السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

السيرة النبوية الشريفة

تقديم : د. محمد الرمادى
فيينا / 202
1

(٨) [ الْمُجَلَّدُ الثَّامِنَ ]
(٢) الْبَابُ الثَّانِي: القسم الأول:
[دُعَاءِ
رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ ]

نطق القرآن يقول : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33](1)عني بها نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم(2). ".
(١٠٠ )[(1)] التَّمْهِيدُ:
خلال زمن النبوة المحمدية ؛ وطوال عهد الرسالة الأحمدية[(2)] كان المصدر الوحيد والمنفرد والأوحد في تبليغ الدين الجديد ؛ رسالة الإسلام هو : وحي السماء في كل ما ينطق[(3)] به أو يقوله رسول رب العالمين [ﷺ] للبشر أجمعين ومِن ثم لكل زمان وحين مِن بعده ومكان بغض النظر في أي قارة من قارات المعمورة إلىٰ أن يرث الله -تعالى- الأرض ومَن عليها ، وأيضاً كل ما يفعله[ﷺ] .. فــ قوله وفعله وتقريره المتعلق بأفعال العباد في الحياة الدنيا وتصرفاتهم وأعمالهم وسلوكهم وأقوالهم : وحي مِن عند الله -تعالى- ، أي آيات القرآن الحكيم ؛ ونص الذكر الكريم ؛ وألفاظ الفرقان المبين العظيم ؛ وهذا أولاً ؛ ثم السُنَّة المحمدية القولية والفعلية والتقريرية ؛ أي النصوص الشرعية المثبتة والصحيحة ؛ أي كل ما تتضمنته وتحويه رسالة الإسلام الخاتمة ، أي أحكام التبليغ ؛ بمعنىٰ كل ما يأتيه مِن الربِّ المالك الحاكم الآمر الناهي إلىٰ البشر الذين يرغبون في عبادته ، سواء تعلق الأمر بالعقائد والإيمان أو تعلق بالعبادات أو تعلق بالمعاملات والأحكام العملية ؛ وكان الواسطة في تبليغ الرسالة أمين السماء الملك جبريل -عليه السلام- ينزل علىٰ قلب أمين الأرض والسماء محمد بن عبدالله[ﷺ] ..
هذا الوحي[(4)] كان يأتيه مِن السماء..
وعهد الرسالة المحمدية وزمن النبوة الأحمدية ينقسم إلىٰ : عهدين واضحين المعالم :
أ . ] الأول منهما: العهد -الفترة/المرحلة- المكي ،
و
ب . ] الثاني: العهد -الفترة/المرحلة- المدني ؛ فيتخللهما -العهدان: المكي والمدني-.. وبينهما مقدمات وارهاصات وأحداث وتقسيمات.. وروابط ومفاصل ونقاط إلتقاء ونقاط إنتقال ؛ وتلعب شخصيات محورية دورها المنوط بها ، وهذه كلها طريق ومنهج وشريعة وكيفية إسلامية خالصة..
وهذه كله ينبغي بل يجب دراسته دراسة مستفيضة علمية وعملية كي نتمكن بيسر من استنباط أحكام شرعية عملية لأحسان تطبيقها!
« ذِكْرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ ».(3).
في العهد -الفترة/المرحلة- المكي تجد أعباء الرسالة بأكملها يقوم بها ويدعو إليها ويبشر بها رسول الإسلام ونبي المرحمة محمد بن عبدالله[ﷺ]..
قَالَ: الزُّهْرِيُّ : « دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى الْإِسْلَامِ سِرًّا وَجَهْرًا فَاسْتَجَابَ لِلَّهِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَحْدَاثِ الرِّجَالِ وَضُعَفَاءِ النَّاسِ(!) حَتَّى كَثُرَ مَنْ آمَنَ بِهِ ، وَكُفَّارُ قُرَيْشٍ غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِمَا يَقُولُ ، فَكَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِهِمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ أَنَّ غُلَامَ بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ لَيُكَلَّمُ مِنَ السَّمَاءِ ، فَكَانَ ذَلِكَ حَتَّى عَابَ اللَّهُ آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا دُونَهُ ، وَذَكَرَ هَلَاكَ آبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فَشَنِفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ وَعَادَوْهُ ».(4)
قَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ» فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : مُحَمَّدٌ عَلَى الصَّفَا يَهْتِفُ ، فَأَقْبَلُوا وَاجْتَمَعُوا ، فَقَالُوا: مَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: « أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي؟» قَالُوا: نَعَمْ ، أَنْتَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُتَّهَمٍ ، وَمَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ ، قَالَ: " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ ، يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ ، يَا بَنِي زُهْرَةَ حَتَّى عَدَّدَ الْأَفْخَاذَ مِنْ قُرَيْشٍ ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ ، وَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَنْفَعَةً وَلَا مِنَ الْآخِرَةِ نَصِيبًا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » " قَالَ: يَقُولُ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] السُّورَةَ كُلَّهَا"(5).
وبعد حين يسير مِن الزمان يدخل بجواره ويزامله عبدالله بن أبي قحافة[(5)] -رضي الله تعالى عنه- : أبو بكر الصديق في حمل الدعوة إلىٰ الدين الجديد والدعاء لها : إسلام محمد[ﷺ] ، فكان محمد[ﷺ] يدعو إلىٰ الدين الجديد في مكة وبجواره ايضاً صديقه عبدالله بن أبي قحافة ، و -حسب علمي ؛ وما اطلعت عليه مِن مصادر- لم تذكر كتب السيرة أن قام أحد مِن المسلمين الأوائل -في العهد المكي- بما قام به عبدالله بن أبي قحافة في عرض الإيمان -الإسلام- علىٰ أحد من الناس[(6)] ؛ ولعل حادثة إيمان عُمر بن الخطاب قد تقترب مِن هذا المجال ولكن بتجوز يسير وأحداث مغايره ؛ فهي لم تكن بصريح الدعوة بل الحادثة تبين أنها كانت موقف حرج له إذ أن زوج أخت عُمر وزوجته -أخت عُمر- قد أسلما فذهب ليتأكد مِن الخبر!. ولي وقفة ومراجعة في المجلد المتعلق بالشخصيات المحورية في الإسلام!..
تنبيه :
ثم تبين لي خطأ قولي هذا وضعف علمي ؛ إذ أنه بعد المراجعة والمطالعة ظهر لي بوضوح أنه : « لمَّا أَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الْإِسْلَامَ وَمَنْ مَعَهُ وَفَشَا أَمْرُهُ بِمَكَّةَ وَدَعَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو نَاحِيَةً سِرًّا ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ عُمَرُ يَدْعُو عَلَانِيَةً وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِالْمُطَّلِبِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ.. فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَظَهَرَ مِنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ ، وَأَشْخَصَ بِهِ مِنْهُمْ رِجَالٌ فَبَادَوْهُ، وَتَسَتَّرَ آخَرُونَ ». (6).
عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَأَنْ يُنَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ اللَّهِ ، فَكَانَ يَدْعُو مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ ثَلَاثَ سِنِينَ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ أُمِرَ بِظُهُورِ الدُّعَاءِ "(7).
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ الْعُذْرِيِّ ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ، قَالُوا: لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ظُهُورَ الْإِسْلَامِ وَجُلُوسَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ فَمَشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ ، فَقَالُوا: " أَنْتَ سَيُّدُنَا وَأَفْضَلُنَا فِي أَنْفُسِنَا، وَقَدْ رَأَيْتَ هَذَا الَّذِي فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءُ مَعَ ابْنِ أَخِيكَ مِنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَنَا وَطَعْنِهِمْ عَلَيْنَا وَتَسْفِيهِهِمْ أَحْلَامَنَا " ، وَجَاءُوا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالُوا: " قَدْ جِئْنَاكَ بِفَتَى قُرَيْشٍ جَمَالًا وَنَسَبًا وَنَهَادَةً وَشِعْرًا نَدْفَعُهُ إِلَيْكَ ، فَيَكُونُ لَكَ نَصَرُهُ وَمِيرَاثُهُ، وَتَدْفَعُ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ فَنَقْتُلُهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْعَشِيرَةِ وَأَفْضَلُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ مَغَبَّةً " ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: " وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْتُمُونِي .. تُعْطُوُنَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمُ ابْنَ أَخِي تَقْتُلُونَهُ ، مَا هَذَا بِالنَّصَفِ تَسُومُونَنِي سَوْمَ الْعَرِيرِ الذَّلِيلِ " ، قَالُوا: " فَأَرْسِلْ إِلَيْهِ فَلْنُعْطِهِ النَّصَفَ " ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ عُمُومَتُكَ وَأَشْرَافُ قَوْمِكَ ، وَقَدْ أَرَادُوا يُنْصِفُونَكَ " ، فَــ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: « قُولُوا أَسْمَعْ » قَالُوا: " تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا وَنَدَعُكَ وَإِلَهَكَ " ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: " قَدْ أَنْصَفَكَ الْقَوْمُ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ " ، فَــ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: « أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ » فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: " إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ مُرْبِحَةٌ ، نَعَمْ وَأَبِيكَ لَنَقُولَنَّهَا وَعَشَرَ أَمْثَالِهَا " ،
قَالَ: قُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » ..
فَاشْمَأَزُّوا وَنَفَرُوا مِنْهَا وَغَضِبُوا وَقَامُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: " اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ يُرَادُ " ، وَيُقَالُ: الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَقَالُوا: " لَا نَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَمَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُغْتَالَ مُحَمَّدٌ ...
فَــ
لَمَّا كَانَ مَسَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فُقِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم ، وَجَاءَ أَبُو طَالِبٍ وَعُمُومَتُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، فَجَمَعَ فِتْيَانًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ قَالَ :" لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَدِيدَةً صَارِمَةً ثُمَّ لِيَتَّبِعُنِي إِذَا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ، فَلْيَنْظُرْ كُلُّ فَتًى (8) مِنْكُمْ فَلْيَجْلِسْ إِلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ فِيهِمُ ابْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ شَرٍّ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ " ، فَقَالَ الْفِتْيَانُ: " نَفْعَلُ " ، فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَوَجَدَ أَبَا طَالِبٍ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَقَالَ: " يَا زَيْدُ أَحْسَسْتَ ابْنَ أَخِي؟ " قَالَ: " نَعَمْ ، كُنْتُ مَعَهُ آنِفًا " ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: " لَا أَدْخُلُ بَيْتِي أَبَدًا حَتَّى أَرَاهُ "..
فَــ
خَرَجَ زَيْدٌ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: " يَا ابْنَ أَخِي أَيْنَ كُنْتَ؟ أَكُنْتَ فِي خَيْرٍ؟ " ..
قَالَ: «نَعَمْ» ،
قَالَ: " ادْخُلْ بَيْتَكَ " ، فَــ
دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَالِبٍ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِيَدِهِ ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى أَنْدِيَةِ قُرَيْشٍ وَمَعَهُ الْفِتْيَانُ الْهَاشِمِيُّونَ وَالْمُطَّلِبِيُّونَ ، فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ تَدْرُونَ مَا هَمَمْتُ بِهِ؟ " ، قَالُوا: " لَا " ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ ، وَقَالَ لِلْفِتْيَانِ: " اكْشِفُوا عَمَّا فِي أَيْدِيكُمْ ".. فَكَشَفُوا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَهُ حَدِيدَةٌ صَارِمَةٌ ، فَقَالَ: " وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمُوهُ مَا بَقِّيْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا حَتَّى نَتَفَانَى نَحْنُ وَأَنْتُمْ " ، فَانْكَسَرَ الْقَوْمُ وَكَانَ أَشَدَّهُمُ انْكِسَارًا أَبُو جَهْلٍ "(9).
.. أقول(الرمادي) : كانت الأفكار والمفاهيم والقيّم والقناعات والأسس والمبادئ التي يدعو لها نبي الإسلام -في مهدها؛ وعلى قلتها وبمجموعها ؛ كان بها اليسير من آيات الأحكام والقليل من أحاديث الأحكام- هذه كلها لا تحتاج إلى مزيد عناء فكر في فهمها أو جمعها ورصها بجوار بعضها البعض ؛ أو تأصيلها أو إفراد كل فكرة أو مفهوم أو قيمة أو مقياس أو قناعة أو أساس عقدي أو مبدأ ايديولوجي..
.. أقول(الرمادي) لا تحتاج كل مفردة مِن هذه إلى تأصيلها وتخريجها في بحث بعينه مستقل ؛ كما حدث بعد ذلك ـ فنسمع بأن صاحب العلم يذهب إلى هذا الرأي أو القول والعالم الآخر ذهب لقول آخر.. فنجد مَن كتب عن موضوع بعينه كالعقيدة أو آحدى مفاصلها أو جزئياتها ، أو العبادة وتفصيلاتها فنقرأ لمن كتب عن الطهارة أو الصلاة أو الزكاة أو الحج.
إذ أن الأساس الأول والمتين هو -وما زال-: توحيد الإله والعبودية له وحده وربوبيته لكل مَن سواه مِن خلقه ، ثم فُهم مِن هذا كله حاكميته ، وهي ما يطلق عليها أوامر ونواه : الحلال والحرام.. الحسن والقبيح.. الصواب والخطأ..
لذا فالأوائل مثل أبو جهل : عمرو بن هشام ، أو عبدالعزى بن عبدالمطلب : أبو لهب وأمثالهم رفضوا الفكرة مِن أصلها[(7)] ووقفوا ضدها مِن اساسها بدليل نص القرآن الكريم ؛ والذكر الحكيم ؛ والفرقان العظيم المبين : {وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّاب} [ص:4] {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص:5] {وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد} [ص:6] {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَق} [ص:7] {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَاب} [ص:8]".
وبدليل : « أنَّ أَبُا طَالِبٍ قال للرسول :„ يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ يَشْكُونَكَ : يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ ‟ ؛ فَــ
قَالَ : « „ يَا عَمِّ ، إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ ‟ » ..
أقول(الرمادي) : فطلبَ منهم كلمة واحدة فقط ..
فــ قَالُوا : „ وَمَا هِيَ؟ ؛ نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا [أي عشر كلمات وليس كلمة واحدة فقط]،
قَالَ : « „ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ‟ » ؛ قَالَ: فَقَامُوا وَهُمْ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ : „ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ‟ .
هذا الأثر ذكره بأبسط مِن هذا ابن جرير في تفسيره بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ : لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا : „ إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ ‟ ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رجل ، قال فخشي أبو جهل - لعنه الله - إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ . فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : „ أَيِ ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ ‟ ؛ قَالَ وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ .. وَ
تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَــ
قَالَ : « „ يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ ‟ » ؛ ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم : „ كَلِمَةً وَاحِدَةً نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا وَمَا هِيَ؟ ‟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : „ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يا ابن أخي؟ ‟ ؛
قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ‟ » ؛ فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ : „ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ ‟ ؛ قَالَ وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قوله : ". 《 بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ 》 .
وقال ابن كثير في تفسيره عقب سياقه ما عبارته: وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ الله عنهما- فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ. انتهى. (وقد رواه الحاكم أيضا وصححه وأقره الذهبي. وقد ضعف الألباني الحديث في ضعيف الترمذي والسلسلة الضعيفة).
وبدليل أنه كان يطلب من الناس كلمة واحدة إذ يَقُولُ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا » "(10).
فالعرض من قِبل رسول الإسلام أن يقولوا : « كلمة » ؛ ورفضهم أن يقولوها نابع مِن تبعاتها وما يبنى عليها وليس مجرد النطق بها..
ونعود لبدايات الدعوة وأول الرسالة فقد جاء في صحيح مسلم : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، [وجاءت برواية :" أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً "(11). وفي كل المواضع] اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ،[رواية :" يَا [مَعْشَرَ ؛ وفي باقي المواضع(12)] بَنِي عَبْدِمَنَافٍ! اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الله لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئاً "(13). ] يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي [مِنْ مَالِي(14)] بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»،".(15).
وجاءت رواية :" عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»،[(يا صباحاه) كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له] فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ» ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ، قَالَ: « فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ"(16): (ورهطك منهم المخلصين) ..
قال الإمام النووي:" الظاهر أن هذا كان قرآنا أنزل ، ثم نسخت تلاوته ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري"
(بسفح) سفح الجبل هو أسفله وقيل عرضه
(تبت يدا أبي لهب) قال الراغب التب والتباب الاستمرار في الخسران وتبت يدا أبي لهب أي استمرت في خسرانه
(تب) قال النووي :"معنى تب خسر (كذا قرأ الأعمش) معناه أن الأعمش زاد لفظه قد بخلاف القراءة المشهورة.
ثم بعد حين ينبه عليه السلام لقضية هامة إذ يقول :" يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ! (17)". وهنا إضافة هامة فلننتبه!
والدعوة إلى الدين الجديد بواسطة نبي الإسلام في المحيط المكي لم تكن سرية بل السرية كانت في التكتل أي الأفراد الذين أمنوا بهذه الفكرة الجديدة على المجتمع المكي بما يحمل من افكار تعدد الألة .. لذلك علم عن البعض أنهم أمنوا بالدين الجديد فتم الوقوف ضدهم وصدهم عن تغير دين الأجداد وتقاليد الأباء وعرف الأجيال .

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
الأربعاء : 14 جمادى الثانية 1442 هــ ~ 27 يناير 2021م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحث المتمم للمائة الأولى؛ وفق فهرسة موقع:[ آستروعرب نيوز]!
(2) بناءً على النص القرآني الذي نطق به القرآن الكريم {..وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..} وتمام الآية في سورة الصف تقول: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين} [الصف:6] .
(3) اعتماداً على النص القرآني الذي يقول : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم:3] {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:3-5] .
(4) {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء:163] + {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [يوسف:109] .
(5) انظر : ابتعاث 《آخر رسالات السماء 》 [76] ترقيم : [ آستروعرب نيوز ] . .
(6) انظر المصدر السابق ؛ الفقرة [7.] :" ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَةِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ". إصدار [موقع آسترو عرب نيوز]!
(7) انظر:" قُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُفْلِحُوا" ؛ [78] ترقيم [آسترو عرب نيوز]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

أعلى الصفحة
فهرس

 [ ٨ ] سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ

*.] اسْتِدْرَاكٌ :
.. وقفتُ في نهاية الْمُجَلَّدُ السَّابِعُ [ ٧ ] عند عام الحزن [نَشَرَهُ موقع آستروعرب نيوز؛ الذي يصدر مِن عاصمة جمهورية الألب "فيينا" المطلة على الدانوب الأزرق]؛ وما يجب عليَّ إثباته هنا :" إنّ تسمية هذا العام بـ : « عام الحزن » إنّما هي تسمية أهل العلم له، ولم ترِد عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا وجود لها في شيء مِن مصادر السنّة الموثوقة، فلا يجوز نسبتها إليه-صلّى الله عليه وسلّم-، كما فعله كثير من المصنِّفين.
والمصدر الوحيد الّذي ذكر أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم أطلق علىٰ هذا العام بأنّه : „ عام الحزن ‟ هو " المواهب اللّدنيّة " للقسطلاني رحمه الله، وحين روىٰ ذلك لم يزد علىٰ أن قال:" فيما ذكره صاعد "!... وصاعدٌ هذا هو ابن عبيد البجليّ - كما قال الزّرقاني رحمه الله في "شرحه" عليه (1/244) -، وهو مجهول لا يُعرف، ولم يوثّقه أحد، ولو سلّمنا أنّه ثقة حافظ - وهو ليس كذلك - فيكون الإسناد معضلا.
*.] فلماذا أطلق أهل العلم هذه التّسمية علىٰ هذا العام ؟[(1)]
كان ذلك في السّنة العاشرة مِن البعثة ..
إنّه العام الّذي تُوُفِّيت فيه خديجة رضي الله عنها، وهلك عمه أبو طالب، وكان بين وفاة خديجة وأبي طالب شهر وخمسة أيّام[(2)] . وكانا يقفان بجواره -صلى الله عليه وآله وسلم- ومساندته ونصرته.. وبغيابهما عن المشهد القائم المعاش والأحداث الجارية المتتالية في مكة فقدَ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الناصر الإجتماعي والمؤيد الفعلي في مواجهة صناديد وكفار وعابدي أصنام.. وهو الذي يدعو إلى وحدانية الآله الخالق الرازق المحي المميت الذي بيده الخير وهو على كل شئ قدير.. وترك ما يعبدون من دون الله -تعالى- وعمه كان الحامي الخارجي وفقدَ الأنيس الداخلي والناصر المعنوي والصدر الدافئ حين عودته -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى بيته ليستريح قليلا مِن عناء المهاجمة والصدود والجفاءالخارجي.. وهنا الحديث عن محمد بن عبدالله الإنسان؛ فهو بشر من بني آدم.. صحيح أنه عليه السلام سيد ولد آدم لكن بداخله مشاعر إنسان وعواطف بشر أحاسيس.. والذي أعانه على ذلك المصاب الأليم الشديد هو يقينه الجازم بأنه رسول الله تعالى وأنه المصطفى لتبيلغ آخر رسالات السماء وأنه المجتبى من الخلق أجمعين لتعلو راية التوحيد... لذا فقد اجتهد البعض بوصف الحالة النفسية التي مر بها الرسول الإنسان محمد بن عبدالله فتم عنونة هذه السنة بأنها : « عام الحزن ».
-***-
وأبدءُ مِن بعد إذنه -تعالى في سماه وسما في علاه وتقدست اسماه – ومن بعد هدايته وتوفيقه:
[الْمُجَلَّدُ : (٨)؛ الْبَابُ : (١):
﴿ « „ سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ ‟ » ﴾ .
تَّمْهِيدٌ:
عَرْضُ الرَّسُولِ [صلى الله عليه وآله وسلم] نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ:
أدقُ مفصلٍ حيوي يربط بين آحدىٰ مراحل سنوات العهد المكي وآخرىٰ مِن السيرة النبوية المحمدية العطرة- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَزْكَى صَلَوَاتِهِ ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيراً-. أدقُ مفصل جوهري وأساسٍ هو وبلا آدنىٰ شكٍ واقل ارتياب :
« „ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ‟»
فقد اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. وتجمد المجتمع المكي وتصلب أمام الدعوة الجديدة منذ أن أعلنَ -عليه السلام- مبدأَ التوحيد وتكلم عن الربوبية الحقة وشرحَ حقيقة الآلوهية؛ وأخبرَ بعقيدة الإسلام الحنيف وبيَّن صحة الإيمان؛ ووجه العبادة لوجه الله -جل وعلا- وحده لا شريك ولا ند له لا مثيل له.. فلا صاحبة له ولا ولد، بدءاً مِن داخل البلد الحرام مسقط رأس خاتم الأنبياء؛ ومِن أمام :{.. أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِين}[(3)].. بلد آخر المرسلين؛ وبدء دعوة إسلام متمم المبتعثين.. ومنشأ التوحيد وصرف العبادة فقط لرب البيت العتيق بــ مكةَ المكرمة التي تشرفت كأطهر بقعة علىٰ الأرض بوجود البيت الحرام العتيق منذ بداية وجود الأرض كمخلوقة لله -تعالىٰ في سماه و تقدست اسماه-؛ ومِن ثم زيارة أبي البشر أجمعين آدم -عليه السلام- للكعبة المشرفة.. ثم زيارات بقية السادة المرسلين ولفيف النبلاء مِن الأنبياء إلىٰ أن ترك الخليل إبراهيم -جد محمد الأعلىٰ- أبنَه الأكبر مع أمه ذات الأصول المِصرية هاجر وطفلها -الجد الأكبر- لمحمدٍ إسماعيلَ بن إبراهيم.. وبناء الكعبة المشرفة على القواعد: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ }[(4)].. ثم تشرفت أخيراً وتزينت بمولد النبي الرسول المصطفىٰ المرتضىٰ المحتبىٰ المجتبىٰ محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب..
اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. علىٰ أوائل المسلمين.. -ومعهم الرسول العظيم-؛ وهي مِن سنن الله -تعالى- في خلقه.. الذين أمنوا بالدين الجديد فخرجوا بعد العذاب المهين مِن كفار قريش ومشركي مكة.. خرجوا إلىٰ شعب أبي طالب.. اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. فجاء مسير المصطفىٰ الهادي إلىٰ الطائف..
وبدءاً مِن هنا يبدءُ مفصل جوهري وانتقال حيوي إلىٰ تحرك جديد دعوي ؛ كأنه يخبر عن قرب انتهاء العهد المكي بمراحله ومفاصله لـ تأسيس الدعوة الجديدة وبناء شخصية تكتلها الأول؛ وهو -العهد المكي- العهد الأول في سير الخطوات العملية؛ ونستفيد نحن منها أنها التطبيقية في سير السيرة المحمدية النبوية والمنهجية الأحمدية الرسولية في البداية الفعلية والمنطقية في سير الدعوة؛ إذ بدأت بين أهله وقومه وعشيرته وقبيلته.. ولاقى ما هو معروف منهم..فأمنت به قلة واتبعته ثلة..
وبقرب انتهاء هذا المفصل -يقترب مِن ثلاث سنوات-مِن العهد الأول المكي.. سيبدء ببطئ شديد يحتاج إلىٰ يقظة وإعمال فكر ووعي وبصيرة الخطوات الأولىٰ العملية للإنتقال إلىٰ العهد الثاني من عهدي النبوة : « „ العهد المدني ‟ »..
.. الحديثُ هنا والبحثُ عن أدقُ مفصلٍ يربط بين آحدىٰ مراحل سنوات العهد المكي -العهد الأول- وآخرىٰ مِن السيرة النبوية المحمدية العطرة- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَزْكَى صَلَوَاتِهِ ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ ، وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثيراً-.. وهذا المفصل هو
﴿« „ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةُ عَلَىٰ الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ‟»..
.. وهو المقدمة الحتمية والتمهيد الأيديولوجي الفكري والاستراتيجي لما سيترتب عليه مِن بعد ذلك.. أي قيام كيان لمجموعة الأفكار والقناعات لتنفيذها.. وكيان عملي لحزمة المبادئ وكتلة القيم والمقاييس لتطبيقها والتي أوحىٰ الله -تعالى- بها لخاتم رسله ومتمم مبتعثيه وآخر أنبياءه.. وهنا ينبغي علىٰ "حامل دعوة -ولا استخدم لفظة الداعية- الإسلام" -أفرادا أو أحزابا.. جماعات أو تكتلات يجب فهم كيفية الانتقال ما بين مرحلة وآخرىٰ.. وكيفية الربط ما بين مفاصل وروابط كل مرحلة بعينها.. ولعل غياب هذا الفهم الدقيق والربط الواعي المستنير للسيرة النبوية أوقع -اليوم- جماعات تدثرت بقشور إسلام واحزاب تلبست وشاحه.. أوقعها في مسألة التزواج بين مبدأ الإسلام ومبادئ وضعية بشرية ومنذ أكثر مِن 90 عاما تخفق فيما تدعو إليه.. والتجربة المِصرية التي استغرقت ثوان مِن عمر الدهر؛ والتونسية التي تترنح كلما قامت.. خير دليل علىٰ صحة ما ذهبتُ إليه..
قلتُ(الرمادي) : في التمهيد لهذا البحث أنه اشتدت المصاعب وتوالت الأزمات.. وتجمد المجتمع المكي وتصلب أمام دعوة الإسلام المحمدية وعلى سبيل المثال؛ وبإذنه -تعالى- سأفردُ فصلاً كاملاً عن:
بدايات الأذىٰ مِن المشركين:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِهِ :
1.] أَبَا لَهَبٍ ، وَ
2.] الْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وَ
3.] عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَ
4.] عَدِيَّ بْنَ حَمْرَاءَ الثَّقَفِيَّ ، وَ
5.] ابْنَ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيَّ ؛ وَ
كَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ -فِيمَا ذَكِرَ ابن إسحاق- يَطْرَحُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ إذَا نُصِبَتْ لَهُ ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجْرًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلَّى ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى ، كَمَا حَدَّثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، يَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْعُودِ ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ :« „ يَا بَنِي عَبْدِمَنَافٍ ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا ‟»: ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ ".[(5)]
[ طَمَعُ الْمُشْرِكِينَ فِي الرَّسُولِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿„ الْمَصَائِبُ ‟﴾: بِهُلْكِ خَدِيجَةَ ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَىٰ الْإِسْلَامِ ، يَشْكُو إلَيْهَا ؛ وَبِهُلْكِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ ، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَىٰ قَوْمِهِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَىٰ الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ: ﴿ ٣ ﴾ سِنِينَ . فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَىٰ مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ ، حَتَّىٰ اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ ، فَنَثَرَ عَلَىٰ رَأْسِهِ تُرَابًا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ :« „ لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَىٰ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ التُّرَابَ ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَىٰ رَأْسِهِ ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَىٰ بَنَاتِهِ ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا : « „ لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ(!) فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ ‟ » . قَالَ : وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: « „ مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّىٰ مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ” » ...
.. وهذه المعاناة في سبيل حمل الدعوة تحتاج مني إلىٰ إعادة نظر ومِن ثم تفصيل.. ولعل إذا شاءت إرادة السماء يكون لي عودة حميدة طيبة في بحث هذا الموضوع.. والله -تعالىٰ- المستعان!
ومما يلزمني إعادة النظر فيه مع التذكير والتنبيه .. ذلك الموقف الذي حدث في حالة مرض أبي طالب -الأخ الشقيق لعبدالله بن عبدالمطلب- والد محمد : ولعل هذا ما غاب عن مسلمي اليوم.. وفطن إليه أحد الذين كانوا يحاربون الله -تعالى- ويعادون رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذ أن الموقف كما رواه ابن اسحاق واعتمده مِن بعده كافة أهل السير والتراجم .. أنتبه واسمع :
*. ] بَعَثَ إلَيْهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَبُو طَالِبٍ ، فَجَاءَهُ . فَــ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : „ يَا ابْنَ أَخِي : هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ ، لِيُعْطُوكَ ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ ‟.
قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿„ نَعَمْ.. « „ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ‟ » تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ‟﴾.
أقول(الرمادي): يجب الانتباه أن قبيلة قريش في مكة والمناطق المحيطة بها أهل تجارة ورجال مواسم إذ يرون قوافل التجارة قادمة إليها وراحلة عنها؛ ويثبت القرآن الكريم والذكر الحكيم هذا المشهد لأن به دلالة قوية لما أريد أن اثبته ولتراجع كتب التفسير ومصادر التأويل؛ إذ نطق القرآن يقول : {لإِيلاَفِ قُرَيْش}[*]{إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف}[(6)]
فهم يملكون المال ولديهم السلطة علىٰ العبيد ولديهم السيطرة علىٰ بيت الله -تعالىٰ- العتيق في المواسم.. فإذا زاد المُلك ملكاً وتوسعت السلطة والسيطرة وزاد المال فهذا ما يسعىٰ إليه كل متملك ومالك.. فكانت الإجابة الفورية أن..قَالَ : فَــ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : „ نَعَمْ وَأَبِيكَ ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ ‟ ،
قَالَ -صلى الله عليه وآله وسلم-: تَقُولُونَ :
[أ.] ﴿ „ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ‟﴾ ، وَ
[ب.] ﴿ „ تَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ‟﴾ .
.. فهذه الثنائية :
أ.] آله واحد.. يعبد ويطاع أمره؛ ويبتعد عن نهيه؛ و:
ب.] خلع ما دونه.. وهذه هي مشكلة المشاكل عند البشر.. فالهوىٰ والميل والرغبة وتحقيق الغرائز وإشباعها وتركها علىٰ عناتها دون قيد أو شرط أو رقيب.. وحقيقتها انها آلهة من دونه فكان ردهم مباشرة الرفض..
ماذا فعلوا :
قَالَ :" „ فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ‟؛
ثُمَّ قَالُوا : „ أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا ، إنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ ‟ ( قَالَ ) : ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ : „ إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَىٰ دِينِ آبَائِكُمْ ، حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ . قَالَ : ثُمَّ تَفَرَّقُوا ‟.
فمسألة توحيد الآله؛ ويندرج تحتها السمع لأوامره -هو فقط- والطاعة له -وحده دون سواه- رُفضت منذ اللحظة الأولىٰ من العرض النبوي!
.. ثم تأتي مسألة آخرىٰ -تكاد تكون- حامية الوطيس بين أهل السنة ومَن يتبعهم وبين أهل الشيعة ومَن يتشيع معهم حول قضية لا تفيد وهي مسألة ما بعد الموت والحساب والعقاب؛ وهي مسألة:
„ إيمان أبي طالب.. عم النبي.. مِن عدمها ‟..
وفي حقيقة الأمر لا يترتب علىٰ بحثها أي فائدة سواء من حيث أحكام شرعية تكليفية عملية لنا؛ كما أنها لا تدخل في مسائل العقيدة عند المؤمنين والإيمان عند المسلمين ؛ والأصل في بحثها ونتائجها لا يترتب عليها قضية إيمان أو كفر لأحد منا أو منهم؛ وهي مسألة إيمان شخص واحد مِن عدمه وعقيدة أبي طالب -العم الحامي لنبي الله- وهي مسألة نفسية.. مسألة شجون وعواطف.. قد تُجرح مشاعر البعض ويتأذىٰ منها البعض.. فكيف بمَن قام بهذا الأفعال الجيدة والمواقف المحمودة مع ابن أخيه ثم يكون مصيره عذاب! لذا فهناك بحث :
[ طَمَعُ الرَّسُولِ فِي إسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ ، وَحَدِيثُ ذَلِكَ ]
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : „ وَاَللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي ، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا ‟، قَالَ : فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إسْلَامِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ : « „ أَيْ عَمِّ ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‟ » .
قَالَ : فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، قَالَ : „ يَا ابْنَ أَخِي ، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ : „ السُّبَّةِ ‟ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي ، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا ‟ . قَالَ : فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ : نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ، قَالَ : فَأَصْغَىٰ إلَيْهِ بِأُذُنِهِ ، قَالَ فَقَالَ : „ يَا ابْنَ أَخِي وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا ‟ ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « „ لَمْ أَسْمَعْ ‟(!!!) » . [(7)]
-**-
منذ قليل تحدثتُ عن اليسير مِن بحث :" المسير إلىٰ الطائف " ثم تكلمتُ عن ما أطلق عليه :"عام الحزن"..
ومِن هنا يبدء بحث جديد عميق أساسي وجوهري في خط سير السيرة المصطفوية والهدي المحمدي هي مسألة:
﴿ « „ النُّصرة ‟ » ﴾ ؛
أو
ما تسمىٰ بــ مسألة :
﴿ « „ طلب النُّصرة مِن أهل المنعة والقوة ‟ » ﴾؛
إذ أن كل المصادر المعتبرة والتراثية المعتمدة ما عدا قلة مِن الحديثة منها- واستدرك بالقول هنا فاذكر على سبيل المثال : بحثاً للشيخ الأزهري القاضي الشرعي/ محمد تقي الدين النبهاني بهذا الخصوص؛ وبحث آخر للبوطي؛ الأزهري؛ الدكتوراه من كلية الشريعة/ جامعة الأزهر: في أصول الشريعة الإسلامية [عام 1965م]، -رحهمهما الله- وللسرجاني ولـ د. الصلابي بحث:- [طواف النبي -صلى الله عليه وسلم- علىٰ القبائل طلباً للنُّصرة؛ الحلقة الثامنة والأربعون (48)]؛ ما عدا قلة تهمل هذه الجزئية المفصلية مِن السيرة النبوية في البحث والدراسة..
وإليك البيان :
1.] عنوَّن ابن هشام في سيرته : « „ سَعْيُ الرَّسُولِ إلَىٰ ثَقِيفٍ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ ‟ » .
فقد قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ :" وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَىٰ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَىٰ الطَّائِفِ "[(8)] ،
.. فما سبب خروجه -عليه السلام- !؟.
يكمل ابن اسحاق القول فيثبت لنا :
1. ] يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَ
2. ] الْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَ
رَجَاءَ أَنْ :
3. ] يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ "[(8)]..
توجد مسألة تحتاج إلىٰ إلقاء أضواء عليها وهي :
﴿ « „ نثبت -سبحانه وتعالىٰ- فؤادك -عليه السلام- ‟ » ﴾..
والخطاب لنبيه ورسوله؛ إذ أنه بشر؛ يملك مِن الخواص البشرية والصفات الآدمية مثل غيره مِن الناس؛ ويزيد.. مع التأكيد علىٰ صدق نبوته وصحيح رسالته وتمام عصمته : {وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِين}[(9)].. وهذه متعلقة بقَصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين؛ ثم تأتي مسألة نزول القرآن منجماً علىٰ مدار ثلاث وعشرين سنة : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [(10)]
ثم تأتي مسألة آخرىٰ؛ ألا وهي مسألة الغيب؛ وهو ما لا يتمكن الإنسان بقدراته الذاتية أن يدركه بقواه العقلية المحدودة أو يراه بحاسة النظر والبصر أو يخاطبه فيكلمه ويسمعه.. كقضية محادثة الشيطان -دون مسألة وسوسته- والتأثير علىٰ الجن.. أو قضية مَن سبقنا من الأمم والشعوب وعلىٰ وجه الخصوص وبالتحديد مَن سبقه -عليه السلام- فهي غيب مطلق لنا نحن البشر؛ والحديث عنها مرتبط بما هو يقيني مِن النصوص -قطعية الثبوت أنها وحي مِن عند الله.. وقطعية الدلالة مِن حيث معناها و ما يفهم منها- وليست روايات وحكايات.. فتجد في قوله :" {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا} [(11)]
وتجد: {ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون} [(12)]
لماذا أراد الخالق -الذي أرسل محمدا رسولا ونبيا- أن يزيد مِن ثبات قلبه!؟..
ففي لحظة المحنة واثناء خروجه منها وقبيل دخوله مكة حدث أمر لحقه ثان كي تتحقق مسألة : « „ نثبت فؤادك ‟ »
فتجد قصة ملك الجبال والأخشبين -وهذا غيب- وتجد قصة الجن يستمعون القرآن ويؤمنون به -وهذا أيضاً غيب- ولولا أنه ذكر القرآن الكريم والذكر الحكيم هذه المسألة الأخيرة ما قلتُ بها.
وتجد مقدمة لتهيئة نفسه -عليه السلام- في قصة عدَّاس النصراني وما فعله فقد قال ابن اسحاق: فَــقد أَنكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ :
1.] - ﴿ „ رَأْسَهُ ‟﴾ . وَ
2.] - ﴿ „ يَدَيْهِ ‟﴾ . وَ
3.] - ﴿ „ قَدَمَيْهِ ‟﴾ . [(13)]
وهذه لا يحكمها قانون المصادفة؛ بل ترتيب مِن خبير عليم!.
ثم نكمل القصة إذ :" قَالَ : يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ . فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ ، قَالَا لَهُ :" „ وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ مَالَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ؟ ‟ .
قَالَ : يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ ، قَالَا لَهُ : وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ ، لَا ، يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ ".[(14)]
ثم يأتي ما يثبت الله -تعالىٰ- به فؤاده؛ وليس مِن باب المصادفة ؛ وأقصدُ :
[ أَمْرُ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ ]
قَالَ : ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ الطَّائِفِ رَاجِعًا إلَىٰ مَكَّةَ ، حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ ، حَتَّىٰ إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي ، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَهُمْ - فِيمَا ذَكِرَ ابن اسحاق - سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ فَاسْتَمَعُوا لَهُ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إلَىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَىٰ مَا سَمِعُوا . فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- :{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } إلَىٰ قَوْلِهِ -تَعَالَى- :{ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }[(15)]، وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- :{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ } [(16)] إلَىٰ آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ .[(17)]..
ومسألة الجن حتىٰ لا نذهب بعيداً غيب لم يطلع عليه إلا أنبياء ورسل خالق الإنسان والجن؛ وهي مسألة لا يبحث فيها بقدراتنا العقلية المحدودة ويكفينا ما ينبهنا إليه القرآن الكريم والذكر الحكيم علىٰ لسان : { سُلَيْمَانَ } فــ {قَالَ .. وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب} [(18)]
-***-
أعود لمسألة البحث ؛
أقصد طلب النُّصرة مِن أهل القوة ورجال المنعة ؛ فبالإضافة إلى ما ذكره ابن اسحاق
- بعد مضي سنوات من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة وملاقاته منهم العنت والصدود ، وصبره علىٰ مواقفهم السلبية وأذاهم له، صبراً لا تتحمله الجبال الراسيات، أراد - صلى الله عليه وسلم - نقل الدعوة إلىٰ القبائل خارج مكة لعله يجد بينهم آذاناً صاغية وقلوباً واعية ، فيؤمن به بعض وجهاء القبائل ، فينشر هدايته ، ويضمن ملاذاً لأتباعه من المستضعفين والمساكين ، لذلك ركَّز الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته علىٰ القبائل ورؤسائها [(19)].
- وفي العام [6 ق . هـ ~ 615 م]؛ عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه علىٰ القبائل مِن العرب أن يحموه ويناصروه علىٰ ما جاء به من الحق] ولأنه صلى الله عليه وسلم أخفىٰ رسالته(!) ثلاث سنين، ثم أعلن بها في الرابعة علىٰ ما تقدم، ودعا إلىٰ الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم -أي بمنىٰ والموقف- يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة، ويسأل عن منازلهم ويأتي إليهم في أسواق المواسم، وهي:
*.] - عكاظ، و
*.] - مجنة، و
*.] - ذو المجاز، فقد كانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوّال،
ثم تجيء إلىٰ سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما،
ثم تجيء سوق ذي المجاز فتقيم به إلىٰ أيام الحج يدعوهم إلىٰ أن يمنعوه حتىٰ يبلغ رسالات ربه.
فعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه علىٰ الناس في الموقف ويقول: « ألا رجل يعرض عليّ قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ».. و
عن بعضهم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلىٰ المدينة يطوف علىٰ الناس في منازلهم -أي بمنىٰ- يقول: « يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا »، ووراءه رجل يقول:" يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم"، فسألت مَن هذا الرجل؟ فقيل أبو لهب يعني عمه.
وفي رواية عن أبي طارق -رضي الله تعالى عنه- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسوق ذي المجاز يعرض نفسه علىٰ قبائل العرب يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وخلفه رجل له غديرتان» أي ذؤابتان «يرجمه بالحجارة حتىٰ أدمي كعبه يقول:" يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب"، فسألت عنه، فقيل إنه غلام عبدالمطلب، فقلت ومَن الرجل الذي يرجمه؟ فقيل هو عمه عبدالعزى يعني أبا لهب» [(20)].
وفي السيرة الهشامية عن بعضهم قال: إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف في منازل القبائل من العرب فيقول : « „ يا بني فلان إني رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا به وتصدقوني، وتمنعوني حتىٰ أبين عن الله عز وجل ما بعثني به ‟ » ، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله قال ذلك الرجل: "يا بني فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلىٰ أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلىٰ ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه"، فقلت لأبي: مَن هذا الرجل الذي يتبعه يرد عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب[(21)] .
- يقول د. السرجاني[(22)] :" اتخذ الرسول الكريم طريقة جديدة للحوار مع القبائل الزائرة لمكة، فأصبح يدعوهم إلىٰ نصرته واستضافته في قبائلهم،
وبسؤال عام مفتوح نبدء البحث: فــ
*.] ماذا فعل رسول الله؟ ؛ و
*.] ماذا عن رد القبائل؟[(22)]
أما د. الصلابي[(23)] وتحت عنوان عريض :" طواف النبي -صلى الله عليه وسلم- علىٰ القبائل طلباً للنُّصرة "
فكتب يقول :" بعد رجوعه -صلى الله عليه وسلم- مِن الطَّائف بدأ يعرض نفسه علىٰ القبائل في المواسم:
*.] يشرح لهم الإسلام، و
*.] يطلب منهم الإيواء، و
*.] النُّصرة،
قلتُ(الرمادي): وغاية ذلك :
*.] حتَّىٰ يبلِّغ كلام الله - عزَّ وجلَّ - ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرَّك في:
*.] المواسم التِّجارية، و
*.] مواسم الحجِّ.. الَّتي تجتمع فيها القبائل وَفْق خطَّةٍ سياسيَّةٍ دعويَّةٍ واضحة المعالم، ومحدَّدة الأهداف، وكان يصاحبه أبو بكر الصِّدِّيق؛ الرَّجل الَّذي تخصَّص في معرفة أنساب العرب، وتاريخها، وكانا يقصدان «غُرَر النَّاس، ووجوه القبائل، وكان أبو بكر رضي الله عنه، يسأل وجوه القبائل، ويقول لهم:
*.] كيف العدد فيكم؟ و
*.] كيف المنعة فيكم؟ و
*.] كيف الحرب فيكم؟ ..
وذلك قبل أن يتحدَّث رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعرض دعوته»...
.. ألتقطُ طرف الخيط مما كتبه د. السرجاني إذ يقول :" دعوة القبائل.. الإجراءات والمنهج:
بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -بناءً علىٰ ما سبق- في تغيير طريقته في الدعوة تغييرًا خطيرًا؛ فهو لن يكتفي الآن بدعوة الناس إلىٰ الإسلام فقط كما كان يفعل من قبل؛ بل سيدعوهم كذلك إلىٰ النُّصرة ضدَّ قريش، وبشكل صريح!
ولنراجع الروايتين اللتين تتعلَّقان بهذه المرحلة، وقد جاءت الروايتان عن طريق جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-، وهو -كما هو معروف- من أهل يثرب الذين لم يظهروا في الصورة إلا مؤخرًا؛ وذلك عندما أسلم سويد بن الصامت وإياس بن معاذ -رضي الله عنهما-؛ ولعلَّ جابرًا -رضي الله عنه- قد شاهد هذين الموقفين بنفسه، أو أن أحد أهل يثرب قد حكاهما له -شك من السرجاني-، وقد حدَّد موعدهما في العام الحادي عشر من البعثة لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يطلب من أحدٍ النصرة قبل هذا العام لــ:
- وجود أبي طالب معه؛ ثم إنه
- لن يطلبها في الفترة المتبقية في العهد المكي لأنه سيجد نصرةً من أهل يثرب -أو المدينة- في هذا العام، كما سنتبيَّن في هذا الفصل بإذن الله؛ ومن ثَمَّ لن يكون هناك حاجة لطلبها من غيرهم، ثم إن الرواية الثانية فيها تحديد صريح حيث ذكر جابر -رضي الله عنه- ما يدلُّ على حدوث الموقف الأخير في العام الحادي عشر كما سيأتي.
يقول جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ[(24)][أي الموسم؛ وفي رواية النسائي وابن ماجه: «يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ». والمقصود موسم الحج، فقد كانوا يحجون في الجاهلية] فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي»[(25)]
ويقول كذلك: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَىٰ النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ فَيَقُولُ: «هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَىٰ قَوْمِهِ فَإِنَّ قريشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي -عز وجل-؟» فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: «مِمَّنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ. قَالَ: «فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. ثمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثمَّ آتِيكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ. قَالَ: «نَعَمْ». فَانْطَلَقَ وَجَاءَ وَفْدُ الأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ[(26)]
لقد أتىٰ وفد الأنصار -كما تقول الرواية- بعد انطلاق الرجل الهمداني، وكان هذا في شهر رجب، ومن المعروف أن أول قدومٍ لوفد الأنصار كان في العام الحادي عشر من البعثة؛ ولذلك تمَّ تحديد توقيت بداية هذه السياسة(!) النبوية الجديدة في دعوة الناس.
يذهب د. السرجاني إلىٰ : إن هذا الذي يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعدُّ في الواقع بمنزلة إعلان الحرب علىٰ مكة، فقد تقبل قبيلة قوية بالإسلام، وبالنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تصطدم هذه القبيلة بعد ذلك مع أهل مكة المكذبين له، فتكون حربًا خطيرة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم خطورة هذا الأمر؛ ومن ثَمَّ فإنه أراد أن يتكلم مع القبائل والأفراد دون أن تعلم قريش بهذا الحديث، وهذا أمر صعب؛ لأن قريشًا كانت تَتَتَبَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء قدوم الحجيج والمعتمرين، وتُكَذِّبه في كل موطن، وكان الذي يقوم بهذا الأمر في معظم الأحيان عمُّه أبو لهب، ومن هنا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرَّر أن يُغَيِّر نسبيًّا من طريقته في الدعوة مع القبائل الغريبة عن مكة.
لقد كان من عادته صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أن يتحدَّث حديثًا عامًّا مع الناس جميعًا، فيتحدَّث في أمر الإسلام وسط الأسواق أو نحوها، ويسمعه الناس من كل القبائل؛ أما الآن فهو يُريد أن يتحدَّث بشكل خاصٍّ مع كل فرد أو قبيلة، ولا يتوجَّه بحديثه إلىٰ قبائل متعدِّدة في آنٍ واحد؛ حتىٰ لا يخرج أمره إلىٰ أهل مكة قدر المستطاع؛ خاصة أنه سيطلب النُّصرة، وقد تكون هناك مفاوضات سياسية أو عسكرية لا يستطيع البوح ببنودها أمام الناس جميعًا، وهذا دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلىٰ سرية الحديث مع الناس في هذه المرحلة.
وقد تطلَّب هذا الأمر أن يقوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعض الإجراءات التي تضمن تأمين مثل هذه اللقاءات، وتوفير أفضل فرص النجاح لها؛ وكان من هذه الأمور ما يلي:
أولًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلىٰ هذه القبائل ليلًا[(27)] فــ عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى. وقَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا... قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّىٰ إذَا مَضَىٰ ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّىٰ اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ. وقال أبو حاتم: فلما كان الموسم جعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل يدعوهم إلىٰ الله، فاجتمع عنده بالليل اثنا عشر نقيبًا مِن الأنصار. ومرور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في طرق مكة بعد أن نامت قريش في قصة إسلام أبي ذر رضي الله عنه.
.. وهذا كله.. حتىٰ لا يلفت أنظار القرشيين، أو أحيانًا يأتيهم في وقت الظهيرة، وهو وقت شديد الحرارة، وتقلُّ فيه حركة الأقدام في مكة.
ثانيًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي القبائل في منازلهم..[(28)] فــ عَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّىٰ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟».
يأتيهم في منازلهم.. بعيدًا عن الكعبة، فإنه لكثرة القبائل كانت كل قبيلة تقيم مخيَّمًا خارج مكة ليتسع البلد الحرام لكل الزائرين، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينتظر أن يدخلوا إلى البيت الحرام ثمَّ يدعوهم؛ بل كان يذهب إليهم خارج مكة بعيدًا عن أعين المراقبين.
ثالثًا: وهذه نقطة مهمَّة للغاية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصطحب معه :
[أ.] أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وأحيانًا :
[ب.] علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ وذلك لإشعار القوم أنه ليس وحيدًا في مكة من ناحية، ومن ناحية أخرى أهمَّ وهي أن أبا بكر الصديق كان يعرف أنساب القبائل، فكان يستطيع أن يُمَيِّز بين القبيلة القوية الشريفة والقبيلة الضعيفة القليلة، وهذا أمر في غاية الأهمية، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سوف يطلب منهم النُّصرة، فإن ادَّعَوا القوة وهم ليسوا بأقوياء بَنَى رسول الله صلى الله عليه وسلم حساباته علىٰ معلومات غير موثَّقة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم سؤالًا مباشرًا عن عددهم وقوَّتهم، وأبو بكر يُؤَكِّد إجابتهم أو ينفيها، فإن وَجَد منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوةً عَرَضَ عليهم الإسلام وطلب منهم النُّصرة، وإن وجد فيهم ضعفًا، عرض عليهم الإسلام ولم يطلب منهم النُّصرة، فهو يُريد أن يصل بدعوته إلىٰ كل إنسان؛ لكنه في الوقت نفسه يُقَدِّر الموقف السياسي العصيب الذي يمرُّ به، ويحسب لكل موقف حسابه المناسب.
وهكذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جولاته من جديد، في نشاط وخِفَّة وحميَّة، وكأنَّ الأمور علىٰ خير ما يرام، وكأنه لم تكن هناك أحزان تلو أحزان، وكم نرىٰ من المسلمين مَنْ يعتذر عن العمل الصحيح الموافق لما أمر الله به وقام به رسوله لأن «ظروفه(!)» صعبة، وأحواله متعسرة! لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف شيئًا عن هذا الاعتذار؛ بل يعمل بكل نشاط مهما كانت الظروف.
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نشاطه تقريبًا في شهر رجب من العام الحادي عشر من البعثة أو قبل ذلك بقليل، وقد أخذنا [الحديث مازال لــ د. السرجاني] ذلك التوقيت من إحدى روايتي جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وقد ذكر فيها أن وفد الأنصار -أي الخزرج- جاء في رجب، وكان هذا بعد أن تواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض القبائل، ثم كانت خاتمة اللقاءات مع قبيلة الخزرج كما سنشرح بعد قليل، وكانت القبائل العربية تتوافد علىٰ زيارة البيت الحرام طوال العام؛ ولكن يكثر قدومهم للعمرة في شهر رجب؛ لكونه من الأشهر الحرم، وهذا يُوَفِّر لهم أمانًا في السفر حيث تُعَظِّمه معظم القبائل، وتُحَرِّم فيه القتال، كما كانوا يتوافدون بكثافة كذلك في موسم الحج في ذي القعدة وذي الحجة.
لقد تكلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الإسلام والنُّصرة في هذا الموسم مع عدد كبير من القبائل، فلم يكل ولم يمل صلى الله عليه وسلم، ولقد رفضوه جميعًا إلا أفرادًا قلائل من قبيلة واحدة! ومع ذلك فقد غيَّر هؤلاء الأفراد من مسار الأحداث، لا أقول [د. السرجاني] في الجزيرة العربية وحدها؛ بل في العالم أجمع! وكان هؤلاء الأفراد من قبيلة الخزرج اليثربية! فكان الإيمان الذي مهَّد لقيام الدولة الإسلامية.
والواقع أنه ليست بين أيدينا تفصيلات كثيرة عن معظم هذه اللقاءات المهمَّة، ومع ذلك فما توافر لدينا من روايات يعطينا فوائد لا حصر لها، وسنقف وقفة مع كل قبيلة دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نختم الحديث بشرح موقفه صلى الله عليه وسلم مع الخزرج في البحوث التالية بإذن الله[(29)].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ ٨ ] الْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ : مِنْ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ... أحداثُ «بعثة النبي - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ - [عَهْدِ النُّبُوَّةِ]؛ الدعوة في مَكةَ» : سَعْيُ الرَّسُولِ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ؛ الْبَابُ الْأَوَّلُ : تَّمْهِيدٌ للْمُجَلَّدُ الثَّامِنُ وَمَدْخَلٌ لَه!
[بحوث الْعَهْدُ الْمَكِّيِّ] قَرَاءَها وَرَاجَعَها ثمَّ جَمَعَهَا فَكَتَبَهَا:
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِـ مِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَىٰ - غَفَرَ اللَّهُ - سبحانه وتعالىٰ - لِوَالِدَيْهِ وَلَهُ وَمُعَلِمِيهِ وَمَشَايخِهِ وكلِ مَن له فضلٌ عليه وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
حُرِّرَ في يوم الثلاثاء: 6 مِن جمادىٰ الثانيةٰ (الشهر السادس) السنة ١٤٤٢ مِن هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ومتمم المبتعثين ~ الموافق ١٩ مِن شهر يناير (الشهر الأول) العام ٢٠٢١ مِن الميلاد العجيب للسيد : « المسيح عيسى؛ الرسول ابن مريم » العذراء الزهراء البتول - عليهما السلام - والذي بشر بمبعث النبي والرسول : « „ أحمد ‟ » .

أعلى الصفحة
فهرس

كتاب & مراسلون

أوسترو عرب نيوز

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا