السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

 

 

 نبيل جديد

ولد في اللاذقية العام 1952
وحسب طبيعة عمل والده تنقل في معظم مدن وبلدات سوريا؛ عاش معهم واختلط بهم وأخذ منهم، ثم أكمل هو بعمله جولته الحياتية في بعض ماتبقى من مدن.
رافقه عشق «المجلات المصورة» منذ نعومة أظفاره، فكانت له تجربة مبكرة مع الرسم، ثم لامس الشعر، وكان للتصوير الفوتوغرافي حيزاً في حياته أوصله لاحترافه، لكنه في النهاية استقر على القصة القصيرة.
لفت انتباه الوسط الثقافي في سبعينيات القرن الماضي كرائد من رواد «القصة القصيرة جدا».
صدرت له المجموعات القصصية المطبوعة التالية: (الرقص فوق الأسطح، 1977)/ الأولاد، 1982/ القوزلي، 1985) كما له مجموعة جاهزة للطبع بعنوان (الخوف).
أسس خلال العام 2014 منتدى البناء الثقافي، كفاعلية ثقافية أثبتت كفاءتها في جذب جمهور واسع في دمشق. واستمرت في تقديم نشاطات سينمائية وإبداعية وأمسيات أدبية ومعارض تشكيلية وندوات ثقافية، واستمر المنتدى لعام تقريباً ليتحول بعد ذلك بسبب الهجرة إلى صفحة افتراضية، أملاً في انطلاقة واقعية جديدة.
اتخذ في السنوات المنصرمة مساراً سياسياً، فكان عضواً مؤسساً لـ "تيار بناء الدولة السورية" وهو تيار ينادي بالتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وبإطلاق الحريات العامة والفردية وبناء سوريا حديثة علمانية تعددية انتقالية.
ويتولى الآن موقع نائب رئيس البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون.
ـــــــــــــ

1/ بطيخة

ـ (عالمكسر) يا بطيخ...
اخترق نداؤه النافذة مع رفعنا لآخر طبق من الغداء، فاسترخت زوجتي نصف مستلقية على الأريكة وقالت:
ـ والله يستحق الوقت بطيخة حمراء وباردة.
مددت رأسي عبر قضبان النافذة أستوقف البائع، فنهرتني:
ـ اذهب إليه يا رجل وإلا خدعك...
رأيته يتلمس كومة البطيخ فوق العربة الخشبية، ويجادل زبونا حول السعر، ثم يأمر بغله بالهدوء.
ـ يجب أن تساومه على السعر و النوعية..
كان البغل الذي تغطيه الصفائح المزركشة بعناية من رأسه حتى ذيله يتعرض لمضايقات كلب شارد.
ـ أتريد الشراء من النافذة؟!.. والله أنا متأكدة أن جميع الباعة في الحي يعرفونك جيدا، وهم يهللون لرؤيتك: جاء الرزق... جاء الأهبل.
صدمتني كلمتها الأخيرة، بينما كنت أقارن البغل بخيول كسرى الحربية، فالتفت إليها بفظاظة، وددت أجيب: لا بد أن أهلك أول من قالها عندما جئت أخطبك، لكنها تداركت ملامحي الصارمة بابتسامة باردة دون حراك، فاعتبرت ابتسامتها اعتذارا مبطنا، وحسما لجدال حار في وقت الظهيرة القائظ خرجت من الباب المطل على الزقاق مباشرة.
كان الخلاف قد تطور بين البائع الذي يصر أن البطيخة حمراء والزبون الذي يعتبرها بيضاء، فملأت أصواتهما الزقاق المهجور حتى من الظلال، باقترابي أهملني الشخصان، وارتفعت حدّة الجدال والعناد كأن كلا منهما استقوى بي.. وزاد الضجيج عندما بدأ الكلب ينبح البغل ويدور حوله، رفع البائع سبابته في وجه الآخر مهددا: ضع النقود وخذ بطيختك... ثم ثناها مشيرا إلى سطح العربة الخشبي، بينما امتدت يده الثانية لتسحب سكين المكسر عن العربة، ويخفيها خلف ظهره بحركة مسرحية تهديديه... ضحك الزبون بفظاظة وكشف عن كعب المسدس عند وركه و قال محركا أصابعه كأنه يكش ذبابة: (روح استرزق روح)؛ في هذه اللحظة كان البغل قد وجه رفسة إلى بطن الكلب، فطوى ذيله بين ساقيه وابتعد ينوح تاركا خلفه الزقاق، أما العربة فقد هزّت وترنحت فسقطت بطيخة الزبون على الأرض متشظية وبدا لبّها الأبيض المزهر.. علّق الزبون (قال حمراء قال) ثم رحل.
لويت عنقي صوب باب المنزل منسحبا لاعنا البطيخ والسكاكين والسيوف و(الشنتيانات) والنساء: تنعم بالظل وترسلني إلى الأخطار: أقلها ضربة شمس وبعضها ضربة سكين...
فاجأني صوت البائع وكأنه يراني للمرة الأولى...
ـ أهلا أستاذ... أأمر.
تظاهرت بإبعادي لبقايا البطيخ بعيدا عن منتصف الزقاق، وقلت دون النظر إليه:
ـ بطيخة على ذوقك.
تكرم... عجبك هذا الفلم، يأتينا كل زبون وفي يقينه أننا نمتلك معمل بطيخ، نصنع ونغش، هل أنا بقلبها يا أستاذ، هذه خلقة الله، وهذا حظه، سبحان موزع الحظوظ.
هززت رأسي تعبيرا عن التضامن، بينما راح يطبطب على واحدة انتقاها وضغطها بالقرب من أذنه، ثم وزنها ...
- شو ما عرفتني أستاذ ؟! أنا أبو شاكر !! بياع المازوت .
فخطرت لي زوجتي و دمدمتها على المازوت الذي يطقطق طيلة الشتاء في المدفأة منذرا
بانفجار قادم ، وتذكرت رؤيتي للبغل سابقا ...
- أين السكين ؟!..
جفلت ، و أصريت على الاكتفاء بحظي مغلقا ،وبالغ أبو شاكر بإكرامي عبر شقها طوليا ،
موجها إلي الفتحة ضاغطا على الجانبين ليتيح لي الرؤية .
كنت أتعمد ألا أثير غضبه ، و انفد ببطيختي دون مشاكل :
- ممتازة
مددت يدي أتناولها ، و الأخرى انقده حقه ؛ بينما أخذ المبلغ ، و احتفظ بالبطيخة لينظر إليها :
- لا..لا.. ليست جيدة سأبدلها
- يا أبا شاكر ، إنها جيدة .. يقولون أن البطيخ الزهر حلو المذاق .
أقسم وهو يرفع خنجره أمام أنفه :
- والله لن أعطيك إلا واحدة حمراء لو فتحت الكوم كله ..
قلت في نفسي : حظي وأعرفه .. ألم تعترف بتقسيم الحظوظ ؟ .. في الوظيفة بطيختي صفراء ، و مع زوجتي زهرية ، و مع أصدقائي لا لون لها ، سبحان الله .. لن تراني مع بطيخة حمراء أبدا ..
و شهر سيفه على واحدة أخرى
- يا أبا شاكر ، أنا أريدها هكذا تماما ...
لاحظت تردده و ارتباكه ، فظننته اقتنع معي ، لكن سرعان ما تسللت الدهشة إلى عينيه
المتسائلتين ثم قرر :
- لن أحاسبك إلا عما تأخذ ..
و لم يكتف بشق البطيخة الثانية بل أخرج منها مستطيلا ، و كانت زهرية ، فوضعها جانبا
يبحث عن ثالثة ... ألمحت له : لن ترى واحدة حمراء .
علا صوته ممطوطا : كأنك تقول بضاعتي فاسدة .
نفيت كلامه : بعضهم حظه في فمه و بعضهم في أماكن أخرى ، ثم يا أخي أنا أحب
الزهر .. أريدها زهرية
- ( شو أستاذ ؟.. نحنا مو مسخرة )
أدركت المطب الذي علقت به فسارعت للخلاص
- كما تريد .. تصرف على راحتك ، أنت تعرف الحر الشديد وال..
ورفع (شنتيانته) يهز رأسه :
- ( شو هالعالم ) ؟!
- أعطني واحدة سليمة ، لن آكلها فورا ، سأتركها في البراد ...
كأن جملتي الأخيرة كانت بمثابة حبل الخلاص ، فأقلع عن الكسر وقذف لي بطيخة لا على
التعيين بينما تشاغل بلملمة بضاعته ، ناولته النقود ثانية ، وضع الثمن في جيبه ، ثم راح
ينادي : عالمكسر يا بطيخ .
عندما دخلت المنزل ، رميت البطيخة في صفيحة القمامة ، درءا لحوار طويل قادم .. و في الغرفة كانت زوجتي تجلس تحت النافذة مع نفس الابتسامة الباردة ، فسارعت أتصفح كتابا و دمدمت : البطيخ سيئ .
ـــــــــــــ

2/ ورقة كرمة قرميدية

هل أنت بخير؟؟
سألته وليفته، ويقينها ينحدر بها نحو الأسوأ، بكفها المرتجفة اقتربت تتحسس جبهته؛ لم تكن الملامسة لتثير مشاعر اللحظة الراهنة، بل أقصى ما تفعله: إحياء ذكريات ليالي الصبا العنيفة؛ ولم يكن التحام الجسدين المهدودين ليتم إلا ليتكئ كلاهما على كليهما، وينهضان متابعين زحف الأقدام عبر أجواء المنزل الذي يبدو فسيحا ككل الأمكنة، ويبدو الزمن بطيئا يتقافز بين لحظات الإغفاء، ومن لحظة إغفاء إلى أخرى حياة قصيرة، يقضي بها أحدهما حاجة، ويعرف الآخر وقت الشاي، أو اللقمة الخفيفة، فيقوم أيهما أسبق إلى تحضير ذلك، حتى فتح النوافذ، أو إرخاء الستائر حسب موقع بقعة الشمس المتحركة على أرضيات الغرف، أو مسح الغبار ومشوار التسوق اليومي؛ كلها أعمال مقسومة بحكم العادة بينهما، لكن كثيرا ما يتم تجاوز ذلك الروتين، فينفذ الثاني أجزاء من مهام الآخر، مرسلا رسالة صامتة تبعث الرضا في النفسين الكليلتين اللتين افتقرتا للغة حتى اختفت الحاجة إلى تعابير اجتماعية: كصباح الخير أو كيف الصحة، وتم استبدال ذلك بابتسامة ذابلة مع نحنحة خفيفة أو سعال متقطع؛ وقد يتم قطع الصمت أحيانا بتعبير: كيف ظهرك اليوم؟ أو تنتهك حرمة الصباح مع فتح النوافذ بقولة: الطقس جميل ورائع... مع إن الخارج قد يكون مشمسا، غائما، بل ربما ماطرا، فيقفان معا إلى فتحة الضوء يرقبان تشكلات الغيوم وتحولاتها، خيوط الماء المتساقطة، أو السماء الزرقاء المرحة.
كما النوم تتحول اليقظة إلى بركة من الماضي: ذكريات اللقاء والزواج والولادة والتربية وأخطاء الأطفال المحببة، وضحكات الشباب في اجتماعات العائلة، وأعراس الأولاد المتشابهة ثم لحظات هجراتهم المتتالية، والأحفاد البعيدين الذين لم تتبلور ملامحهم إلا كنسخ لآبائهم.. يجري كل هذا دون كلام، فقد تحدثا بذات المواضيع مرارا، إلا إن الصمت لا يخفي الحالة، فكثيرا ما تلتقي العيون لتعكس حزنا أو كآبة أو فرحا، يعرف من خلالها الآخر موقع خليله على شريط الزمن، فيشاركه المشاعر والذكريات التي من الممكن أن تتسع للصداقات القديمة، التي لم تعد ذات مغزى، فمن لم يمت بات عاجزا عن اللقاء.
هل أنت بخير؟؟
سألته عندما طالت به قيلولته أكثر من المعتاد، اصطنعت ضجة بإسقاط الكأس المعدني مصدرا رنينا ودحرجة ضاجة، لإعادة الوليف إلى برنامجه اليومي، ثم أحبت أن تذكره بموعد الدواء، بينما في قرارتها أدركت عبث محاولاتها، فتمددت جواره، مسحت جبهته، لسعتها برودة الوجه، لدغها غبار يعلو القسمات؛ جانبته، حضنته...
ـــــــــــــــ

3/ الأحفاد
إهداء: إلى أوسكار وايلد صاحب "الأمير السعيد"
لم ينتهي الأبطال بشكل مأساوي؟، وكيف يطرح ذاك الجسد الصغير فوق كومة من التراب؟، ولماذا يموت أي مخلوق عشقا؟!...
تزاحمت الأسئلة كالأشباح في الرأس الصغيرة. أجهدته الأحداث الكبرى في حكاية الجدة عن الأمير السعيد السنونو الصنديد، حتى لم يعد قادرا إيقاف تدفقها، فنشر جناحيه، وانطلق باحثا عن إلهية مع أصدقائه، الذين تحولوا إلى غم إضافي، بإحساسه الدائم واللجوج للاختلاط بهم، ومجاراتهم الطيران استعدادا للرحلة المقبلة، والتحليق بحثا عن الغذاء، كأحد الهموم التي ألقاها أبواه على كاهله، فهل يمزق حشرة تتهادى؟ أو يراعه تناور؟ بل ربما بعوضة ذهبية تتمرى على سطح الماء؟!! يا لها من رأس مسكينة، تلك المسكونة بكل هذه الصور؛ يا له من جسد بائس، ذاك الملقي تحت هذه الأثقال... السرب أم الجد الصنديد؟! الطعام أم التاريخ؟! الرحلة أم الحب؟!!.
يقرر حاجته الماسة إلى ترتيب الأفكار، ووضع الأولويات: موسم الهجرة قادم، والسرب يستعد: رياضة وغذاء، تدريب مستمر وطيران مشترك، عزف جماعي بآلات منفردة. وإذا كان سيخوض تلك المغامرة الطارئة فعليه ألاّ ينساق خلف غرائزه، وألاّ يترك للمصادفة مجالا، بل سيلتزم مخطّطا زمنيا يفضي به إلى جسد قوي، يتحمل البرد كأقسى عدوّ محتمل، ونظر ثاقب لمساعدة الأمير في البحث عن الأهوال، في أسوأ الأحوال، ثم عليه بعد ذلك الاحتفاظ بزمن احتياطي للحاق بالسرب، وإضفاء السعادة على خاتمة البطولة.
مع بداية الرّحلة يقلع برشاقة، منفصلا عن السّرب، ينخفض إلى مستوى سنابل القمح، يتغلغل بين السّوق المصفرّة، يلتهم عجولا جرادة، يتسلّق الهواء بشكل حاد، يمسح الفضاء الرحب بعينيه الحادّتين، ينعطف صوب الطريق الإسفلتي، يحلق موازيا إياه، مدركا أن المدن ستتقاطر كحبات سبحة. يرقص قلبه على أنغام الفرح المتوقّع، ملوّنا لحظة اللقاء بالأمير السعيد ـ أو أحد أحفاده ـ بشتى الظلال... لم يشعر بالوحدة ولا الملل، بل كان تتالي بعض الواحات، والتقاط البعوض، يلهبه حماسا، ويزيده تصميما... وعند خط الأفق ظهرت المدينة، فحث جناحيه، وقلبه ينقبض كتلميذ يلج امتحانا... ثم رأى التمثال في مدخل المدينة، لكن: سرعان ما أسقطه من حساباته، فبالرّغم من كونه ضخما، ويعتلي منصة، إلا انه يواجه القادمين، فاتحا ذراعيه، مرحبا بمن أضناهم السفر، مشيحا وجهه عن المساكن خلفه، والتي تترامى وتتراص، ثم تعود للان فلاش من جديد، حول خيط السبحة، الذي يتحضر جنوبا لا يلوي على شيء، فيسايره السنونو، صعودا وهبوطا، بينما بدأت الظلال تستلقي على الأرض مستريحة هاربة من الشمس.
تتساقط التماثيل وخلفها المدن، ويدهشه التشابه الكبير بين الوجوه، بالرغم من اختلاف الوقفة والحجم والوظيفة، فمن حامل كتاب، إلى رافع شعلة، أو ممسك بفأس، من أعزل إلى قابض بندقية... أمّا الملامح فلا تتغيّر، والابتسامة تتطابق، وتتقاسم استقبال الضيوف، حتى تلك التي تتوسط ساحة المدينة، ترتفع فبالتها، على مرمى حجر، الأبنية الفخمة تقلص الأفق.
مع تسرب اليأس يلوح الأمل على هضبة صغيرة، تعلوها منصّة، وفوقها يشمخ الأمير السعيد، ناهضا كالعنقاء، يمدّ يديه، يربّت على كتف المدينة، يدعوها للنوم بسلام، تجذبه الابتسامة العذبة التي تضفي عليها أشعة الشمس الغاربة: غموضا، يتزايد بسطوع الأنوار المسلّطة من كل اتجاه. إنه المطلوب،... فيحط على الكتف الواسعة، وينطرح مستسلما للكرى، وأحلام اللهو مع السرب، خفق الأجنحة، اصطفاق الهواء، الزقزقة، التحويم والتـدويم.. الرشاقة، وخفّة الحركة....
يتدفق المساء عبر الفضاء، ويتوقع السنونو دمعة على جسده المنهك، ويطول انتظاره، فيقرر المبادرة، يقلع ويحوم حول التمثال، يراقب المرج عند قدميه، يرتفع إلى مستوى الرأس، تشدّه الابتسامة، وموقف الترحيب، الراحة التي تدعو للهدوء، وتبعث الطمأنينة، التقطيبة الخفيفة بين الحاجبين، تعطي العينين نظرة تركيز وعمق.
يهمس العصفور: أيها الأمير السعيد.. أيها الصديق القديم، ألا تذكرني؟! ألم تسمع قصة أجدادنا؟.. أتحتاجني بشيء يعوّض ثباتك وارتباطك بهذه القاعدة الصخريّة؟!..
يقترب من العينين، ويرقب امتداد النظر، حيث ترتمي النوافذ المضاءة منثورة كالذهب، تلفت انتباهه امرأة تقف إلى قدر وتحركه، يجاورها أطفال يتعلقون إزارها..
- أليست خدعة قديمة؟!.. هل تحرك ذكرى في الأعماق؟.. ألا ترى؟.. علّك تبرّعت بعينيك؟!.. سأقوم بجولة، ثم أعو لأحكي لك، حسن.. هل أنت موافق؟.. أوه، هل فقدت لسانك أيضا؟.. كيف أيها الحميم سنتفاهم؟!.. هاأنت تسلّمني لليأس ثانية....
تتساقط قطرات ماء، يستأنف التفاؤل، لكن سرعان ما يعود الأسى، عندما يكتشف سياّرة ضخمة، ترش التمثال بالماء لتنظفه من بقايا الغبار، وتسقي المروج والأزهار المحيطة بالمنطقة. يراوغ شلال الماء، ويتلاشى جسده في العتمة، مقررا ملامسة الأحياء والأزقة والبيوت.
يرى: الحصى في القدر، المساومات في الغرف المقفلة، الجنود في الأزقة، العسس يمسكون بالكاتب ذو الشعر البني الأشعث، الصناديق الضخمة تنقل بلا صيحات "هيلا هوب "، بائعة الكبريت والسجائر يضربها أبوها، شقيقين يتذابحان، لصوصا يسرقون، عاهرات يتمددن... ويرى: الصمت.
يقفل راجعا، والقلق يربض في عينيه، يلاقي التمثال الهادئ العملاق بابتسامته الواسعة، واليدين الممدودتين بحنان، يحط على الكتف الواسعة، يهمس: (كم هو جميل وكم هو بارد)؛ يفيض بالزقزقة، ويسرد القصص عمّا يحدث، ثم يحكي للتمثال أسطورة الأمير السعيد، التي تداولتها أجيال السنونو عبر سهراتها الشتائية.. ينتظر: همسة استجابة، يصغي باهتمام علّه يسمع صوت تصدّع عجيب في الصدر الواسع؛.. ومع أن الجو لازال دافئا... فقد كان يشعر بالبرودة تهزّه بعنف.
يعجن العصفور يأس وأسى.
يزعق بكل قوّته: أيها الأمير المسكين، تفقد حتى قلبك بصمت.
تستيقظ الشمس على صوت تصدّع القلب الصغير، فتطلّ بكسل على الجسد المشلوح بين قدمي... الصنم.
ـــــــــ
4/ حياة مواطن
حياة مواطن ـ ق ق ج
مقدمة تاريخية استهلالية لابد منها:
في بداية السبعينات (من القرن العشرين)، نشرت لي جريدة (الثورة) السورية قصة قصيرة جدا، لم يتجاوز عدد كلماتها الدزينة، فاضطرب الجو الثقافي ـ حينها ـ بين محبذ ورافض لهذا الشكل الجديد... وبعيد منتصف التسعينات (من نفس القرن)، أفلتت ـ من غير قصد ـ القصة التالية. عندما كتبتها بشكلها الأولي، لاحظت بعض الترهل والشحوم الزائدة هنا وهناك على جسدها، ولما كنت بطبعي لا أحب البدانة ولا البدينات ـ تماشيا مع موضة العصر ـ قررت إخضاع القصة (للرجيم) القاسي ـ من لغة عارضات الأزياء ـ، والقصة تعج بهن، فتم حذفهن، وترك موضوع تخيلهن للقارئ؛ ثم جاء دور التجار الكبار والصغار ـ ومشاركتهم في الحكايات حتمية عادة ـ لكن الإيجاز، أجبرني على (إنزال الوزن والخوصرة) ـ لاحظوا لغة البيع والشراء ـ أما عقدة القصة ـ ولامتلاء حياتنا بالعقد ـ لم أشأ إضافتها، وبالنسبة للحوار: ففي الواقع نحن مشبعون ثرثرة، فلم التكرار؟!، وبما أن معظم الكتابات تبتعد عن ذكر العسكر إلا في معارك التحرير ـ وقصتي لا تتناول حربا ـ فقد انصعت للعادة، وحذفت بعض الجنرالات والجنود المبثوثين هنا وهناك.
تعرفون جميعا أن الطرف الأهم والأساسي في أي عمل أدبي، هو المتلقي ـ تحديدا خيال القارئ الفعال ـ وما القصة إلا تحريض هذا الخيال، ودفعه باتجاه الحلم... فإلى قصة "الرجيم"، "الخوصرة"، "البدون أبطال".
ــــــــــ
5/ الكف المقلوبة
اختلاط الأشياء بشكل سوريالي، لم يترك كل الأمور كما كانت، فتطاول فنادق النجوم المتعددة، لم يقض على بعض البيوت الطينية، هاهو مطعم يضئ المنطقة، تليه في زاويته البعيدة، خيمة بدوي يخوض روث الغنم طاردا ـ بصياحه ـ قطيعه، بعيدا عن الطريق العريض الذي تمرق فيه سيارة فارهة، مخلفة زوبعة غبار، تخنق بغلا يجر عربة مليئة بالخضار، فينفض رأسه عاليا، محتجا، ورافضا، بينما تطايرت نتف طين لزج من بركة آسنة عند مدخل زقاق ضيق تناثر حوله باعة رصيف، يفترشون وبضائعهم الأرض، ورائحة النتن تمور لتلتصق على وجه أحدهم تعبيرا عن القرف، فيدفع خطاه للوصول إلى سوبر ماركت قريبة .
تلك المدينة التي تقف في حلق الصحراء، لم تغير: غبارها، ولا عجاجها، ولا شمسها؛ تغيرت بعض الوجوه، ازدادت: نفورا، كآبة، تقززا، ابتساما... كل تلك الملامح التي تخطر للذهن.. وتغير ليلها الذي اتصل بالنهار دون انقطاع، فضاعت الاتجاهات بوقوف الشمس في كبد السماء، فالغرب ليس محددا، والشرق يكتنفه الغموض، وهكذا يفلت الزمن من الأصابع كالرمال الساقطة: تتوقف، لاهي تصل الأرض، ولا الشمس تحدد سمتها.
حتى البداية صارت قاتمة، هل هو خبر صحفي؟. أم إشاعة نمت كروث تدفعه أمامها خنفساء؟‍‍‍!... أو لعلها حقيقة تناقض العلم؟، بل ربما سحر يختبئ في صدر الشرق؟!: علاج يكمن في حليب التيس... ببساطة، قامت القيامة... أقدام ريفية، تلتها الأحذية اللامعة.... زيارات فردية، طاولتها رحلات نقل جماعية خصصت للمدينة المنفية، استوجبت فنادق متعددة الدرجات، سبقتها مطاعم شعبية وممتازة، بينما يوزع حليب التيس مجانا للمرضى والعجزة، للفقراء والمساكين، التجار والصناعيين... وباتت الشوارع مكتظة، والأخبار والتحليلات والمقابلات والدراسات والمناقشات لا تنقطع عن التيس المعجزة..
أمّ المدينة الآلاف لزيارة سريعة، أو تلقي العلاج، أو إقامة مستديمة، التحق كثير منهم في شبكة من الأعمال: باعة، موظفون، كتاب، صحفيون، عمال، مرضى... وعاطلون؛ فتثاءبت المدينة مرخية جسدها على أطراف الصحراء حيث ذابت بيوت الصفيح والطين والغبار ..
وما لبث العامة أن ضجوا: الترياق غير شاف في أغلب الحالات، وبعضهم أكد عدم شفاء ولو حالة واحدة، ومعظمهم استنكر الأسعار الباهظة للحليب في السوق السوداء، وبدا أن الأمور ستفلت من عقالها، ولكن مساعد التيس الأول ـ والذي تطورت تسميته عبر مراحل التاريخ المجيد من: مالك التيس، إلى صاحبه، فمساعده الأول ـ بادر إلى اتهام الموزعين بخلط الترياق مع حليب أغنام عادي، وهذا واضح من الكميات الكبيرة التي تمنح للمجتمعين حول الحوش، أو التي تعلّب وتصدّر، مما يعجز عنه “حضرته”، الذي يقدم كوبا واحدا يوميا فيه شفاء لمطرد الحالات، والبرهان غير المدحوض: العاقر التي أخصبت، والمشلول الذي مشى، وأخيرا المئات من المتطوعين للعمل في الحوش أو لحسابه وذلك عرفانا منهم وامتنانا لشفائهم.... وبدا جليا أن المساعد لم يذكر شيئا عن الأسعار، مما أعطى قوة للتفسير في مرحلة تالية: المحترم طرده.... إذ أنه اختفى بعد إلقائه كامل اللوم على الحاشية المحيطة بالتيس، الذي وجد أن هذا اللقب بدلالته يحط من شأنه وقيمته، لذا سعى إلى تسمية نفسه بـ (حضرته) ثم فيما بعد نودي بـ (المحترم)، إذ كان يخصص جل وقته لابتداع طرق تثبت وجوده باستمرار، وتؤكد تميزه، واستقلاليته وتعمق من إمكانيته في السحر الذي كان يسميه: “العلم المطلق“. وكم كان يتوق لتحويل أتباعه إلى مخلوقات تشبهه تماما، لكنه ـ في اللحظة الأخيرة ـ عدل عن ذلك لتذكره العناد وروح الانطلاق والمثابرة عند جنس التيوس، لذا أطلق تعويذته بحيث تحول الجميع إلى أغنام وكباش جميلة بيضاء تتباهى بقرونها الملتوية،... وهكذا نال التغيير كل شيء إلا تعبير (الحوش) فبقي على حاله حفاظا على الأصالة والجذور، بالرغم من أن واقع الحوش تغير كثيرا بما قام به المتطوعون من زخرفة وتزيين وإضافات لبعض الغرف في الأطراف، وفي مرحلة تالية تم تبليط الأرضية، منعا للرائحة التي كانت تنبعث منها، أما السقف فقد أقيم لأسباب أمنية؟!.. وهكذا ظلت كلمة الحوش مجرد تعبير لا يعكس واقعا، وبقيت الأزقة طافحة ببائعي السجائر واللبان والكبريت، الألبسة الفلكلورية والمهربة، الأدوات الكهربائية والعطور، بينما امتلأت واجهات المحلات التجارية بصناعات عالمية غلفت محليا: شفرات، دبابيس، ورق، تلفزيونات، فيديو، بلاستيك وزجاج، مع أشرطة تسجيل مسموعة ومرئية تتكلم عن أمجاد وبطولات ومنجزات المحترم.... ثم توج كل ما سبق شركة التيس للإعلانات فأضحى كل شيء: جميلا ومغذيا، مقويا ومطيلا للعمر، ضروريا ولا يمكن مقاومته... حتى الإشاعات لم يعد بالإمكان مقاومتها، فلقد أكدت إحدى الصحف العربية إشاعة ظهور تيس آخر في بلد مجاور، وتنافست صحف أخرى على السبق عن إعلان تيس جديد في بلد ثالث... فاشتعلت المقارنات والمفاضلات وإبراز المزايا،... لذا أصر المحترم، لتأكيد أسبقيته، على التعجيل بمعجزته:... وبينما الشمس في كبد السماء، والرمال الساقطة على مسافة طعنة خنجر من الأرض، حدثت المعجزة الكبرى غير المتوقعة، لقد تغلب المحترم على نيوتن وأسقط نظريته، بلا محركات نفاثة أو صاروخية أو مغناطيسية، فحبات الرمل المتساقطة، بدأت، ببطء شديد، تتراجع نحو الأعلى متجهة باطمئنان لتستقر في الكف المقلوبة .
دمشق
13/8/1995
ــــــــــــــــــــــــــــ
6/ اغتيال خائن

ـ هل تعرفون لماذا سمي الحمار حمارا؟!
سألنا "سيخ التنظيف" هامسا، وهو يناور خلف صخرة، ويرمي الخنزير البري حجرا، بينما نساعده من اتجاهات أخرى، لدفع الخنزير إلى حقل الألغام؛ وهذه عادة نمارسها في الليالي المقمرة، بانتظار ليلة مظلمة من الشهر، لنعبر الحقل في الممر الأكثر تخريبا؛ إذ كثيرا ما يهمل الإسرائيليون إصلاح انفجار لغم أو آخر نتيجة عبور حيوان بري ـ فهذا حادث عارض ـ... وعندما طرح "سيخ التنظيف" سؤاله، ابتسمت ساخرا، لتوقعي حكاية طويلة وطريفة، سيسردها صباح الغد مع الإفطار، إجابة على السؤال؛ فهي عادته: يبدأ بالمقدمة كل ليلة، ومع إطلالة الشمس العدوانية، يعرض القصة، ويختمها مساء.
سأستطرد قليلا، لإيضاح بعض المفاهيم: لماذا "سيخ التنظيف"؟ فهو ليس اسما حقيقيا ولا حركيا، بل لقب أطلقه أحمد على نفسه، عندما لم يجد موضوع سخرية، ففسر: طوله ونحوله.. كما أطلق تسمية "شوربة" على عزيز منذ الدورة التدريبية، عندما طالب عزيز بتحسين الطعام، ووقف ليبرر طلبه، فارتبك، وخاف غضب مدير الدورة، إذا تساءل عن اللحوم وكميتها القليلة، فجميع الحضور يعرفون مصير اللحم والشحم والزفر... لذا لمعت في ذهنه الفكرة الشيطانية ـ بعد تورطه بالوقوف ــ:
ـ نريد تحسينا لمستوى الحساء..
وذهبت مثلا.. أما حضرتي، الماثل بين يديكم، فقد أسماني "البلوّ"، معبرا عن ولعي بالطعام، وكل ما في الأمر هو انصرافي بجميع غرائزي للاستمتاع باللقمة، وشعاري دوما: عند حضور الطعام يبطل الكلام.. ويعلق أحمد ـ عفوا ــ "سيخ التنظيف": "البلوّ "يعادي الصحن الفارغ كمعاداته الصهاينة، وكثيرا ما يضيف: "بلوّ من الحجم العائلي"، موسعا المسافة بين كفيه إلى أقصاها..
ثم، لماذا أكدت عدوانية الشمس؟ وتركيز الحكايات نهارا... السبب هو: تواجدنا في المرحلة التحضيرية لعملية داخل الأرض المحتلة، نتخذ قاعدة انطلاق قريبة من الحدود؛ وفي الجنوب اللبناني، من الاتجاه الشرقي، تكثر الجبال والمغاور الطبيعية، فنسكن إحداها، ونعدم حركتنا نهارا إمعانا في التمويه، فلا يتبقى أمامنا سوى: المرعى وقلّة الصنعة، مع بعض الحكايات والمزاح والنوم، وقد اعتدنا ذلك مرغمين، لأننا في الجهة المقابلة، ضمن الأرض المحتلة، نلجأ إلى كهف آخر ـ ولكنّ والحقّ يقال: كهف ذو إطلالة جميلة ــ لذا أطلقنا على أنفسنا تسمية "أهل الكهف". أمّا "سيخ التنظيف" فقد أكّد عدم استحقاقنا هذه التسمية، بانفعال شديد، وبلهجة ريف نابلس رقق القاف حتى صارت كافا: أقول (أكول) علنا، بأننا لا نستحق ّ (نستحكّ) أكثر من "سكان المغاور". مصرّا على المعنى البدائي، بالرّغم من ثقافته التي تساوي الصفر، وبالرغم من عدم تعصّبه للمواقف الدّينية؛ فلقد فاجأنا مرّة بإحضار خروف إلى الكهف، وادّعى اصطياده، ولما رأى دهشتنا قال ضاحكا: حسن، رأيته آخر القطيع، منفردا، متثاقلا، فإما تعتبرونه صيدا، أو أسير حرب....
نعود للحمار، ورواية سيخ التّنظيف التي بدأها على ذمة الرّاعي ـ صديقنا الذي أضاع خروفا ـ إن الحمار يسمّى هكذا، لأنّه يتباهى ويتأنّق بنهيقه ـ أبشع ما لديه، وأنكر الأصوات ـ خاصّة عندما يرى أتانا تتحرك أمامه أو في الحقل المجاور، يعلن غرائزه بصوت ولا أعلى... أمّا الأتان فتبقى صامته، مؤدّبة، وديعة...تابع حديثه عن الحمار والجحش والفارق بينهما، بينما أخذت الفكرة تهزني.. لقد كانت مهمتنا تفرض علينا اصطحاب حمار لدفعه أمامنا أثناء عبور حقل الألغام،.. فكيف سنأمن للحمار بعد هذا؟؟.. ومن يردعه عن التصويت في أحرج اللحظات؟؟.. ياءالهي، ستكون فضيحة قاتلة هذه المرّة.. ولما طرحت مخاوفي عليهم، صاح "سيخ التنظيف":
ـ والله.. للمرّة الأولى أقتنع بأنّ للمعادن عقلا.
وهكذا استبدلنا مرافقنا بمرافقة، حصلنا على أتان فتيّة، أتممنا معها الرحلة إلى الطرف الآخر، حيث الكهف ذو الإطلالة الجميلة، دون متاعب أو نهيق...
مع تلاشي العتمة، لحظت، وللمرّة الأولى في حياتي، قلقا يكتسح أعصاب "سيخ التنظيف"؛ عزوت الأمر للخوف الذي يباشرنا مع مطلع كل مهمّة، لكنه لم يهدأ، ولم يتكلم؛ يزحف خارجا من المغر، ويعود دهشا، حاولت امتصاص رعبه الواضح: اجلس، وحدّثنا... مالك؟!
قال: الأتان؟!
ابتسمت متخابثا: وما تريد منها؟
صرخ جادّا: أيّها الأحمق، أدخلتها إلى الكهف، وربطتها جيّدا، ها قد أفلتت. قلت: دعها، فلتذهب لا أظنك خائفا من لقياها حمارا إسرائيليا، فتطبّع العلاقات معه.
ـ يا بلوّ أفندي.. أكّد لي الراعي، أن الأتان تستطيع العودة من حيث جاءت، وتسلك لهذا نفس الدرب، وهي تعرف مخبأنا، فان وقعت بأيدي الجنود الصّهاينة ستجدهم كالجراد... وبدأ حركته في الكهف الواطئ، كالمكوك، لا يهدأ ولا يمل.. خاصّة بعد أن أكّد "شوربة" رؤيته جنديا إسرائيليا، يقود الأتان إلى المعسكر القريب، سألته ساخرا:
ـ وكيف ميّزتها؟. فأجابني مد هوشا:
ـ ألا أعرف (حمارتنا)؟!
وهكذا تتعرّض مهمّتنا للخطر ثانية، قبل التنفيذ، وعند وصول اللقمة للفم، بسبب الحمير وسلالتهم، وكالبارود يهبّ "سيخ التنظيف"، ويعلن خطّته: اغتيال الأتان، وليست من طريقة سوى الذبح، من الوريد إلى الوريد. ثم شرع بتحضير مديته، ولم يعد يرى أيّة إمكانية أخرى: إما نحن أو.. هي..
مع الليل، انطلق "سيخ التنظيف" لتنفيذ المهمّة الطارئة، ثم لم يعد، فهل: نفّذ مهمّته؟!، أم أن الراعي كان كاذبا.

والأرض كوكب الحياة.. شيمته الماء
البيت العربي النمساوي .. (الماء أكسير الحياة)

فيينا ـ خاص
لفرط ما يردد الناس في أحاديثهم اليومية "الماء أكسير الحياة"، باتت العبارة مألوفة ومكررة، حتّى أنها فقدت كثيراً من بريقها ومدلولاتها، وباتت من العاديّات التي تمر مروراً عابراً، كـ عبارة في إعلان، أو كـ شعار مستهلك.
ولكن ماذا لو كانت العبارة عنواناً لمعرض تشكيلي جماعي، وماذا لو كان المعرض يقام في فيينا عاصمة الفن والثقافة والجمال؟ّ، وثيمة الأعمال الفنية المشاركة فيه هي الماء؛ إذ بادر البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون إلى إقامة المعرض بمشاركة فنية واسعة وعشرات الأعمال لفنانيين من دول أوربية وأفريقية وآسيوية عدّة، من النمسا؛ صاحبة الحصة الأوفر مشاركة (11)، إلى جانب فنانين من العالم العربي مقيمين أو مهاجرين، لبنان (1)، العراق (2 )، سوريا (2)، السودان(1)، وفلسطين (1)، إضافة إلى جورجيا (1).
مثل المشاركون في المعرض مختلف المدارس والتيارات الفنية؛ ومختلف اللغات، وقد جمعهم البيت العربي للثقافة والفنون في فضاء واحد، فكانت اللوحة تحكي لغتها الخاصة التي يفهمها المتلقي دون ترجمة، ليشترك الفن التشكيلي هنا مع الموسيقى كلغة موحدة للعالم.
المعرض ضمّ محترفين تخرجوا من أكاديميات ومعاهد الفنون، وهواة درسوا مجالات أخرى كالآداب والهندسة والعلوم الإنسانية، لكنهم أخذوا الرسم والنحت هواية، فأعطووها جل الإهتمام والإنشغال والشغف، فبادلتهم اللوحة الشغف بالشغف؛ الشغف ربما ذاته الذي يلمسه المرء على وجوه الفنانين المشاركين كما في لوحاتهم، في أجواء إحتفائية تبادل فيها المشاركون كما جمهور الإفتتاح( 23 أكتوبر) مشاعر الامتنان للحضور الإنساني والفني، ضمن رؤية واحدة؛ أننا نعيش على كوكب واحد ووحيد حي شيمته الماء، إلى جانب أشكال حياة أخرى حاضرة بقوتها وحيّزها التوازني من الكائنات الحية الأخرى المتناغمة والمتعايشة مع الطبيعة.

في المعرض الذي شهد افتتاحُه منذ أيام حضوراً كبيراً من النمساويين، ومن مختلف الجاليات المقيمة، وحضرت الموسيقى، و كذلك الرقص الإيمائي عبر لوحة راقصة تحتفي بالماء بعنوان "رقصة الماء"، مستوحاة من الأعمال الفنية المشاركة، وأدتها ببراعة وجمالية راقصة نمساوية بمرافقة عازف سوري.
في اللوحات المشاركة تتشعب التناولات كلٌ حسب الذائقة والرؤى والهاجس، لكن توحدها الماء، فتجد مختلف الكائنات من نباتات وحيوانات وبشر؛ في حضور طاغٍ للأزرق على تدرجاته اللونية، وتجد أيضاً أشكال حيوات متعددة من الحياة البدائية، حيث الصيد والرعي، مروراً بالآلات وبدايات الصناعات وصولاً إلى العمارات الشاهقة والتخطيط العمراني، وأشكال الحياة المعاصرة كالجسورالتي شيّدت على الأنهار.
اللافت في المعرض الذي شارك فيه نحوعشرين فنانة وفناناً هو هذا التمازج بين الثقافات، حيث تجد مشتركات بين الأعمال الفنية المشاركة، إذ لم يكن من الضرورة أن يعكس الفنان بيئته في هكذا مناسبة، بقدرما يذهب إلى موضوعة الماء كونه صانع للحياة، ومن هنا تأتي التمايزات بين الأعمال المشاركة المتأتية من رؤى الفنان ذاته وطريقة التناول لجهة فضاء اللوحة اللوني والدلالي، أو حتى الكادر الذي يحضر هنا من خلال الصورة المُلتقطة من كاميرا أرادت عين الفنان/الفنانة أن توثق لحظات تدفق الماء واشباكه مع عناصر الطبيعة الأخرى.
بالنظر إلى الخلفية المهنية واالأكاديمية للمشاركين ستجد البعض منهم قادماً من الإختصاصات الهندسية، وهذا أمر لافت للنظر، ليس من قبيل أن الهندسة علم وفن بقدر ما للهندسة من حضور علمي يعتمد على الدقة المتناهية في التصاميم، سواء للآلات أو العمارات، والنظر إلى الفراغ والمساحة والحيّز والملليمترية للآلات ـ كبر حجمها أو صغر ـ في التوظيف العملي، وهنا سألت الفنان المهندس فالتر ميكس الذي قدم الإفتتاح معرّفاً بالمشاركين، عن التعالق والإشتباك بين الفن التشكيلي حيث فضاء اللوحة المفتوح وبين الهندسة لجهة الدقّة، فقال: إن الأمر صعباً جداً لجهة الفصل بين الإختصاصين، ذلك أنه عندما يرسم تفرض الهندسة نفسها، وقد استغرق ذلك منه وقتاً ليس بالقصير، وهو المنهدس الذي يعمل في إختصاصه منذ 30 عاماً، لكنه حاول أن يجد آلية عمل فنيّة تأقلمية، وقد ضحك ميكس ليؤكد إنه ينحاز للهندسة أكثر، ربما أيضاً أراد أن يقول إنني أعتني باللوحة وأتعامل معها هندسياً؛ الأمر الذي يلجأ إليها الكثير من الفنانيين وخاصة لجهة الفراغ والتناسب وإشغال مساحات فضاء اللوحة لونياً وكُتَلياً.
بدوره الفنان إبراهيم برغود رئيس اللجنة التشكيلية في البيت العربي النمساوي توقف عند تنوع الأساليب والتقنيات لأغلب الأعمال المشاركة في المعرض، الذي كان برأيه جيداً لجهة حجم المشاركة الكبير، ولفت برغود إلى أن بعض الأعمال لم تنضج أفكار أصحابها بعد، وجاءت مشاركتهم فرصة لهم للتواصل مع فنانين أكثر خبرة في الفن وبالتالي الإستفادة من الإطلاع وإغناء التجربة، متمنياً النجاح لجميع المشاركين.
البيت العربي النمساوي ومن باب رد الجميل للفنانين المشاركين وتحية منه لمنجزهم الفني يبادر إلى تكريم المشاركين في حفل الإختتام (28 السابعة مساء)عبر شهادات تكريم صادرة عن البيت؛ تكريم يخص المناسبة بحد ذاتها من باب العرفان.
بدروها "مياه فيينا"؛ المؤسسة العريقية أرادت أيضاً رد التحية للمشاركين الذين خصصوا أعمالاً خاصة بالماء: فقدمت الصالة للعرض في الحي الخامس عشر من العاصمة، وهي الصالة ـ بطابقيها ـ التي تأخذ سمة تاريخية، وقد درجت العادة أن تستضيف فعاليات فنية وثقافية على درجة كبيرة من القيمة والسمعة في المشهد الثقافي للمدينة التي تزخر بآوابد ثقافية ومتاحف تاريخية ومبانٍ ضاربة العمق في التاريخ.
الفنانون المشاركون:
العراق: (علي الجبوري، أميرة جعفر)، السودان (آمال محمود)، سوريا،(إبراهيم برغوت، إياد حسن)، لبنان (وفيقة معتوق)، فلسطين، (نزير الحصان)
Gnessia Medscheedowa، Evelyn Doll، Helmut Sagmeisrer ،Ingrid Halter
Kristina Wolf، Monika Stahl، Nada Nadj، Nikola Trefalt، Silvia Guenova,
(النمسا) Yulia Onipchenko، Walter Mikes
(جورجيا)Medea Ioseliani
الرقصة التوقيعية:
بمرافقة العازف: رامي عرمانUrsule Zemzemi

البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون
يفتح نوافذه لمشاريع أدبية نمساوية عربية

فيينا ـ خاص
أقام البيت العربي ـ النمساوي للثقافة والفنون أمسية شعرية لشعراء نمساويين ومهاجرين مساء الجمعة الفائتة في غاليري فضاء الفن بفيينا، بمشاركة شعراء نمساويين، قرأوا نصوصاً لهم بلغتهم الألمانية، وتناوب على قراءة النصوص ذاتها  أدباء وشعراء عرب.

القراءات الشعرية جاءت باللغتين الألمانية والعربية، وهي نصوص مختارة سبق أن نُشرت  بالعربية في كتاب "لؤلؤة الدانوب"، للمترجمة والشاعرة الأديبة السودانية النمساوية د.إشراقة مصطفى حامد

وقد ترجمت د.حامد المقيمة في فيينا عن الألمانية في "لؤلؤة الدانوب" نصوصاً لثلاثة عشر شاعرة وشاعراً من النمسا، وقد صدر الكتاب عن دار( كتّاب) في الإمارات عام 2016.

وتضمن برنامج الفعالية، التي قامت بالتقديم لها وإدارتها د.حامد، قراءات للشعراء المشاركين:

ـ إياد حسن/آنتون ماركو: ( هل تهدأ العاصفة؟، ربيكوني، بريشتينا)

ـ طلال مرتضى/هليغا نيوماير: (ألسنة هذا العالم) وهو نص من خمسة مقاطع قصيرة

ـ لوريس فرح/هيلموت نيدرلا: (صيف لاحق، الحنين، فيما مضى)

ـ نبيل جديد/كورت.ف. سفاتيك: ( حالة خاصة، حلم في ليلة صيفية، قلب الأرض)

ـ علي الحسن/ ساريتا جينماني: (ذاكرة المطر الأول، اللغة الغريبة، وطن)

وقبيل الأمسية اعتذر الشاعر آفتاب حسين عن الحضور لعارض صحي، فقرأت عدداً من نصوص له الشاعرة جينماني، وبالعربية السورية لوريس فرح.

الأمسية، التي قدم في افتتاحها الكاتب إياد حسن سكرتير عام البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون لمحة  تعريفية موجزة عن البيت، شهدت حضوراً لافتاً من عدد من الشعراء والكتاب والفنانين العرب المقيمين في النمسا، وكذلك حضوراً لافتاً من عدد من المثقفين النمساويين الذين أشادوا بالفعالية، وشكروا البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون الذي يرأسه الكاتب الإعلامي والفنان التشكيلي محمد عزام، وشكروا لجنة البيت الأدبية على المبادرة في جمع كتاب نمساويين مع كتاب عرب على منصة شعر واحدة، حيث تعرف الجمهور العربي في النمسا على نتاجات ونماذج من الشعر النمساوي، معتبرين ذلك فاتحة تعاون لتجدد اللقاءات والمشاريع الثقافية في المستقبل القريب، وقد جددوا الشكر لـ د. حامد على ترجمتها النصوص الشعرية إلى العربية، ما أتاح للجمهور العربي التعرف إلى مناخات وأجواء النصوص، الأمر الذي يسهم في تقريب وتلاقح الثقافات.

  في مستهل الأمسية قدم مدير صالة/غاليري فضاء الفن في فيينا السيد هوبيرت تورنهوفر كلمة ترحيبية بالحضور، متمنياً استمرار هكذا فعاليات يمتزج بها الشعر مع الفن التشكيلي،حيث شهدت الصالة تزامناً مع الأمسية معرضاً للفنان التشكيلي د.آلبيرت هوفمان يستمر لغاية العشرين من الجاري، وقد أعقبت الأمسية نقاشات بين الحضور الذين تبادلوا أطراف الحديث وعبارات التعارف، والإنطباعات عن الأمسية أجواء وأداء.

     تصوير : باسم اكسيهلي

إنطباعات..وآراء

 أبدى د. هيلموت نيدرلا رئيس رابطة القلم العالمي النمساوي (تأسست 1921) التي تضم عضويتها الأدباء والشعراء والكتاب النمساوين إعجابه بالأمسية، ووصفها بأنها كانت "رائعة"، و" وفي القمة"، فيما عبّرت الشاعرة النمساوية الهندية ساريتا جينماني عن سعادتها بالمشاركة، وقالت بعد إنتهاء فعاليات الأمسية: "ياله من مساء جميل"!.

من جهتها أبدت الشاعرة النمساوية هيلغا نيوماير رغبتها بالتعرف والإطلاع على نتاجات الشعراء العرب الذين قرأوا النصوص بالعربية، ما يعزز فكرة مشروع (التاندم) الذي بادرت إلى طرحه د. حامد ممثلة الأدب العربي في القلم النمساوي بحيث يعمل الشعراء العرب والنمساويين الذين شاركوا في الأمسية على تبادل النصوص والإشتغال عليها صياغة ومناخات كل حسب ذائقته الشعرية وقاموسه اللغوي وخياره المفرداتي إنسجاماً مع كيمياء النص، وذلك بعد أن تقوم د. حامد؛ منسقة المشروع بترجمة أولية للنصوص من وإلى اللغتين الألمانية والعربية.

د. حامد رئيسة اللجنة الأدبية، وصاحبة فكرة الأمسية والمنسّقة لها، أدرات الفعالية بأداء مميز باللغتين، وعرّفت خلال تقديمها وإدارتها للقاء الشعري بالشعراء المشاركين، وتوجهت بالشكر للشعراء والكتاب العرب المشاركين:" شكراً لكم وقد جعلتموني أشعر بقيمة ما ترجمته من أدب نمساوي"، وعقّبت د. حامد بالقول: "حقاً إنها المرة الأولى التي أشعر بقيمة وطعم ما قمت به من خلال طريقتكم وإحساسكم باللغة"، موكدة أن هذه الأمسية كانت ناجحة بإمتياز، وفتحت الباب لمشاريع مشتركة كثيرة قادمة لترسيخ صورة إيجابية مغايرة، معتبرة أن النجاح ما كان ليكون لولا أن اللجنة الأدبية في البيت العربي النمساوي كانت يداً واحدة بها صفقّنا وبذات اليد اشتغلنا بهمة عالية، وأبدت د. حامد تفاؤلها بأن القادم من مشاريع ثقافية سيكون له الأثر الإيجابي في خلق مبادرات وفرص في المشهد الثقافي، وخاصة لجهة التعاون بين الكتاب النمساوين والعرب.

الكاتب نبيل جديد نائب رئيس البيت يرى أن هذه التجربة مميزة؛ حيث تم  جني حضور ناضج ومذهل، مشيراً إلى أن التجربة  علمتنا الكثير وخاصة خوض المغامرة؛ فأن تغامر بصبر الحضور عليك لتقول نفس القصيدة بلغتين، فهذا يعني أن الجمهور الذواق يفهم أن الشعر أكثر من كونه رصفاً لكلمات، وأن المستمع يعي أن المشاعر والأحاسيس هي لغة عالمية؛ وهذا ماجعل العبء على الذين ألقوا القصائد الألمانية باللغة العربية أكثر ثقلاً، لافتاً إلى أن كون إلقاء مقتطفات شعرية ليست لك (حتى لو كانت لشاعر عربي) فأنت بذك تخوض غمار تجربة (ترجمة) أحاسيسه وانفعالاته؛ فكيف اذا كانت القصيدة مترجمة بالأساس من لغة أخرى؛ أنت هنا تقع في مطب (ترجمة الترجمة) وهي مهمة صعبة؛ لكن قراءات الشعراء النمساويين في لنصوصهم، وكذلك القراءات العربية كانت على مستوى الحدث.

ويتساءل جديد عمّا بعد  هذه التجربة: هل نستطيع تعميم ذلك على بقية الابداعات الثقافية؛ معتقداً ن هذا شبه مستحيل، معقبّاً بالقول: لكننا كما تلمسنا طريقنا إلى هذه التجربة واهتدينا إليها فأنا كلي ثقة أننا سنجد حلولاً أخرى مختلفة لبقية الفنون والإبداعات، بحيث لا نقع في مطب التكرار والنمطية، مختتماً رأيه بالتأكيد على أنها تجربة مثيرة تطرح سؤالاً مهماً علينا الإجابة عليه بغية الحفاظ على هذا الجمهور؛ هو: ماذا بعد؟!

النصوص..فضاءات ومناخات

بالعودة إلى النصوص المشاركة التي جاءت بمرافقة عازف العود ياسر الشيخ، وتزامناً مع إقامة معرض للفنان التشكيلي فإننا نجد اختلاف العوالم وتنوع الفضاءات كما إلتقائها وتقاطعاتها، فالشاعر آفتاب حسين المتحدّر من أصول باكستانية (لوريس فرح) يذهب إلى الطفولة، إلى صورة الأب التي تتشكل في الوعي حيث المحبة والحنان والشعور بالعجز في وصف علاقة الإبن بالأب، "كلما رغبت أن أكتب عنك أصاب قلمي اليباس"، ويذهب أيضاً إلى الشتاءات وما تعنيه من ذاكرة، وخاصة لجهة المقارنة بشتاءات البلاد الباردة، بينما يذهب النمساوي الألباني ماركو آنتون (إياد حسن) إلى رغوة الموج، والعواصف حيث البرد والجمر، ويتغزل بـ (بريشتا) عاصمة بلاده التي يعشقها ويبحث عنها، (سنعود لنكون معا حتى لو في الصلوات، بالأمس، واليوم وللأبد)، وتتساءل النمساوية نيوماير (طلال مرتضى)، ( مما حكيت قصة العشب؟)، وتلفت إلى  عدد من الألسن في هذا العالم؛ (ألسن آرامية، أمهرية، فارسية ،عربية، إنسانية الألسن.. أثرها يتبخر في الليل.. في الصحراء.. في البحر.. في التل..  من سيحكي حكايتهم)، وهي ألسن تلمع على (الحديد البارد على السور)، والأغاني والشك والقلوب المفعمة بالأمل، وماذا عن الإحتضان والمزاج والملاذ الآمن!

هيلموت نيدرلا (لوريس فرح) يعود أيضاً إلى الماضي لكن على طريقته (فيما مضى ..حين لم نكن نعرف من الصائدُ ومن الطريدة)، وماذا الشيخوخة عندما تكون (حصاد يعيد الدروب المتعرجة في متاهة الكينونة، التي تقود إلى اليأس) ، و(الشيخوخة ليست للجبناء.. وليست لليافعين الذين لا يشتكون من انهيار العادات.. ويتحدثون عن ذكريات الزمن الجميل؛ حيث كان الرجال رجالا والنساء نساء)

ويطلق سفاتيك (نبيل جديد) زفرات الحزن مرة، ومرة زفرات الأمل، وخاصة لدى وأثناء القراءة، لهذا يكون النداء (تنفّس..تنفّس)، ويعبر سفاتيك عن شعور الغربة في البيت، الحديقة، (أنت غريب مع الأشجار والستائرالكثيفة المسدلة ...رغم الكتب التي تواسيك وفواح الشاي الطازج)، ليصل إلى القول:  الغربة تكون حيث لا يكون الحب.

الشاعرة جينماني (علي الحسن) القادمة من الهند تذهب إلى هذه التيمة ذاتها؛ إلى الغربة، لكن بمذاقات أخرى؛ غربة اللغة والروائح التي تذكّر بالوطن؛ الوطن الحاضر الغائب:

(وطني تخلى عني

هل صار أخرس

أم لم يكن لديه ما يقوله حين عبر البحر الهائج بالقارب المطاطي

عندما استبدلت الحياة بصفعة

أتحدث عنه

عن كل الماضي

وأشتم رائحة العزلة

في غرفة آمنة بلا نافذة)

سلوى صالح
صحفية سورية من مواليد دمشق 1956
عملت في الصحافة الإخبارية منذ عام 1980، وتعمل حاليا في الصحافة الثقافية الميدانية؛ حيث أجرت حوارات مطولة مع عشرات الشخصيات الأدبية والفنية والثقافية في سورية بالإضافة إلى المقالات والتحقيقات، وتكتب حاليا في عدد من المجلات والصحف والمواقع الالكترونية السورية. وهي عضو في اتحاد الصحفيين السوريين.
هذه زيارتها الثانية للنمسا حيث ألقت العام الماضي محاضرة حول "المرأة السورية المبدعة في زمن الحرب" في غاليري هنترلاند بفيينا وفي مهرجان دير ريغيونن بمدينة مارخترينك.

 

طلال مرتضى.. بقلمه:
سوري الروح.. دمشقي الهوى.. حلبي النشأة.. سمرتي حنطة الجزيرة.. طقس هوائي أوسطي المزاج (حمص وحماه).. ملوحة معشري ولين ملقاي زبد بحري أثير (اللاذقية وطرطوس).. رأسي صلدة مثل صوان جبل العرب (السويداء).. كذا جلدي المخضب بالقصب من شراشف حوران (درعا)..
جواز سفري صعب المراس أزرق النوايا موشى بنسر ذهبي تمقته مفارز الحدود..
رضعت عن أمي حليب عشق المدن النساء (دمشق وبيروت وايلياء "القدس"..
لهذا تطبعت على غير نية بطبع الذئاب التي شيمتها الغدر.. كان هذا عندما طعنت ظهر معشوقتي الأولى دمشق بنصل غواية أختها بيروت التي أوردتني مناهل لذتها وغبت في غياهب نهنهتها على رتم التأتأة..
البداية كانت مع ناعس الكلام، الذي لا أجرؤ أن أقول عنه شعراً، فكلمة شعر لا مدارك لها تحت نبض أصابعي الخرساء وقت وضعت طي الورق حبر روحي، "ربيع القوافي" 2009 عن دار القدس بدمشق؛ نصوص نثرية.
بداية 2017 وعلى حين هجرة وفراغ أثمرت الروح بعد قراءة لـ(52) منجز أدبي عربي من القص والروي والقرض، (قراءات تغوي الريح)، عن دار الرحاب الحديثة بيروت، لتكر بعدها سبحة الحكي على مصاريعها وقت نصبت لي (كمين) كمروية قابلة للسمو في نهاية 2017 وصدرت عن "بعل" بدمشق، وقعت في بيروت منتصف نيسان المنصرم.
فاتحة 2018 خرج (فأر الورق) إلى الضوء بعدما تفلتت مقولته من إثم كمين السالف، ليكون المنجز الأكثر لذة لي بعدما تخففت تماماً وزر من كتبت عنهم كـ"تجريبات نقدية" مغايرة، وقع منذ شهر في مدينة الضوء والفكر الفاصلة، فيينا.
لم يتبقى في معين الكلام سوى مخطوط بائس يتوسل عباءة السيرة كتجسيد لأزمة وطن ورحلة هجرة مرة، لم يزل يعفو في درج رأسي باحثاً عن قفلة مجدية قبل أن يركب درب المطبعة تحت سطوة اسم لا أدري أن كان سيبقى أو سيذوب مثلي، في التفاصيل (مقام الوطن العالي).
من باب الإدراك بأن الحبر السامي هو الرسول الذي جاء من دون وحي، لهذا توزعت حواسي في كل جهات الورق، فلم أزل أكتب في صحف الوطن المطعون على الرغم من حدتي عليهم، حتى أن أي أسبوع يعبر أوراق بيروت دون أن تمر لي مقالة هناك هو مستثنى من قائمتي, كذلك ورق العراق ولندن وسدني..
قبل وصولي هنا عملت لحول كاملة في مجلة لبنانية وكانت لبنة مهمة في امتهاني كار الصحافة من غير إجازة..
بعد الهجرة عملت مديرا لتحرير مجلة السفير الالكترونية والتي تصدر من باريس بترخيص المكتبة الوطنية الفرنسية بمعية البريفسور العربي وسفيرة المرأة العربية في الأمم المتحدة المدرسة في السوربون د. أميرة عبد العزيز المغاربية.
لتكون النقلة الأخيرة والحالية عبر "موقع شطرنج للإعلام" الذي وضعت حجر أساسه بالتشارك مع الإعلامية الأجمل حضورا د. عبير شرارة.
على الورق الممهور، طلال مرتضى هو ابن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق، وهو الصرح الثقافي الذي ولد تحت ظلال خيمته الأقلام التي غيرت وجه الأرض وعلمت الكون معنى كلمة إنسان.
ولدت عام 1973

الزملاء والأصدقاء

مع بداية عام جديد، نأمل فيه أن يشهد العام انطلاقة أكثر تميزاً للبيت العربي النمساوي للثقافة والفنون، ولهذا تناشدكم إدارة البيت أن يكون لكم الدور الأكبر والفاعل في مسيرة البيت.. فهو بيتنا جميعاً.. نحلم أن يكون ـ بحق ـ منارة ثقافية في بلد المغترب.. ولهذا ندعوكم لنلتقي معاً في السادسة من مساء يوم الخميس 15 فبراير 2018 في العنوان التالي:

Cafe Weinwurm
Stephansplatz 11
1010 Wien

(بجوار مخرج الأوبان المواجه لكنيسة شتيفانز دوم)

يرجى تاكيد الحضور إما بالإيميل أو بالهاتف

ــــــــــــ

كما نذكركم بأن تسارعوا بتسديد اشتراك البيت للعام 2018 على الحساب التالي:

Bank Verbindung: Arabisch-österreichisches Haus für Kunst und Kultur

Raiffeisenlandesbank Niederösterreich-Wien AG

IBAN -AT62 3200 0000 1198 6130 BIC RLNWATWW

قيمة الاشتراك: (30 يرو سنويا)

 

دعوة لأمسية أدبية للكتابة العراقية سعدية أمير

قراءة فقرات من كتاي "يوميات مهاجرة"
(أسباب الهجرة واختيار الوطن الثاني النمسا)

تمتين جسور

السيدات والسادة أعضاء وأصدقاء
البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون

تحية  طيبة
يسر اللجنة الأدبية للبيت، أن تدعوكم للقاء مفتوح، بهدف تمتين جسور التواصل بين أعضاء البيت وأصدقاءه، ولنتشاور معاً في سبل الارتقاء بنشاط البيت وفعالياته..

الموعد: الجمعة 18 سبتمبر، السادسة مساءً
المكان: مطعم الكارون
Karun, Schottenfeldgasse 17, 1070 Wien
بالقرب من محطة  Zieglergasse

مع تحيات

اللجنة الأدبية للبيت العربي النمساوي للثقافة والفنون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة: يتكلف من سيحضر بدفع ما سوف يطلب من مأكولات أو مشروبات من حسابه الخاص..

دون تحميل البيت أية أعباء.

السيرة الذاتية:
* مواليد 1/8/1960/ الشيخان/ قرية الشيخ حسن/ كوردستان العراق
* أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الموصل
* تخرج بقسم اللغة الروسية، كلية الآداب جامعة بغداد عام 1985
* بدأ بالنشر نهاية السبعينيات باللغة العربية بجريدة الحدباء الموصل
* من خلال دراسته في بغداد، واكب صحافة العاصمة ونشر نتاجاته الأدبية والصحفية باللغتين العربية والكوردية في صحافة ودوريات العاصمة ومنها (الأقلام، الطليعة الأدبية، بيان، هاوكاري، روشه نبيري نوى، الثقافة، العراق، باشكوى عيراق، ..إلخ)
*عمل مراسلا صحفيا من مدينة الموصل لصحيفة بزاف وهاوكاري ومجلة ره نكين منتصف الثمانينيات
* يعمل بمجال الشعر والترجمة والصحافة وأدب الرحلات
* يعيش بدولة النمسا منذ عام 1991
* عضو عامل في نقابة صحفيي كوردستان والنمسا
* عضو اتحاد أدباء كوردستان والنمسا
*عضو جمعية المترجمين العراقيين، المركز العام، بغداد
*عضو في الاتحاد العالمي للسينمائيين العرب
* شارك في الكثير من المهرجانات السينمائية ضمن الطاقم الصحفي للمهرجان، ومنها مهرجانات أفلام الجبال ومهرجان الفيلم النمساوي
* شارك ومن خلال مسيرته الثقافية في كثير من المهرجانات الشعرية في العراق والنمسا وكازاخستان والمغرب
* أقيمت له أمسيات شعرية وثقافية في العراق وكوردستان والعالم باللغات الكوردية والعربية والألمانية
* لقد كتب الكثير من الأدباء والنقاد حول تجربته الشعرية ومنهم زهير كاظم عبود، إبراهيم اليوسف، عبد الخالق سلطان،
د. خالد يونس خالد، فتح الله الحسيني، د. توفيق التونجي، د.هدية الايوبي، جلال زنكابادي، الناقد مسعود عكو، الشاعرة فدوى كيلاني، عبد الإله اليوسف، ئارام باله ته يي، قيس قرداغي، د.هوار بلو، الروائي والشاعر اسعد الجبوري، القاص والناقد حسب الله يحيى، الشاعرة سوزان سامي جميل، عبد الغني علي يحيى، د. مؤيد عبد الستار، حكيم نديم الداوودي،
الناقد جوتيار تمر، نجيب بالايي، الشاعر المغربي إبراهيم القهوايجي، عبدالوهاب طالباني وآخرون …
* نشر نتاجا كثيرا في الصحافة العراقية ومنها: الثقافة الأجنبية، الأديب، التآخي، الصوت الآخر، الاتحاد، الآداب العالمية، الجوبة السعودية، صدى المهجر الأمريكية، سردم العربي، رامان، السفير اللبنانية، الصباح الجديد، طريق الشعب، المؤتمر والمنارة.. ونشرت قصائده في أنطولوجيات عربية وألمانية.
* أقيم له مهرجان تكريمي في دهوك/ كوردستان العراق يوم 7/10/2010 والذي يعد أول مهرجان في تاريخ العراق يكرم فيه الشعب أحد أدبائه
* حاز على شهادات تقديرية في كثير من الدول على دوره في نشر الأدب الكوردي والنمساوي في العالم
* يجيد عدة لغات (الكوردية والعربية والألمانية والإنكليزية والروسية)
* ترجمت قصائده الى العربية والإنكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية
** صدر للشاعر:
* ومضات جبلية من الشعر الكوردي المعاصر عن وزارة الثقافة والإعلام في العراق عام 1989
* أغنية الباز ـ قصائد كوردية مترجمة ـ دهوك 2001
* رسول حمزاتوف وطالما تدور الأرض بمشاركة الأستاذ خيري هزار مزوري ـ دهوك 2001
* أنطولوجيا شعراء النمسا باللغة العربية، ترجمة عن الألمانية ـ دار الزمان السورية ـ دمشق 2008
* أنطولوجيا شعراء النمسا باللغة الكوردية ـ مؤسسة سبيريز للطبع والنشرـ دهوك ـ كوردستان العراق 2008
* وطن اسمه آفيفان ـ قصائد كوردية مترجمة ـ سندباد للنشر 2009
* آفيفان ـ قصائد للشاعر الكوردي عبد الرحمن مزوري ـ ترجمة ـ دار سردم للنشر في السليمانية/ كوردستان العراق 2009
* قصائد حب نمساوية باللغة العربية، ترجمة عن الألمانية ـ دار الزمان السورية ـ دمشق 2010
* دم الصنوبر، قصائد للشاعر بدرخان السندي، ترجمة عن منشورات اتحاد الأدباء الكورد ـ فرع دهوك/ كوردستان العراق 2010
* قصائد حب كوردية،ترجمة عن الكوردية،على هامش المهرجان التكريمي في دهوك، مطبعة خاني 2010 دهوك/ كوردستان العراق
* الوطن الأبيض (قصائد من النمسا) ترجمة عن الألمانية، باللغة الكوردية، دهوك ـ كوردستان العراق 2011 
* مواويل الشتاء.. أصوات شعرية من كوردستان ـ ترجمة عن الكوردية، باللغة العربية، دهوك ـ إصدارات جمعية الشعراء الشباب في دهوك 2011
* الشهد والثلج، ترجمة عن الكوردية، باللغة العربية، عن دار الثقافة والنشر الكوردية بغداد/ العراق 2013
* النسر وشعراء من وطن الثلج والنار، باللغة العربية، عن دار الشؤون الثقافية في بغداد/ العراق 2013
* وطن جديد (قصائد من النمسا) ترجمة عن الألمانية، باللغة العربية، دهوك ـ كوردستان العراق 2014
* بدل رفو صقر من كوردستان باللغة الألمانية بقلم الروائية انغيبورك ماريا اورتنر/ النمسا ـ مطبعة فايس هاوبت 2013
* له مجموعة كتب حاضرة للطبع

تذكروا الندوة

الزميلات والزملاء أعضاء البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون، أرجو الحرص على المشاركة في الحلقة النقاشية، التي يقيمها البيت (27 يونيو 2014)، وهي موجهة بالأساس لأعضاء البيت، وهو في مرحلة التأسيس:

........................

يقيم البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون بالتعاون مع رابطة اثقافة العربية

حلقة نقاشية، حول:

العمل الجماعي في الثقافة العربية ومقومات التنظيمات الناجحة

يدير الحلقة: د. محمد أبو نمر

ـ رؤية أولي: د. محمود رجال: العقلية العربية وعوائق العمل الجماعي لديها ـ (نصف ساعة)؛

ـ رؤية ثانية: د. منصور الجنادي: الإدارة في القرن الواحد والعشرون.. الجمعيات الغير هادفة للربح ـ نصف ساعة)؛

ـ مناقشة عامة  (ساعة)

.................

الدعوة: خاصة بأعضاء البيت، وبعض الشخصيات المهتمة بالعمل العام

...................

الموعد: الجمعة، 27 يونيو 2014

السابعة مساءً

المكان: مقر رابطة الثقافة العربية

Johannstrauße Gasse 34, 1040 Wien

السيدات والسادة الأخوات والإخوة أعضاء  لجنة الأدب بالبيت العربي النمسلوي للثقافة والفنون
بعد خالص التحية
أذكركم بموعد لقائنا القادم الساعة السادسة مساء يوم الأحد الموافق 18 مايو أيار بمطعم 
الديك الذهبي" Gallo DORO "
Operngasse 12, 1010 Wien
مع خالص إعزازي وتقديري
حسن بارود

الزملاء الأعزاء
 
أعضاء البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون
 
يسعدني دعوتكم للاجتماع الدوري للبيت
 
الجمعة 11 أبريل 2014 في تمام السابعة مساء
 
بمقر رابطة الثقافة العربية

Johan Straus gasse 34/4

1040 Wien

وذلك لتقييم المعرض التشكيلي الأول
 
متابعة الاستعدادات للمعرض الثاني (30 أبريل 2014)
 
متابعة خطط بقية اللجان
 
ارجو الحرص على الحضور
 
مع تحياتي
 
محمد عزام
 

 
حصاد أعمال 2014 - 2015 .. اضغط هنا >>

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا