ ،
وَكَأَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي الْكَلَامِ الْمُثَنَّىٰ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ: „ وَهَذَا الْمُثَنَّىٰ [بْنُ حَارِثَةَ[(1)] شَيْخُنَا وَصَاحِبُ حَرْبِنَا ‟ ،
فَقَالَ الْمُثَنَّىٰ: „ قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ وَاسْتَحْسَنْتُ قَوْلَكَ يَا أَخَا قُرَيْشٍ وَأَعَجْبَنِي مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ ، وَالْجَوَابُ هُوَ جَوَابُ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ ‟ ، „ وَإِنّا إن تَرْكِنَا دِينَنَا، وَاتّبَاعِنَا إيّاكَ لِمَجْلِسِ جَلَسْته إلَيْنَا لَيْسَ لَهُ أَوّلٌ وَلَا آخِرُ، وإنا إِنَّمَا نَزَلْنَا بَيْنَ صِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْيَمَامَةُ وَالْأُخْرَىٰ السَّمَاوَةُ؟ ‟
فقال له رسول الله: « „ وما هذان الصريان؟ ‟ » .
- المصالح الدنيوية والمنافع الدنية والارتباطات السياسية:
فقال له: „ أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرىٰ ‟[(2)] [وفي رواية : فَقَالَ أَنْهَارُ كِسْرَى، وَمِيَاهُ الْعَرَبِ][(1)]، وَإِنَّمَا نَزَلْنَا عَلَىٰ عَهْدٍ أَخَذَهُ عَلَيْنَا كِسْرَىٰ أَنْ لَا نُحْدِثَ حَدَثًا وَلَا نُؤْوِيَ مُحْدِثًا ، وَلَعَلَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْعَرَبِ [وَأَمّا مَا كَانَ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ][(1)] فَذَنْبٌ صَاحِبُهُ مَغْفُورٌ ، وَعُذْرُهُ مَقْبُولٌ ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ فَارِسَ [فَأَمّا مَا كَانَ مِنْ أَنْهَارِ كِسْرَى][(1)] فَذَنْبٌ صَاحِبُهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ وَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَنْصُرَكَ [ونمنعك[(2)]] مِمَّا يَلِي الْعَرَبَ فَعَلْنَا، [وَإِنّي أَرَى هَذَا الْأَمْرَ الّذِي تَدْعُونَا إلَيْهِ هُوَ مِمّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ، فَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ نُؤْوِيَك وَنَنْصُرَك مِمّا يَلِي مِيَاهَ الْعَرَبِ، فَعَلْنَا:[(1)]].
فجاءت إجابة الرسول الكريم واضحة كاشفة مبينة :
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ مَا أَسَأْتُمُ الرَّدَّ إِذْ أَفْصَحْتُمْ بِالصِّدْقِ إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِدِينِ اللَّهِ [وفي رواية:" وَإِنّ دِينَ اللهِ لَنْ يَنْصُرَهُ[(1)]] إِلَّا مَنْ حَاطَهُ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ ‟ » ،
ثم تأتي بشارة :
ثم قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ أَرَأَيْتُمْ إنْ لَمْ تَلْبَثُوا إلّا قَلِيلًا [يسيرا] حَتّىٰ [يمنحكم الله بلادهم] يُورِثَكُمْ اللهُ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَيُفْرِشَكُمْ [بناتهم] نِسَاءَهُمْ، أَتُسَبّحُونَ اللهَ وَتُقَدّسُونَهُ ‟ ،
فَقَالَ النّعْمَانُ بْنُ شَرِيكٍ: „ اللهُمّ لَك ذَا ‟ ، [وفي رواية :"اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش".]
فَتَلَا رسول الله- صَلَّى الله عليه وسلم: { إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً } .
ثُمّ نَهَضَ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَخَذَ بِيَدَيّ [قَابِضًا عَلَىٰ يَدِ أَبِي بَكْرٍ]، فَقَالَ [قال علي: ثم التفت إلينا رسول الله]: « „ يَا أَبَا بَكْرٍ.. يَا أَبَا حُسْنٍ أَيّةُ أَخْلَاقٍ [للعرب كانت] فِي الْجَاهِلِيّةِ، مَا أَشْرَفَهَا بِهَا يَدْفَعُ اللهُ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبِهَا يَتَحَاجَزُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ [في الحياة الدنيا] ‟ » .
[ 3 . ] : « „ المجلس الثالث: ‟ » .
ثُمَّ دَفَعْنَا إِلَىٰ مَجْلِسِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فَمَا نَهَضْنَا حَتَّىٰ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ عَلِيٌّ: „ وَكَانُوا صُدُقًا صُبُرًا [وَكَانُوا صُدَقَاءَ صُبَرَاءَ:السهيلي] رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ‟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(*)]- هذا الحديث رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (214) والحاكم والبيهقي في "دلائل النبوة" (2/422) - والسياق لأبي نعيم - رحهم الله من حديث : أبان بن عبدالله البجلي (1) عن أبان بن تغلب (2) عن عكرمة (3) عن ابن عباس[فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان؛ ص: (277)]، وابن عساكر في "تاريخه" (17/293)؛ وحسنه الحافظ في "الفتح" (7/220) وقال ابن كثير -رحمه الله- : " هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الأخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب، وقد ورد هذا من طريق أخرى " انتهى من "البداية والنهاية" (3 /178) . وضعفه الألباني في "الضعيفة" (6457)؛ قلتُ(الرمادي): "وما بين المعكوفتين من الروض الأنف للسهيلي بتحقيق الوكيل:.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
[(1)] السهيلي؛ الروض الأنف؛ تحقيق: الوكيل: (4/61]
[(2)] منير الغضبان؛ فقه السيرة النبوية؛ ص: (277).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
(٩) [ الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ ]
(٢) « الْبَابُ الثَّانِي » :
[ ١٠٣ ] : « إِلَامَ تَدْعُو يَا أَخَا قُرَيْشٍ؟ ».
الثلاثاء ‏: ٢٠‏ شوال‏، 1442 هــ ~ 01. يونيو 2021م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

[١٠٢] وَفْدُ الْأَنْصَارِ
[الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ]

استدراك:
في الْبَابِ الثَّالِثِ؛ وتحت عنوان : سَعْيُ الرَّسُولِ-صلى الله عليه وآله وسلم- يَطْلُبُ النُّصْرَةَ.. مِن الْمُجَلَّدِ الثَّامِن : دُعَاءِ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ؛ [اصدارات: آستروعرب نيوز ]. . . ذكرتُ :" .. خرج رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم- في الموسم، فعرض نفسه علىٰ قبائل العرب كما كان يصنع في كلّ موسم.
وكانت البداية برجل من هَمدان ..
جاء في مسند الإمام أحمد؛ وسنن أبي داود؛ وسنن التّرمذي عن جابرِ بنِ عبدِاللهِ -رضي الله عنه- قال:
كَانَ النَّبِيُّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ:
« „ هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ !؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عزّ وجلّ ‟ » .
فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ، فقالَ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- : « „ مِمَّنْ أَنْتَ ؟ ‟ » .
فَقَالَ الرَّجُلُ : „ مِنْ هَمْدَانَ ‟
قَالَ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-:.« „ فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ !؟ ‟ » .
قَالَ : „ نَعَمْ ‟ .
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ [ يخفره: الخفر: هو ألا يَفُوا بما وعد به ؛ ولا يسعَى بذمّته] قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- فَقَالَ: „ آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ، ثُمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ ‟ ،
قال -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: « „ نَعَمْ ‟ »
فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ ".
-*-
وهنا انبه إلىٰ وقفتين:
1 . ] - الوقفة الأولىٰ: وجوب خروج حامل الدعوة الإسلامية إلىٰ النّاس.
فــ نرىٰ النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- لم يأمر بأن تُنصَب له خيمة بمِنًى، أو بسوق عُكاظ، يجلس فيها ثم ينتظر النّاس يأتونه ! بل إنّه -صلّى الله عليه وآله وسلّم- كان يذهب إلىٰ منازلهم بمنًى، وينزل عليهم في خيامهم يعرِض نفسه عليهم.
والعَجَبُ مِن بعض مَن يرتقون المنابر -خاصة في القارة الأورُبية والأمريكيّتين -ولعل المانع أنهم لا يحسنون لغة القوم الذين يعيشون بين أظهرهم-، لا يخرجون إلىٰ النّاس، يدعونهم إلىٰ الخير، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، حتّىٰ إذا هدىٰ الله -عزّ وجلّ- كثيرا من الضُلاّل إلىٰ الحقّ بإذنه، وجاءوهم إلىٰ مساجدهم، ما وجدوا لهم أثرا، وما سمعوا لهم خبرا !
2 . ] - الوقفة الثّانية: ربط النّاس من أوّل يوم بالله -سبحانه- وحده.
تأمّل قوله: « „ الأَمْرُ إِلَى اللهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ‟ » .. إنّه خطاب لمن لم يؤمن بعدُ برسالته .. ولمن لم يُقِرّ بعدُ بتوحيد الله سبحانه وتعالى !
إنّه -صلوات الله تعالىٰ عليه وآله وسلامه- يريد أن يربطهم مِن أوّل يوم بمن لا يحُول ولا يزول.. لا يريد أن يربطهم بوعود كاذبة، وزخارف زائفة .. كحال كثير من الدّاعين إلىٰ أنفسهم ! ".[(1)]
مدخل للمجلد التاسع :
ما قام به نبيُّ الهدىٰ وحامل لواء التوحيد المبعوث رحمة للعالمين -صلوات الله تعالىٰ عليه وآله وسلامه- مِن افعال وتصرفات وتحركات وخروج لمقابلة وفد حجيج قادم إلىٰ مكةَ أو الحديث إلىٰ رجل شريف في قومه اثناء العهد المكي -خاصة- إلا أنه كان يبحث عن آذانٍ صاغية، وقلوب واعية، وعقول مستنيرة وافهام ذكية وأيدٍ حانية تحمل هذا الدّين لتقدّمه إلىٰ التّائهين والحائرين ..

.. توجد مواقف أو تصرفات اثناء سير الأحداث تغير الواقع تغييراً جذرياً..
-*-
بحث مسألة : « „ تطبيق النظرية ‟ »
[١٠٢ ] التَّمْهِيدُ:
لا توجد نظرية -اطروحة- يتحدث عنها القرآن الكريم أو يتكلم عنها الذكر الحكيم أو في السنة الشريفة المحمدية النبوية.. أو يتم الإخبار عنها في إسلام محمد -بعثة السماء الآخيرة إلىٰ أهل الأرض ومَن عليها- إلا ولها طريقة معينة في إيجادها علىٰ أرض الواقع المعاش؛ ولها كيفية خاصة في تحقيقها في الحياة؛ مع ملاحظة تغير الزمان واختلاف المكان وخصوصية الناس إثناء الفتوىٰ أو السير في طريق الدعوة وتعدد الوسائل من عصر إلىٰ عصر آخر؛ واختلاف الأساليب من بقعة في الأرض إلى غيرها؛ كما تجد لهذه النظرية طريقة في تطبيقها وكيفية في تنفيذها.. إذ أن الإسلام -خاتم الرسالات السماوية؛ أو قل إن شئت متمم الرسالة التامة الكاملة لبني الإنسان- ..
هذا الإسلام يتكون من :
« أ » فكر [يعني: يتكون مِن مجموعة أفكار عن الآله والحياة والكون والإنسان] .. هذا الفكر منبثق عن عقيدة التوحيد؛ وأساسه مبني علىٰ مبدأ الوحدانية؛ التي تعني توحيد الإله فتترسخ عقيدة الربوبية [تعني : الرب.. المالك للحياة والكون والإنسان] فتسطع في الأفق بجلاء عقيدة الحاكمية لله الواحد الأحد؛ فــ
يرافق هذه العقيدة [الإيمان] المتينة :
« ب » طريقة عملية وكيفية تطبيقية وإخراج تنفيذي وأحكام تشريعية مِن جنس هذه الفكرة الأساسية؛ أي نظرية متماسكة الأطراف متينة الجوانب يصاحبها تطبيق جيد الإخراج مِن نوعها..
بمعنىٰ طرح نظرية -سواء متعلقة بالعلاقة بين العبد وبين ربه [الآله] (العبادة بكافة اشكالها: سواء الروحية أو البدنية أو المالية) أو العلاقة المتعلقة بين الناس فيما بينهم بعضهم ببعض (العقود والمعاملات والتصرفات والحدود والعقوبات)- أو العلاقة بين الإنسان وبين نفسه [ وتشمل الأخلاق والمطعومات والمشروبات والملبوسات ] أو العلاقة بين الإنسان وبين محيطه وبيئته ووسطه..
فطرح نظرية علىٰ الذهن البشري؛ قابلة للفهم بسهولة ويسر دون تعنت أو صعوبة إدراك ومشقة استيعاب.. اطروحة يسهل تعقلها وفهمها في كيفية تصور القول المنصوص في الكتاب الكريم؛ كمصدر أول ، أو السنة النبوية كمصدر ثان أو الفعل أو التصرف مِن كليهما -أي النص القرآني أو النص النبوي- فيتمكن الإنسان العادي من ادراكها إدراكاً فهمياً استيعابياً.. يصاحبها؛ أي الفكرة أو النظرية -حتماً- مباشرة ويجاورها -حالا- طريقة تطبيقية عملية تنفيذية في إيجاد هذه النظرية -الفكرة- وتفعيل تطبيقها.. في واقع الحياة وفق متطلبات الإنسان؛ بغض الطرف عن مكانه وبيئته ومحيطه ووسطه وزمانه وعصره وقدراته البدنية أو الادراكية الاستيعابية..
.. ولعل هذا الفهم لنظام الإسلام -النظرية والتطبيق- في عقول حامليه إذا غاب عن الادراك الآدمي إثناء القيام بعرض النظرية أو تطبيقها ؛ ولم يستوعبه الذهن البشري غابت النظرية -افكار الإسلام: أو اطروحات الإسلام لمعالجة مشاكل الإنسان والناس والناجمة عن التعامل أو التواجد أو مشاكل البيئة ومسائل تحيط بالإنسان-
فــ بغياب النظرية -أطروحات الإسلام- تسقط الطريقة الفعلية والكيفية العملية؛ فتضيع فكرة الإسلام وطريقة إيجادها معاً ؛ وبالتالي يُفقد نظام الإسلام بأكمله.. فيظهر على السطح قشور وترى من بعيد أوراق شجر لا جذر لها ولا أصول ؛ مع بقاء مَن يدينون به اسمياً أو مَن يتمسكون بشعائره ومناسباته فيأخذون بجانب منه -يروق لهم- ويتركون جوانب عدة؛ فيبقىٰ ما اسميه : « إسلام المعابد » ، « إسلام الكهنوت » ، « إسلام المناسبات ».
ــــــــــــــــــــــــــ
- صَوَامِعُ : أماكن العبادة للرهبان؛ وَ
- بِيَعٌ : للنصارى عامّة؛ وَ
- صَلَوَاتٌ : أماكن العبادة لليهود وَ
- مَسَاجِدُ للمسلمين.. وهي أماكن العبادة للرهبان، والنصارى، واليهود، والمسلمين! [(2)]
ـــــــــــــــــــــــــ

فالإسلام معالجات عملية واطروحات عقلية فهمية لما يتطلبه بدن الإنسان وما يحتاجه جسده وما يرغبه جسمه مِن احتياجات ورغبات وما تستلزمه روحه ..
فإذا أُشبعت تلك الرغبات وتحصل الإنسان على تلك الاحتياجات بالقدر الكافي وفق نظام الإسلام بأكمله نتج عن ذلك هدوء النفس البشرية واطمئنان القلب الإنساني وسمت الروح الآدمية.
ولتوضيح هذه القضية؛ اقول(الرمادي) :
طلب اللهُ -تعالىٰ في سماه وتقدست اسماه- حُسن عبادته؛ فأنزل بواسطة أمين السماء -جبرائيل- علىٰ قلب نبيه أمين السماء والأرض -عليهما السلام- قوله -تعالىٰ-: { وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ .. } [البقرة:43]
فيأتي الرسول فيقول: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[(*)]. فتقترن نظرية –فكرة/اطروحة- العبادة لله الواحد الأحد وتتجاور مع كيفيتها العملية التطبيقية مِن خلال اقواله وأفعاله وتصرفاته -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-؛
فــ فعله أنه : « „ صلى ‟ » أمامهم كما علمه أمين السماء جبريل.. ومن ثم قوله هذا «..رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فقرن بين ما عرضه من طلب العبادة [الفكرة] وبين كيفية العبادة [الطريقة/الكيفية] وبين الطلب من الله تعالى بعبادته..
وفي مسألة : „ الوضوء ‟ قال -عليه الصلاة والسلام-: «مَن توضأ نحو وضوئي هذا» .. فيتبين أن هناك قول يرافقه كيفية في تنفيذ هذا القول.. وهذا في مسألة عبادة الصلاة بكافة اركانها..
و نظيره في عبادة آخرى (ثانية) قوله -عليه الصلاة والسلام- بعد أن بيّن الحج المأمور بفعله -عليه الصلاة والسلام-: «خذوا عني مناسككم» فما داوم عليه النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يتركه فهو واجب؛ لأنه بيان للواجب، وما تركه دل علىٰ أنه ليس بواجب، وأنه تركه لبيان الجواز جواز الترك. وهكذا بقية المسائل..
.. فالإسلام -خاتم الرسالات السماوية للبشر كافة- إظهر فكرة -نظرية- أطروحة العبادة للناس وبيّنها ؛ ولمَن تكون العبادة الخالصة ؛ ونفي ما عداها؛ ولم يسكت؛ بل بيّن كيفية إخراج هذه العبادة مِن خلال افعال رسول الإسلام -عليه السلام-..
وهكذا بقية أعمال وتصرفات ومعاملات وأقوال الإنسان؛ ذلك الإنسان الذي يريد عن قناعة تامة ودون أدنىٰ اكراه أو إرغام أن يدخل في هذا الدين ويتمسك بهذا النظام العام؛ ويعتقد في صحته..
-*-
تنبيه :
بدأتُ كتابة هذا المدخل لما سوف يترتب عليه مِن تصرفات وأفعال يتأتىٰ منها قيام « كيان » جديد يبنىٰ علىٰ عقيدة الإسلام..سيكون نقطة بدايته « يثرب » وستتحول إلى مدينته المنورة والتي طيّب الله تعالى ثراها بمرقده وبجواره صاحبيه ووزيريه الصديق والفاروق -رضي الله عنهما-

ولا ينبغي لمَن لا يتفق معي في هذا الطرح أو كيفيته أن ينزعج أو يخشاه؛ فتوجد قاعدة عريضة اساسية في الإسلام وهي : « „ لا إكراه في الدين ‟ » و
صحيح أن هناك نماذج عدة -سيئة- تجعل في قلب مَن هو خارج هذا الإطار الذي اتحدث عنه أو أعرضه حالة من الخوف والترقب.. ولكن عرض أطروحة الإسلام بالتي هي أحسن وبكيفية تتناسب مع السامع ثم من بعد ذلك عرض كييفية تطبيق إسلام محمد - خاتم الرسل وآخر الأنبياء ومتمم المبتعثين - تطبيقاً حقيقياً صحيحاً بفهم سيرته العطرة فهماً إدراكياً واعياً سوف يزيل كل لبس أو خوف أو قلق عند الجميع!

-**-
نعود لبحث هذا المجلد ..
.. النقلة النوعية في خطاب خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين -عليه السلام-.. هذه النقلة النوعية في خطابه للناس بعد إنتقاله مِن مخاطبته لعشيرته ولقومه -خاصة أهل مكة- وبخروجه للطائف؛ ومخاطبتهم؛ ثم العودة في حماية رجل ليس مِن المسلمين [المطعم بن عدي].. وتعمده خطاب وفود الحجيج في أماكن مساكنهم ومواضع نصب خيامهم؛ ويلاحظ هنا تنوع الخطاب بشكل جذري.. فنتابع معاً كيفية العرض من قِبل النبي المصطفىٰ لمَن قابلهم :
فــ حين كان يلتقي بوفدٍ أو شخص؛ نقرأ عند الزُّهْرِيِّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ السِّنِينَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ ، وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفِ قَوْمٍ ، لَا يَسْأَلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَمْنَعُوهُ[(3)] ..
فــ يُعَرِف نفسه بوضوح تام فيقول:
[ ١ . ] « „ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ‟ » .
وفي رواية أكثر دقة :
[ ١ . ] « „ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ‟ » .
ثم يبين ما هو الواجب المنوط به؛ وما هو التكليف الذي كُلف به بعد اصطفائه واجتبائه واحتبائه واختياره مِن قِبل ربه رسولا للعالمين.. فيقول :
[ ٢ . ] « „ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَىٰ الْعِبَادِ ‟ » .
ويحدد هذا الدور.. وهذا الواجب.. وهذا التكليف فيقول:
[ ٣ . ] « „ أدعوهم إلىٰ أنْ ‟ »
[ ٤ . ] « „ يعبدوه ‟ » .
وفي رواية :
[٤.] « „ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ ‟ » .
وفي رواية أكثر وضوحاً :
[ ٤ . ] « „ أَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ‟ » ،
ثم يضيف كي لا تختلط الأمور والمسائل:
وَ
[ ٥ . ] « „ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ‟ »
وفي رواية :
[ ٥ . ] « „ ولا يشركوا به شيئًا ‟ » .
وهذه الرواية مرجعها إلىٰ فقرة رقم [ ٢ . ] « „ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَىٰ الْعِبَادِ ‟ » .
فيكون ترتيب الرواية :
« „ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَىٰ الْعِبَادِ ولا يشركوا به شيئًا ‟ » .
أما في حديثه مع كِنْدَةَ ؛ فقد كان أوضح؛
فَــ قَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْأَجْلَحِ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ ، قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « „ لَا أَرَى لِي عِنْدَكَ وَلَا عِنْدَ أَخِيكَ مَنَعَةً ، فَهَلْ أَنْتَ مُخْرِجِي إِلَى السُّوقِ غَدًا ، حَتَّى تُعَرِّفَنِي مَنَازِلَ قَبَائِلِ النَّاسِ ؟ ‟ » - وَكَانَتْ مَجْمَعَ الْعَرَبِ - قَالَ : فَقُلْتُ : „ هَذِهِ كِنْدَةُ وَلَفُّهَا ، وَهِيَ أَفْضَلُ مَنْ يَحُجُّ الْبَيْتَ مِنَ الْيَمَنِ ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ‟ . قَالَ : فَبَدَأَ بِكِنْدَةَ فَأَتَاهُمْ ، فَقَالَ: « „ مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ ‟ » . قَالُوا : „ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ‟ قَالَ: « „ مِنْ أَيِّ الْيَمَنِ ‟ » قَالُوا: „ مِنْ كِنْدَةَ ‟ قَالَ: « „ مِنْ أَيِّ كِنْدَةَ ‟ » قَالُوا: „ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ ‟ قَالَ: « „ فَهَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ ؟ ‟ » قَالُوا: „ وَمَا هُوَ ؟ ‟ .. قَالَ... [(4)]
ثم يفصل الرد عليهم فيقول :
[ ٦ . ] « „ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‟ » .
[ ٦ . ] « „ أَنْ تُؤْمِنُوا ‟ » .
وَ
[ ٧ . ] « „ تُصَدِّقُونِي ‟ » .

ثم تأتي متطلبات المرحلة الجديدة والتي نحن بصدد بحثها -الأن- ودراستها مع تبيانها؛ واستخلاص الدروس والعبر منها لتفعيلها وتطبيقها والسير وفق هداها؛ وإن كان ينزعج البعض منها؛ كما اسلفتُ؛ إذ أن السيرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلوات وأتم السلامات وكامل البركات- يحتاج فهمها إلىٰ دراسة واعية وبعمق ليحسن تطبيقها؛ فهي -السيرة المحمدية يجاورها ويرافقها السنة النبوية ليستا تاريخ مضىٰ وانتهىٰ بل هدي؛ وافعاله لنا إسوة؛ وطريقته لنا قدوة-
فيبدء بالقول:
[ ٨ . ] « „ تَمْنَعُونِي ‟ » .
حَتَّىٰ
[ ٩ . ] « „ أُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ ‟ » .
ثم تأتي إضافة جوهرية مع وفد كِندة؛ إذ عرض عليهم ؛
[ ١٠ . ] « „ وَتُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ‟ » ،
ثم يخبرهم بــ
[ ١١ . ] « „ وأنزل عليَّ كتابًا ‟ » ،
[ ١١ . ] « „ وَتُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ‟ » ،
ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ:
[ ١٢ . ] الْإِسْلَامَ ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ،:.

يتبين مِن الخطوات النبوية السابقة طريقته -عليه السلام- أو كيفيته في مرحلة جديدة أو مفصل يربط بين مرحلة بعينها ومرحلة آخرى تليها .
فهو - „ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَسَلَّمَ، أَزْكَىٰ صَلَوَاتِهِ، وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ ”.- يعرض :
«„ ١ ‟» الإسلام
و :
«„ ٢ ‟» يحتاج إلىٰ الإيواء
ويريد ويطلب :
«„ ٣ ‟» النصرة، وذلك قبل الهجرة.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُلَّمَا اجْتَمَعَ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ ، أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ ، وَلَا يَسْمَعُ بِقَادِمٍ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنَ الْعَرَبِ لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ إِلَّا تَصَدَّىٰ لَهُ ، وَدَعَاهُ إِلَىٰ اللَّهِ تَعَالَىٰ ، [(5)] وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ .
قَالَ أَبُو زَرْعَةَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " : بَابُ إِسْلَامِ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ هَانِئٍ الشَّجَرِيُّ ، ثَنَا أَبِي ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَابْنُ خَالَتِهِ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ، حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ ، فَلَمَّا هَبَطَا مِنَ الثَّنِيَّةِ ، رَأَيَا رَجُلًا تَحْتَ شَجَرَةٍ . قَالَ : وَهَذَا قَبْلَ « خُرُوجِ السِّتَّةِ مِنَ الْأَنْصَارِ » قَالَ: „ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ كَلَّمْنَاهُ ، قُلْنَا : نَأْتِي هَذَا الرَّجُلَ نَسْتَوْدِعُهُ رَاحِلَتَيْنَا حَتَّى نَطُوفَ بِالْبَيْتِ.‟ فَجِئْنَا فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ تَسْلِيمَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَرَدَّ عَلَيْنَا تَسْلِيمَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالنَّبِيِّ . قَالَ : فَأَنْكَرْنَا . فَقُلْنَا: „ مَنْ أَنْتَ ؟ ‟ قَالَ : « „ انْزِلُوا ‟ » . فَنَزَلُوا فَقُلْنَا : „ أَيْنَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَدَّعِي مَا يَدَّعِي ، وَيَقُولُ مَا يَقُولُ ؟ ‟ قَالَ: « „ أَنَا هُوَ ‟ » .
قُلْنَا :„ فَاعْرِضْ عَلَيْنَا الْإِسْلَامَ ‟. فَعَرَضَ ، وَ
قَالَ : « „ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ ؟ ‟ » قُلْنَا : „ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ ‟.
قَالَ : « „ مَنْ خَلَقَكُمْ ؟ ‟ »
قُلْنَا : „ اللَّهُ ‟.
قَالَ : « „ فَمِنْ عَمَلِ هَذِهِ الْأَصْنَامَ التِي تَعْبُدُونَ ؟ ‟ »
قُلْنَا : „ نَحْنُ ‟.
قَالَ : « „ الْخَالِقُ أَحَقُّ بِالْعِبَادَةِ أَوِ الْمَخْلُوقُ ؟ ‟ »
قُلْنَا : „ الْخَالِقُ ‟.
قَالَ : « „ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنَّ تَعْبُدَكُمْ ، وَأَنْتُمْ عَمِلْتُمُوهَا ، وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَعْبُدُوهُ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْتُمُوهُ ، وَأَنَا أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَتَرْكِ الْعُدْوَانِ ، وَإِنْ غَضِبَ النَّاسُ ‟ » .
فَقَالَا : „ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ بَاطِلًا ، لَكَانَ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ ، وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ ، فَأَمْسِكْ رَاحِلَتَيْنَا حَتَّى نَأْتِيَ الْبَيْتَ ‟ ». فَجَلَسَ عِنْدَهُ مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ.
قَالَ رَافِعٌ : „ وَجِئْتَ الْبَيْتَ فَطُفْتُ ، وَأَخْرَجْتُ سَبْعَةَ قِدَاحٍ ، وَجَعَلْتُ لَهُ مِنْهَا قَدَحًا ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْبَيْتَ ‟، فَقُلْتُ : „ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَأَخْرِجْ قِدْحَهُ . سَبْعَ مَرَّاتٍ ‟، فَضَرَبْتُ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَصِحْتُ : „ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ‟. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ ، وَقَالُوا : „ مَجْنُونٌ ، رَجُلٌ صَبَأَ ‟. فَقُلْتُ : „ بَلْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ ‟. ثُمَّ جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآنِي مُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ ، قَالَ : „ لَقَدْ جِئْتَ بِوَجْهٍ مَا ذَهَبْتَ بِهِ ، رَافِعُ ‟. فَجِئْتُ وَآمَنْتُ ، وَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ " يُوسُفَ " وَ " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" ، ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا كُنَّا بِالْعَقِيقِ ، قَالَ مُعَاذٌ: „ إِنِّي لَمْ أَطْرُقْ لَيْلًا قَطُّ ، فَبِتْ بِنَا حَتَّى نُصْبِحَ ‟. فَقُلْتُ : « „ أَبِيتُ وَمَعِي مَا مَعِي مِنَ الْخَيْرِ؟! مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ‟. وَكَانَ رَافِعٌ إِذَا خَرَجَ سَفَرًا ثُمَّ قَدِمَ عَرَّضَ قَوْمَهُ [إِسْنَادٌ وَسِيَاقٌ حَسَنٌ] .". [(6)]
-*-
بَابُ بَدْءِ إِسْلَامِ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ".
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ ، وَاعِزَازَ نَبِيِّهِ ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ ، فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا .
:" فَـ لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : « „ مَنْ أَنْتُمْ ؟ ‟ »
قَالُوا : „ نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ‟ .
قَالَ : « „ أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ ؟ ‟ »
قَالُوا : „ نَعَمْ ‟.
قَالَ : « „ أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ ‟ » .
قَالُوا : „ بَلَى ‟.
فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ .
قَالَ : وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ ، وَكَانُوا قَدْ عَزُّوهُمْ بِبِلَادِهِمْ ، فَكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ : „ إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ نَتَّبِعُهُ ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ ‟، فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ النَّفَرَ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : „ يَا قَوْمِ ، تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ ‟. فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ . وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَقَالُوا لَهُ : „ إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ ، بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ ، وَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ ، وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ ‟. ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا ".[(7)]

[ سِتَّةُ نَفَر]

:" قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ ، كُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَهُمْ : أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ،- قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ- وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَمِنَ الْأَوْسِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ. وَ
قِيلَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ النَّجَّارِيَّانِ ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ السَّلَمِيُّ ،
ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمٍ السَّلَمِيُّ أَيْضًا ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامٍ ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ السَّلَمِيُّ أَيْضًا ،
ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَيْلَتَئِذٍ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ . ".[(8)]
:"أم أنهم ثَمَانِيَةً:"
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّ أَوَّلَ اجْتِمَاعِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِمْ كَانُوا ثَمَانِيَةً ، وَهُمْ : مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، وَذَكْوَانُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.
فَأَسْلَمُوا وَوَاعَدُوهُ إِلَى قَابِلٍ ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَرَافِعَ بْنَ مَالِكٍ أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا يُفَقِّهُنَا . فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ ، فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. "..

-**-
وثبت في العديد من المصادر مسألة قُدُومِ وَفْدِ الْأَنْصَارِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ حَتَّىٰ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةً بَعْدَ بَيْعَةٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَحَوَّلَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَزَلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ..

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(*)] أخرجه :
أ.] البخاري في صحيحه (605) 1: 226 كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة. عن مالك بن الحويرث. و
ب.] أخرج مسلم حديث مالك في صحيحه (674) 1: 465 كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة. ولكن بدون ذكر هذه الجملة: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة العطرة
(٩) [الْمُجَلَّدُ التَّاسِعُ]
(١) الْبَابُ الْأَوَّلُ : وَفْدُ الْأَنْصَارِ
السبت ‏: ٢٧‏ شعبان‏، 1442 هــ ~ 09. ابريل 2021م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

النُّصْرَةُ

[١٠١ ] التَّمْهِيدُ:
الاخفاقُ الظاهر للعيان والتي مُنيت به تلك الجماعات ذات الوشاح الإسلامي ؛ وذلك الفشل الذريع الذي اصاب العديد مِن تكتلاتٍ ترتدي الجلبابَ الإسلامي خلال القرن الفائت على اختلاف توجهاتها وتعدد انتمائتها ؛ لإظهار الدين الحق وتبيان حقيقة الإسلام وحتى كتابة هذه السطور يعود هذا الاخفاق وذلك الفشل في أساسه لعدم التقييد الكامل بالسُنَّة النبوية العطرة الفعلية والقولية - على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وكامل البركات وعظيم التحيات - وإن كنتَ تسمع منهم أنهم يتمسكون بها ؛ اضف عدم التوفيق الواعي والمستنير بين خط سير الجماعة أو التكتل وبين خطوات سيرته -صلى الله عليه وآله وسلم- وهديّه ؛ يتوازىٰ مع هذا استحداث أو خلط أو مزج ما ليس منها عندهم وطريقته - عليه السلام - المعتمدة مِن مصادرها الموثقة للوصول إلىٰ أهداف اعلنوا من قبل عنها.. والتجربة المِصرية الآخيرة والتخبط في تونس الخضراء وضياع اتجاه البوصلة في إيران تجاورها باكستان وأفغانستان ليثبت صحة ما ذهبت إليه.. هذا بالنسبة للكتل والجماعات والأحزاب ذات الوشاح الإسلامي ؛ والعباءة الإسلامية ناهيك عن افراد الأمة.. فهم - مسلمو اليوم -يؤخذون بقشور المنهج ويعتمدون المواسم والمناسبات في حياتهم اليومية!! تحت شعار إحياء الإسلام ؛ وبناءً على حال تلك الكتل والأفراد فقد فسد المناخ العام للمسلمين وتبقت مسميات خالية من المضمون وهياكل فارغة من الموضوع.. إلا عند مَن رحم ربي وهم ثلة متبعثرون وقلة تشبه الأوائل من المسلمين في صدر الإسلام وفجره.. وهذه الثلة وتلك القلة هي التي تعمل لإيجاد إسلام النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- واستئناف الحياة المنهجية وفق الذكر الحكيم وفهماً للهدي النبوي الرسولي العظيم.. ومن هنا -قد- يبزغ نور فجر جديد!
...
فبتسلسل أحداث ومواقف وتصرفات النبي الرسول محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وآله وسلم- يتبين بوضوح تام عدم اقتصار الدعوة وعرضها علىٰ أهل مكة.. بل خرج وذهب -صلى الله عليه وآله وسلم- للطائف وتعمد -صلى الله عليه وآله وسلم- مقابلة ومخاطبة وفود الحج والعمرة القادمة من خارج مكة عارضاً -صلى الله عليه وآله وسلم- مبدأ الإسلام - التوحيد ونبوته - عليهم فقبلها مَن قبل وأهملها مَن أهمل.. ومن هنا يُفهم عالمية رسالته وأنها جاءت للعجم والعرب ولكل مَن يسكن المعمورة.. كما وأنها جاءت لاتباع الأنبياء السابقين عليه -صلى الله عليه وآله وسلم- دون استثناء .. وتعتمد طريقته وتلتزم كيفيته -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أن الطريقة المحمدية كيفية ثابتة لأنها وحي مِن عند الله تعالىٰ .. أما الوسائل والأساليب فهي متغيرة وفق الزمان وتعود لتغير المكان.. فالحديث عن الإسلام في مكة المكرمة أو القاهرة يختلف عنه في طهران أو أنقرة.. كما يختلف بالضرورة عند الحديث عنه في برلين أو باريس أو أدنبرة .. ولعل هذا ما غاب عن حملة الدعوة .. فأوقعنا في المأزق الذي نحن فيه الأن!
.. فموقفه وحديثه -صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة المكرمة في بيت عمه الشقيق لأبيه عبدالله بن عبدالمطلب أبي طالب؛ عبدمناف بن عبدالمطلب مع / أمام صناديد قريش وكبار رجال مكة.. اثناء مرض موته.. حين قال: « „ إِنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَىٰ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ” » وتدين بمعنىٰ : „ خضع وذلّ وانقاد له ” »[(1)] .. والكلمة التي قصدها الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- هي: „ التوحيد والنبوة ” .. ويتضح الأمر أكثر كما قال ابن كثير: وفي رواية ابن جرير قال -صلى الله عليه وسلم-: « „ يا عم! إني أريدهم علىٰ كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية ” » ، ففزعوا لكلمته ولقوله ، فــ
قال القوم: " كلمة واحدة! .. نعم وأبيك عشرا! " .. فــ
قالوا: " وما هي؟ " ؛ و
قال أبو طالب: " وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ "
قال -صلى الله عليه وسلم- : « „ لا إله إلا الله ” » .. فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون:" أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب ". قال ابن كثير: ورواه أحمد والنسائي والترمذي، وقال الترمذي: حسن [(2)] ..
والشاهد مِن الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - لمشيخة قومه :
[ 1. ] « „ لا إله إلا الله ” » ،
[2 . ] « „ كلمة تدين لكم بها العرب، وتملكون بها العجم ” » ، أو : « „ تؤدي لكم بها العجم الجزية ” ».. يعني أن العرب إنما تدين بالسمع والطاعة لأهل التوحيد ، وبالتوحيد يكون العرب أئمة وملوكاً ، وهذا هو ما يشهد به الواقع التاريخي! . فلقد كانت العرب تأنف أن يعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة ، كما قال الشافعي -رحمه الله- : „ كل من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف إمارة ، وكانت تأنف أن يعطيَ بعضُها بعضاً طاعةَ الإمارة ” [(3)] . "فلما دانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالطاعة، لم تكن ترىٰ ذلك يصلح لغير الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر ، الذين أمَّرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا طاعة مطلقة، بل طاعة مستثناةً، فيما لهم وعليهم " [(4)] . فقال الله -تعالىٰ-: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَىٰ اللَّهِ وَالرَّسُولِ } .. يعني - والله أعلم - إلىٰ ما قال الله والرسول ، فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاءٌ نصاً فيهما ولا في واحد منهما ، رُدوه قياساً علىٰ أحدهما [(5)].
وقبيل الهجرة المباركة وقيام الكيان الأول التنفيذي في المدينة المنورة والتي طيَّب الله -تعالىٰ- ثراها بمرقده وبجواريه صاحبيه الصديق والفاروق -رضي الله تعالى عنهما- تمت صلاته -صلى الله عليه وآله وسلم- إماماً للأنبياء جميعاً في ليلة الإسراء عند المسجد الأقصىٰ خارج مكة في أرض فلسطين - مهبط الديانات التوحيدية السابقة - ومنبع الأنبياء ومعدن الرسل.. وهذه إشارة واضحة وعلامة فارقة في وضعيته بين الأنبياء - إماماً لهم جميعاً - وأتباعهم - يسيرون خلفه ويتبعونه - .. ثم مروره في رحلة المعراج - عروجه إلىٰ سدرة المنتهى - علىٰ بعض السادة الأنبياء والمرسلين ومنادته بــ : „ العبد الصالح ” .. ويرافق هذه المناداة القول : „ أو قد بعث!؟ ” .. ثُمَّ عُرِجَ [به] في كل سَّمَاءِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ. فَقِيلَ:" مَنْ هَذَا؟ "، فَقَالَ: " جِبْرِيلُ " . قِيلَ: " وَمِنْ مَعَكَ؟ " ، قَالَ: " مُحَمَّدٌ ". قِيلَ : „ أَوَ قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ ” ، قَالَ:" نعم ". قَالَ: " مَرْحَبًا بِهِ، وَإِنَّهُ لَنِعْمَ الْمَجِيءُ ". فَفُتِحَ لَنَا.[ أي السماء ] . ".[(6)] ..
اقول(الرمادي): هذه وأمثالها إضاءات في السيرة تثبت أهمية اعتبار أن إسلام محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وآله وسلم- دين البشرية العالمي.. ثم إن الآيات القرآنية ونصوص السنة النبوية تتكاتف لتظهر هذه الرسالة بعالميتها للبشر أجمعين.. وهذا يستلزم صنف خاص من حملة الدعوة ، وطراز معين من رجال حمل الدعوة سوف يجيئون مِن بعده -صلى الله عليه وآله وسلم- يحسنون فهم الإسلام وصحة ودقة عرضه ويتمكنون من إبراز خصائصه بالمجادلة بالتي هي أحسن ، فيحملون مسؤولية هذه الرسالة لتبليغها بيضاء نقية لا شائبة فيها.. وهذا الصنف وذلك الطراز من الرجال ليسوا بأنبياء ولكنهم يحملونها بالكيفية الفهمية الإدراكية الاستيعابية التي أظهرها نبي الرسالة وطريقته والتي وضحها رسول خاتم النبوة -صلى الله عليه وآله وسلم- ..
.. فحين أوجد -صلى الله عليه وآله وسلم- الكيان الإسلامي الأول التنفيذي لمجموعة القيّم ولكتلة المقاييس ولحزمة المفاهيم ومجموع القناعات والأفكار كَتَبَ وأعلنَ وثيقةَ المدينة.. وهي ليست خاصة - فقط - بالمسلمين بل لكل من يسكن يثرب التي اصحبت مدينة الرسول؛ -نقطة إنطلاق الدعوة- ثم بدء -صلى الله عليه وآله وسلم- في إرسال الرسائل لملوك الأرض ويخاطب حكامها عن الوضع الجديد.. وهذا دليل عملي بعد النظري - القولي - اللفظي- علىٰ كيفية حمل الرسالة وعلىٰ كيفية تبيِّنها وإخبار الآخرين بها..
.. وهذا - حمل الدعوة بشكل ملفت للنظر وتبيّان صحتها وإبراز خصائصها بالمجادلة بالتي هي أحسن - .. هذا مما أخفق فيه الكثير مِن مؤسسات تحمل شارة إسلامية وتتبع - انتماءً أو تمويلاً- دولاً ضمن منطقة جغرافية كان يُطلق عليها : „ إسلامية ”. منذ عهد قريب..
..
.. بحثي هذا : « سَعْيُ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وآله وسلم- يَطْلُبُ النُّصْرَةَ » بعرض نفسه الزكيّة السنيّة البهيّة العليّة علىٰ قبائل العرب في مواسمهم.. ويذهب إلىٰ خيامهم.. ومرابض إبلهم وأماكنهم.. وتعمد الذهاب إليهم وتلك الكثرة مِن مقابلاته لــ بطون العرب كما ذُكرت بين دفتي كُتب السيرة ومقابلتهم والحديث معهم لتؤكد مرة ثالثة - ونحن في الباب الثالث مِن المجلد الثامن - لتؤكد شرعيّة وسنيّة هذا المطلب ؛ وأنه من طريقته المثلىٰ في حق مَن جاءوا مِن بعده -صلى الله عليه وآله وسلم- كمفصل أساسي وجوهري مِن مفاصل الدعوة وربط عضوي في هذه المرحلة - العهد المكي - في طلب النصرة مِن أهلها وأخذ الحماية - من رجالها - مِن مَن يصلح لتوصيل مبادئ هذه الرسالة الخاتمة للناس .. للعبور إلى العهد الثاني المدني وهي إضافة نبويّة سنيّة في سير خطوات سيرته بعد أن إنغلق المجتمع المكي أمام الدعوة.. فاستحداثها تنم عن عبقرية(!) الوحي -إذا جاز لي استخدام هذا التعبير دون أن يُفهم خطأ- .. لذا فدراسة السيرة المحمديّة النبويّة الرسوليّة دراسة إدراكية فهمية استيعابية - وليس فقط سردها كتاريخ جامد مغلق كأحداث مرت وانتهت يتذكرها التراثيون في مواسمها ويجترها الغافلون في مناسباتها - هذه الدراسة الإدراكية الفهمية الفقهية لسيرته - عليه السلام - تفتح ابواب العلم الشرعي الفقهي العملي في كيفية حمل الدعوة بين الناس جميعاً...
والله -تعالى في سماه وتقدست اسماؤه- المستعان وعليه التوكل ومنه العون والتوفيق!
..
ثم إن هذه الإضافة في خط سير الدعوة في العهد المكي شاركه فيها: أبو بكر الصديق؛ وعلي بن أبي طالب -رضي الله تعالىٰ عنهما-.. وكذلك مَن خرج معه في ذهابه إلىٰ الطائف.. وهي بالطبع خارج - مكة - ..
..
وعليه يتبين لكاتب هذه السطور ومَن يتتبع خطوات السير من خلال منهج الكاتب في كيفية عرض السيرة النبوية الشريفة العطرة - على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- أن طلب النصرة كما عنونها كُتّاب السيرة النبوية وأخذ العهد بالحماية لدعوته - صلى الله عليه وآله وسلم - من أهل الحماية والمنعة أنها مفصل اساسي وجوهري في سير الدعوة المحمديّة وتسلسل اراه منطقي بعد ان أنغلق مجتمع مكة عليه -صلى الله عليه وآله وسلم - في الخطوات العملية للوصول إلىٰ غاية تبليغ الدعوة الإسلامية الوليدة للناس..
..
وبناءً عليه فليس من السنة العمليّة وليس مِن السيرة الفعليّة النبويّة الاعتماد - فقط - علىٰ القوىٰ الذاتية لجماعة أو حزب أو تكتل إسلامي وهذا يظهر بوضوح في عهده النيّر وايضا ما يليه مِن أزمنة وعهود .. بل يجب طلب النصرة مِن أهلها وأخذ الحماية مِن رجالها .. وهي قوىٰ فاعلة مؤثرة في المجتمع أو الأمة تؤمن بفكر الجماعة أو الحزب وتعمل تحت أمرته ومعه للوصول لما يريد ...
-**-
وأُفَصِلُ البحثَ فأقول ؛ بعد الاستعانة بالله العلي القدير : { ذِي الطول } : ذي الفضل المبسوط علىٰ مَن يشاء مِن خلقه . قال ابن عباس: ذِي الطَّوْلِ: " ذِي السَّعَة والغنىٰ ". [(7)].
.. أنه قد
١ . ] انغلق قلب وعقل المجتمع المكي - أول مكان لمهبط الوحي السماوي الآخير بالتكاليف الشرعية العقائدية والعملية لخاتمة الرسالات الآلهية للبشر أجمعين - انغلق أمام سماع أو فهم أو إدراك دعوة النبي الرسول محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وآله وسلم- فآمن به قلة من البشر وثلة من الأوائل من بينهم :
- ضعيف الحال لا يقام له في المجتمع وزنا .. أو
- قوي الشكيمة يهاب جانبه ويخشىٰ ؛ لكنهم ظلوا ثلة مستضعفة لا يقدرون - بقدراتهم الذاتية المحدودة - الوقوف أمام صناديد مكة ورجال قريش ..
.. ولكي يخرجوهم من ملتهم ويضيقوا عليهم قاموا
بــ :
٢ . ] حصارهم في شِعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات متتاليات مَنعوا عنهم الطعام ولا يخالطوهم ولا يجالسوهم ولا يعاملوهم..
.. واستمرت الدعوة وسارت الرسالة.. في طريقها .. وقبل ذلك :
٣ . ] ضُيق عليهم الخناق فعُذِب الضعفاء منهم .. بل وقُتِلتْ أول شهيدة في الإسلام السيدة :" سمية ".. وتوالت الأحداث ..
فــ :
٤ . ] هلك السند الخارجي لنبي الهدىٰ والرحمة .. عبدمناف بن عبدالمطلب ؛ أبو طالب ؛ الأخ الشقيق لــ عبدالله بن عبدالمطلب..
..
.. وهناك إشكال - بين الشيعة والسنة - في إيمانه بنبوة ابن أخيه ورسالته ؛ سابحثها - إذا شاء الله العلي القدير؛ ومن بعد إذنه وبتوفيقه وهدايته وإرشاده - في نهاية المجلدات .. في جزء ضمن بحوث الشخصيات المحورية في عهد النبوة وفي بحوث الشبهات..
و :
٥ . ] في نفس العام مات السند الداخلي: أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله تعالى عنها وأرضاها-؛ وهو العام الذي أَطلق عليه بعض العلماء :" عام الحزن " ..
ثم..
٦ . ] خرج النبي المصطفىٰ والرسول المجتبىٰ والحبيب المرتضىٰ والأحمد المحتبىٰ للطائف ..
.. وبدءً مِن هذا المنعطف ستضاف إلىٰ خطوات الدعوة السابقة وسير حمل الرسالة في العهد المكي خطوة أساسية وعمل مبدع(!) جوهري وسير جديد سيترتب عليه بناء أول كيان تنفيذي لأفكار ومبادئ وقيّم وقناعات ومقاييس وأسس الدعوة الوليدة - رسالة إسلام للنبي الرسول محمد بن عبدالله - ألا وهي « „ طلب النصرة » من أهل القوة والمنعة و« „ أخذ العهد ” » من رجال يحمون الدعوة!
٧ . ] عَنْون كُتَّاب السيرة النبويّة هذا المفصل الحيوي بين مراحل الدعوة تحت مسمىٰ :
« عَرْضُ نَفْسِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَىٰ الْقَبَائِلِ » [(8)].
أو
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ:
« أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَىٰ قَبَائِلِ الْعَرَبِ » [(9)]
قال الإمام ابن حبان في كتابه „ الثقات ” : « إن الله (أمر رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يعرض نفسه علىٰ قبائل العرب يدعوهم إلىٰ الله وحده، وأن لا يشركوا به شيئا، وينصروه، ويصدقوه؛ فكان يمر علىٰ مجالس العرب ومنازلهم؛ فإذا رأى قوماً وقف عليهم، وقال :
[ ١ . ] « „ إني رسول الله إليكم ” » ،
[ ٢ . ] « „ يأمركم أن تعبدوا الله ” » ،
[ ٣ . ] « „ ولا تشركوا به شيئا ” » ،
[ ٤ . ] « „ وتصدقوني ” » ..
وخلفه «عبدالعزى»=«أبو لهب بن عبدالمطلب» يقول لهم:" يا قوم!؛ لا تقبلوا منه؛ فإنه كذاب ... » [(10)].

عَرْضُ نَفْسِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْقَبَائِلِ[(11)]:
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: « „ هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي ” » [(12)].
العام الرابع قبل الهجرة النبوية: [(13)].
فأتاه رجلٌ فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- له : « „ من أنت ” » ؟ قال:" من همدان "، قال : « „ فهل عند قومك من منعةٍ ” » ؟ قال:" نعم".. ثم إنَّ الرجل خشىٰ أن يُخفره قومه فقال:" آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من قابلٍ "، قال: « „ نعم ” »، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب[(14)].
-**-
روىٰ البيهقي بسنده عن عروه بن الزبير قال: لما أفسد الله، -عَزَّ وجَلَّ-، صحيفة مكرهم خرج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه فعاشوا وخالطوا الناس، ورسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في تلك السنين يعرض نفسه علىٰ قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه،[(15)]: "
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي تِلْكَ السِّنِينِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، وَيُكَلِّمُ كُلَّ شَرِيفِ قَوْمٍ، لَا يَسْأَلُهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَمْنَعُوهُ، وَيَقُولُ: لَا أُكره أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ، مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِالَّذِي أَدْعُوهُ إِلَيْهِ فَذَاكَ [وفي رواية:"قبله"[(15)] ، ومن كره [وفي رواية :"كرهه"(15)] لم أكرهه، إنّما أُرِيدُ أَنْ تُحْرِزُونِي[(16)] ؛ :" في دلائل النبوّة للبيهقي، أي "تحفظوني"، وفي نسخة دار الكتب المصرية «تجيروني» . [وفي رواية :"تحوزوني"[(15)] مِمَّا يُرَادُ بِي مِنَ الْقَتْلِ[ في حاشية الأصل «الفتك» .، [فتحوزوني:[(15)] حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَحَتَّىٰ يَقْضِيَ اللَّهُ لِي وَلِمَنْ صَحِبَنِي بِمَا شَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ [منهم؛ ولا أتى على أحد من القبائل إلا قالوا:" قوم الرجل " [(15)] وَيَقُولُونَ: قَوْمُهُ أَعْلَمُ بِهِ، أَتَرَوْنَ [وفي رواية :" أفترىٰ"[(15)] أَنَّ رَجُلًا يُصْلِحُنَا وَقَدْ أَفْسَدَ قَوْمَهُ، وَلَفَظُوهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا ذَخَّرَ[4] [وفي رواية :"ادخر"[(15)] [(17)] اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ[(17)]. "وفي رواية:"ادخر الله -عَزَّ وجَلَّ-، للأنصار من البركة ".[(17)] [(15)].
-*-*-
وَتُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، وَابْتُلِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدَّ مَا كَانَ، فَعَمَدَ لِثَقِيفٍ بِالطَّائِفِ، رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ.[(8)]راجع :" [ ٥ ] الْبَابُ الْخَامِسُ: الــمَسِيرُ إِلَىٰ „الطَّائِفُ‟"اصدارات: آستروعرب نيوز ]..
-**-
ومن هذه الإنطلاقة النبوية في سيرته يبدء بحثي:
*.]:" قَال حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنُ عُبَيْدِاللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ يُحَدِّثُ أَبِي قَالَ: إِنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقِفُ عَلَى الْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ، يَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ :
[ ١ . ] « „ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ” » ،
[ ٢ . ] « „ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ ” »
[ ٣ . ] « „ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ” » ، وَ
[ ٤ . ] « „ أَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ” » ، وَ
[ ٥ . ] « „ أَنْ تُؤْمِنُوا ” » وَ
[ ٦ . ] « „ تُصَدِّقُونِي ” » وَ
[ ٧ . ] « „ تَمْنَعُونِي ” » حَتَّىٰ
[ ٨ . ] « „ أُبَيِّنَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ ” » ..
قَالَ:" وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ، فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ قَوْلِهِ قَالَ: " يَا بَنِي فُلَانٍ إِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَدْعُوكُمْ إِلَىٰ أَنْ تَسْلَخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَحُلَفَاءَكُمْ من الحيّ من بني مالك بن أُقَيْشٍ، إِلَىٰ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ " ، فَقُلْتُ لِأَبِي: " مَنْ هَذَا؟ " ؛ قَالَ: " هَذَا عَمُّهُ عَبْدُالْعُزَّى أَبُو لَهَبٍ ".[(18)].
[ * . ] وَقال ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُلَيْحٌ[(17)] [وفي رواية اسمه:«فليح» [(17)]، فَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ[(18)].
[ * . ] وَقال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إِلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ بَنُو عَبْدِاللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّىٰ إِنَّهُ لَيَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ فَلَمْ يَقْبَلُوا[(19)].
[ * . ] وَقال البَعْضُ أَنَّهُ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَقْبَحَ رَدًّا مِنْهُمْ[(20)].
[ * . ] وَقال الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ بَيْحَرَةُ[(17)]؛ [وفي رواية:«سحرة» ]، [وفي آخرى: «صخرة» ]، والتصحيح من عند الذهبي في تاريخه؛ وتاريخ الطبري ونهاية الأرب للنويري] بْنُ فِرَاسٍ قالَ: " وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَىٰ مِنْ قُرَيْشٍ لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ "، ثُمَّ قَالَ لَهُ: " أَرَأَيْتَ إِنْ تَابَعْنَاكَ عَلَىٰ أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَىٰ مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ ". قَالَ: « „ الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ” » ، قَالَ: أَفَتُهْدَفُ[(21)] نُحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا، لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ[(22)].
قلت(الرمادي) : من استقراء هذه الحادثة الآخيرة يتبين ما ذهبتُ إليه من أن الفكرة الإسلامية لن تظل حبيسة في مكانها بل ستتسع!
*.] حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِت:
[قدوم سويد بن صامت للحج؛[(15)]
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حدثني عاصم بن عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ [الأنصاري، ثم الظفري [(15)] ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالُوا: قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ سُوَيْدٌ [إنما: [(15)] يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمُ "الْكَامِلَ" لِسِنِّهِ وَجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ[ وفي رواية: وشرفه ونسبه:[(15)] ، فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- [حين سمع به: [(15)] وَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ[وإلى الإسلام:"[(15)] ، فَقَالَ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ وَمَا الَّذِي مَعَكَ ” » ؟ ، قَالَ: "مِجَلَّةُ لُقْمَانَ "، يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ، قَالَ: « „ اعْرِضْهَا ” » [عليَّ: [(15)] "، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: « „ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ حَسَنٌ، وَالَّذِي مَعِي أَفْضَلُ مِنْهُ، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ [تعالى] عَلَيَّ[ هو هدى ونور :[(15)] ” » ، فَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: " إِنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ "، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَتْهُ الْخَزْرَجُ، فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ:" إِنَّا لَنَرَىٰ أَنَّهُ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ"، وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ بُعَاثٍ[(23)].
وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: وَسُوَيْدٌ الَّذِي يَقُولُ:
أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَىٰ * مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي
مَقَالَتُهُ كَالشَّهْدِ مَا كان شاهدًا * وبالغيب مأثور علىٰ يغرة النَّحْرِ
يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيمِهِ * تَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظَّهْرِ[(24)]
تُبَيِّنُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ * مِنَ الْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ بِالنَّظَرِ الشَّزْرِ[(25)]
فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتَنِي * وَخَيْرُ الْمَوَالِي يريش ولا يبري[(26)]
________________________________________
حَدِيثُ يَوْمِ بُعَاثٍ:
[كان هذا الحديث في شهر جمادى الثاني مِن السنة الرابعة قبل الهجرة؛ السنة التاسعة للبعثة النبوية ]
قَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْحُصَيْنِ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - أخي بني عبدالأشهل - قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ [وفي رواية: نافعٍ: [(27)].[ الأشهلي:[(15)] مَكَّةَ، وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِالْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَىٰ قَوْمِهِمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَتَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: « „ هَلْ لَكُمْ إِلَىٰ خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ[إليه:[(27)]]؟ ” » قَالُوا:" وَمَا ذَاكَ؟"، قَالَ:
[ ١ . ] « „ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ” »
[ ٢ . ] « „ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى الْعِبَادِ ” » ،
[ ٣ . ] « „ [أدعوهم إلىٰ أن ” »
[ ٤ . ] « „ يعبدوه ” »
[ ٥ . ] « „ ولا يشركوا به شيئًا ” »
[ ٦ . ] « „ وأنزل عليَّ كتابًا ” » ،:[(27)]. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسٌ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: " يَا قَوْمُ [وفي رواية: أي قومي[(27)]. هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ [إليه:[(27)] "، فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ حِفْنَةً مِنَ الْحَصْبَاءِ [البطحاء]، فَيَضْرِبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسٍ، وَقَالَ:" دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا"، فَسَكَتَ، وَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُمْ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِي أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، وَكَانُوا لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا. وَقَدْ كَانَ اسْتُشْعِرَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا سَمِعَ[(28)].
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِرَسُولِهِ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، وقد افترق ملؤهم وَقُتِلَتْ سَرَاتُهُمْ -يَعْنِي وَجُرِّحُوا- قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ في دخولهم في الإسلام[(29)]. أخرجه البخاري.
-**- .
٨ . ] روى ابن سعد بأسانيده المتعددة قالوا: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله فذكر الحديث وفيه: حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، فساقه إلى هذا الحي من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وواسوا، وكانوا والله أطول الناس ألسنة وأحدهم سيوفا ويقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من مكة فمر علىٰ نفر من أهل يثرب نزول بمنىٰ ثمانية نفر، منهم: من بني النجار معاذ ابن عفراء، وأسعد بن زرارة، فعرض عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام فأسلموا وقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « „ تمنعون لي ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ ” » فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلم، أعداء متباغضون، وإنما كانت وقعة بعاث، عام الأول، يوم من أيامنا اقتتلنا فيه، فإن تقدم ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام المقبل.[(30)] .
٩ . ] عن عمر بن الخطاب قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على قبائل العرب قبيلة قبيلة في الموسم، ما يجد أحدا يجيبه، حتى جاء الله بهذا الحي من الأنصار[(15)].

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
‏الجمعة‏، 22‏ رجب‏، 1442 هــ ~ 03. مارس 2021م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوث السيرة النبوية الشريفة
(٨) [ الْمُجَلَّدُ الثَّامِنَ ] : [دُعَاءِ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ]
(٣) الْبَابُ الثَّالِثُ : سَعْيُ الرَّسُولِ-صلى الله عليه وآله وسلم- يَطْلُبُ النُّصْرَةَ
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

(٨) [ الْمُجَلَّدُ الثَّامِنَ ]
(٢) الْبَابُ الثَّانِي: القسم الأول:
[دُعَاءِ
رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ ]

نطق القرآن يقول : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33](1)عني بها نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم(2). ".
(١٠٠ )[(1)] التَّمْهِيدُ:
خلال زمن النبوة المحمدية ؛ وطوال عهد الرسالة الأحمدية[(2)] كان المصدر الوحيد والمنفرد والأوحد في تبليغ الدين الجديد ؛ رسالة الإسلام هو : وحي السماء في كل ما ينطق[(3)] به أو يقوله رسول رب العالمين [ﷺ] للبشر أجمعين ومِن ثم لكل زمان وحين مِن بعده ومكان بغض النظر في أي قارة من قارات المعمورة إلىٰ أن يرث الله -تعالى- الأرض ومَن عليها ، وأيضاً كل ما يفعله[ﷺ] .. فــ قوله وفعله وتقريره المتعلق بأفعال العباد في الحياة الدنيا وتصرفاتهم وأعمالهم وسلوكهم وأقوالهم : وحي مِن عند الله -تعالى- ، أي آيات القرآن الحكيم ؛ ونص الذكر الكريم ؛ وألفاظ الفرقان المبين العظيم ؛ وهذا أولاً ؛ ثم السُنَّة المحمدية القولية والفعلية والتقريرية ؛ أي النصوص الشرعية المثبتة والصحيحة ؛ أي كل ما تتضمنته وتحويه رسالة الإسلام الخاتمة ، أي أحكام التبليغ ؛ بمعنىٰ كل ما يأتيه مِن الربِّ المالك الحاكم الآمر الناهي إلىٰ البشر الذين يرغبون في عبادته ، سواء تعلق الأمر بالعقائد والإيمان أو تعلق بالعبادات أو تعلق بالمعاملات والأحكام العملية ؛ وكان الواسطة في تبليغ الرسالة أمين السماء الملك جبريل -عليه السلام- ينزل علىٰ قلب أمين الأرض والسماء محمد بن عبدالله[ﷺ] ..
هذا الوحي[(4)] كان يأتيه مِن السماء..
وعهد الرسالة المحمدية وزمن النبوة الأحمدية ينقسم إلىٰ : عهدين واضحين المعالم :
أ . ] الأول منهما: العهد -الفترة/المرحلة- المكي ،
و
ب . ] الثاني: العهد -الفترة/المرحلة- المدني ؛ فيتخللهما -العهدان: المكي والمدني-.. وبينهما مقدمات وارهاصات وأحداث وتقسيمات.. وروابط ومفاصل ونقاط إلتقاء ونقاط إنتقال ؛ وتلعب شخصيات محورية دورها المنوط بها ، وهذه كلها طريق ومنهج وشريعة وكيفية إسلامية خالصة..
وهذه كله ينبغي بل يجب دراسته دراسة مستفيضة علمية وعملية كي نتمكن بيسر من استنباط أحكام شرعية عملية لأحسان تطبيقها!
« ذِكْرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ ».(3).
في العهد -الفترة/المرحلة- المكي تجد أعباء الرسالة بأكملها يقوم بها ويدعو إليها ويبشر بها رسول الإسلام ونبي المرحمة محمد بن عبدالله[ﷺ]..
قَالَ: الزُّهْرِيُّ : « دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى الْإِسْلَامِ سِرًّا وَجَهْرًا فَاسْتَجَابَ لِلَّهِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَحْدَاثِ الرِّجَالِ وَضُعَفَاءِ النَّاسِ(!) حَتَّى كَثُرَ مَنْ آمَنَ بِهِ ، وَكُفَّارُ قُرَيْشٍ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِمَا يَقُولُ ، فَكَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ أَنَّ غُلَامَ بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَيُكَلَّمُ مِنَ السَّمَاءِ ، فَكَانَ ذَلِكَ حَتَّى عَابَ اللَّهُ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا دُونَهُ ، وَذَكَرَ هَلَاكَ آبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فَشَنِفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ وَعَادَوْهُ ».(4)
قَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ» فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : مُحَمَّدٌ عَلَى الصَّفَا يَهْتِفُ ، فَأَقْبَلُوا وَاجْتَمَعُوا ، فَقَالُوا: مَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: « أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟» قَالُوا: نَعَمْ ، أَنْتَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، وَمَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ ، قَالَ: " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ ، يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ ، يَا بَنِي زُهْرَةَ حَتَّى عَدَّدَ الْأَفْخَاذَ مِنْ قُرَيْشٍ ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ ، وَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَنْفَعَةً وَلَا مِنَ الْآخِرَةِ نَصِيبًا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » " قَالَ: يَقُولُ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] السُّورَةَ كُلَّهَا"(5).
وبعد حين يسير مِن الزمان يدخل بجواره ويزامله عبدالله بن أبي قحافة[(5)] -رضي الله تعالى عنه- : أبو بكر الصديق في حمل الدعوة إلىٰ الدين الجديد والدعاء لها : إسلام محمد[ﷺ] ، فكان محمد[ﷺ] يدعو إلىٰ الدين الجديد في مكة وبجواره ايضاً صديقه عبدالله بن أبي قحافة ، و -حسب علمي ؛ وما اطلعت عليه مِن مصادر- لم تذكر كتب السيرة أن قام أحد مِن المسلمين الأوائل -في العهد المكي- بما قام به عبدالله بن أبي قحافة في عرض الإيمان -الإسلام- علىٰ أحد من الناس[(6)] ؛ ولعل حادثة إيمان عُمر بن الخطاب قد تقترب مِن هذا المجال ولكن بتجوز يسير وأحداث مغايره ؛ فهي لم تكن بصريح الدعوة بل الحادثة تبين أنها كانت موقف حرج له إذ أن زوج أخت عُمر وزوجته -أخت عُمر- قد أسلما فذهب ليتأكد مِن الخبر!. ولي وقفة ومراجعة في المجلد المتعلق بالشخصيات المحورية في الإسلام!..
تنبيه :
ثم تبين لي خطأ قولي هذا وضعف علمي ؛ إذ أنه بعد المراجعة والمطالعة ظهر لي بوضوح أنه : « لمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الْإِسْلَامَ وَمَنْ مَعَهُ وَفَشَا أَمْرُهُ بِمَكَّةَ وَدَعَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو نَاحِيَةً سِرًّا ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ عُمَرُ يَدْعُو عَلَانِيَةً وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.. فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ ، وَأَشْخَصَ بِهِ مِنْهُمْ رِجَالٌ فَبَادَوْهُ، وَتَسَتَّرَ آخَرُونَ ». (6).
عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنْ يُنَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ ، فَكَانَ يَدْعُو مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ أُمِرَ بِظُهُورِ الدُّعَاءِ "(7).
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَجُلُوسَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ فَمَشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا: " أَنْتَ سَيُّدُنَا وَأَفْضَلُنَا فِي أَنْفُسِنَا، وَقَدْ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءُ مَعَ ابْنِ أَخِيكَ مِنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَنَا وَطَعْنِهِمْ عَلَيْنَا وَتَسْفِيهِهِمْ أَحْلَامَنَا " ، وَجَاءُوا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالُوا: " قَدْ جِئْنَاكَ بِفَتَى قُرَيْشٍ جَمَالًا وَنَسَبًا وَنَهَادَةً وَشِعْرًا نَدْفَعُهُ إِلَيْكَ ، فَيَكُونُ لَكَ نَصَرُهُ وَمِيرَاثُهُ، وَتَدْفَعُ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ فَنَقْتُلُهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْعَشِيرَةِ وَأَفْضَلُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ مَغَبَّةً " ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: " وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْتُمُونِي .. تُعْطُوُنَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنَ أَخِي تَقْتُلُونَهُ ، مَا هَذَا بِالنَّصَفِ تَسُومُونَنِي سَوْمَ الْعَرِيرِ الذَّلِيلِ " ، قَالُوا: " فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَلْنُعْطِهِ النَّصَفَ " ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ عُمُومَتُكَ وَأَشْرَافُ قَوْمِكَ ، وَقَدْ أَرَادُوا يُنْصِفُونَكَ " ، فَــ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: « قُولُوا أَسْمَعْ » قَالُوا: " تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا وَنَدَعُكَ وَإِلَهَكَ " ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: " قَدْ أَنْصَفَكَ الْقَوْمُ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ " ، فَــ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: « أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ » فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: " إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ مُرْبِحَةٌ ، نَعَمْ وَأَبِيكَ لَنَقُولَنَّهَا وَعَشَرَ أَمْثَالِهَا " ،
قَالَ: قُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » ..
فَاشْمَأَزُّوا وَنَفَرُوا مِنْهَا وَغَضِبُوا وَقَامُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: " اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ يُرَادُ " ، وَيُقَالُ: الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَقَالُوا: " لَا نَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَمَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُغْتَالَ مُحَمَّدٌ ...
فَــ
لَمَّا كَانَ مَسَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فُقِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم ، وَجَاءَ أَبُو طَالِبٍ وَعُمُومَتُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَجَمَعَ فِتْيَانًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ قَالَ :" لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَدِيدَةً صَارِمَةً ثُمَّ لِيَتَّبِعُنِي إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَلْيَنْظُرْ كُلُّ فَتًى (8) مِنْكُمْ فَلْيَجْلِسْ إِلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ فِيهِمُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ شَرٍّ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ " ، فَقَالَ الْفِتْيَانُ: " نَفْعَلُ " ، فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَوَجَدَ أَبَا طَالِبٍ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَقَالَ: " يَا زَيْدُ أَحْسَسْتَ ابْنَ أَخِي؟ " قَالَ: " نَعَمْ ، كُنْتُ مَعَهُ آنِفًا " ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: " لَا أَدْخُلُ بَيْتِي أَبَدًا حَتَّى أَرَاهُ "..
فَــ
خَرَجَ زَيْدٌ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَيْنَ كُنْتَ؟ أَكُنْتَ فِي خَيْرٍ؟ " ..
قَالَ: «نَعَمْ» ،
قَالَ: " ادْخُلْ بَيْتَكَ " ، فَــ
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَالِبٍ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِيَدِهِ ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ وَمَعَهُ الْفِتْيَانُ الْهَاشِمِيُّونَ وَالْمُطَّلِبِيُّونَ ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ مَا هَمَمْتُ بِهِ؟ " ، قَالُوا: " لَا " ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ ، وَقَالَ لِلْفِتْيَانِ: " اكْشِفُوا عَمَّا فِي أَيْدِيكُمْ ".. فَكَشَفُوا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَهُ حَدِيدَةٌ صَارِمَةٌ ، فَقَالَ: " وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمُوهُ مَا بَقِّيْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا حَتَّى نَتَفَانَى نَحْنُ وَأَنْتُمْ " ، فَانْكَسَرَ الْقَوْمُ وَكَانَ أَشَدَّهُمُ انْكِسَارًا أَبُو جَهْلٍ "(9).
.. أقول(الرمادي) : كانت الأفكار والمفاهيم والقيّم والقناعات والأسس والمبادئ التي يدعو لها نبي الإسلام -في مهدها؛ وعلى قلتها وبمجموعها ؛ كان بها اليسير من آيات الأحكام والقليل من أحاديث الأحكام- هذه كلها لا تحتاج إلى مزيد عناء فكر في فهمها أو جمعها ورصها بجوار بعضها البعض ؛ أو تأصيلها أو إفراد كل فكرة أو مفهوم أو قيمة أو مقياس أو قناعة أو أساس عقدي أو مبدأ ايديولوجي..
.. أقول(الرمادي) لا تحتاج كل مفردة مِن هذه إلى تأصيلها وتخريجها في بحث بعينه مستقل ؛ كما حدث بعد ذلك ـ فنسمع بأن صاحب العلم يذهب إلى هذا الرأي أو القول والعالم الآخر ذهب لقول آخر.. فنجد مَن كتب عن موضوع بعينه كالعقيدة أو آحدى مفاصلها أو جزئياتها ، أو العبادة وتفصيلاتها فنقرأ لمن كتب عن الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو الحج.
إذ أن الأساس الأول والمتين هو -وما زال-: توحيد الإله والعبودية له وحده وربوبيته لكل مَن سواه مِن خلقه ، ثم فُهم مِن هذا كله حاكميته ، وهي ما يطلق عليها أوامر ونواه : الحلال والحرام.. الحسن والقبيح.. الصواب والخطأ..
لذا فالأوائل مثل أبو جهل : عمرو بن هشام ، أو عبدالعزى بن عبدالمطلب : أبو لهب وأمثالهم رفضوا الفكرة مِن أصلها[(7)] ووقفوا ضدها مِن اساسها بدليل نص القرآن الكريم ؛ والذكر الحكيم ؛ والفرقان العظيم المبين : {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب} [ص:4] {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص:5] {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد} [ص:6] {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَق} [ص:7] {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب} [ص:8]".
وبدليل : « أنَّ أَبُا طَالِبٍ قال للرسول :„ يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ يَشْكُونَكَ : يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ‟ ؛ فَــ
قَالَ : « „ يَا عَمِّ ، إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ ‟ » ..
أقول(الرمادي) : فطلبَ منهم كلمة واحدة فقط ..
فــ قَالُوا : „ وَمَا هِيَ؟ ؛ نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا [أي عشر كلمات وليس كلمة واحدة فقط]،
قَالَ : « „ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ‟ » ؛ قَالَ: فَقَامُوا وَهُمْ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ : „ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ‟ .
هذا الأثر ذكره بأبسط مِن هذا ابن جرير في تفسيره بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا : „ إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ ‟ ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رجل ، قال فخشي أبو جهل - لعنه الله - إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ . فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : „ أَيِ ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ ‟ ؛ قَالَ وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ .. وَ
تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَــ
قَالَ : « „ يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ ‟ » ؛ ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم : „ كَلِمَةً وَاحِدَةً نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا وَمَا هِيَ؟ ‟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : „ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يا ابن أخي؟ ‟ ؛
قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ‟ » ؛ فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ : „ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ ‟ ؛ قَالَ وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قوله : ". 《 بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ 》 .
وقال ابن كثير في تفسيره عقب سياقه ما عبارته: وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ الله عنهما- فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. انتهى. (وقد رواه الحاكم أيضا وصححه وأقره الذهبي. وقد ضعف الألباني الحديث في ضعيف الترمذي والسلسلة الضعيفة).
وبدليل أنه كان يطلب من الناس كلمة واحدة إذ يَقُولُ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا » "(10).
فالعرض من قِبل رسول الإسلام أن يقولوا : « كلمة » ؛ ورفضهم أن يقولوها نابع مِن تبعاتها وما يبنى عليها وليس مجرد النطق بها..
ونعود لبدايات الدعوة وأول الرسالة فقد جاء في صحيح مسلم : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، [وجاءت برواية :" أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً "(11). وفي كل المواضع] اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ،[رواية :" يَا [مَعْشَرَ ؛ وفي باقي المواضع(12)] بَنِي عَبْدِمَنَافٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الله لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئاً "(13). ] يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي [مِنْ مَالِي(14)] بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»،".(15).
وجاءت رواية :" عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»،[(يا صباحاه) كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له] فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ» ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ، قَالَ: « فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ"(16): (ورهطك منهم المخلصين) ..
قال الإمام النووي:" الظاهر أن هذا كان قرآنا أنزل ، ثم نسخت تلاوته ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري"
(بسفح) سفح الجبل هو أسفله وقيل عرضه
(تبت يدا أبي لهب) قال الراغب التب والتباب الاستمرار في الخسران وتبت يدا أبي لهب أي استمرت في خسرانه
(تب) قال النووي :"معنى تب خسر (كذا قرأ الأعمش) معناه أن الأعمش زاد لفظه قد بخلاف القراءة المشهورة.
ثم بعد حين ينبه عليه السلام لقضية هامة إذ يقول :" يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ! (17)". وهنا إضافة هامة فلننتبه!
والدعوة إلى الدين الجديد بواسطة نبي الإسلام في المحيط المكي لم تكن سرية بل السرية كانت في التكتل أي الأفراد الذين أمنوا بهذه الفكرة الجديدة على المجتمع المكي بما يحمل من افكار تعدد الألة .. لذلك علم عن البعض أنهم أمنوا بالدين الجديد فتم الوقوف ضدهم وصدهم عن تغير دين الأجداد وتقاليد الأباء وعرف الأجيال .

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
الأربعاء : 14 جمادى الثانية 1442 هــ ~ 27 يناير 2021م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحث المتمم للمائة الأولى؛ وفق فهرسة موقع:[ آستروعرب نيوز]!
(2) بناءً على النص القرآني الذي نطق به القرآن الكريم {..وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..} وتمام الآية في سورة الصف تقول: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين} [الصف:6] .
(3) اعتماداً على النص القرآني الذي يقول : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم:3] {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:3-5] .
(4) {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء:163] + {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [يوسف:109] .
(5) انظر : ابتعاث 《آخر رسالات السماء 》 [76] ترقيم : [ آستروعرب نيوز ] . .
(6) انظر المصدر السابق ؛ الفقرة [7.] :" ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَةِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ". إصدار [موقع آسترو عرب نيوز]!
(7) انظر:" قُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُفْلِحُوا" ؛ [78] ترقيم [آسترو عرب نيوز]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

 [ ٨ ] سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ

*.] اسْتِدْرَاكٌ :
.. وقفتُ في نهاية الْمُجَلَّدُ السَّابِعُ [ ٧ ] عند عام الحزن [نَشَرَهُ موقع آستروعرب نيوز؛ الذي يصدر مِن عاصمة جمهورية الألب "فيينا" المطلة على الدانوب الأزرق]؛ وما يجب عليَّ إثباته هنا :" إنّ تسمية هذا العام بـ : « عام الحزن » إنّما هي تسمية أهل العلم له، ولم ترِد عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا وجود لها في شيء مِن مصادر السنّة الموثوقة، فلا يجوز نسبتها إليه-صلّى الله عليه وسلّم-، كما فعله كثير من المصنِّفين.
والمصدر الوحيد الّذي ذكر أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم أطلق علىٰ هذا العام بأنّه : „ عام الحزن ‟ هو " المواهب اللّدنيّة " للقسطلاني رحمه الله، وحين روىٰ ذلك لم يزد علىٰ أن قال:" فيما ذكره صاعد "!... وصاعدٌ هذا هو ابن عبيد البجليّ - كما قال الزّرقاني رحمه الله في "شرحه" عليه (1/244) -، وهو مجهول لا يُعرف، ولم يوثّقه أحد، ولو سلّمنا أنّه ثقة حافظ - وهو ليس كذلك - فيكون الإسناد معضلا.
*.] فلماذا أطلق أهل العلم هذه التّسمية علىٰ هذا العام ؟[(1)]
كان ذلك في السّنة العاشرة مِن البعثة ..
إنّه العام الّذي تُوُفِّيت فيه خديجة رضي الله عنها، وهلك عمه أبو طالب، وكان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيّام[(2)] . وكانا يقفان بجواره -صلى الله عليه وآله وسلم- ومساندته ونصرته.. وبغيابهما عن المشهد القائم المعاش والأحداث الجارية المتتالية في مكة فقدَ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الناصر الإجتماعي والمؤيد الفعلي في مواجهة صناديد وكفار وعابدي أصنام.. وهو الذي يدعو إلى وحدانية الآله الخالق الرازق المحي المميت الذي بيده الخير وهو على كل شئ قدير.. وترك ما يعبدون من دون الله -تعالى- وعمه كان الحامي الخارجي وفقدَ الأنيس الداخلي والناصر المعنوي والصدر الدافئ حين عودته -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى بيته ليستريح قليلا مِن عناء المهاجمة والصدود والجفاءالخارجي.. وهنا الحديث عن محمد بن عبدالله الإنسان؛ فهو بشر من بني آدم.. صحيح أنه عليه السلام سيد ولد آدم لكن بداخله مشاعر إنسان وعواطف بشر أحاسيس.. والذي أعانه على ذلك المصاب الأليم الشديد هو يقينه الجازم بأنه رسول الله تعالى وأنه المصطفى لتبيلغ آخر رسالات السماء وأنه المجتبى من الخلق أجمعين لتعلو راية التوحيد... لذا فقد اجتهد البعض بوصف الحالة النفسية التي مر بها الرسول الإنسان محمد بن عبدالله فتم عنونة هذه السنة بأنها : « عام الحزن ».
-***-
وأبدءُ مِن بعد إذنه -تعالى في سماه وسما في علاه وتقدست اسماه – ومن بعد هدايته وتوفيقه:
[الْمُجَلَّدُ : (٨)؛ الْبَابُ : (١):
﴿ « „ سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ ‟ » ﴾ .
تَّمْهِيدٌ:
عَرْضُ الرَّسُولِ [صلى الله عليه وآله وسلم] نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ:
أدقُ مفصلٍ حيوي يربط بين آحدىٰ مراحل سنوات العهد المكي وآخرىٰ مِن السيرة النبوية المحمدية العطرة- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَزْكَى صَلَوَاتِهِ ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيراً-. أدقُ مفصل جوهري وأساسٍ هو وبلا آدنىٰ شكٍ واقل ارتياب :
« „ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ‟»
فقد اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. وتجمد المجتمع المكي وتصلب أمام الدعوة الجديدة منذ أن أعلنَ -عليه السلام- مبدأَ التوحيد وتكلم عن الربوبية الحقة وشرحَ حقيقة الآلوهية؛ وأخبرَ بعقيدة الإسلام الحنيف وبيَّن صحة الإيمان؛ ووجه العبادة لوجه الله -جل وعلا- وحده لا شريك ولا ند له لا مثيل له.. فلا صاحبة له ولا ولد، بدءاً مِن داخل البلد الحرام مسقط رأس خاتم الأنبياء؛ ومِن أمام :{.. أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين}[(3)].. بلد آخر المرسلين؛ وبدء دعوة إسلام متمم المبتعثين.. ومنشأ التوحيد وصرف العبادة فقط لرب البيت العتيق بــ مكةَ المكرمة التي تشرفت كأطهر بقعة علىٰ الأرض بوجود البيت الحرام العتيق منذ بداية وجود الأرض كمخلوقة لله -تعالىٰ في سماه و تقدست اسماه-؛ ومِن ثم زيارة أبي البشر أجمعين آدم -عليه السلام- للكعبة المشرفة.. ثم زيارات بقية السادة المرسلين ولفيف النبلاء مِن الأنبياء إلىٰ أن ترك الخليل إبراهيم -جد محمد الأعلىٰ- أبنَه الأكبر مع أمه ذات الأصول المِصرية هاجر وطفلها -الجد الأكبر- لمحمدٍ إسماعيلَ بن إبراهيم.. وبناء الكعبة المشرفة على القواعد: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ }[(4)].. ثم تشرفت أخيراً وتزينت بمولد النبي الرسول المصطفىٰ المرتضىٰ المحتبىٰ المجتبىٰ محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب..
اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. علىٰ أوائل المسلمين.. -ومعهم الرسول العظيم-؛ وهي مِن سنن الله -تعالى- في خلقه.. الذين أمنوا بالدين الجديد فخرجوا بعد العذاب المهين مِن كفار قريش ومشركي مكة.. خرجوا إلىٰ شعب أبي طالب.. اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. فجاء مسير المصطفىٰ الهادي إلىٰ الطائف..
وبدءاً مِن هنا يبدءُ مفصل جوهري وانتقال حيوي إلىٰ تحرك جديد دعوي ؛ كأنه يخبر عن قرب انتهاء العهد المكي بمراحله ومفاصله لـ تأسيس الدعوة الجديدة وبناء شخصية تكتلها الأول؛ وهو -العهد المكي- العهد الأول في سير الخطوات العملية؛ ونستفيد نحن منها أنها التطبيقية في سير السيرة المحمدية النبوية والمنهجية الأحمدية الرسولية في البداية الفعلية والمنطقية في سير الدعوة؛ إذ بدأت بين أهله وقومه وعشيرته وقبيلته.. ولاقى ما هو معروف منهم..فأمنت به قلة واتبعته ثلة..
وبقرب انتهاء هذا المفصل -يقترب مِن ثلاث سنوات-مِن العهد الأول المكي.. سيبدء ببطئ شديد يحتاج إلىٰ يقظة وإعمال فكر ووعي وبصيرة الخطوات الأولىٰ العملية للإنتقال إلىٰ العهد الثاني من عهدي النبوة : « „ العهد المدني ‟ »..
.. الحديثُ هنا والبحثُ عن أدقُ مفصلٍ يربط بين آحدىٰ مراحل سنوات العهد المكي -العهد الأول- وآخرىٰ مِن السيرة النبوية المحمدية العطرة- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَزْكَى صَلَوَاتِهِ ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثيراً-.. وهذا المفصل هو
﴿« „ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ‟»..
.. وهو المقدمة الحتمية والتمهيد الأيديولوجي الفكري والاستراتيجي لما سيترتب عليه مِن بعد ذلك.. أي قيام كيان لمجموعة الأفكار والقناعات لتنفيذها.. وكيان عملي لحزمة المبادئ وكتلة القيم والمقاييس لتطبيقها والتي أوحىٰ الله -تعالى- بها لخاتم رسله ومتمم مبتعثيه وآخر أنبياءه.. وهنا ينبغي علىٰ "حامل دعوة -ولا استخدم لفظة الداعية- الإسلام" -أفرادا أو أحزابا.. جماعات أو تكتلات يجب فهم كيفية الانتقال ما بين مرحلة وآخرىٰ.. وكيفية الربط ما بين مفاصل وروابط كل مرحلة بعينها.. ولعل غياب هذا الفهم الدقيق والربط الواعي المستنير للسيرة النبوية أوقع -اليوم- جماعات تدثرت بقشور إسلام واحزاب تلبست وشاحه.. أوقعها في مسألة التزواج بين مبدأ الإسلام ومبادئ وضعية بشرية ومنذ أكثر مِن 90 عاما تخفق فيما تدعو إليه.. والتجربة المِصرية التي استغرقت ثوان مِن عمر الدهر؛ والتونسية التي تترنح كلما قامت.. خير دليل علىٰ صحة ما ذهبتُ إليه..
قلتُ(الرمادي) : في التمهيد لهذا البحث أنه اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. وتجمد المجتمع المكي وتصلب أمام دعوة الإسلام المحمدية وعلى سبيل المثال؛ وبإذنه -تعالى- سأفردُ فصلاً كاملاً عن:
بدايات الأذىٰ مِن المشركين:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهِ :
1.] أَبَا لَهَبٍ ، وَ
2.] الْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وَ
3.] عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَ
4.] عَدِيَّ بْنَ حَمْرَاءَ الثَّقَفِيَّ ، وَ
5.] ابْنَ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيَّ ؛ وَ
كَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ -فِيمَا ذَكِرَ ابن إسحاق- يَطْرَحُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ إذَا نُصِبَتْ لَهُ ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجْرًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلَّى ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى ، كَمَا حَدَّثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، يَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعُودِ ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ :« „ يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا ‟»: ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ ".[(5)]
[ طَمَعُ الْمُشْرِكِينَ فِي الرَّسُولِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿„ الْمَصَائِبُ ‟﴾: بِهُلْكِ خَدِيجَةَ ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَىٰ الْإِسْلَامِ ، يَشْكُو إلَيْهَا ؛ وَبِهُلْكِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ ، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَىٰ قَوْمِهِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَىٰ الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ: ﴿ ٣ ﴾ سِنِينَ . فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَىٰ مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ ، حَتَّىٰ اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ ، فَنَثَرَ عَلَىٰ رَأْسِهِ تُرَابًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ :« „ لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَىٰ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ التُّرَابَ ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَىٰ رَأْسِهِ ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَىٰ بَنَاتِهِ ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا : « „ لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ(!) فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ ‟ » . قَالَ : وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: « „ مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّىٰ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ” » ...
.. وهذه المعاناة في سبيل حمل الدعوة تحتاج مني إلىٰ إعادة نظر ومِن ثم تفصيل.. ولعل إذا شاءت إرادة السماء يكون لي عودة حميدة طيبة في بحث هذا الموضوع.. والله -تعالىٰ- المستعان!
ومما يلزمني إعادة النظر فيه مع التذكير والتنبيه .. ذلك الموقف الذي حدث في حالة مرض أبي طالب -الأخ الشقيق لعبدالله بن عبدالمطلب- والد محمد : ولعل هذا ما غاب عن مسلمي اليوم.. وفطن إليه أحد الذين كانوا يحاربون الله -تعالى- ويعادون رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أن الموقف كما رواه ابن اسحاق واعتمده مِن بعده كافة أهل السير والتراجم .. أنتبه واسمع :
*. ] بَعَثَ إلَيْهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَبُو طَالِبٍ ، فَجَاءَهُ . فَــ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : „ يَا ابْنَ أَخِي : هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ ، لِيُعْطُوكَ ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ ‟.
قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿„ نَعَمْ.. « „ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ‟ » تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ‟﴾.
أقول(الرمادي): يجب الانتباه أن قبيلة قريش في مكة والمناطق المحيطة بها أهل تجارة ورجال مواسم إذ يرون قوافل التجارة قادمة إليها وراحلة عنها؛ ويثبت القرآن الكريم والذكر الحكيم هذا المشهد لأن به دلالة قوية لما أريد أن اثبته ولتراجع كتب التفسير ومصادر التأويل؛ إذ نطق القرآن يقول : {لإِيلاَفِ قُرَيْش}[*]{إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف}[(6)]
فهم يملكون المال ولديهم السلطة علىٰ العبيد ولديهم السيطرة علىٰ بيت الله -تعالىٰ- العتيق في المواسم.. فإذا زاد المُلك ملكاً وتوسعت السلطة والسيطرة وزاد المال فهذا ما يسعىٰ إليه كل متملك ومالك.. فكانت الإجابة الفورية أن..قَالَ : فَــ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : „ نَعَمْ وَأَبِيكَ ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ ‟ ،
قَالَ -صلى الله عليه وآله وسلم-: تَقُولُونَ :
[أ.] ﴿ „ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ‟﴾ ، وَ
[ب.] ﴿ „ تَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ‟﴾ .
.. فهذه الثنائية :
أ.] آله واحد.. يعبد ويطاع أمره؛ ويبتعد عن نهيه؛ و:
ب.] خلع ما دونه.. وهذه هي مشكلة المشاكل عند البشر.. فالهوىٰ والميل والرغبة وتحقيق الغرائز وإشباعها وتركها علىٰ عناتها دون قيد أو شرط أو رقيب.. وحقيقتها انها آلهة من دونه فكان ردهم مباشرة الرفض..
ماذا فعلوا :
قَالَ :" „ فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ‟؛
ثُمَّ قَالُوا : „ أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا ، إنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ ‟ ( قَالَ ) : ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ : „ إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَىٰ دِينِ آبَائِكُمْ ، حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ . قَالَ : ثُمَّ تَفَرَّقُوا ‟.
فمسألة توحيد الآله؛ ويندرج تحتها السمع لأوامره -هو فقط- والطاعة له -وحده دون سواه- رُفضت منذ اللحظة الأولىٰ من العرض النبوي!
.. ثم تأتي مسألة آخرىٰ -تكاد تكون- حامية الوطيس بين أهل السنة ومَن يتبعهم وبين أهل الشيعة ومَن يتشيع معهم حول قضية لا تفيد وهي مسألة ما بعد الموت والحساب والعقاب؛ وهي مسألة:
„ إيمان أبي طالب.. عم النبي.. مِن عدمها ‟..
وفي حقيقة الأمر لا يترتب علىٰ بحثها أي فائدة سواء من حيث أحكام شرعية تكليفية عملية لنا؛ كما أنها لا تدخل في مسائل العقيدة عند المؤمنين والإيمان عند المسلمين ؛ والأصل في بحثها ونتائجها لا يترتب عليها قضية إيمان أو كفر لأحد منا أو منهم؛ وهي مسألة إيمان شخص واحد مِن عدمه وعقيدة أبي طالب -العم الحامي لنبي الله- وهي مسألة نفسية.. مسألة شجون وعواطف.. قد تُجرح مشاعر البعض ويتأذىٰ منها البعض.. فكيف بمَن قام بهذا الأفعال الجيدة والمواقف المحمودة مع ابن أخيه ثم يكون مصيره عذاب! لذا فهناك بحث :
[ طَمَعُ الرَّسُولِ فِي إسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ ، وَحَدِيثُ ذَلِكَ ]
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : „ وَاَللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي ، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا ‟، قَالَ : فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إسْلَامِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ : « „ أَيْ عَمِّ ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‟ » .
قَالَ : فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : „ يَا ابْنَ أَخِي ، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ : „ السُّبَّةِ ‟ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي ، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا ‟ . قَالَ : فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ : نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ، قَالَ : فَأَصْغَىٰ إلَيْهِ بِأُذُنِهِ ، قَالَ فَقَالَ : „ يَا ابْنَ أَخِي وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا ‟ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « „ لَمْ أَسْمَعْ ‟(!!!) » . [(7)]
-**-
منذ قليل تحدثتُ عن اليسير مِن بحث :" المسير إلىٰ الطائف " ثم تكلمتُ عن ما أطلق عليه :"عام الحزن"..
ومِن هنا يبدء بحث جديد عميق أساسي وجوهري في خط سير السيرة المصطفوية والهدي المحمدي هي مسألة:
﴿ « „ النُّصرة ‟ » ﴾ ؛
أو
ما تسمىٰ بــ مسألة :
﴿ « „ طلب النُّصرة مِن أهل المنعة والقوة ‟ » ﴾؛
إذ أن كل المصادر المعتبرة والتراثية المعتمدة ما عدا قلة مِن الحديثة منها- واستدرك بالقول هنا فاذكر على سبيل المثال : بحثاً للشيخ الأزهري القاضي الشرعي/ محمد تقي الدين النبهاني بهذا الخصوص؛ وبحث آخر للبوطي؛ الأزهري؛ الدكتوراه من كلية الشريعة/ جامعة الأزهر: في أصول الشريعة الإسلامية [عام 1965م]، -رحهمهما الله- وللسرجاني ولـ د. الصلابي بحث:- [طواف النبي -صلى الله عليه وسلم- علىٰ القبائل طلباً للنُّصرة؛ الحلقة الثامنة والأربعون (48)]؛ ما عدا قلة تهمل هذه الجزئية المفصلية مِن السيرة النبوية في البحث والدراسة..
وإليك البيان :
1.] عنوَّن ابن هشام في سيرته : « „ سَعْيُ الرَّسُولِ إلَىٰ ثَقِيفٍ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ ‟ » .
فقد قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ :" وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَىٰ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَىٰ الطَّائِفِ "[(8)] ،
.. فما سبب خروجه -عليه السلام- !؟.
يكمل ابن اسحاق القول فيثبت لنا :
1. ] يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَ
2. ] الْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَ
رَجَاءَ أَنْ :
3. ] يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ "[(8)]..
توجد مسألة تحتاج إلىٰ إلقاء أضواء عليها وهي :
﴿ « „ نثبت -سبحانه وتعالىٰ- فؤادك -عليه السلام- ‟ » ﴾..
والخطاب لنبيه ورسوله؛ إذ أنه بشر؛ يملك مِن الخواص البشرية والصفات الآدمية مثل غيره مِن الناس؛ ويزيد.. مع التأكيد علىٰ صدق نبوته وصحيح رسالته وتمام عصمته : {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين}[(9)].. وهذه متعلقة بقَصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين؛ ثم تأتي مسألة نزول القرآن منجماً علىٰ مدار ثلاث وعشرين سنة : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [(10)]
ثم تأتي مسألة آخرىٰ؛ ألا وهي مسألة الغيب؛ وهو ما لا يتمكن الإنسان بقدراته الذاتية أن يدركه بقواه العقلية المحدودة أو يراه بحاسة النظر والبصر أو يخاطبه فيكلمه ويسمعه.. كقضية محادثة الشيطان -دون مسألة وسوسته- والتأثير علىٰ الجن.. أو قضية مَن سبقنا من الأمم والشعوب وعلىٰ وجه الخصوص وبالتحديد مَن سبقه -عليه السلام- فهي غيب مطلق لنا نحن البشر؛ والحديث عنها مرتبط بما هو يقيني مِن النصوص -قطعية الثبوت أنها وحي مِن عند الله.. وقطعية الدلالة مِن حيث معناها و ما يفهم منها- وليست روايات وحكايات.. فتجد في قوله :" {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا} [(11)]
وتجد: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون} [(12)]
لماذا أراد الخالق -الذي أرسل محمدا رسولا ونبيا- أن يزيد مِن ثبات قلبه!؟..
ففي لحظة المحنة واثناء خروجه منها وقبيل دخوله مكة حدث أمر لحقه ثان كي تتحقق مسألة : « „ نثبت فؤادك ‟ »
فتجد قصة ملك الجبال والأخشبين -وهذا غيب- وتجد قصة الجن يستمعون القرآن ويؤمنون به -وهذا أيضاً غيب- ولولا أنه ذكر القرآن الكريم والذكر الحكيم هذه المسألة الأخيرة ما قلتُ بها.
وتجد مقدمة لتهيئة نفسه -عليه السلام- في قصة عدَّاس النصراني وما فعله فقد قال ابن اسحاق: فَــقد أَنكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ :
1.] - ﴿ „ رَأْسَهُ ‟﴾ . وَ
2.] - ﴿ „ يَدَيْهِ ‟﴾ . وَ
3.] - ﴿ „ قَدَمَيْهِ ‟﴾ . [(13)]
وهذه لا يحكمها قانون المصادفة؛ بل ترتيب مِن خبير عليم!.
ثم نكمل القصة إذ :" قَالَ : يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ . فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ ، قَالَا لَهُ :" „ وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ مَالَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ؟ ‟ .
قَالَ : يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ ، قَالَا لَهُ : وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ ، لَا ، يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ ".[(14)]
ثم يأتي ما يثبت الله -تعالىٰ- به فؤاده؛ وليس مِن باب المصادفة ؛ وأقصدُ :
[ أَمْرُ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ ]
قَالَ : ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ الطَّائِفِ رَاجِعًا إلَىٰ مَكَّةَ ، حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ ، حَتَّىٰ إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي ، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَهُمْ - فِيمَا ذَكِرَ ابن اسحاق - سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَىٰ مَا سَمِعُوا . فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- :{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } إلَىٰ قَوْلِهِ -تَعَالَى- :{ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }[(15)]، وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- :{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ } [(16)] إلَىٰ آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .[(17)]..
ومسألة الجن حتىٰ لا نذهب بعيداً غيب لم يطلع عليه إلا أنبياء ورسل خالق الإنسان والجن؛ وهي مسألة لا يبحث فيها بقدراتنا العقلية المحدودة ويكفينا ما ينبهنا إليه القرآن الكريم والذكر الحكيم علىٰ لسان : { سُلَيْمَانَ } فــ {قَالَ .. وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب} [(18)]
-***-
أعود لمسألة البحث ؛
أقصد طلب النُّصرة مِن أهل القوة ورجال المنعة ؛ فبالإضافة إلى ما ذكره ابن اسحاق
- بعد مضي سنوات من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة وملاقاته منهم العنت والصدود ، وصبره علىٰ مواقفهم السلبية وأذاهم له، صبراً لا تتحمله الجبال الراسيات، أراد - صلى الله عليه وسلم - نقل الدعوة إلىٰ القبائل خارج مكة لعله يجد بينهم آذاناً صاغية وقلوباً واعية ، فيؤمن به بعض وجهاء القبائل ، فينشر هدايته ، ويضمن ملاذاً لأتباعه من المستضعفين والمساكين ، لذلك ركَّز الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته علىٰ القبائل ورؤسائها [(19)].
- وفي العام [6 ق . هـ ~ 615 م]؛ عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه علىٰ القبائل مِن العرب أن يحموه ويناصروه علىٰ ما جاء به من الحق] ولأنه صلى الله عليه وسلم أخفىٰ رسالته(!) ثلاث سنين، ثم أعلن بها في الرابعة علىٰ ما تقدم، ودعا إلىٰ الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم -أي بمنىٰ والموقف- يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي:
*.] - عكاظ، و
*.] - مجنة، و
*.] - ذو المجاز، فقد كانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوّال،
ثم تجيء إلىٰ سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما،
ثم تجيء سوق ذي المجاز فتقيم به إلىٰ أيام الحج يدعوهم إلىٰ أن يمنعوه حتىٰ يبلغ رسالات ربه.
فعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه علىٰ الناس في الموقف ويقول: « ألا رجل يعرض عليّ قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ».. و
عن بعضهم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلىٰ المدينة يطوف علىٰ الناس في منازلهم -أي بمنىٰ- يقول: « يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا »، ووراءه رجل يقول:" يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم"، فسألت مَن هذا الرجل؟ فقيل أبو لهب يعني عمه.
وفي رواية عن أبي طارق -رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوق ذي المجاز يعرض نفسه علىٰ قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وخلفه رجل له غديرتان» أي ذؤابتان «يرجمه بالحجارة حتىٰ أدمي كعبه يقول:" يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب"، فسألت عنه، فقيل إنه غلام عبدالمطلب، فقلت ومَن الرجل الذي يرجمه؟ فقيل هو عمه عبدالعزى يعني أبا لهب» [(20)].
وفي السيرة الهشامية عن بعضهم قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف في منازل القبائل من العرب فيقول : « „ يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به وتصدقوني، وتمنعوني حتىٰ أبين عن الله عز وجل ما بعثني به ‟ » ، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله قال ذلك الرجل: "يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلىٰ أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلىٰ ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه"، فقلت لأبي: مَن هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب[(21)] .
- يقول د. السرجاني[(22)] :" اتخذ الرسول الكريم طريقة جديدة للحوار مع القبائل الزائرة لمكة، فأصبح يدعوهم إلىٰ نصرته واستضافته في قبائلهم،
وبسؤال عام مفتوح نبدء البحث: فــ
*.] ماذا فعل رسول الله؟ ؛ و
*.] ماذا عن رد القبائل؟[(22)]
أما د. الصلابي[(23)] وتحت عنوان عريض :" طواف النبي -صلى الله عليه وسلم- علىٰ القبائل طلباً للنُّصرة "
فكتب يقول :" بعد رجوعه -صلى الله عليه وسلم- مِن الطَّائف بدأ يعرض نفسه علىٰ القبائل في المواسم:
*.] يشرح لهم الإسلام، و
*.] يطلب منهم الإيواء، و
*.] النُّصرة،
قلتُ(الرمادي): وغاية ذلك :
*.] حتَّىٰ يبلِّغ كلام الله - عزَّ وجلَّ - ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرَّك في:
*.] المواسم التِّجارية، و
*.] مواسم الحجِّ.. الَّتي تجتمع فيها القبائل وَفْق خطَّةٍ سياسيَّةٍ دعويَّةٍ واضحة المعالم، ومحدَّدة الأهداف، وكان يصاحبه أبو بكر الصِّدِّيق؛ الرَّجل الَّذي تخصَّص في معرفة أنساب العرب، وتاريخها، وكانا يقصدان «غُرَر النَّاس، ووجوه القبائل، وكان أبو بكر رضي الله عنه، يسأل وجوه القبائل، ويقول لهم:
*.] كيف العدد فيكم؟ و
*.] كيف المنعة فيكم؟ و
*.] كيف الحرب فيكم؟ ..
وذلك قبل أن يتحدَّث رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعرض دعوته»...
.. ألتقطُ طرف الخيط مما كتبه د. السرجاني إذ يقول :" دعوة القبائل.. الإجراءات والمنهج:
بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -بناءً علىٰ ما سبق- في تغيير طريقته في الدعوة تغييرًا خطيرًا؛ فهو لن يكتفي الآن بدعوة الناس إلىٰ الإسلام فقط كما كان يفعل من قبل؛ بل سيدعوهم كذلك إلىٰ النُّصرة ضدَّ قريش، وبشكل صريح!
ولنراجع الروايتين اللتين تتعلَّقان بهذه المرحلة، وقد جاءت الروايتان عن طريق جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-، وهو -كما هو معروف- من أهل يثرب الذين لم يظهروا في الصورة إلا مؤخرًا؛ وذلك عندما أسلم سويد بن الصامت وإياس بن معاذ -رضي الله عنهما-؛ ولعلَّ جابرًا -رضي الله عنه- قد شاهد هذين الموقفين بنفسه، أو أن أحد أهل يثرب قد حكاهما له -شك من السرجاني-، وقد حدَّد موعدهما في العام الحادي عشر من البعثة لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يطلب من أحدٍ النصرة قبل هذا العام لــ:
- وجود أبي طالب معه؛ ثم إنه
- لن يطلبها في الفترة المتبقية في العهد المكي لأنه سيجد نصرةً من أهل يثرب -أو المدينة- في هذا العام، كما سنتبيَّن في هذا الفصل بإذن الله؛ ومن ثَمَّ لن يكون هناك حاجة لطلبها من غيرهم، ثم إن الرواية الثانية فيها تحديد صريح حيث ذكر جابر -رضي الله عنه- ما يدلُّ على حدوث الموقف الأخير في العام الحادي عشر كما سيأتي.
يقول جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ[(24)][أي الموسم؛ وفي رواية النسائي وابن ماجه: «يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ». والمقصود موسم الحج، فقد كانوا يحجون في الجاهلية] فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي»[(25)]
ويقول كذلك: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي -عز وجل-؟» فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ. قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. ثمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ. قَالَ: «نَعَمْ». فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ[(26)]
لقد أتىٰ وفد الأنصار -كما تقول الرواية- بعد انطلاق الرجل الهمداني، وكان هذا في شهر رجب، ومن المعروف أن أول قدومٍ لوفد الأنصار كان في العام الحادي عشر من البعثة؛ ولذلك تمَّ تحديد توقيت بداية هذه السياسة(!) النبوية الجديدة في دعوة الناس.
يذهب د. السرجاني إلىٰ : إن هذا الذي يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعدُّ في الواقع بمنزلة إعلان الحرب علىٰ مكة، فقد تقبل قبيلة قوية بالإسلام، وبالنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تصطدم هذه القبيلة بعد ذلك مع أهل مكة المكذبين له، فتكون حربًا خطيرة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم خطورة هذا الأمر؛ ومن ثَمَّ فإنه أراد أن يتكلم مع القبائل والأفراد دون أن تعلم قريش بهذا الحديث، وهذا أمر صعب؛ لأن قريشًا كانت تَتَتَبَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء قدوم الحجيج والمعتمرين، وتُكَذِّبه في كل موطن، وكان الذي يقوم بهذا الأمر في معظم الأحيان عمُّه أبو لهب، ومن هنا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرَّر أن يُغَيِّر نسبيًّا من طريقته في الدعوة مع القبائل الغريبة عن مكة.
لقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أن يتحدَّث حديثًا عامًّا مع الناس جميعًا، فيتحدَّث في أمر الإسلام وسط الأسواق أو نحوها، ويسمعه الناس من كل القبائل؛ أما الآن فهو يُريد أن يتحدَّث بشكل خاصٍّ مع كل فرد أو قبيلة، ولا يتوجَّه بحديثه إلىٰ قبائل متعدِّدة في آنٍ واحد؛ حتىٰ لا يخرج أمره إلىٰ أهل مكة قدر المستطاع؛ خاصة أنه سيطلب النُّصرة، وقد تكون هناك مفاوضات سياسية أو عسكرية لا يستطيع البوح ببنودها أمام الناس جميعًا، وهذا دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ سرية الحديث مع الناس في هذه المرحلة.
وقد تطلَّب هذا الأمر أن يقوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعض الإجراءات التي تضمن تأمين مثل هذه اللقاءات، وتوفير أفضل فرص النجاح لها؛ وكان من هذه الأمور ما يلي:
أولًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلىٰ هذه القبائل ليلًا[(27)] فــ عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى. وقَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا... قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّىٰ إذَا مَضَىٰ ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّىٰ اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ. وقال أبو حاتم: فلما كان الموسم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل يدعوهم إلىٰ الله، فاجتمع عنده بالليل اثنا عشر نقيبًا مِن الأنصار. ومرور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في طرق مكة بعد أن نامت قريش في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه.
.. وهذا كله.. حتىٰ لا يلفت أنظار القرشيين، أو أحيانًا يأتيهم في وقت الظهيرة، وهو وقت شديد الحرارة، وتقلُّ فيه حركة الأقدام في مكة.
ثانيًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي القبائل في منازلهم..[(28)] فــ عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟».
يأتيهم في منازلهم.. بعيدًا عن الكعبة، فإنه لكثرة القبائل كانت كل قبيلة تقيم مخيَّمًا خارج مكة ليتسع البلد الحرام لكل الزائرين، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينتظر أن يدخلوا إلى البيت الحرام ثمَّ يدعوهم؛ بل كان يذهب إليهم خارج مكة بعيدًا عن أعين المراقبين.
ثالثًا: وهذه نقطة مهمَّة للغاية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصطحب معه :
[أ.] أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأحيانًا :
[ب.] علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وذلك لإشعار القوم أنه ليس وحيدًا في مكة من ناحية، ومن ناحية أخرى أهمَّ وهي أن أبا بكر الصديق كان يعرف أنساب القبائل، فكان يستطيع أن يُمَيِّز بين القبيلة القوية الشريفة والقبيلة الضعيفة القليلة، وهذا أمر في غاية الأهمية، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سوف يطلب منهم النُّصرة، فإن ادَّعَوا القوة وهم ليسوا بأقوياء بَنَى رسول الله صلى الله عليه وسلم حساباته علىٰ معلومات غير موثَّقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم سؤالًا مباشرًا عن عددهم وقوَّتهم، وأبو بكر يُؤَكِّد إجابتهم أو ينفيها، فإن وَجَد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوةً عَرَضَ عليهم الإسلام وطلب منهم النُّصرة، وإن وجد فيهم ضعفًا، عرض عليهم الإسلام ولم يطلب منهم النُّصرة، فهو يُريد أن يصل بدعوته إلىٰ كل إنسان؛ لكنه في الوقت نفسه يُقَدِّر الموقف السياسي العصيب الذي يمرُّ به، ويحسب لكل موقف حسابه المناسب.
وهكذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جولاته من جديد، في نشاط وخِفَّة وحميَّة، وكأنَّ الأمور علىٰ خير ما يرام، وكأنه لم تكن هناك أحزان تلو أحزان، وكم نرىٰ من المسلمين مَنْ يعتذر عن العمل الصحيح الموافق لما أمر الله به وقام به رسوله لأن «ظروفه(!)» صعبة، وأحواله متعسرة! لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف شيئًا عن هذا الاعتذار؛ بل يعمل بكل نشاط مهما كانت الظروف.
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نشاطه تقريبًا في شهر رجب من العام الحادي عشر من البعثة أو قبل ذلك بقليل، وقد أخذنا [الحديث مازال لــ د. السرجاني] ذلك التوقيت من إحدى روايتي جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وقد ذكر فيها أن وفد الأنصار -أي الخزرج- جاء في رجب، وكان هذا بعد أن تواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض القبائل، ثم كانت خاتمة اللقاءات مع قبيلة الخزرج كما سنشرح بعد قليل، وكانت القبائل العربية تتوافد علىٰ زيارة البيت الحرام طوال العام؛ ولكن يكثر قدومهم للعمرة في شهر رجب؛ لكونه من الأشهر الحرم، وهذا يُوَفِّر لهم أمانًا في السفر حيث تُعَظِّمه معظم القبائل، وتُحَرِّم فيه القتال، كما كانوا يتوافدون بكثافة كذلك في موسم الحج في ذي القعدة وذي الحجة.
لقد تكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الإسلام والنُّصرة في هذا الموسم مع عدد كبير من القبائل، فلم يكل ولم يمل صلى الله عليه وسلم، ولقد رفضوه جميعًا إلا أفرادًا قلائل من قبيلة واحدة! ومع ذلك فقد غيَّر هؤلاء الأفراد من مسار الأحداث، لا أقول [د. السرجاني] في الجزيرة العربية وحدها؛ بل في العالم أجمع! وكان هؤلاء الأفراد من قبيلة الخزرج اليثربية! فكان الإيمان الذي مهَّد لقيام الدولة الإسلامية.
والواقع أنه ليست بين أيدينا تفصيلات كثيرة عن معظم هذه اللقاءات المهمَّة، ومع ذلك فما توافر لدينا من روايات يعطينا فوائد لا حصر لها، وسنقف وقفة مع كل قبيلة دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نختم الحديث بشرح موقفه صلى الله عليه وسلم مع الخزرج في البحوث التالية بإذن الله[(29)].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ ٨ ] الْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ : مِنْ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ... أحداثُ «بعثة النبي - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ - [عَهْدِ النُّبُوَّةِ]؛ الدعوة في مَكةَ» : سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ؛ الْبَابُ الْأَوَّلُ : تَّمْهِيدٌ للْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ وَمَدْخَلٌ لَه!
[بحوث الْعَهْدُ الْمَكِّيِّ] قَرَاءَها وَرَاجَعَها ثمَّ جَمَعَهَا فَكَتَبَهَا:
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِـ مِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَىٰ - غَفَرَ اللَّهُ - سبحانه وتعالىٰ - لِوَالِدَيْهِ وَلَهُ وَمُعَلِمِيهِ وَمَشَايخِهِ وكلِ مَن له فضلٌ عليه وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
حُرِّرَ في يوم الثلاثاء: 6 مِن جمادىٰ الثانيةٰ (الشهر السادس) السنة ١٤٤٢ مِن هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ومتمم المبتعثين ~ الموافق ١٩ مِن شهر يناير (الشهر الأول) العام ٢٠٢١ مِن الميلاد العجيب للسيد : « المسيح عيسى؛ الرسول ابن مريم » العذراء الزهراء البتول - عليهما السلام - والذي بشر بمبعث النبي والرسول : « „ أحمد ‟ » .

أعلى الصفحة
فهرس

كتاب & مراسلون

أوسترو عرب نيوز

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا