السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

محمد الرمادى
فيينا / 201
7

 

امرأةٌ من خيال ٍ.. أنثى من وهم !

رفيقي.. رجلٌ من طرازٍ خاص.. إنسان -يظن- أنه يحمل جينات وموروثات نادر أن تجدها في إنسان آخر.. تركيبةٌ بشرية جَمعَ فيها مَحاسن الأخلاق من العالم أجمع وإيجابيات سلوكيات الشعوب والأمم والقبائل.. يفتخر أنه تربى في زمن ناصر العروبة -جمال- ويتغنى بهذا الزمن الجميل.. ويخجل من الحديث أنه حضر وقتاً ما في عهد قتيل السادس من أكتوبر؛ شهيد جماعة راديكالية وفق المراجعات..
رفيقي.. طفولته وصباه قضاهما زمن رجال مصر الكبار أصحاب الياقات البيضاء.. خاصة وسط رجال القانون والقضاة والمحامين الذين يحسنون ركوب الخيل؛ ويتسامى هو ومثله في فضاء سماوي أزرق فوق سحب نادي اسبورتنج بداية حي رمل الإسكندرية.. يتسامى حين يمتطي جوادا أسود كـ ليل يغزو به نسيم بحر أبيض متوسطي فتقع عينه على آحدى الجميلات الحسناوات فيظن أنها وقعت في هواه.. ثم تحرك تجاه نادي سموحة لمزاولة رياضة الجودو.. فهو ينظر لنفسه أنه خلق كـ فارس يحمي أمته [كثيراص تختلط الأمور في حديثه: أهو يتحدث عن وطنٍ.. فتفهم من بين ثنايا الحديث أنه قصد مدينة الثغر المتوسطي :"الإسكندرية".. ثم كثيرا أيضا تفهم أنه عنى أم الدنيا مصر بأكملها]
رفيقي كبقية رجال طرازه يشعر برجولته الزائدة فيحسن الحديث مع وعن وإلى المرأة .. خاصة تلك المرأة [أي أمرأة] التي تعجبه فينظر إلى جانب من جوانب أنوثة حواء -أمنا الكبرى فيها-.. كما يحسن الحديث مع الآخرين .. من رجال يشعر رفيقي أنهم أقل منه في الدرجة العلمية أو الكفاءة في تحليل سياسي ...
جاءت إليه امرأة خليجية -لا يريد أن يفصح عنها- من خلال نشاط ثقافي ما وهو وهي قد تعلقا ببعضها البعض.. وهذه بعض الكلمات عنها أو حولها.. أو قل إن شئت لها!!.
يبدء حديثه بالقول:" .. فكم هو جميلٌ حقاً أن توجد في العالم بأسره.. في قارة من قاراته المتعددة.. أو في دوله على كثرتها أو تقابلها على قارعة شارع في أمهات مدنه الكبرى.. وكم يكون أجمل لو كان اللقاء على شاطئ بحر .. كم هو جميل أن توجد امرأة مثلك.. "..
يتوقف قليلاً عن الحديث مرتشفا قطرات من عصيره المفضل.. ثم يكمل القول سابحاً في فضاهء الخاص:" فحيث أشد أمتعة سفري لأرحل إليك -هكذا يظن- من الحين إلى الحين متوقعاً أنكِ في أنتظاري على سلم باب طائرة عملاقة.. مرحبة بي بلهجة خليجية كأنها عزف منفرد عن بقية اللهجات العربية.. فأنتِ -متصنتاً- صوتُك عذب.. فمخارج حروفك تحيني وتنقلني من عالم إلى عوالم متعددة.. خيالية وواقعية.
وكم هو رائع أن أُحادث امرأة مسكنها فوق سحب سماء تعانق نجوم متلألئة وكواكب سيّارة كبار أحدثها عنك.. كل ليلة.. وحين يبزغ الفجر تتوارى خلف أشعة شمس ذهبية.. ونحن معاً على انتظار ليل قادم لنخلو فأحادثك مخبراً عن حالي وأحوالي... وأنت تسمعين..
وكم هو ممتع أن أغوص في بحيرتي البيضاء المتوسطية.. والتي تربيت على شواطئها طفلا وكنت أطارد تلميذات الإعدادي صبياً.. ثم طالبات الثانوي مراهقاً.. ومن ثم شاباً مغازلاً لشابات الجامعة؛ مثل كلية الأداب فالحقوق وخاصة فتيات الريف المجاور لثغر البحر الأبيض «"الإسكندرية"».. مبتعداً عن طالبات الطب والهندسة والعلوم.. أو مستمتعاً بكنوز بحر أحمر قاني مخبأ فيه كنوز وكنوز.. "
يكمل حديثه :" وفي صيفِ كل عامٍ أرحل عن طريق الأوتوسترادا إلى مرسى مطروح ظناً مني أنني سأجدها هناك.. «ليلى» سواء ليلى مراد كما مَثلت فيلماً لها هناك أو أي ليلى آخرى.. ".
ينظر إليَّ بإمعان ليقول منبهاً :".. كان رفيق لي يحضر لنا فضلات القطط السمان من الطعام بعد الظهر.. بعد إنتهاء وجبة الغذاء لأفراد عائلة لا نعرفها فتحضر خادمة العائلة الثرية صينية البطاطس مع بواقي العظام وما تعلق عليها من بقايا لحم خرفان.. ".
و :" كم هو حلم يستغرق الليل كله حيث أداعب خصلات شعرك المسترسلة على جبين خمري كأنها تقول لي :" عفوا ..! لا تهتك سِتري .. فأنت مازلت ذاك الرجل الغريب عني فكيف تعبث بخصلتي ولم يمسها سوى أمي حيناً وجدتي أحياناً لتمشيطها وأنت مازلت ... " ..
.. أوقَفْتُكِ عن إتمام بقية حديثك العذب لأقول :" أنا لا .. ولم .. ولن أعبث بخصلتك .. فقط أنا قلت:" .. سيدتي.. ! أنا أداعب خصلتك ".. مداعبة بريئة لا أكثر .. فسارعتِ بالحديث .. :" أنتبه أيها الرجل المراهق.. إنك -للأسف- تذكرني بـ فتيات العرب ونساءها حين يتفرجنَّ على أبطال الأفلام الأمريكية والفرنسية وبالطبع المسلسلات الهندية والتركية... وتريد التقليد .. ألا تستح عن ما تفعل!!؟ .. فأنتَ تنهي الآخرين عن الفرجة على الأفلام والمسلسلات وتبيح لنفسك التفرج .. وتقول تسلية..
.. توقفتُ معك عن التفكير.. توقفتُ عن إعمال عقلي.. راغباً في راحة طويلة بعد عناءِ يومٍ من العمل الشاق.. توقفتُ عـــــ .. لم أكمل فقد تمت منكِ مقاطعة حديثي قائلة مسرعة :" .. بالطبع فأنتم كرجال تنظرون إلى المرأة على أنها شئ ما خلقَ لوقت الراحة والأنثى مخلوق وجد لوقت الإستمتاع.. أقول عفواً ..
عذراً.. لم أكمل جملتي!!؟.. أردتُ أن أقول :" أتوقف عن التفكير خاصةً عندما أنظر في الخيال لعينيك وأتوقف إعمال عقلي أمام جمالك الخارق !!؟.
أردتُ أن ابعث لك رسالة بُعَيد مناسبة يوم مولدي.. فـ امرأة مثلك تتذكر عيد ميلاد رجل غريب عنها لم تراه في حياتها ولعلها بحثت عنه بين أزقة منصات التواصل الاجتماعي وحواري الشبكة العنكبوتية.. والشوارع الخلفية لكبرى المنتديات ولربما بحثتْ عنه على صفحات كتاب "الفيس" .. ذلك الكتاب الوهمي الذي تعلق به الجميع واعتقد الجميع إما أنهم من كبار الصحافيين أو أنهم من كبار كتاب الرواية القصيرة أو الطويلة أو مَن ظن في نفسه أنه مِن كبار المحللين السياسين ومَن أعتقد في نفسه أنه إما مستشار إعلامي أو ثقافي أو فني.. وفي النهاية لم -أظن- لم تتأكدِ من وجهه أو علامات في محياه.. وهو -الرجل - الذي دائماً يناديها بـ «"راعيتي"» وكيف تتولى رعايته وهي في قارة وهو –صغيرها؛ يحب أن يكتب فيرسل في نهاية خطابه على بريدها الإلكتروني- في قارة آخرى ...
لكن ما يجب قوله أنه -ذلك الرجل- غريب في اطواره وتصرفاته حتى في خياله وأوهامه هذا الرجل وأمثاله صار العالم بأكمله في مأزق مِن مثل هؤلاء إذ أنهم صناعة ورقية في عالم يصنع رجال من الوهم والخيال الجامح وفق صناعة السينما الهوليودية أو محب من الطراز الأول وعاشق وفق السينما الهندية بوليود.. أو السينما الإيطالية أو الفرنسية.. خاصة أفلام البطل الواحد الأوحد .. آه منك ايها الرجل.. صنعت لنفسك وهماً.. صدقته(!) مروراً بـ:"رامبو".. بطل وهمي من خيال الشاشة الفضية الأمريكية بعد هزيمة الولايات المتحدة أما افراد من شعب فيتنام.. ولم تكتف بفيلم واحد بل أربعة أجزاء متتالية لتكمل الإكذوبة ويكتمل التصديق المزيف وقس على ذلك بقية الأبطال الوهمين في صناعة الأفلام الأمريكية..
**
„ صفحة من رواية «الرجل المشرقي» ‟
بقيم :
محمد الرمادي

 

أفعال وأقوال

مسائل الإجتهاد برمتها بغض الطرف عن موضوعها -في السياسة أو الدين- هي مسائل خلافية.. كلٌ يبدي رأيه دون إدعاء بصحة ما يقوله أو ما ذهب إليه.. وحسب المعطيات النظرية أو وفق ما يملك من وقائع يبني ما يراه فيصل إلى نتيجة.. يعترض عليها غيره وله الحق في تفنيدها ودحضها والحق في إبداء وجه نظر آخرى مخالفة لما ذهب إليه الأول في اجتهاده.. وفي المسائل الفقهية الإجتهادية نسمع مقوله تنسب إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي" رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، ورأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ. والحقيقة الصادمة أن هذه العبارة لا تثبت عن الشافعي ولم يذكرها أحد من أصحابه عنه بل ولا أحد ممن تمذهب بأقواله واختياراته. وبعد بحث نعثر على صاحبها وهو النسفي الحنفي نقلها عنه ابن نجيم في الأشباه والنظائر [ص330] ونصها:" إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع، يجب علينا أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب. ويتبقى التنبيه بين المطلق والنسبي فـ :"المطلق - كما يشير المفكر السياسي د. عبدالوهاب المسيري -: يتَّصف بالثبات والعالمية، وأما النسبي فهو مقيد وناقص ومحدود، ويذكر النص التالي: "وفي غياب المطلق تُصبح كل الظواهر نسبيَّة متساوية؛ إذ لا يمكن القَوْل بشأنها: "هذا أفضل من ذلك". والمنهجية الفكرية العلمية هي صفة من صفات أهل الوعي والإدراك والتفكير السليم، وهذه المنهجية تعتمد على عامل رئيس ومهمٍّ في هذه القضية، هو البحث عن الدليل والبرهان في كل قضية تُقرَأ أو تسمع والإشكالية التي تواجهنا جميعاً ومنذ سنوات طوال أن أفعال مَن يملك أمر الأمة ومقدرات الشعوب: الرجال الذين يتعاطون السياسة يجاورهم علماء دين لا تتناسب مع الواقع المعاش. ولنأتي بمثال بدأ الحديث عنه ابن تيمية ومن بعده تلميذه؛ ثم ظهر للوجود في بدايات الثمانينات من القرن الماضي على ألسنة التيار السلفي؛ الفرع الخليجي ومن يقف خلفه يعارضه تماماً بعض الصوفية ويقف في الوسط بينهما رجال الأزهر وآخرون وفريق رابع اباح لكن بشروط أو بتأخير يوم أو أكثر عن يوم العيد وفريق خامس اعتبرها من باب التحية أو زيارة المريض.. وفريق سادس استثنى الابن مع أمه غير مسلمة أو الزوج مع زوجته الكتابيه او المسلم الذي يسكن في الغرب.. وقد جاء في فتاوى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء: مما لا شك أن القضية قضية مهمة وحساسة خاصة للمسلمين المقيمين في بلاد الغرب ثم نأتي بمثال آخر بدأ منذ يوم السادس من ديسمبر من العام الحالي وهو ما أطلق عليه إعلان ترامب
1.) المثال الأول:"« تهنئة غير المسلمين في أعيادهم » وما جدَّ من احتفال البعض بـ:" « أعياد ميلاد الأطفال أو الكبار »".
التفصيل: تباينت آراء العلماء في أمر تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، فمنهم من اجاز ذلك ومنهم من رفضه معللا رأيه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهنئ أهل الكتاب بأعيادهم رغم أنه كان يعطيهم من الزكاة وكان يعود مرضاهم ويحسن معاملتهم. وبـ استطلاع آراء الفريقين، والقاء الضوء على وجهة نظر كل منهم في هذا الامر وادلته، خاصة مع تغير العصر، ورغم ان شيخ الاسلام ابن تيمية افتى بعدم جواز تهنئة غير المسلمين من أهل الكتاب بأعيادهم، إلا ان عددا من جمهور المعاصرين رأوا ان تغير الاوضاع العالمية يدفع للجواز بتهنئتهم دون مشاركتهم مناسباتهم الدينية وطريقة احتفالاتهم، وكذلك بما لا يحمل أي اقرار لهم بمخالفة الشرع، وانما تبقى المسألة محصورة في بعض كلمات المجاملة المعتادة لأناس نصادقهم ونعمل معهم ونختلط بهم سواء في المدارس والجامعات أو أماكن العمل أو الجيران، وهي كلمات مجاملة تعارفها الناس، كما يرى هذا الفريق ان هذا الاسلوب يمكن ان يعمل على تأليف قلوب غير المسلمين الى الاسلام يحبب اليهم الاستجابة للدعوة الى الاسلام، وفيما يلي رأي كل فريق:
الرأي الأول يقول :"
أولاً: تهنئة الكفار بأعيادهم الدينية محرم لا شك في تحريمه.
ثانياً: وأما مناسباتهم الشخصية الخاصة، كزواج، أو نجاح في مدرسة، أو تعيين في وظيفة، أو شفاء من مرض، أو إنجاب ولد، أو قدوم من سفر، ونحوه: فهذا مما اختلف فيه العلماء إلى أقوال ثلاثة - وهي أقوال ثلاثة عن الإمام أحمد بن حنبل- : فمنهم مَن رأى الجواز، ومنهم مَن منع، ومنهم مَن أجاز بشرط وجود مصلحة شرعية، كتأليف قلوبهم للإسلام، أو دعوتهم إلى الدين. وهذا أرجح الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال تلميذه -ابن القيم-: فصل في تهنئتهم بزوجة، أو ولد، أو قدوم غائب، أو عافية، أو سلامة من مكروه، ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرة، ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية، والعيادة، ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه [ أحكام أهل الذمة "( 1 / 441 ) ] بيد أن صاحب هذا القول ينهي قوله بـ :" والخلاصة : أن الراجح في المسألة هو جواز التهنئة، ويكمل آخر:" لا بأس بتهنئة غير المسلمين بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية، التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرها العرف السليم.فـ :" تهنئة النصارى بأعيادهم جائزة " ونقرأ ما كتبه مجلس الإفتاء الأوروبي:" الذين يعيشون في الغرب، ويعايشون أهلها من غير المسلمين، وتنعقد بينهم وبين كثير منهم روابط تفرضها الحياة، مثل الجوار في المنزل، والرفقة في العمل، والزمالة في الدراسة، وقد يشعر المسلم بفضل غير المسلم عليه في ظروف معينة، مثل المشرف الذي يساعد الطالب المسلم بإخلاص، والطبيب الذي يعالج المريض المسلم بإخلاص، وغيرهما. وكما قيل: إن الإنسان أسير الإحسان، وقال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم * فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ!
ويكمل المجلس :" إن القرآن الكريم قد وضع دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالى في سورة الممتحنة، وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين، فقال تعالى:{ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8-9].
ففرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم: فالأولون (المسالمون): شرعت الآية الكريمة برهم والإقساط إليهم، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، فالعدل: أن تأخذ حقك، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك. العدل أو القسط: أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه. والبر: أن تزيده على حقه فضلا وإحسانا.
وأما الآخرون الذين نهت الآية الأخرى عن موالاتهم: فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم، وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، كما فعلت قريش ومشركو مكة بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة (البر) حين قال: (أن تبروهم) وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى، وهو (بر الوالدين).
وقد روى الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، وهي راغبة (أي في صلتها والإهداء إليها) أفأصلها؟ قال: “صلي أمك” [ متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: 2477، 3012، 5633، 5634) ومسلم (رقم: 1003)].
هذا وهي مشركة، ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين.
حتى إن القرآن أجاز مؤاكلتهم ومصاهرتهم، بمعنى: أن يأكل من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم، كما قال تعالى في سورة المائدة:{وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة:5].
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كما قال تعالى:{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} [ الروم: 21].
وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره، وأم أولاده!؟ وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض:{هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [ البقرة: 187].
ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: المصاهرة بين الأسرتين، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كما أشار القرآن بقوله: {وهو الذي خلق من الماء بشرا، فجعله نسباً وصهرا} [الفرقان:54].
ومن لوازم ذلك: وجود الأمومة وما لها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام، فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل هذا العيد الكبير عندها ولا يهنئها به!؟
وما موقفه من أقاربه من جهة أمه، مثل الجد والجدة، والخال والخالة، وأولاد الأخوال والخالات، وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى، وقد قال تعالى:{ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [ الأنفال: 76]، وقال تعالى:{ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل:91].
فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض على المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبين حسن خلق المسلم، ورحابة صدره، ووفاءه لأرحامه، فإن الحقوق الأخرى توجب على المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن، وقد أوصى الرسول الكريم أبا ذر بقوله: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” [أخرجه أحمد (5/153، 158، 177) والترمذي (رقم: 1987) والدارمي (رقم: 2688) والحاكم (رقم: 178) من حديث أبي ذر. قال الترمذي: “حديث حسن صحيح”، وصححه الحاكم.".] هكذا قال: “خالق الناس” ولم يقل: خالق المسلمين بخلق حسن.
كما حث النبي صلى الله عليه وسلم على (الرفق) في التعامل مع غير المسلمين، وحذر من (العنف) والخشونة في ذلك.
ولما دخل بعض اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم، ولووا ألسنتهم بالتحية، وقالوا: (السام) عليك يا محمد، ومعنى (السام): الهلاك والموت، وسمعتهم عائشة، فقالت: وعليكم السام واللعنة يا أعداء الله، فلامها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقالت: ألم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟ فقال:” سمعت، وقلت: وعليكم”، (يعني: الموت يجري عليكم كما يجري علي) يا عائشة:” الله يحب الرفق في الأمر كله” [متفق عليه:" أخرجه البخاري (رقم: 2777، ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: 2165) من حديث عائشة.".].
وتتأكد مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، فقد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، كما قال تعالى:{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء:86].
ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرما، وأدنى حظا من حسن الخلق من غيره، والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر حظا، والأكمل خلقا، كما جاء في الحديث “أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا” [أخرجه أحمد (رقم: 7402، 10106، 10817) وأبو داود (رقم: 4682) والترمذي (رقم: 1162) والدارمي (رقم: 2689) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: “حديث حسن صحيح ". ] وكما قال عليه الصلاة والسلام: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” [ أخرجه أحمد (رقم: 8952) والبخاري في “الأدب المفرد” (رقم: 273) والبزار (رقم: 2470 – كشف الأستار) واللفظ له، وإسناده صحيح. وصححه ابن عبدالبر في “التمهيد” (24/333)" ].
ويتأكد هذا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونقربهم إليه، ونحبب إليهم المسلمين، وهذا واجب علينا فهذا لا يتأتى بالتجافي بيننا وبينهم بل بحسن التواصل.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق، كريم العشرة، مع المشركين من قريش، طوال العهد المكي، مع إيذائهم له، وتكالبهم عليه، وعلى أصحابه. حتى إنهم –لثقتهم به عليه الصلاة والسلام- كانوا يودعون عنده ودائعهم التي يخافون عليها، حتى إنه صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، ترك عليا رضي الله عنه، وأمره برد الودائع إلى أصحابها.
فلا مانع إذن أن يهنئهم الفرد المسلم، أو المركز الإسلامي بهذه المناسبة، مشافهة أو بالبطاقات التي لا تشتمل على شعار أو عبارات دينية تتعارض مع مبادئ الإسلام مثل (الصليب) فإن الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} [النساء : 156].
والكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل على أي إقرار لهم على دينهم، أو رضا بذلك، إنما هي كلمات مجاملة تعارفها الناس.
ولا مانع من قبول الهدايا منهم، ومكافأتهم عليها، فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا غير المسلمين مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره[الأخبار في ذلك مستفيضة، ودلالتها صحيحة ثابتة، ساقها الطحاوي في “شرح مشكل الآثار” سياقاً جيداً في موضعين (6/399 و11/128)]، بشرط ألا تكون هذه الهدايا مما يحرم على المسلم كالخمر ولحم الخنزير.
إذاً فالعلماء اختلفوا في حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم بين إجازة هذا الأمر ورفضه والقرضاوي خالف ابن تيمية ويجيز تهنئة النصارى بأعيادهم.. وهناك دعاة يردون: أصول الدين لا ينبغي التهاون فيها بحجة تأليف القلوب كما لا ننسى أن نذكر هنا أن بعض الفقهاء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم قد شددوا في مسألة أعياد المشركين وأهل الكتاب والمشاركة فيها، ونحن معهم في مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب الدينية، كما نرى بعض المسلمين الغافلين يحتفلون بـ ـ(الكريسماس) كما يحتفلون بعيد الفطر، وعيد الأضحى، وربما أكثر، وهذا ما لا يجوز، فنحن لنا أعيادنا، وهم لهم أعيادهم، ولكن لا نرى بأسا من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية، التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرها العرف السليم .
أما الأعياد الوطنية والاجتماعية، مثل عيد الاستقلال، أو الوحدة، أو الطفولة والأمومة ونحو ذلك، فليس هناك أي حرج على المسلم أن يهنئ بها، بل يشارك فيها، باعتباره مواطناً أو مقيماً في هذه الديار على أن يجتنب المحرمات التي تقع في تلك المناسبات.[ انتهى من فتوى المجلس الأوروبي ].
ملحوظة : خالف عضو المجلس د. محمد فؤاد البرازي هذا القرار بقوله: “لا أوافق على تهنئتهم في أعيادهم الدينية، أو مهاداتهم فيها”. ويقول د. عبدالستار فتح الله سعيد -أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر- : الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى نوع من التفصيل. التهنئة لغير المسلم مطلقًا بدون مخالفة شرعية جائزة، وهي من باب حسن الأخلاق التي أمرنا بها ولون من ألوان الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة عملاً لا قولاً، أما إذا تضمنت التهنئة مخالفة دينية فهنا تكون ممنوعة من أجل هذه المخالفة. وإذا تضمنت التهنئة تقديم هدية فهذا جائز أيضًا، بشرط أن تكون حلالاً، فلا يقدم له زجاجة من الخمر مثلاً أو صورًا عارية؛ بحجة أنه ليس مسلمًا.. فالمسلم لا ينبغي أن يشترك في تقديم شيء محرم في ديننا وإذا ذهب إليه في بيته أو في كنيسته فلا يحل له أن يجلس تحت الأشياء المخالفة لديننا كالتماثيل أو الصلبان، أو الاختلاط بالنساء العاريات، وغير ذلك من ضروب المحرمات التي تقترن بمواضع وأماكن غير المسلمين . وقال د. محمد السيد دسوقي -أستاذ الشريعة بجامعة قطر-: الجار في الإسلام له حقوق، سواء كان مسلما أم غير مسلم، فإذا كان مسلما وله بجاره قرابة أصبح له ثلاثة حقوق: حق القرابة، والإسلام، والجوار. أما إذا كان مسلما ولم يكن بينهما قرابة؛ فله حقان: حق الإسلام، وحق الجوار. فإذا كان هذا الجار غير مسلم فله حق واحد وهو حق الجوار، وهذا الحق حق مقدس نبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: “ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه” أي يجعله جزءا من الأسرة، فهذا الجار المسيحي يحض الإسلام على الإحسان إليه وحسن معاملته والله يقول: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”. ومن البر بهم مجاملتهم في أعيادهم، ويجوز مشاركتهم فيها ما دام لا يُرتكب فيها أي محرم. وهذا السلوك الإسلامي قد يكون عاملا من عوامل هداية هؤلاء، وقد انتشر الإسلام في بلاد كثيرة لم تدخلها الجيوش، وإنما كان الخلق الإسلامي الذي مثله الرحالة والمهاجرون والتجار من عوامل نشر الإسلام في أمم ما زالت تحتفظ به حتى الآن في دول جنوب شرق آسيا".[ قرارات الدورة السادسة. دبلن – أيرلندا؛ 28 جمادى الأولى – 3 جمادى الآخرة 1421هـ، الموافق لـ 28 أغسطس – 1 سبتمبر 2000م. قرار 21 (3/6)] .
أما دار الإفتاء المصرية فقالت بما قاله المجلس: بأن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم "برٌّ" أمرنا القرآن به: فيجوز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم وذلك بألفاظ لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية وقالت الفتوى: إن هذا الفعل يندرج تحت باب الإحسان الذي أمرنا الله عز وجل به مع الناس جميعا دون تفريق، مذكرة بقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقوله تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.
إن أهم مستند اعتمدت عليه الفتوى هو النص القرآني الصريح الذي يؤكد أن الله تبارك وتعالى لم ينهَنا عن بر غير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهدية منهم، وما إلى ذلك من أشكال البر بهم، كذلك الإهداء وقبول الهدية من غير المسلم جائز أيضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدايا من غير المسلمين؛ حيث ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل، وأهدت له الملوك فقبل منها".
وعلماء الإسلام قد فهموا من هذه الأحاديث أن قبول هدية غير المسلم ليست فقط مشروعة أو مستحبة؛ لأنها من باب الإحسان، وإنما لأنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما فضيلة د. نصر فريد واصل فقال في فتواه:" لا مانع شرعًا من تهنئة غير المسلمين في أعيادهم ومناسباتهم، وليس في ذلك خروج عن الدين كما يدَّعي بعض المتشددين غير العارفين بتكامل النصوص الشرعية ومراعاة سياقاتها وأنها كالجملة الواحدة، وقد قَبِلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدية من غير المسلمين، وزار مرضاهم، وعاملهم، واستعان بهم في سلمه وحربه حيث لم يرَ منهم كيدًا، كل ذلك في ضوء تسامح المسلمين مع مخالفيهم في الاعتقاد، ولم يفرق المولى عز وجل بين المسلم وغير المسلم في المجاملة وإلقاء التحية وردها؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، والتهنئة في الأعياد والمناسبات ما هي إلا نوع من التحية.
أما ما استشهد به هؤلاء من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] على عدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم من نصارى ويهود: فإنما هي نظرة قاصرة للنص القرآني؛ حيث لم يرد ذلك صريحًا في الآية، بل هو اجتهاد في تفسيرها، وقد نقل فيه عدة آراء، فما بالهم يأخذون منها ما يوافق أهواءهم ويكفرون بغيرها.
وأما دعوى التشبه والموافقة على شعائر غير المسلمين: فالمنهي عنه شرعًا التشبه والموافقة في الأفعال والاعتقادات التي نهى الإسلام عنها أو خالفت شيئًا من ثوابته.
لقد خلق الله الإنسان على اختلاف ملله وأشكاله وأجناسه من أبٍ واحد وأم واحدة «إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ»، كما جاء في "مسند الإمام أحمد" في خطبة الوداع قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟» قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم يفرق المولى عز وجل في الخلق ولا في الرزق بين مسلم وغير مسلم، ولقد جاءت الرسالات السماوية من لدن آدم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكلُّها يكمل بعضها بعضًا؛ لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ»، قَالَ: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» [رواه البخاري].
كما أن الرسالات السماوية كلها تدعو إلى هدف واحد، وهو توحيد الله وعبادته، وترجو نتيجة واحدة هي الفوز بالجنة في الدار الآخرة، وإن اختلفوا في الأسلوب والطريقة الموصلة إلى ذلك، ومن المقرر شرعًا أن الإسلام لم يمنعنا من مجالسة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، وأن نأكل من طعامهم وشرابهم، بل أكثر من ذلك أباح لنا الزواج منهم؛ فقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، والزواج كما هو مقرر شرعًا ما هو إلا مودة ورحمة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، ومن غير المعقول أن يتزوج المسلم بامرأة من أهل الكتاب، ويطلب عندها المودة والرحمة، وتهنئه في عيده ولا يرد التهنئة في عيدها، ألم يكن ذلك مخالفة صريحة لنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، حيث إنه لم يفرق بين من يلقي التحية مسلم أو غير مسلم، والتهنئة في الأعياد ما هي إلا نوع من التحية.
ولقد أوصانا الإسلام بالجار خيرًا سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم؛ فلقد ورد عن مجاهد أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ذُبِحَتْ له شاة في أهله، فلما جاء قال: أَهْدَيْتُم لجارنا اليهودي؟ أَهْدَيْتُم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [رواه أبو داود والترمذي واللفظ له]، ولقد أكدت السنة النبوية الإحسان بالجار وعدم التطاول عليه وإيذائه؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «من آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه الخطيب البغدادي]، وفي حديث آخر: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه أبو داود في "سننه"].
فالإسلام لم يفرق بين أتباعه وأصحاب الديانات الأخرى، ومن ذلك: ما رواه البخاري في "صحيحه" أنه مَرَّتْ بِالنبي صلى الله عليه وآله وسلم جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِىٍّ! فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟».
وقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدية من غير المسلمين، وزار مرضاهم، وعاملهم، واستعان بهم في سلمه وحربه، حيث لم يحس منهم كيدًا، كل ذلك في ضوء تسامح المسلمين مع مخالفيهم في الاعتقاد، ولم يكن هذا التسامح نابعًا من اجتهادات فردية أو مآرب شخصية أو أمزجة نفسية، وإنما هي تعاليم ملزمة من الله سبحانه وتعالى ينال منفذها الثواب ويلحق مخالفها العقاب، فمكارم الأخلاق أصل من أصول الدين، والتزام الحق ركن من أركانه، والمسلم في أخذه بهذه المبادئ ليس له الخيرة في أن يطبقها متى شاء ويتركها متى شاء، بل هي ركيزة ثابتة وميزان منصوب يعامل به الكل على حسب ما عنده، لا حسب ما عندهم، كما أنه جاء في الأثر أن الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وهو الجار غير المسلم له حق الجوار، وجار له حقان وهو الجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق وهو الجار القريب المسلم له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام.
وعلى ذلك: فيجب أن يسود الود والوئام بين المسلمين وغير المسلمين وإن كانوا مختلفين معنا في الدين؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6].
وصدق من قال:
نعلي تعاليم المسيح لأجلهم *** ويوقرون لأجلنا الإسلاما
الدين للديان جل جلاله *** لو شاء ربك وحد الأقواما
هذي قبوركم وتلك قبورنا *** متجاورين جماجمًا وعظاما
ولقد أوجب الإسلام على أتباعه إذا عاش بينهم أهل الديانات الأخرى أن يكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين من حقوق وواجبات، وخير دليل على ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى شيخًا ضريرًا يسأل على باب، فلمَّا علم أنه يهودي، قال له: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال يقول له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفنا إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.
وفي واقعة السؤال، وما استشهد به طائفة من أهل الأحباش من قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72] من عدم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم من نصارى ويهود، إنما هي نظرة قاصرة، فلقد ورد في تفسير هذه الآية عدة آراء كما جاء في "تفسير الطبري" (19/ 313) قال: [اختلف أهل التأويل في معنى الزور الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم لا يشهدونه؛ فقال بعضهم: معناه الشرك بالله؛ عن الضحاك، في قوله: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: الشرك. وقال آخرون: بل عنى به الغناء؛ عن مجاهد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
قال: لا يسمعون الغناء. وقال آخرون: هو قول الكذب؛ عن ابن جُرَيج قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قال: الكذب، ... فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل؛ لا شركًا، ولا غناء، ولا كذبًا، ولا غيره، وكلَّ ما لزمه اسم الزور، لأن الله عمَّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل] اهــ مختصرًا.
فلماذا يأخذ المتشددون برأي وهو التحريم، ويدعون آراء أخرى وهي الحِل؟! كيف يطلب منا ألَّا نجالسهم والقرآن يقول: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]، ويقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
وما جاء في الفتوى من أن تهنئتهم تعتبر تشبهًا بهم، وموافقتهم على ما هو من شعائرهم، فالتشبه إنما يكون في أشياء أخرى غير هذا؛ مثل: المأكل والملبس وطرق الحياة المختلفة التي نهانا عنها الإسلام، فالمنهي عنه شرعًا موافقتهم في أفعالهم واعتقاداتهم والتشبه بهم فيما نهى الإسلام عنه أو خالف شيئًا من ثوابته.
وعلى ذلك: فإن دار الإفتاء المصرية ترى أنه لا مانع شرعًا من مجاملة غير المسلمين وتهنئتهم أو مواساتهم في أي مناسبة تحل بهم، وأن هذا هو التطبيق الأمثل للإسلام، وليس في ذلك خروج عن الدين، أو فيه نوع من الحرمة كما يرى بعض المتشددين، فالدين يُسرٌ لا عُسرٌ، ولما ورد في "صحيح البخاري": «وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ». ".
**
أما المثال الثاني ما حدث في يوم السادس من ديسمبر إعلان ترامب بنقل السفارة فنحن جميعاً سمعنا ورأينا ردود الأفعال على المستوى العالمي والإقليمي والرسمي والشعبي ومنصات التواصل الإجتماعي... فلا تعليق لي!!؟.

مائتان(1) ‟

يخجل كاتب هذه السطور أمام الله -تعالى في سماه وتقدست اسماه- أولاً؛ ثم مِن نفسه حين يسطر هذه الكلمات في هذه اللحظات الحرجة لأميتين: إسلامية وعربية؛ بل وأمام الإنسانية في بداية ألفيتها الثالثة.. فقد سبقني الكثير بالحديث والكلام شعرا أو نثرا.. تارة بخطب رنانة ينقضي أثرها قبيل أن ينتهى صدى صوتها؛ وتارة بمواقف عنترية لا تسمن ولا تغني من جوع.. كما تحركت في غرف مغلقة منظمات عالمية كـ هيئة الأمم المتحدة بمجلسيها وكـ منظمةالتعاون الإسلامي أو منظمات إقليمية كـ جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو رؤساء برلمانات عربيةو أجتمع الجميع منذ أيام.. وأنتهى الجمع بكلمات جوفاء بلهاء صماء ليس أكثر إذ لا يقدرون على تفعيلها في المحافل الدولية أو انزالها على الواقع الفعلي كـ استدعاء أو طرد سفراء الدولة الأمريكية من عواصم 57 دولة.. هم أعضاء منظمة التعاون الإسلامي؛ بما فيهم الدول العربية أو الدولة التي استضافت رؤساء وملوك المسلمين وأمراء العرب.. أقصد الدولة التركية أو مِن قاهرة المعز لدين الله الفاطمي مقر دول جامعة العرب.. ويزداد وجه الكاتب خجلا وتعلوه حمرة التخاذل حين يكتفي البعض بـ التظاهر في الميادين أو بالشجب والرفض.. والآخر بإلقاء خطبة جمعة في حشود دون ضغوط ملحوظة على حكومات تلك الدول التي تم فيها التظاهر.. سواء في الغرب أو الشرق وفي المقابل هناك يقتل على تراب الأرض التي بارك الله تعالى حولها.. حيث الحرم الشريف أولى القبلتين؛ وثالث الحرمين الشريفين؛ ومسرى؛ ومعراج الرسول الأكرم الأمين-صلى الله عليه وآله وسلم- ويعود شدة الخجل إلى أن اللحظة الحالية ومنذ السادس من ديسمبر الحالي؛ وقبلها الثاني من نوفمبر الماضي كان ينبغي ان تكون ساعة عمل وتشمير عن ساعد الجد وليس طرح خطب منبرية ونظريات فلسفية وتحاليل سياسية ومهاترات من فوق منصات التواصل الإجتماعي على مسامع الناس.. أو إجتماع طارئ ينفض بلاشئ قبل أن يجتمع الرؤساء أو الملوك والأمراء؛ ولعل غياب العاهل السعودي ورئيس مصر يعود لقناعتهما بدجل سياسي مكشوف من رئيس دولة علمانية يتلحف بوشاح -يدعيه- الخلافة العثمانية ويصدقه جهلة السياسة وضعاف العقول في فهم الإسلام طريقة وسنة.
﴿1 . ﴾ مر على الأمة الإسلامية ومنها العربية في العصر الحديث مائتان(!!!) من الأعوام(1)... مجتمعتان من خلال مائة سنة واحدة (100) غيرتا الواقع العربي إلى الأسواء بما نراه من تطاحن وإقتتال، وافسدتا العقل الإسلامي.. بما نراه من زمن طويل كـ خلق تنظيم القاعدة أو تخليق تنظيم داعش؛ أو بما يسمى بالإسلام السياسي؛ وقبل ذلك وجد الإسلام الصوفي؛ والإسلام السني فالشيعي والإسلام المذهبي فالإسلام الطائفي وتناسى أو غض الطرف الجميع عن إسلام محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين..
أقول: احتفل صاحبا المائتين اللذين لهما علاقة مباشرة بهما بطريقتهما الخاصة؛ أما مسلمو الشتات وهم يقتربون من مليار وخمس مئة مليون فـيتلوهم عرب البداوة وتشير الإحصائيات أن مجموع عدد سكان الوطن العربي يقارب 370.000.000 نسمة [ إحصائية: مارس 2017م ].. فـ المسلمون والعرب -مجتمعون أو متفرقون؛ حكومات دول أو مؤسسات رسمية أو منظمات دولية أو جماعات وفرق وأحزاب- لم يحسن المفعول به الطرف الأول الإسلامي [ سبع وخمسون دولة تدعي إسلاميتها ] -حتى كتابة هذه السطور- لم يحسنوا دوراً إيجابياً وتصرفاً وفعلاً يرتقي لحدث تلك المائتين؛ أما المفعول به الطرف الثاني [ اثنان وعشرون دولة تحت مظلة جامعة عربية؛ ومنهم منظمة دولية تتكون من ست دولة خليجية ] هذا الطرف فمشغول في حروب أهلية او حروب شيعية سنية أو حروب عربية كردية أو سباق تسلح وهمي لمحاربة شبح هلامي أو تصفية حسابات خاصة مع شقيق عربي أو جار غربي.
﴿2 . ﴾ الفلسطينيون يجاورهم العرب مع المسلمين يعيشون في العام الميلادي2017م وحالهم كما تقرأ في صحفهم وتسمع وترى من خلال قنوات فضائيتهم.. وما يحرك الفلسطينيون أو العرب والمسلمون-خاصة- أو غيرهم-عامة- لفعل شئ ما أو تحرك في إتجاه ما... الذي يحركهم إما :
﴿2. 1.﴾. العقيدة الإيمانية.. أو
﴿2. 2.﴾. العقيدة السياسية..
﴿2. 3.﴾. العقيدة الإجتماعية..
﴿3 4..﴾. العقيدة الإقتصادية..
فمَن يعتقد بوجود إله نَظم له حياته فيثيبه على أفعال وفق كتاب مقدس فيدخله جنة؛ عقيدته هذه تدفعه للتصرف في الحياة المعاشة في الدنيا تبعاً لتعاليم هذا الدين.
أما مَن يقدم عقيدته السياسية فيؤخر تعاليم السماء فيضعها بين جدران بيت ذاك الإله ويمارس حياته وفق ما تمليه عليه عقيدته السياسية مِن جلب مصالح واتيان منافع ودرء مفاسد وإبعاد مضار؛ دون إعتبار لقيم ثابتة أو مفاهيم راسخة يتشكل هذا السياسي وفق ما يرغب فيه الشارع الإنتخابي.. هذا السياسي يُرضي جوانب نفسية لمَن ينتخبه في شارعه السياسي فإما يعزف على وتر القيم المنبثقة من دين.. كالأحزاب المسيحية في الإتحاد الأوروبي أو الأحزاب الإسلامية في المنطقة العربية وإما يخلط الدين بالسياسة دون وعي تام لدين ودون إدراك صحيح للسياسة وإما يمارس السياسة من منظور ديني ضيق.
أما العقيدة الإجتماعية فهي أضعف مِن السابقتين؛ فهي تنشط حين يوجد عدو يهدد مجموعة من البشر يجتمعون فيسكنون في منطقة واحدة؛ وتلك المجموعة ليس لها مبادئ أو قيم أو مفاهيم بل الحالة المزاجية ومناخ البداوة وعوامل التخلف تسود مَن ينادي بها.. وهذا يلاحظ في المناطق العشائرية والقبلية والبدوية المنعزلة عن الحضر والبعيدة عن الحضارة والغائب عنها المدنية؛ وإن تحصلوا على التكنولوجيا الحديثة فيعلو في سماء قبيلة أو عشيرة الجانب السيادي الشخصي الفردي أو التناحري الرئاسي او التملك لخيرات الأرض؛ وسرعان ما تنتهي حالة الإجتماع بإنتهاء الحدث.
العقيدة الإقتصادية.. هي تجارية نفعية استغلالية بحتة فرأس المال يرغب في الزيادة بغض النظر عن كيفية كسبه ومواد وأشياء التجارة وتتم الصفقات بعيداً عن القيم والمبادئ؛ بل تستخدم كثيرا جدا وسائل غير مشروعة قذرة بغض النظر عن فاعلها.. أيؤمن بإله أو ملحد !
يجب التنبيه على أن العقائد سالفة الذكر تعمل على جلب المنافع ودرء المفاسد وفق وجهة نظر صاحبها ومِن ممارسة تلك العقائد على الواقع المعاش نجد أن:
﴿3. ﴾ التجربة الإنسانية البشرية في مجال تفسير وتأويل النصوص الشرعية -خاصة المتشابهات أو الرموز- من الكتاب المقدس عند أتباع تلك الديانات؛ أو في مجال إنزال الأفكار السياسية على الواقع المعاش أو معالجة الناحية العشائرية القبلية أو في مجال التجارة بإعتبار هذه الأربع تجارب إنسانية بشرية.. هذه جميعاً عرضة للصواب والخطأ؛ ماعدا أقوال أنبياء الله تعالى ووفق شريعة ومنهاج رسله -مع أنهم بشر مثلنا- إذ أن هناك قاعدة وعقيدة تقول بـ:" عصمة النبي من الخطأ.. "؛ بيد أن الدقة في التعبير تقتضي أن نقول :"في التبليغ عن ربه".. غير أن الإشكالية التي تواجهنا منذ زمن بعيد أن بعض البشر مَن يدعي أنه صاحب مبدأ أو نظرية أو اطروحة أو -وهذا الاصعب- اتباعه ومريديه يسعى إلى..؛ بل يريد الإرتفاع عن منطقة :"رأيه صواب" ولكنه "يحتمل الخطأ"؛ وعليه أن يراعي أن "رأي غيره خطأ يحتمل الصواب".. فصار هؤلاء البشر مع قبول اجتهادهم-كناتج فكري بشري- يروون أن ما يقوله أنه منزل من السماء لا يحتاج مناقشة ولا رد بل فقط دعوة إلى رأيه وتنفيذه وتفعيله.. ويلتف حوله الكثير من السذج ومن لديه مراهقة فكرية أو غياب عقلي أو ضمور ذهني.. ومن نافلة القول التأكيد على أنه :
﴿4 . ﴾ يحاسب المرء أمام القضاء المدني أو الشرعي على الفعل العمد وتخفف العقوبة عنه على الفعل غير العمد أو يطلق عليه التصرف الخطأ .. وعند البحث في التصرفات الإنسانية والمواقف البشرية يجب مراجعة تاريخيا وسياسياً :
﴿5 . ﴾ الأعوام الـمائة الأولى والتي مرت يوم الثاني من نوفمبر من هذا العام 2017م... والحدث انتهى ورد فعل المسلم أو العربي تلاشى مِن الخارطة السياسية أو الإعلامية الإخبارية...
أما الـمائة الثانية فكانت يوم الأربعاء 6 ديسمبر 2017م وما زلنا نتعايش مع مفراداتها ..
﴿5. 1.﴾ في الثاني من نوفمبر 1917م أعلن وزير الخارجية(2) للإمبراطورية البريطانية عن رغبة ملك بريطانيا في إنشاء وطن قومي ليهود العالم على أرض فلسطين
﴿5. . 2﴾ في السادس من ديسمبر 1917م: القوات البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي أحتلت القدس وطردت القوات العثمانية فاعلن انتهاء الحروب الصليبية.. فـ في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م) كانت الدولة العثمانية تحارب في صف ألمانيا ضد إنجلترا وحلفائها.
معركة القدس: كانت بتاريخ 8. ديسمبر 1917 بين القوات البريطانية؛ ومعها قوات من مستعمرات استراليا ونيوزيلندا ضد قوات الجيش السابع التابع للخلافة العثمانية المتمركزة في القدس وانتهت بانتصار القوات البريطانية الغازية وهزيمة القوات التركية المتحالفة مع الألمان ووقعت القدس تحت الاحتلال في 9 ديسمبر 1917م عندما دخلتها جيوش بريطانيا والاحلاف يوم ان زال عنها سلطان دولة الخلافة، دخلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال اللنبي مدينة دمشق بصحبة الأمير فيصل بن الحسين الذي تولى قيادة الجيش العربي في 2 تشرين الأول عام 1918م، وإثر انسحاب الجيش العثماني دخل الجنرال اللنبي(1816- 1936م) مدينة القدس راجلا تعبيرا عن احترام المدينة المقدسة واحتلت القوات البريطانية المتجهة من مصر جنوبي بلاد الشام من الدولة العثمانية، وفرضت عليها حكما عسكريا. في 9 ديسمبر 1917.(3) قال "اللنبي" يومها : "اليوم انتهت الحروب الصليبية".. (4) فحين دخل الجنرال اللنبي القدس يوم 9. ديسمبر1917م دخل القلعة ممتطياً صهوة جواده واقتحم القاعة وألقى التحية بغطرسة واستكبار وقال كلمته الشهيرة:" الآن انتهت الحروب الصليبية وإلى الأبد" .. وبعد سماع هذه الكلمة انسحب رئيس البلدية حسن سليم الخالدي احتجاجاً وتبعه العديد من الوجوه: مثل مفتيها كامل الحسيني؛ وكبار رجال الدين المسلمين والمسيحين؛ ووجوه المدينة والمنطقة . وتصرف اللنبي استهتارا بالقوات العربية الحليفة التي تقاتل إلى جانب البريطانيين؛ وكان استهتاره فاضحا بـ:"فيصل" وقواته بالإضافة إلى إهانة ممثلي القدس ومنطقتها، ومع ذلك يجب الإشارة إلى أن كثيراً من ز عماء فلسطين ابتلعوا الإهانات وصموتوا صمت أهل القبور وتغاضوا عن الصفعات وكأنهم لا يرون لا يسمعون لا ينطقون(5)
قال د. عمارة:" وإذا كان مفهوما أن تحتفل انجلترا وحلفاؤها بانتصارها على الأتراك والألمان في القدس عام 1917م، وأن ترى في هذا الانتصار تحقيقا للأحلام الصليبية التي حاربوا من أجل تحقيقها قبل قرون، فإن المفاجأة المذهلة التي بلغت درجة العيار الثقيل - يومئذ - كانت احتفال الكنائس الألمانية - الكاثوليكية والبروتستانتية - بهزيمة وطنها ألمانيا في القدس أمام الجيش الانجليزي لأن احتلال القدس من قبل الإنجليز - رغم أنه هزيمة وطنية لألمانيا - هو انتصار للصليبية الغربية على الإسلام في القدس الشريف!". (6)
ثم يستدل عمارة على قولته هذا بالقول:" ولقد ذكر هذه الحقيقة المذهلة - التي تُفجر ملكات الوعي بالتاريخ - مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني - (1311 - 1394 هـ ، 1894 - 1974م) الذي كانت إقامته محددة في فرنسا عقب هزيمة المحور في الحرب العالمية الثانية - عندما قال للدكتور توفيق الشاوي (1336 - 1430 هـ ، 1918 - 2009م):" ألا تعلم يا توفيق.. أنه أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية متحالفة مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا، وكان المسلمون يضحون برجالهم ومستقبلهم من أجل انتصار ألمانيا، ومع ذلك، عرفتُ أنه عندما دخلت الجيوش الانجليزية القدس واحتلت فلسطين، أمرت بعض الهيئات المسيحية بدق أجراس الكنائس في جميع أنحاء ألمانيا - الكاثوليك والبروتستانت - احتفالا بانتصار المسيحية على الإسلام، واستيلائها على القدس الشريف"!! (7).
القائد الفرنسي والضريح :
ولمّا دخل الجنرال جورو دمشق يوم 21 يوليو 1920م توجّه إلى قبر "صلاح الدين الأيوبي" ووقف أمامه قائلاً:" ها قد عدنا يا صلاح الدين".. وبنفس الحقد الذي صدر عن الجنرال الإنجليزي، كان مسلك الجنرال الفرنسي جورو قائد الجيش الفرنسي في دمشق حين ذهب إلى قبر صلاح الدين، بعد أن جاءه راكبًا سيارة مكشوفة، وترجل إلى القبر، وقال قولته المشهورة: (نحن هنا يا صلاح الدين) وفي اليوم التالي عمل الشئ نفسه في حمص، حيث ذهب إلى قبر خالد بن الوليد -رضي الله عنه – وقال: "نحن هنا يا خالد" (8)!.
وما قاله اللنبي أو جورو ما هو إلا تعبير عن الموقف السياسي والثقافي الأوروبي في ذلك الوقت، فنشرت الصحف البريطانية صور اللنبي وكتبت تحتها العبارة التي قالها، وهَنَّأَ لويد جورج وزيرُ الخارجية البريطانية في ذلك الوقت الجنرالَ اللنبي في البرلمان البريطاني لإحرازه النصر في آخر حملةٍ صليبيةٍ من الحروب الصليبة التي سمّاها لويد جورج الحملة الصليبية الثامنة.(9)
﴿6.﴾ الرجال والتركة :
نعترف أن تركة ميراث المتوفى أو في السياسة- قد تكون ثقيلة؛ إما محملة بالفوائد والمنافع وإما محملة بالديون والمطالب وبعد مرور مائة عام على هذين الحدثين أجدُ-كاتب هذه السطور- أن التركة السياسية في العالم الإسلامي والعربي إزدادت ثقلاً فوق ثقلها.. ويعود ثقلها إلى الضعف الشديد في فهم القضية المعروضة أمامنا وبالتالي غياب الحل الصحيح. يوازي هذا من حيث الضعف غياب الدور الفاعل لـلـ مؤسسة الرسمية في كل دولة وغياب ملحوظ لدور المنظمات العالمية أو الإقليمية ذات الصبغة الدولية، فترى أورغان؛ الرئيس التركي-مثلاً- يدعو لعقد قمة يوم 13 من ديسمبر في اسطنبول فيخرج-على استحياء-بيان هزيل لملوك وأمراء ورؤساء 57 دولة وتتحرك-خجلاً-الجامعة العربية دبلوماسياً.
حين نتحدث عن رجل دولة.. أو رجل نظام.. أو رجل منفعة أو مصلحة: نجد فارقا كبيرا كما بين الثرى والثريا حين يفكر أو يتكلم أو يتفاعل رجل الدولة مع قضية ما أو مسألة بعينها سواء أكانت مصيرية لأمته أو حياتية معيشية لشعبه وبين رجل النظام أو رجل المنفعة والمصلحة.. فرجل الدولة يحمل مبدأ تتبناه دولته يفعله في الوسط السياسي وينشره في الأوساط الإجتماعية والمحيط الإعلامي.. هذا أولاً.. ثم يسعى لبلورته في المناخ العام لدولته أو ما يطلق عليه الوعي العام لشعبه.. وهذا ثانياً.. ثم يدعو إليه في المجتمع الدولي ويبرهن على صحته في المحافل العالمية. وهذا ثالثاً.. ثم يسعى لجذب قوى تشاركة الرأي وأطراف إقليمية ودولية تؤيده وتعينه وتسانده.. وهذا رابعاً.. ثم ينفذه بعد إعداد اسباب النجاح.. هذا ما لا يفعله اي رجل يطلق عليه تجاوزا رجل دولة في العالم العربي أو الإسلامي.. أما رجل النظام أو المنفعة فهو مسير مغلوب على أمره يطيع أوامر وينفيذ ما يملى عليه.. يتبقى جانب من المجتمع وهو ما يطلق عليه ويسمى: القوى الناعمة لشعب أو دولة.. لذا نرى كاتبا عالميا يحمل جائزة نوبل للأدب يحسن حين يصور الحارة المصرية في قصصه.. ويجسد الشخصية المصرية من خلال جوانبها المتعددة في رواياته فيأتي مَن يتمكن من إخراج هذه الرواية كأشخاص حقيقيين تراهم على الشاشة الفضية.. غير أنه الشاعر أو الكاتب أو المخرج ليس ملزما في مجالات الأدب والفن والصحافة أن يضع حلاً للمشكلة التي كتب عنها أو أخرجها فأظهرها إلى الوجود.. نعم قد يلقي ضوءاً ولكن الحل ليس دوره بل دور رجل الدولة: الرجل السياسي أو البرلماني أو المُشرع أو صاحب القدرة والنفاذ في المجتمع السياسي أو الإجتماعي وإن لم يتبوأ منصبا رسميا؛ كما لوحظ مع كلٍ مِن حرم الرئيس المصري السادات ومبارك .
لذا يوجد رجال دولة وحكم ورجال سياسة ورجال فن وبينهم يوجد اشباه رجال من الوسطاء؛ في اللهجة العامية المصرية يقال له "دلال"... هذا صاحب مصلحة سواء أكان ينتمي إلى أهل الحكم أو السياسة أو الفن أو المشاهير فيجذب العامة من البشر فيلتف حوله مَن يظنون فيه المصداقية أو فئة خاصة من كل مجتمع.. فمن ردود الافعال المضحكة الباكية أن:" نواب مصريون يناصرون القدس من تحت قبة البرلمان من خلال :" ارتداء بمقر البرلمان بالقاهرة أوشحة كُتب عليها "القدس عربية"، ودعا رئيس مجلس النواب علي عبدالعال البرلمانيين للوقوف تحية للنضال الفلسطيني، قائلا "القدس لنا، وستظل عاصمة للدولة الفلسطينية ". والمضحك المبكي في الإعلام المصري كمثال أن تقوم مقدمة برنامج :"هنا القاهرة" برسم علم دولة إسرائيل على ورقة ثم تقوم بتمزيقها فوضعها في كوب من الماء ".. والبقية معروفة عند الشارع المصري.. تصرف هزيل من المجتمع المدني وقبله الوسط السياسي المصري متمثلاً في برلمانه؛ يجب أن لا ننسى أن من المضحكات المبكيات أن الدولة التركية العلمانية تقوم سنوياً بمشاركة في مناورات عسكرية من دولة إسرائيل! دجل سياسي مفضوح !!؟.
ومنذ بداية القضية الفلسطينة لم يخرج المسلمون والعرب عن نطاق الكلام والإفتاء والفتوى دون العمل الجاد فمثلا :" نذكر بما صدر عن فتوى علماء الأزهر عام 1947م: بـ:" وجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين وحماية المسجد الأقصى" جاء فيها ( إنَّ قرار هيئة الأمم المتحدة قرار من هيئة لا تملكه، وهو قرار باطل جائر ليس له نصيب من الحق والعدالة؛ ففلسطين مُلك العرب والمسلمين بذلوا فيها النفوس الغالية والدماء الزكيَّة، وستبقى ـ إن شاء الله ـ مُلك العرب والمسلمين رغم تحالف المبطلين، وليس لأحد كائناً من كان أن ينازعهم فيها أو يمزقها)،
المثال الثاني:" البيان الصادر عن دائرة مجلس الإفتاء العام في عمَّـان عاصمة الأردنية الهاشمية: الــذي صـدر إبَّـان خــروج قـرار من مجلس الكونغرس الأمريكي (1995م) القاضي بجعل القدس عاصمة لـ يهود، وجاء فيه: (إنَّ قرار الكونغرس الأمريكي القاضي بضم القدس يشكل عدواناً صارخاً على عقيدة كل مسلم في الأرض، وتعتبر الولايات المتحدة شريكاً في الظلم والعدوان الذي تمارسه إسرائيل). وجاء فيه كذلك: (القدس الشريف جزء من عقيدة كل مسلم يحافظ عليها كما يحافظ على دينه) وقد جاء في هذه الفتوى الأمر بجهاد اليهود.". ولا ننسى أن منظمة التعاون الإسلامي أنشأت من أجل القدس.
﴿7 .﴾ الإعلام والتاريخ:
يتصدر أي مشهد رواية ما.. أو خبر.. أو تتعقد الرواية فنجد لها عدة مصادر متعارضة متناقضة غير متجانسة.. يتناقلها مَن له غرض معلن أو خفي.. سواء في الدين أو السياسة أو التجارة.. أهل الكهنوت. منهم أحياناً كثيرة.. مَن لم يحسن الإخبار عن عقيدته؛ إذا ما اسند إليه رواية معينة فيعطي تصوره كما هو يرى بغض الطرف عن حكم المستجدات والمناخ العام الذي يعيش فيه والبيئة الحاضنة له . لذا تجد
﴿8. ﴾ غياب المؤسسة الدينية :
فتراجع دور رجل الدين الكهنوتي: سواء المسيحي الكنائسي أو الإسلامي الدعوي. واكتفى بصلوات ودعاء-مع أهميتهما- ويدعو إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية أو الأمريكية أو التظاهر في الشارع بإعتباره اسلوبا لأبداء الرأي ولكنه ليس طريقة وفارق بين مجرد إثبات موقف وقول رأي وبين أبداء الرأي والإصرار عليه والضغط لتنفيذه أو إنفاذه؛ والكثير منهم مرتبط بالسلطة الزمنية. يشارك المؤسسة الدينية في هذا التراجع المؤسسة التعليمية والتربوية والتثقيفية والعلمية!
القدس أطلق عليها أمير الشعراء أحمد شوقي (1285 - 1351 هـ ، 1871 - 1932م) لقب "سيدة القرى" بينما مكة هي "أم القرى" - كانت هذه المدينة المقدسة - على مر تاريخها الطويل هي رمز الصراع بين الغرب الصليبي والشرق الإسلامي، وكانت أيضا بوابة الانتصارات في هذا الصراع." (10)
**
محمد فخر الدين الرمادي
الاثنين 30 ربيع الأول 1439~ 18. 12 . 2017
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
الملاحق والحواشي والمصادر:
(1) تعبير إنشائي اخترعه الكاتب .. إذ حقيقة الأمر أنه مائة عام واحدة مرت على الأمتين الإسلامية والعربية ..
1. ]. ] المائة الأولى تبدء من يوم الثاني من نوفمبر 1917م .. أما
2.]. ] المائة الثانية تبدء من 6 ديسمبر 1917م.
(2) عُرف عن آرثر جيمس بلفور إعجابه ببعض زعماء الحركة الصهيونية مثل لويس برانديز، وحاييم وايزمان الذي التقاه عام 1906م، وحين تولى وزارة الخارجية أصدر قراره المعروف بـ"وعد بلفور" أو تصريح بلفور
(Balfour Declaration)
وهو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها بتاريخ 2 نوفمبر 1917م إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، واللورد روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة، والرسالة "وعد بلفور" أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين. وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين. وفي ما يلي نص الرسالة:
وزارة الخارجية
في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917
عزيزي اللورد روتشيلد!
يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته [جورج الخامس (George V)؛ ملك بريطانيا العظمى وآيرلندا، وإمبراطور الهند]، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيونى علما بهذا التصريح.
المخلص:
آرثر بلفور
**
نُذَكِر بأن الانتداب البريطاني على فلسطين: هو سلطة حكمت فلسطين لمدة 28 عاماً ما بين يوليو 1920 ومايو 1948م وبالحدود التي قررتها بريطانيا وفرنسا بعد تفكيك دولة الخلافة العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى. تم إعلان الإنتداب البريطاني على فلسطين من قبل عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 6 يوليو سنة 1921م وصودق عليه في 24 يوليو سنة 1922م ووضع موضع التنفيذ في 29 سبتمبر 1922م بموجب صك الإنتداب البريطاني. غطت منطقة الانتداب ما يعرف اليوم بفلسطين التاريخية (أي المنطقة التي تقع فيها اليوم كل من دولة إسرائيل والأراضي الفلسطينية - الضفة الغربية وقطاع غزة) بالإضافة إلى منطقة شرق الأردن. وكانت مدينة القدس عاصمة الانتداب حيث سكن الحاكم البريطاني ومؤسسات حكومة الانتداب. مع بداية فترة الانتداب وضعت بريطانيا هدفا لها هو تحقيق وعد بلفور، أي فتح الباب أمام اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين وإقامة وطن لليهود فيها. ونذكر أن أول رئيس وزارة إسرائيلي؛ بن جوريون قال :" لا إسرائيل بدون القدس.. ولا قدس بدون الهيكل". وعليه فـ وعد بلفور بداية مخطط: إذ هو الخطوة البريطانية الأولى التي أسست لاستيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين، وإقامة إسرائيل ضمن سياق ترتيبات استعمارية جيوسياسية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وساهمت بريطانيا في دعم الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشجعت العصابات الصهيونية التي مارست تطهيرا عرقيا ضد أصحاب الأرض الفلسطينيين. أما في منتصف ثلاثينات القرن العشرين فغيرت بريطانيا سياستها وحاولت وقف توافد اليهود على فلسطين ومنع شراء الأراضي من قبل اليهود .
واللافت للنظر أن بقيت الحكومات البريطانية المتعاقبة -وبينها حكومة تيريزا ماي الحالية- تفتخر بمساهمتها في قيام إسرائيل، وتصر على الاحتفاء بـ"وعد بلفور" الذي فرضته على عصبة الأمم وثبتته ضمن صك الانتداب على فلسطين. وترفض لندن الاعتذار عنه وعن آثاره لأنه سيفتح عليها "أبواب جهنم" . وقد أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية: تيريزا ماي، أن بريطانيا ستحتفل بفخر بالذكرى المئوية لصدور "وعد بلفور"، الذي وضع قاعدة لتأسيس دولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المنتزعة من أصحابها. وشددت ماي مرارا على عزم بريطانيا للاحتفال بمئوية "وعد بلفور"، حيث قالت في ديسمبر الماضي، إن "هذه الرسالة واحدة من الأهم في التاريخ"، مضيفة: "إنها تظهر الدور الحيوي، الذي قامت به بريطانيا في إقامة وطن للشعب اليهودي، وسنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر". وقالت ماي، أثناء الرد على الأسئلة خلال جلسة لمجلس العموم البريطاني، وهو الغرفة السفلى من برلمان البلاد، يوم الأربعاء: 25 أكتوبر.2017 " إننا نشعر بالفخر من الدور الذي لعبناه في إقامة دولة إسرائيل، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر."(أخبار العالم العربي؛ 25.10.2017). وفي معرض تفسيرهم لدوافع الحكومة إلى عدم الاعتذار، يرى بعض الوزراء البريطانيين أن اعتذارها عن وعد بلفور من شأنه أن يفتح "صندوق باندورا" من المطالب من قبرص إلى كشمير وصولا إلى شعوب أخرى عانت جراء الاستعمار البريطاني. فأي اعتذار -وفق الوزراء- تترتب عليه مسؤوليات ضخمة، لعل أقلها دفع تعويضات للشعب الفلسطيني.
والمخجل حقا وصدقاً تصرف ابو مازن الرئيس الفلسطيني فـ :" في كلمة ألقاها من فوق منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 20 سبتمبر الماضي، طالب محمود عباس، السلطات البريطانية الحالية تقديم اعتذار عن إصدار "وعد بلفور" يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1917م، ومنح تعويضات للفلسطينيين على احتلال أراضيهم، الذي مهدت رسالة الوزير البريطاني بلفور الطريق له. ثم يأتي دور طواقم تربوية فلسطينية وانشغالها في ترتيب نحو مئة ألف رسالة كتبها طلبة فلسطينيون في المرحلة الثانوية باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والتركية لرئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، وطالبتها بالاعتذار عمّا لحق بالشعب الفلسطيني جراء وعد بلفور. وتم تسليم هذه الرسائل للقنصل البريطاني في القدس المحتلة تعبيرا عن الرفض الفلسطيني لاحتفال بريطانيا بالذكرى المئوية لوعد بلفور".
من الناحية النظرية، يبدو أن الاعتذار البريطاني عن وعد بلفور أمر ممكن، إذ سبق لبريطانيا أن اعتذرت عن دورها في تجارة العبيد في الحقبة الاستعمارية، كما اعتذرت عن تسببها في المجاعة بأيرلندا خلال القرن التاسع عشر. غير أن هذا الأمر يبدو بعيد المنال في الواقع المعاصر لأسباب عديدة، أبرزها أن الطبقة السياسية الحاكمة (محافظون، عمال، ليبراليون) لا تميل إلى تقديم اعتذار كهذا للشعب الفلسطيني، لخلفيات سياسية أو دينية أو ثقافية أو مصلحية وغيرها.
ولا تزال قطاعات بريطانية واسعة تؤمن بما يسمى "الحق التاريخي لليهود في فلسطين"، وتتعاطف مع الرواية الإسرائيلية ومع ما عاناه اليهود من مظالم تاريخية معظمها على أيدي الأوروبيين أنفسهم.
ولعله من عجائب الأمور أن يطالب شعب مشرد في شتات العالم استلبت أرضه منه أن يطلق :" حملة فلسطينية لمطالبة بريطانيا بالاعتذار".(!!؟)
(3) ذكرى الاحتلال البريطاني لمدينة القدس؛ محمد نمر مفارجة؛ 12 ديسمبر2010 ( دنيا الوطن).
(4) الصليبية فوق الوطنية؛ 4 أغسطس، 2017؛ د. محمد عمارة .
(5) انظر : فلسطين ضحية وجلادون؛ زهير عبدالمجيد الفاهوم. ص: 465؛ الطبعة الثانية 2012م
(6) مصدر سابق : عمارة.
(7) مصدر سابق ؛ عمارة.
(8) انظر: الدكتور توفيق الواعي، الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية: ص 707. وانظر كذلك: نجيب الكيلاني، الإسلامية والقوى المضادة: ص 142، طبعة مؤسسة الرسالة، 1407 هـ؛ مجلة مجمع الفقه الإسلامي؛ تصدر عن مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي؛ العدد السابع ص: 2101.
(9) الدكتور راجح السباتين.
(10) مصدر سابق : الصليبية فوق الوطنية؛ د. محمد عمارة.

ضعف الخبر المشهور في هجرة عمر!!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
الصديق الحبيب/ أيمن حفظه الله تعالى.
نشر على الصفحة الرئيسة لموقع آستروعرب نيوز الذي يبث من عاصمة جمهورية الألب عنوان :

«لماذا هاجر عمر جهرا وهاجر الرسول سرا ؟»

.. واستسمحكم في تبيان بعض النقاط؛ منها :
1.] ما ينشر على موقع إلكتروني له مصداقيته ويستحوذ على مرتبة متقدمة بين المواقع [708.332] وتقرأه العامة يحتاج إلى تدقيق وتحقيق ومراجعة الأصول المعتمدة؛ ولصعوبة هذا الشئ قد يسكت البعض؛ وقد يرد الآخر؛ هذ جانب؛ وأما ما يقال في الجلسات الخاصة ولا ينشر أو فوق منابر المصليات لعل أمره يستتر أو ينسى. أما ما يتم تداوله فوق منصات التواصل الإجتماعي والتي ليس لها رقيب فلها أن تنشر ماتشاء..
2.] العنوان المنشور على الموقع هذا الإسبوع بمناسبة الهجرة الشريفة ملفت للإنتباه ويثير في ضمائر وعقول ضعاف النفوس ما يثير..
3.] الهجرة الشريفة لخاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين جاءت بعد إذن من ربه -سما في علاه وتقدست اسماه- لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ هذا أولاً؛
أما ثانياً: فالهجرة المصطفوية جاءت وحياً.. ولم تكن هرباً أو فراراً كما يدعي مَن يجهل السيرة النبوية.

ذكر ابن إسحاق في السيرة النبوية : مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْقُرْآنِ وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ:« وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ » .
وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ » أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ».
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ : الْمَوْتُ . وَرَيْبُ الْمَنُونِ : مَا يَرِيبُ وَيَعْرِصُ مِنْهَا .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ فِي الْهِجْرَةِ . ".

تبيان الكلام على الخبر المشهور في هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه
ومما درج على ألسنة كثير من الوُعَّاظ والقصَّاصين الذين يُلقون الكلام على عواهنه -هذه القصة- ؛ من غير تمييز لصحيح القصص من سقيمها.
فـ الخبر المشهور في هجرة عمر رضي الله عنه ضعيف الإسناد لا يصح، فقد رواه :
1.] ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (44/ 51)، و
2.] ابن الأثير في "أسد الغابة" (4/ 145) .
3.] ابن السمان في الموافقة.
4.] شرح المواهب(ج:1؛ ص: 319)
5.] وعند الصالحي الشامي (ج:3؛ ص: 315)
وأفة الخبر جاءت عن طريق مَن رواه : فمن طريق الزبير بن محمد بن خالد العثماني أخبرنا عبدالله بن القاسم الأيلي عن أبيه عن عقيل بن خالد عن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه عن عبدالله بن العباس رضي الله عنه قال :" قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما علمت أن أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا، إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه لما همَّ بالهجرة تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى في يده أسهما [أي: أخرجها]، واختصر عَنَزَته [أشبه ما تكون العكازة؛ وقبض عليها من وسطها]، ومضى قِبَل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعا متمكنا، ثم أتى المقام فصلى متمكنا؛ ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم :" شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه أو يوتم ولده أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي". قال علي رضي الله عنه : فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.
وهذا إسناد ضعيف لا يحتج به؛ والقصة معلولة : فـ الزبير بن محمد وشيخه وأبو شيخه: مجهولون لا يعرفون.
فلنراجع ما قال الألباني؛ إذ يقول الخبر :" مداره على الزبير بن محمد بن خالد العثماني: حدثنا عبدالله بن القاسم الأيلي عن أبيه بإسناده إلى علي. وهؤلاء الثلاثة في عداد المجهولين؛ فإن أحدا من أهل الجرح والتعديل لم يذكرهم مطلقا " [المصدر: "دفاع عن الحديث النبوي" الرد على البوطي: (ص 42)] ..
وقد اشار إلى ضعفها د. أكرم ضياء العُمري في السيرة النبوية الصحيحة (ج:1؛ ص: 206).
وراجع : د. مهدي رزق الله أحمد في السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية (ج: 1؛ ص: 308-309)
انظر : د. عبدالسلام بن محسن آل عيسى في دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية (ص: 161).
اما الصحيح في خبر هجرة عمر رضي الله عنه ما رواه ابن إسحاق قال :" ثُمَّ خَرَجَ عُمر بْنُ الْخَطَّابِ، وعَيَّاش بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اتعَدْتُّ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وعَيَّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ (موضع أعلى سرف على مرحلة من مكة ) مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ (أرض تمسك الماء فيتكون فيها الطين)، فَوْقَ سَرِف وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبس فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ، قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّناضِب، وحُبس عنا هشام، وفُتن، فافتتن. " [المصدر: "سيرة ابن هشام" (ج:2؛ ص: 85)، وصححه الحافظ ابن حجر في "الإصابة" (ج:6؛ص: 423)؛ وقد اشار إلى صحتها الهيثمي في المجمع(ج:6؛ ص: 61)] .
ودلالة هذه القصة واضحة في أن هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت سرية.. فليس فيها اي إشارة إلى إعلان هجرته؛ اضف إلى ذلك إن تواعدهم في التناضب من اضاة بني غفار وهي على مسافة عشرة أميال من مكة.. ليؤكد إسرارهم بهجرهم.
وأزيد فوق هذا ما جاء صريحاً في رواية ذكرها ابن سعد في الطبقات (ج:3؛ ص: 271) حول هجرة عمر بن الخطاب سراً.. حيث ساق نحوا من رواية ابن إسحاق السالفة الذكر وزاد فيها عمر :" وكنا نخرج سراً ..".
والإشكال حين يأتي التكلف في إستخراج العبر والدروس والمواعظ من قصة ليست ثابتة اصلا بل ضعيفة جداً... كما فعل السباعي في السيرة النبوية دروس وعبر (ص:80)؛ والبوطي في فقه السيرة (ص:135)
ولكي لايحدث خلط في أذهان الشباب والناس اقول:
كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، وأشدهم جرأة في الحق، وكان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين إذا اشتد البأس في الحروب: اتقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإليك الدليل:
فقد روى البخاري (2820)، ومسلم (2307) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ » .
وروى مسلم (1776) عن الْبَرَاء رضي الله عنه قال : « كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . قال النووي : " وَفِيهِ بَيَان شَجَاعَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِظَم وُثُوقه بِاَللَّهِ تَعَالَى » .
كما لا انكر شجاعة الفروق عمر بن الخطاب؛ فقد جاء في الصحيح :" ما سلك عمر فجاً إلا وسلك الشيطان فجا غيره"...
لكن العبرة بما صح وحسن إسناده.
وفي نهاية حديثي اقول : ما اردت إلا الإصلاح والفلاح .. والإعتماد على الروايات الصحيحة ومراجعة ما ينشر من أهل العلم؛ فأفة الأمة الإسلامية صار في الضعف الشديد الذي طرأ على الإذهان في فهم الإسلام؛ ويجاور هذا الضعف نقل البعض من اي مصدر دون تحقيق او تدقيق أو مراجعة..
د. محمد فخر الدين الرمادي
الاثنين 5 محرم 1439هـ ~25. 09. 2017م

غياب الإنتماء

بمناسبة الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وآله "
أحداث ما قبل الهجرة

مدخل للموضوع:
غاب مفهوم المواطنة عند الكثير مِن مَن يسكنون القارة الأوروبية من العمال وأصحاب المهن الدُنيا؛ فهم على اقصى تقدير « ضيف عامل » وهذا مصطلح غريب التركيب؛ فهو في جانب منه يعمل « عامل » ويتقاضى أجراً عن أنجاز عمله؛ ولكنه « ضيف » موجود فقط وبمجرد إنتهاء مهمته في تعمير القارة التي أنهكتها الحرب الكونية الثانية وبعد إعادة بناءها وإعمارها يعود إلى وطنه الأم؛ وبالمقارنة « عامل » دول الخليج؛ سواء على درجة مدرس ثانوي أو طبيب أو مهندس أو بائع في محل بقالة أو عطور؛ فحين بدء الإقتراب من أن تنتهي مهمته؛ مع أنخفاض مدخول برميل النفط بدء التفكير في دول الخليج في « سعودة العمالة »؛ وفي المقابل في أمة كــ مِصر مع غياب الدولة بأجهزتها الحيوية ومؤسساتها السيادية بدأت « خلنجة المجتمع المصري » أو على أحسن تقدير « خلنجة بعض الطوائف أو الشرائح من الطبقات المصرية » كـ أسر العمال؛ وعائلات الفلاحين أو مَن يملك مؤهل دراسي متواضع.. أو مَن يريد التقليد وأن تحصل على مؤهل علمي عال؛ من باب محاكاة الأقوى.. وهذا منذ سنوات طوال..
في القارة الأوروبية بمجرد إنتهاء الحرب العالمية وبروز مشروع « مارشال( ) » الأمريكي؛ أو بُعَيدَ الغضبة الناصرية لمحاولة الإخوان إغتياله فما كان منه –بصفة عامة: التركي وخاصة : المصري في القارة الأوروبية ودول الخليج- إلا أن يجمع أموالا ويرسلها لوطنه الأصلي فيستثمر هذا المال في قطاع العقارات؛ فوق رقعة الأرض الزراعية التي تركها الفلاح وسافر.. أو بجوار المصنع الذي أغلق لعدم وجود مَن ينتج.. أو تجديد قطع الغيار والماكينات.. وهذا حدث للأتراك ومن بعدهم أهل يوغوسلافيا السابقة ثم المصري سواء عامل المصنع أو صاحب الأرض.. ومالك الطين..
هناك شريحة مصرية وجدت مأمنا لمناكفة الحكومة وتقليب الشعب عليها فختارت البقاء في دول الخليج أو بريطانيا.. فرنسا.. ألمانيا.. وتم إحتضان هؤلاء من باب حقوق الإنسان؛ والجميع أي دول الخليج ماعدا إمارة قطر وكل حكومات دول أوروبا تعيد النظر في أمر وحال هؤلاء..
تغيرت المعادلة عند الجيل الثاني مِن أبناء هؤلاء جميعاً؛ فالجيل الثاني والثالث من أبناءهم قارن بين دولة من العالم الأول؛ عضو الإتحاد الأوروبي وبين دولة نامية من دول « العالم الثالث » وفق تعبير « شارل دي جول »؛ فرجح البقاء في أوربا والإستفادة من الخدمات الإجتماعية والإئتمانية والصحية؛ والقلة منهم العلمية والتقنية وصار الوطن الأم على أقصى تقدير مصيف(!) أو مشتى(!) وأحياناً كثيرة يتم السفر على حساب الدولة المنهكة إقتصادياً ومن أموال دافعي الضرائب الغلابة .. لقضاء بعض الأيام على شواطئ البحيرة الحمراء أو البيضاء لا تعود بنفع على الدولة المصرية أو الشباب-في السابق كان يستفيد الأتباع المباركيون(!) يجاورهم الإخوان؛ واليوم لا يستفيد أحد.. تلك الشواطئ التي يحلم بها المواطن الغربي الأصلي مقابل حفنة من اليورو او الدولارات.. تغيرت العقلية ووجهة النظر في الحياة فصارت الشابة المصرية تقضي شهر عسلها مع عريسها في « أبو ظبي » أو « دبي » بدلا من رأس علم أو رأس البر.. تغيرت الثقافة فبدء ينظر أبناء الجيل الثاني والثالث لوطن الأباء الأم على أنه « بلد » الفوضى والقذارة( ).. نلاحظ إزدواجية المعايير من نفس الشخص في مكانين مختلفين.. هذا مكان درجة أولى مكيف الهواء والآخر مكان درجة ثالثة-السبنسة-
وهذا يلزمنا إعادة النظر لما يحدث ويجري مِن أكثر ما يزيد عن عشرين عاما في المنطقة العربية خصوصا ومناطق ما يطلق عليها إسلامية عموما أو الدول الغربية.. فقد ضعف الشعور بالإنتماء؛ فهذا عامل يقضي عامه يشقى ويتعب لجمع حفنة من الدولارات أو اليورو أو الريالات؛ ثم يذهب لزيارة سريعة لبلده؛ وهذه امرأة تعمل في الخليج تحول "تحويشة" السنة إلى ذهب لتضعه في خزانتها السرية لحين إنتهاء مدة إعارتها في الملكية السعودية أو إمارة الكويت أو قطر.. ضعف أو غاب الإنتماء.. فـ هنا عمل لجمع المال وهنا -أيضا- عمل إما لبناء فيلا أو شراء شقة أو مشروع استثماري.. الحديث هنا عن « الأنا »؛ وجمع مال أو إدخاره وكما قيل قديماً « القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود »؛ بيد أننا ننسى أو نتناسى زمن وحال هذه المقولة؛ إذ أنها قيلت في زمن لا يوجد فيه معاش لمن يتقدم به العمر فلا يقدر على الشغل؛ وحال الغالبية من السكان -آنذاك- تقوم بمزاولة أعمال حرة.. كالفلاحة أو عمال الورش.. غاب الإنتماء أو ضعف؛ إذ أن الشعور بالإنتماء ينبغي أن يترتب على الحب.. إما لهذا الوطن.. أو لهذا الشعب.. أو للأرض والطين -كما يتغنى في الفلكور المصري القديم « عوّاد باع أرضه »؛- أو المدينة.. ونتدنى فنصل إلى حب القوم والعشيرة؛ فمن لا يملك حباً يغيب عنده الإنتماء؛ لذا تجد الجيل الأول-في منطقة الخليج/أوروبا- لا يشعر بإنتماءه إلى تلك الدول التي جمع منها المال.. بل قلدهم في الحديث مع إخراج الكلمات بطريقتهم كما تسرول بلباسهم وتعمم بشماغهم.. وإن كان فلاحاً مصرياً فقد ربط فوق رأسه في حقله « منديلا » ليجفف عرقه ولا يتزين به؛ ثم يلف العمامة في الأفراح وعند حضوره الليالي الملاح.. والجيل الثاني والثالث متأرجح بين (!!!) بين (!!!) فهو ليس مصرياً للنخاع كما أنه ليس خليجياً للعظم.. ولا يحمل شعورياً بالفعل أنه أوروبياً.. لذا فقد نتفهم بشئ من الصعوبة البالغة : لماذا يقوم مَن يسكن في بلد ما -وليس وطن- في تفجير منشأته مع قتل آخرين لا يعرفهم؛ أي ما هو موجود فوق وطن يظن أنه ليس له.. فهو منفتح على العالم من خلال جهاز محموله الذكي ومع ذلك يعيش في عالم منغلق ..
تغير المفاهيم والقناعات والقيم والأفكار بشكل درامي محزن مؤسف؛ صارت الجماعة أو الحزب؛ بمعنى الإنتماء لعضوية جماعة والحصول على هوية حزب.. هذا هو الإنتماء الحقيقي وليس الإنتماء لوطن أو لغة.. انظر إلى المنطقة العربية حين كان التغني بتاريخ واحد.. ومصير واحد.. ولغة واحدة .. لذا قد نتفهم بصعوبة بالغة لماذا أعضاء تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية يقومون بما يفعلونه وهو معلن بشكل سافر؛ إذ صار الإنتماء لكتلة بعينها تسمى جماعة الإخوان أو السلفية الجهادية أو القاعدة أو الدولة.. هذا هو الإنتماء الحقيقي؛ ومَن يعارض مشروع تلك الجماعة أو الحزب فهو عدو يستحق القتل والفناء وإن كان من المقربين..
في العصر الحديث صار مفهوم الوطن يطلق عليه الدولة؛ ويكمل التعريف نفسه القول أن الدولة تطلق على أرض فوقها شعب يتولى إدارة شؤونه حكومة.. لذا تعدى تنظيم الدولة المسماه بالإسلامية والمختصر إعلاميا بـ داعش؛ أي الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ تعدى من سبقه من تنظيم القاعدة والجماعة التي حكمت عاماً يتيماً.. والسبب يعود -مِن وجهة نظري- أن الجماعة تفتقد إلى الحس السياسي وحسن الإعلان والإعلام فهي تخاطب الأتباع وتلزمهم كما تقدم خدمات إجتماعية للغرباء.. وينعدم عندها الفهم -ولا يشترط أن يكون صحيحاً- لمفهوم الدولة وفق معايير إسلامية؛ أما الدواعش فأوجدوا أنماطاً مقبولة عند عقول ونفسيات البعض الذين يميلون إلى إعادة الخلافة وأمجاد الأجداد.. ولا ننسى مساندة دولية في الخفاء لهذا التنظيم.. فصار لديه القدرة الحركية والإستباقية وحسن العرض من خلال وسائط إعلامية تزين للجاهل باطل مصداقيته فيسعى مَن في القارة الأوربية لتحقيق أهدافه ويلتزم مَن في المنطقة العربية لتنفيذ أوامره..
ومع الهزائم المتتالية في كل من العراق وسوريا إلا أنه يتبقى بذرة الفكرة ذاتها؛ فتجدها في عقول مَن لا يملك علماً ويتبع وسيلة إنهاء الآخر أو أفناءه فالآخرون إما كفرة بالفكرة يستحقون القتل وإما هم أعداء فسيلحقون بمصير مَن كفر بهم مع وجود أجندة مصالح ورزمة منافع لدول في المنطقة وخارجها..
إذ كيف نفسر حماية حزب الله الشيعي أولا واللبناني ثانياً لمن تبقى من عائلات الدواعش لحملهم تحت حماية إيرانية ونقلهم إلى أماكن آمنة؛ وقد وصل عدد النساء والأطفال في بعض مناطق الحجز إلى 1400 امرأة وطفل منهم ما يقترب من 200 مراهق ومراهقة.. وهناك أمثالهم ينتمون إلى الفكرة وليس لوطن أو شعب أو قوم بل إنتماء لحزب بغض النظر عن مكانه وحال أميره أو جماعة بغض لنظر عما تنشره من افكار..
لذا فالمجتمع برمته والدولة بكافة أجهزتها الحيوية ومؤسستها السايدية هي التي أنتجت أمثال هؤلاء فهم لم يأتوا من فراغ أو هبطوا من كوكب آخر ...
وللحديث بقية !

غياب الإنتماء
بمناسبة الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وآله "
أحداث ما قبل الهجرة

مدخل للموضوع:
غاب مفهوم المواطنة عند الكثير مِن مَن يسكنون القارة الأوروبية من العمال وأصحاب المهن الدُنيا؛ فهم على اقصى تقدير « ضيف عامل » وهذا مصطلح غريب التركيب؛ فهو في جانب منه يعمل « عامل » ويتقاضى أجراً عن أنجاز عمله؛ ولكنه « ضيف » موجود فقط وبمجرد إنتهاء مهمته في تعمير القارة التي أنهكتها الحرب الكونية الثانية وبعد إعادة بناءها وإعمارها يعود إلى وطنه الأم؛ وبالمقارنة « عامل » دول الخليج؛ سواء على درجة مدرس ثانوي أو طبيب أو مهندس أو بائع في محل بقالة أو عطور؛ فحين بدء الإقتراب من أن تنتهي مهمته؛ مع أنخفاض مدخول برميل النفط بدء التفكير في دول الخليج في « سعودة العمالة »؛ وفي المقابل في أمة كــ مِصر مع غياب الدولة بأجهزتها الحيوية ومؤسساتها السيادية بدأت « خلنجة المجتمع المصري » أو على أحسن تقدير « خلنجة بعض الطوائف أو الشرائح من الطبقات المصرية » كـ أسر العمال؛ وعائلات الفلاحين أو مَن يملك مؤهل دراسي متواضع.. أو مَن يريد التقليد وأن تحصل على مؤهل علمي عال؛ من باب محاكاة الأقوى.. وهذا منذ سنوات طوال..
في القارة الأوروبية بمجرد إنتهاء الحرب العالمية وبروز مشروع « مارشال( ) » الأمريكي؛ أو بُعَيدَ الغضبة الناصرية لمحاولة الإخوان إغتياله فما كان منه –بصفة عامة: التركي وخاصة : المصري في القارة الأوروبية ودول الخليج- إلا أن يجمع أموالا ويرسلها لوطنه الأصلي فيستثمر هذا المال في قطاع العقارات؛ فوق رقعة الأرض الزراعية التي تركها الفلاح وسافر.. أو بجوار المصنع الذي أغلق لعدم وجود مَن ينتج.. أو تجديد قطع الغيار والماكينات.. وهذا حدث للأتراك ومن بعدهم أهل يوغوسلافيا السابقة ثم المصري سواء عامل المصنع أو صاحب الأرض.. ومالك الطين..
هناك شريحة مصرية وجدت مأمنا لمناكفة الحكومة وتقليب الشعب عليها فختارت البقاء في دول الخليج أو بريطانيا.. فرنسا.. ألمانيا.. وتم إحتضان هؤلاء من باب حقوق الإنسان؛ والجميع أي دول الخليج ماعدا إمارة قطر وكل حكومات دول أوروبا تعيد النظر في أمر وحال هؤلاء..
تغيرت المعادلة عند الجيل الثاني مِن أبناء هؤلاء جميعاً؛ فالجيل الثاني والثالث من أبناءهم قارن بين دولة من العالم الأول؛ عضو الإتحاد الأوروبي وبين دولة نامية من دول « العالم الثالث » وفق تعبير « شارل دي جول »؛ فرجح البقاء في أوربا والإستفادة من الخدمات الإجتماعية والإئتمانية والصحية؛ والقلة منهم العلمية والتقنية وصار الوطن الأم على أقصى تقدير مصيف(!) أو مشتى(!) وأحياناً كثيرة يتم السفر على حساب الدولة المنهكة إقتصادياً ومن أموال دافعي الضرائب الغلابة .. لقضاء بعض الأيام على شواطئ البحيرة الحمراء أو البيضاء لا تعود بنفع على الدولة المصرية أو الشباب-في السابق كان يستفيد الأتباع المباركيون(!) يجاورهم الإخوان؛ واليوم لا يستفيد أحد.. تلك الشواطئ التي يحلم بها المواطن الغربي الأصلي مقابل حفنة من اليورو او الدولارات.. تغيرت العقلية ووجهة النظر في الحياة فصارت الشابة المصرية تقضي شهر عسلها مع عريسها في « أبو ظبي » أو « دبي » بدلا من رأس علم أو رأس البر.. تغيرت الثقافة فبدء ينظر أبناء الجيل الثاني والثالث لوطن الأباء الأم على أنه « بلد » الفوضى والقذارة( ).. نلاحظ إزدواجية المعايير من نفس الشخص في مكانين مختلفين.. هذا مكان درجة أولى مكيف الهواء والآخر مكان درجة ثالثة-السبنسة-
وهذا يلزمنا إعادة النظر لما يحدث ويجري مِن أكثر ما يزيد عن عشرين عاما في المنطقة العربية خصوصا ومناطق ما يطلق عليها إسلامية عموما أو الدول الغربية.. فقد ضعف الشعور بالإنتماء؛ فهذا عامل يقضي عامه يشقى ويتعب لجمع حفنة من الدولارات أو اليورو أو الريالات؛ ثم يذهب لزيارة سريعة لبلده؛ وهذه امرأة تعمل في الخليج تحول "تحويشة" السنة إلى ذهب لتضعه في خزانتها السرية لحين إنتهاء مدة إعارتها في الملكية السعودية أو إمارة الكويت أو قطر.. ضعف أو غاب الإنتماء.. فـ هنا عمل لجمع المال وهنا -أيضا- عمل إما لبناء فيلا أو شراء شقة أو مشروع استثماري.. الحديث هنا عن « الأنا »؛ وجمع مال أو إدخاره وكما قيل قديماً « القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود »؛ بيد أننا ننسى أو نتناسى زمن وحال هذه المقولة؛ إذ أنها قيلت في زمن لا يوجد فيه معاش لمن يتقدم به العمر فلا يقدر على الشغل؛ وحال الغالبية من السكان -آنذاك- تقوم بمزاولة أعمال حرة.. كالفلاحة أو عمال الورش.. غاب الإنتماء أو ضعف؛ إذ أن الشعور بالإنتماء ينبغي أن يترتب على الحب.. إما لهذا الوطن.. أو لهذا الشعب.. أو للأرض والطين -كما يتغنى في الفلكور المصري القديم « عوّاد باع أرضه »؛- أو المدينة.. ونتدنى فنصل إلى حب القوم والعشيرة؛ فمن لا يملك حباً يغيب عنده الإنتماء؛ لذا تجد الجيل الأول-في منطقة الخليج/أوروبا- لا يشعر بإنتماءه إلى تلك الدول التي جمع منها المال.. بل قلدهم في الحديث مع إخراج الكلمات بطريقتهم كما تسرول بلباسهم وتعمم بشماغهم.. وإن كان فلاحاً مصرياً فقد ربط فوق رأسه في حقله « منديلا » ليجفف عرقه ولا يتزين به؛ ثم يلف العمامة في الأفراح وعند حضوره الليالي الملاح.. والجيل الثاني والثالث متأرجح بين (!!!) بين (!!!) فهو ليس مصرياً للنخاع كما أنه ليس خليجياً للعظم.. ولا يحمل شعورياً بالفعل أنه أوروبياً.. لذا فقد نتفهم بشئ من الصعوبة البالغة : لماذا يقوم مَن يسكن في بلد ما -وليس وطن- في تفجير منشأته مع قتل آخرين لا يعرفهم؛ أي ما هو موجود فوق وطن يظن أنه ليس له.. فهو منفتح على العالم من خلال جهاز محموله الذكي ومع ذلك يعيش في عالم منغلق ..
تغير المفاهيم والقناعات والقيم والأفكار بشكل درامي محزن مؤسف؛ صارت الجماعة أو الحزب؛ بمعنى الإنتماء لعضوية جماعة والحصول على هوية حزب.. هذا هو الإنتماء الحقيقي وليس الإنتماء لوطن أو لغة.. انظر إلى المنطقة العربية حين كان التغني بتاريخ واحد.. ومصير واحد.. ولغة واحدة .. لذا قد نتفهم بصعوبة بالغة لماذا أعضاء تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية يقومون بما يفعلونه وهو معلن بشكل سافر؛ إذ صار الإنتماء لكتلة بعينها تسمى جماعة الإخوان أو السلفية الجهادية أو القاعدة أو الدولة.. هذا هو الإنتماء الحقيقي؛ ومَن يعارض مشروع تلك الجماعة أو الحزب فهو عدو يستحق القتل والفناء وإن كان من المقربين..
في العصر الحديث صار مفهوم الوطن يطلق عليه الدولة؛ ويكمل التعريف نفسه القول أن الدولة تطلق على أرض فوقها شعب يتولى إدارة شؤونه حكومة.. لذا تعدى تنظيم الدولة المسماه بالإسلامية والمختصر إعلاميا بـ داعش؛ أي الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ تعدى من سبقه من تنظيم القاعدة والجماعة التي حكمت عاماً يتيماً.. والسبب يعود -مِن وجهة نظري- أن الجماعة تفتقد إلى الحس السياسي وحسن الإعلان والإعلام فهي تخاطب الأتباع وتلزمهم كما تقدم خدمات إجتماعية للغرباء.. وينعدم عندها الفهم -ولا يشترط أن يكون صحيحاً- لمفهوم الدولة وفق معايير إسلامية؛ أما الدواعش فأوجدوا أنماطاً مقبولة عند عقول ونفسيات البعض الذين يميلون إلى إعادة الخلافة وأمجاد الأجداد.. ولا ننسى مساندة دولية في الخفاء لهذا التنظيم.. فصار لديه القدرة الحركية والإستباقية وحسن العرض من خلال وسائط إعلامية تزين للجاهل باطل مصداقيته فيسعى مَن في القارة الأوربية لتحقيق أهدافه ويلتزم مَن في المنطقة العربية لتنفيذ أوامره..
ومع الهزائم المتتالية في كل من العراق وسوريا إلا أنه يتبقى بذرة الفكرة ذاتها؛ فتجدها في عقول مَن لا يملك علماً ويتبع وسيلة إنهاء الآخر أو أفناءه فالآخرون إما كفرة بالفكرة يستحقون القتل وإما هم أعداء فسيلحقون بمصير مَن كفر بهم مع وجود أجندة مصالح ورزمة منافع لدول في المنطقة وخارجها..
إذ كيف نفسر حماية حزب الله الشيعي أولا واللبناني ثانياً لمن تبقى من عائلات الدواعش لحملهم تحت حماية إيرانية ونقلهم إلى أماكن آمنة؛ وقد وصل عدد النساء والأطفال في بعض مناطق الحجز إلى 1400 امرأة وطفل منهم ما يقترب من 200 مراهق ومراهقة.. وهناك أمثالهم ينتمون إلى الفكرة وليس لوطن أو شعب أو قوم بل إنتماء لحزب بغض النظر عن مكانه وحال أميره أو جماعة بغض لنظر عما تنشره من افكار..
لذا فالمجتمع برمته والدولة بكافة أجهزتها الحيوية ومؤسستها السايدية هي التي أنتجت أمثال هؤلاء فهم لم يأتوا من فراغ أو هبطوا من كوكب آخر ...
وللحديث بقية !

سوس الداخل

„ ما تعانيه الأمة الإسلامية منذ حين -على وجه الخصوص- وينعكس على بقية دول العالم -على وجه العموم- هو نتيجة الضعف الشديد الذي طرأ على الأذهان في فهم الإسلام.. وحسن ترجمته لسلوك عملي في الحياة الدنيا.. سواء مِن "المؤسسة" الدينية صاحبة الكلمة العليا في بلدان العالم الثالث كمملكة السعوديين أو جمهورية المصريين أو جمهورية التوانسة؛ ونغفل إلى حين الدولة العلمانية التركية؛ ولحق بتلك المؤسسات علماء الأمة.. أصحاب الرأي وأهل الإجتهاد.. ثم نهبط درجة إلى ما يطلق عليهم "دعاة".. ثم نهبط درجات إلى أئمة المساجد ووعاظ المصليات.. ولا يتبقى آخيراً إلا المسلم الفرد بحكم المولد ووفقاً لشهادة مكتب التوثيق.. هذا جانب؛ أما الآخر: فالتركيز على النمطية التقليدية المعلنة في وسائل الإعلام عن مسلم الشتات.. سواء تمكن من الحصول على الجنسية لدولة غربية أو ملك حق اللجوء السياسي بها ‟.

وقبيل إنتخابات النمسا في الخامس عشر من أكتوبر؛ ينبغي أن نبحث عدة مسائل ؛ الأولى منها:
:" معضلة التفريق بين الإسلام والإرهاب في ظل تصاعد صناعة الكراهية في اوروبا "
:" الإسلام والإرهاب.. لماذا الخلط؟
بعد الاعتداءات الإرهابية الأخيرة في برشلونة-والتي أدانتها كافة الحكومات والأفراد- تَعالتْ بعض الأصوات متهمة الدين الإسلامي بالإرهاب، كما هو المعتاد بعد كل عمل إرهابي في أي مكان في العالم، ولا شك أن هناك بعض الأصوات المعتدلة التي تنادي بعدم تعميم اتهام المسلمين والخلط بين الدين الإسلامي وبين تصرفات مَن يدعيه، وعدم إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام بسبب ما ارتكبه قلة من المتطرفين المنتسبين للإسلام من أفعال هي أبعد ما تكون عن أحكام الإسلام الشرعية؛ وخاصةً تعاليمه الإنسانية في حسن معاملة الآخر.
وعن الربط بين الإسلام والإرهاب، نجد أن الهجمات الإرهابية التي وقعت في برشلونة مؤخرًا لم تترك وراءها 14 قتيلاً وأكثر من مائة جريح فحسب، لكنها خلّفت أيضًا موجة من العنف ضد المسلمين في إسبانيا، فضلاً عن خطاب الكراهية الذي انتشر عبر المنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي.
وهذا هو المعتاد للأسف بعد كل حادثة إرهابية، حيث تنتشر ردود الأفعال التي لا تُسهم إلا في تعزيز خطاب الكراهية وتقسيم المجتمع.
إن مجهودات المسلمين في تأكيد رفضهم للعنف وإدانتهم للأعمال الإرهابية غالبًا لا تحظى باهتمام كبير، بل رُبما يتعمد كثيرون إغفال حقيقة في غاية الأهمية، وهي أن المسلمين هم الضحايا الأكثر تضررًا من وباء الإرهاب الذي في العديد من مناطق العالم؛ فطبقاً لما توّفر من معلومات خلال النصف الأول من عام 2017م فإن العمليات الإرهابية التي حدثت في مختلف دول العالم بلغت 820 هجومًا سقط جرّاءها 8300 قتيلاً، وقع من بين هذه الاعتداءات 10 فقط في الدول الغربية تسببت في سقوط 50 قتيلاً، بما يعني أن الهجمات الإرهابية في الدول الغربية تُمثل أقل من 1% من مجموع الهجمات على المستوى العالمي، وأغلب تلك العمليات تقع في دول إسلامية من بينها أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا والصومال واليمن والضحايا الأكثر تضررًا هم مسلمون. لذا فليس من المنطقي أن يُتهم المسلمون بالتورط في الإرهاب في حين أنهم أكثر مَن يعاني ويلاته. وكم تُمثل نسبة المتطرفين من مجموع المسلمين الذين يتعدى عددهم المليار ونصف المليار؟!. ومن ناحية أخرى يجب التفريق بين هذين المصطلحين "الإسلام" و"الإرهاب" فالإسلام هو دين سماوي يعتنقه أكثر من مليار ونصف المليار شخص على مستوى العالم، يشمل تعاليمًا سمحة، ويدعو إلى الخير والسلام للإنسانية كافة، قال الله عن نبيه في القرآن الكريم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وهذا الفكر هو الذي يعتنقه عموم المسلمين حول العالم.
أما "الإرهاب" أو "التطرف" فهو يعني تنفيذ أفكار معينة وأيديولوجية خاصة باستخدام العنف الذي يصل إلى الترويع والقتل، وهذا ما لم يأت به الإسلام أو أية ديانة سماوية، وعدم التفريق بين هذين المصطلحين هو منشأ الخلط في النظرة للمسلمين باعتبارهم خطرًا تواجهه المجتمعات الأوروبية بل يواجهه غير المسلمين. وإذا أراد المتشككون والذين يقذفون بالتهم أن يعرفوا هل الإرهاب وليد الإسلام أم لا، فليراجعوا تعاليم الإسلام وليس أفعال بعض المسلمين.
إن الإسلاموفوبيا التي تُغذيها بعض ردود الأفعال تجاه المسلمين تؤدي إلى عزلة المسلمين وتهميشهم داخل المجتمع الواحد مما يؤدي إلى سهولة وقوع البعض في التطرف، وهذا بالطبع يُحقق أهداف التنظيمات الإرهابية. والناظر إلى جملة الأحداث في العالم، يدرك أن الإرهاب التصق بالإسلام ولم يلتصق بدين أو تيار آخر. هناك أطراف واتجاهات بعينها تريد أن يظل هذا الأمر هكذا، وبالنسبة لهم فإن البترول وتجارة السلاح والمصالح الاقتصادية أهم من أعداد القتلى والمصابين.
والخطر الحقيقي يعود إلى مَن يُمول تلك الجماعات الإرهابية ويأويها ويتعامل معها بشكل مباشر أو غير مباشر.. إن القضاء على تنظيم داعش لا يعني القضاء على الفكر المتطرف ولا إنهاء المشكلة من جذورها، بل لا بُد من تعديل معالجة الأفكار المتطرفة في حد ذاتها؛ لأنها كفيلة بأن تتولد منها جماعات أخرى أمثال داعش بل أسوأ إن لم يتم تدارك الأمر.".
الثانية منها::" الجماعات المتطرفة وازمة الخطاب"
:" الصخب الأصولي وآداب الناس
من نوستالجيا( ) وحنين الزمن الجميل إلى الشكوى المستمرة والمتصاعدة من انحطاط أخلاق الناس عما سبق في الماضي القريب الذي عايشوه أو سمعوا عنه وانتشار مشاعر الكراهية والتنابذ والتشفي والعنف العشوائي والمتوحش، سواء لفئة بعينها في المجتمع كـ المرأة؛ أو مَن يخالف في العقيدة ومجموعة القيم وكتلة المفاهيم وحزمة القناعات والأراء والتقاليد والسلوكيات.. ينطرح سؤال الأخلاق وقيم وآداب السلوك التي يفترض أن ترفدها الصحوات وتعمل على إنتشارها المؤسسة الدينية يلازمها التعليمية ويكملها التربوية وتضعها في مقدمة أعمالها الحركات الدينية بالخصوص، كما ترفدها وتزيد منها الصحوات الإبداعية، الأدبية منها والفنية. لا نجد هذا بل أهملت خطابات التشدد فوق المنابر والتطرف المعاصران في العالم الإسلامي.. اقول أهملت باباً واسعاً من تراثه، وهو باب آداب السلوك وقيم الأخلاق، الذي ألَّف فيه المتكلمون والفلاسفة كما ألف فيه المؤدبون والمتصوفة وغيرهم، وأنتج فيه المسلمون مطورين ما ترجموه إيجابيّاً عن الشرق «ابن المقفع» والغرب «ابن مسكويه»، وما أبدعوه خالصاً لهم في آداب "الدين والدنيا" التي صبَّ ووقف عليها البعض كتباً خاصة كـ «أبي الحسن الماوردي» (توفي سنة 450 هجرية)؛ و«أبو حامد الغزالي» (ت 505 هجرية) وشقيقه الأصغر «أحمد الغزالي الطوسي » الذي نُسِب له في العقد الماضي كتاب بعنوان «أدب الدين»، والحكيم الترمذي صاحب «الفروق» وأبو الحسن العامري وغيرهم كثير، ممن حاولوا التأسيس والتمكين لقيم أخلاقية وسلوكية عامة وخاصة في مجال الاجتماع ونطاق الثقافة استوعبت الآخر وقدرته، وقدموا نموذجاً ذكره الكثيرون في كتبهم. كما توسعت كتب الرجال والتراجم في ذكر المحاسن والطرائف الأخلاقية والسلوكية للمُتَرْجَم لهم، فحفظت كرم الشاعر الصعلوك «عروة بن الورد العبسي»، كما حفظت مكرمات وخارجيات «صعصعة بن غالب التميمي» (قبل الإسلام) إذ أنه «محيي الموءودات الذي أنفق ماله على إنقاذ البنات من الوأد على أيدي أهلهن»، وهو ما رواه ابنه «عامر بن صعصعة» للنبي صلى الله عليه وسلم مع وفد تميم وأقرَّه عليه ومدحه فيه، وكان محل تفاخر حفيده «الفرزدق» في معارضاته على سواه فيما بعد، بل لم تكتفِ كتب التراجم والرجال بذلك، بل لَمَّحت للتسامح في دلالة خطيرة كضربها المثل في الكرم بالمسيحي «حاتم الطائي» أو في الوفاء باليهودي «السموأل بن عادياء» قبل الإسلام. لكن على العكس من المتوقع، تدحض أخلاق وسلوكيات كثير من الناس، والشكوى الظاهرة منها، دعوى تأثير كل من الخطاب الديني الجماهيري السطحي أو الأصولي السائد والذي يخاطب فريق دون آخر، الذي لا يزال يخلط بين الأخلاق الداخلية (النفسية) التي لا يعلمها إلا الله وأخلاق المسؤولية التي يقيسها البشر في سلوك بعضهم بعضاً.
بين الأخلاق «الداخلية» وأخلاق «المسؤولية»
من تعبيرات «القلب الأبيض»، كما تصف العامية المصرية «البراءة» والدين في «القلب» إلى ادعاء التقوى أو التزام شكلياتها دون جوهرها، تبدو فجوة التزام واسعة بين دعوى التدين والسلوك الحسن والراقي من الأخلاق مع الآخرين من نفس الدين أو من نفس الجنس أو العرق.
تُدعى التقوى -من أعمال القلوب-، رغم أنها من أسرار الله بينه وبين عبده، وقد تلتزم في الطقوس والعادات وبعض العبادات، لكن فجوة الالتزام بين المقول والخارج من الفم والمفعول الذي يراه الإنسان من سلوك واسعة وواضحة، كما يركز حالة التدين السائد على التمسك بالأخلاق الداخلية(النفسية) تفصيلاً وتكراراً، بينما يلح اختصاراً على ما يمس حياة الناس وتعاملاتهم وتفصيلاتها من آداب السلوك القديمة الموروثة أو الجديدة والمتجددة مع مستحدثات العصر والتكنولوجيا.
باختصار، اندثرت كثير من السلوكيات الحسنة التي اعتاد عليها الناس -سماها آحدهم: أخلاق القرية-، التي مثلت -في السابق- موروث اجتماعي محبب ومحل تفاخر وإجلال تكتنز بها كتب الذكريات والمذكرات، كما غابت المعايير الأخلاقية وقيمها عن سلوكيات حديثة وما بعد حديثة، انحطت فيها سلوكيات الناس، قدحاً وفضحاً، وتكارهاً وتنافراً لحد بعيد في كثير من الفئات والجماعات، وانتشر العنف العشوائي، المعنوي والمادي، والمشاعر السلبية والمؤذية التي تجرح كما تقتل الآخرين أحياناً. لم ننتج خطاباً قيمياً وأخلاقياً مستنيراً ومتجدداً، يضع فقهاً وآداباً تناسب العصر والمستجدات الحضارية والاجتماعية، بدءاً من أخلاق التواصل الحديثة؛ من أخلاقيات استخدام الهاتف/النقال إلى المواقع التواصلية، وتناول الأخبار والأشخاص وحياتهم، وما زال كثير من رجال الدين والمؤسسات الدينية ودعاتها وخطباؤها يعيشون في فضاء منعزل وساكن لا يُحدِث تأثيره المطلوب، يمارس وظيفته -وعظا وإرشاداً- وليس رسالته –تعليماً وتقديم نموذج يحتذى به-، ويحمل أحياناً نفس القيم السلبية لخطاب التشدد والأصولية دون تأهيل نقدي أو علمي. وهو ما أتاح للحركات الأصولية والدعوية والدعاة الأفراد أن يتمدد في فراغهم أحياناً، محدثين التأثير وأحياناً محدثين للخطر وتجنيد العناصر المتطرفة، أو تفجير وتأجيج المشكلات الطائفية والمذهبية والعرقية والثقافية. ونرى أن جزءاً من أزمة الخطاب والسلوك الأخلاقي العربي والإسلامي بعموم أنه ركز على الداخل النفسي دون أخلاق الموقف أو أخلاق المسؤولية، فتبدو العواطف الدينية المدعاة أشبه بالحياد القيمي الذي لا يمانع من إتيان ما يسيء للفرد والجماعة اكتفاء بدعوى أو ادعاء التقوى أو الإيمان، وهو على العكس من مكانة الأخلاق العملية والتعاملية في الإسلام، نصّاً وتراثاً بشكل واضح. إن خطورة القناع «الداخلي» النفسي الفردي الذي يتمسك به متدينون ومتشددون في المسألة الأخلاقية، أنه ينفي العامل الإنساني، والإنسان الآخر، وفكرة الضبط في الحقوق والواجبات، فيتورط فيما هو محرَّم ومجرَّم بغايات تبدو عنده مقبولة؛ بل تصل للقناعة التامة. على سبيل المثال، تنفجر الفتن الطائفية أحياناً من علاقات الجيرة بين المسيحيين والمسلمين، حيث يكون الإغراء من شاب أو مراهق لفتاة من طائفة أخرى، وهو ما لم تكن تجيزه التقاليد فضلاً عن الدين، حيث لا اقتراب أو تعرض من «بنت الجيران»، فضلاً عن واجب صيانتها وصيانة الجيرة من أي خطر قد تتعرض له، ولكن داخليته النفسية الضيقة التي انحصرت وانحشرت في هويته الإيمانية غير العقلانية استحلَّت ما هو حرام وفق فقهها، ومجرَّم وفق إنسانيتها.
كذلك ينتهج التشدد الأصولي نهجاً ميكيافيليّاً، تبرر فيه الغايةُ الوسيلةَ، فلا يبالي بإغراء امرأة بالزواج بنية تجنيدها! كما كان يفعل «داعش» مراراً، أو استحلال المال والمقتنيات وتدمير المدنيين وغير المقاتلين بغاية النكال والإحراج للدولة والنظام هنا أو هناك، رغم أن قتل غير المقاتل محرم ديناً وشرعاً في النص الإسلامي وعقلاً والمواثيق الدولية والشرعة الإنسانية، ويتجاهل شروطاً لجواز التترس، وغير ذلك في عنف عشوائي وعدمي لا يبصر من يقتله.
وهنا يحل ويتحد العالم المتنوع والتفاعلي في الفرد الواحد أو المتوحد، وينتفي الآخر وحقوقه لصالح الذات ورغباتها وما تريد، فيكذب ويكره وينكر ما هو إنساني أو قانوني أو حضاري في التعامل مع الآخرين، لمجرد أنه يرى نفسه وقلبه «أبيض»، بينما فعله وسلوكه أسود، أو أنه على الطريقة الصحيحة دون أن يستقيم عليها.
تتناقض الأخلاق الداخلية مع أخلاق المسؤولية الحديثة، التي صكَّ مفهومَها عالم الاجتماع الألماني الراحل «ماكس فيبر» (1864 – 1920) في ظل أوضاع ألمانية وأوروبية شائكة، كبديل عن أخلاق الموقف التي تسعى للانقلاب على الواقع أو تطويعه متجهاً للمسؤولية القائمة على حوار تفاعلي بين الذات والآخر، ورآها أكثر مناسَبةً للأوضاع السياسية في عصره وللتطور العقلي والفكري في أوروبا بعموم.
وقد ساعدت حركات الأصولية والتطرف العنيف وممارساته الوحشية والمتوحشة وخطابه الإقصائي والتكريهي والتخويني على تأجيج كل السلبيات تجاه الآخرين، وعلى تعطيل أدوار وقوى العدل والوسطية والحداثة والفن في صناعة سلوكيات أكثر رقيّاً، حيث وضعتها في خانة «العميل أو المتهم» دائماً وتصفه أحياناً بالعقلاني! وكأنه عيب، أو العصراني وكأنها سبة! وتعلن اكتفاءها النظري والثقافي رافضةً كل ما يمكن أن يكون فضيلة لمجتمع آخر أو ثقافة أخرى، حتى لو كان قيمة سلوكية أو شعورية راقية يمكن أن ترتفع بسلوك الفرد والإنسان.
عن المسؤولية الأصولية والأزمة الأخلاقية
حصرت الحركات الأصولية وحركات التطرف العنيف وخطاباته المسلمين في غاية السياسة والإمامة والخلافة التي قصمت ماضيهم وتقسم حاضرهم، دون فهم الجانب الإيجابي والفائدة المرتجاة ودون اهتمام بالحاضر وإنزال تلك الافكار والمفاهيم على الواقع المعاش ودون نظرة تطلعية إلى المستقبل، ليظل كلاهما تائهاً يبحث للماضي وحضوره عن دور إيجابي فيه. ولم يجهد الخطاب الديني نفسه في التمكين للصالح والقابل للاستدعاء من تراثنا وثقافتنا، وكما سبق أن ذكرت أُهمل باباً عريضاً من التراث الأخلاقي في الحضارة الإسلامية، ولم يقوَ على إحيائه أو البناء عليه.
كذلك فشل خطاب التشدد والداخلي النفسي-كأن كل فرد يعيش في جزيرة نائية عن الآخر- فشل في وضع معايير قيمية ومفاهيم أخلاقية ومبادئ سلوكية للمستجدات والممارسات الحديثة، أو الإسهام في التنمية وتجاوز الأزمات عبر نشر ثقافة التعايش مع الآخر -الذي يختلف في اللسان واللون والجنس والعقيدة- وثقافة العمل والإتقان والإنجاز وغيرها.
كما أنه لم ينجح في استيعاب الأزمات الاجتماعية -وما أكثرها- والاقتصادية فضلاً عن السياسية في إنتاج قيم وسلوكيات إيجابية تتجاوزها ولا تعمقها، بتفعيل ثقافة العمل والتطور والتعفف والتحمل وغيرها من القيم النبيلة والجميلة التي تناسب هذه اللحظات الصعبة من الأزمات.
هذا، رغم كثرة النقول والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث وتدفع لترجمة الإيمان سلوكاً حسناً خلوقاً يلمسه الآخرون ويلامسونه، من قبيل «البر حسن الخلق» ومفهوم «الدين المعاملة» و«أحاسنكم أخلاقاً»، وكثير غير ذلك، إلا أن الضجيج الخطابي الأصولي الحديث والحركي الديني من خلال جماعات تجهل صحيح الدين والمتشدد لم ينجح في إعاقة الانحطاط الأخلاقي، فضلاً عن أنه قد يكون أحد الدوافع إليه لأسباب مختلفة يتحمل مسؤوليتها كما سنوضح.
فقد أعاق وشَوَّه خطاب التشدد والحديث الديني الشكلي والسطحي الجماهيري كل جهود التمكين للقيم الحضارية التي يحملها الخطاب الإسلامي من صحيح النصوص والنقول كذا والمدني أو الثقافي أو الفلسفي أو الفني، معتبراً ومحتكراً أن هذا حقه الوحيد فلا يجوز لغيره أن يُسهِم في تطوير وعي الناس وسلوكهم بل أوجب على الناس أحياناً رَفْض كل ذلك، باعتباره نجساً حديثاً لا ينتمي لماضينا الذي وقف عنده الزمن. وهو في ذلك يدرك أنه لم يملأ فراغات الزمن وحاجات الناس ورغباتهم، فصار مغترباً عن واقعهم وبلا مسارب ومصادر قيم أخرى.
فكانت العشوائية علامة سلوكية لا يضبطها إلا القانون رغم أن الأصولية ترفضه أيضاً، كما ترفض كل ما هو حديث، وأخطره تشكيكها ورفضها لمفهوم الدولة والوطنية والمواطنة، وما شابه في تكريس ثقافة اللاانتماء والعشوائية والسيولة وتهديد السلم الأهلي.
بينما حفظ لنا التراث شعراً وأدباً راقياً اكتظت به مجلدات «الأغاني» للـ «أصفهاني» وسير أمثال «إسحاق بن إبراهيم الموصلي»، وشغب وغيرهم ومختارات «أبي تمام» وكتب الذخائر والمعلقات، إلا أن التشدد المعاصر شوه ولا يزال يشوه كل إنتاج الفن والأدب ويحجب بينه وبين الناس بشكل غريب ليبقى وحده مصدراً للعشوائية والكراهية والعزلة في حياة الناس؛ بل وأد مَن يخالف الفكرة ويعارض المعروض من افكار ومبادئ.".
الثالثة: [المفوضية الاوروبية تحذر من وجود (50 ألف) متطرف في اوروبا]:"
المنسق الأوروبي لمكافحة الإرهاب وهو الرجل الأول المسؤول عن مكافحته في الاتحاد الأوروبي «جيل دي كيرشوف» أخبر عن وجود أعداد كبيرة من المتشددين بلغت قرابة 50 ألفا، منهم أعداد مدرجة ضمن ما يعرف باسم «العناصر المقلقة»، وأيضا هناك أعداد منهم تتم مراقبتهم بشكل دائم. وأشار إلى أن بريطانيا تأتي في صدارة الدول التي تعيش فيها أعداد كبيرة من المتشددين، وهناك دول أخرى في القائمة منها فرنسا وبلجيكا وإسبانيا.
واهتمت وسائل إعلام أوروبية بتصريحات «دي كيرشوف»، والتي نبه إلى أن قرابة 35 ألف متشدد يعيشون في بريطانيا، التي تسبق أي دولة أوروبية أخرى على هذا الصعيد. وأوضح أن 3 آلاف ممن جرى ذكرهم مدرجون ضمن «العناصر المقلقة» لدى المخابرات البريطانية، فيما يتم تتبع 500 بشكل دائم. وحذر المسؤول الأوروبي من احتمال شن تنظيم داعش الإرهابي هجوما إلكترونيا على محطات للطاقة النووية أو أنظمة للمراقبة الجوية في غضون 5 سنوات. وأضاف أن تنظيم داعش قد يستعين بقراصنة روس ويدفع لهم المال، لأجل إرباك أنظمة حواسيب على قدر كبير من الحساسية، وفق ما نقلت صحيفة «ديلي تليغراف». وأعلن أن لدى فرنسا 17 ألف متطرف، فيما يقل الرقم بكثير في جارتها إسبانيا، لكنه يقارب 5 آلاف، أما بلجيكا التي سافر منها 500 إلى سوريا فلا يزال بها ألفا متطرف.
وفي رقم «مرعب»، نبه المسؤول إلى أن في أوروبا عشرات آلاف المتطرفين، في يومنا هذا، وقدرهم بنحو 50 ألفا. وأكد ضرورة تحديد العناصر الأكثر خطورة من المتطرفين، ثم تتبعهم بالمراقبة على مدار 24 ساعة، حتى لا يمروا إلى مرحلة الفعل. ويأتي التحذير الأوروبي بعدما شهدت بريطانيا سلسلة هجمات إرهابية في 2017 على غرار دول غربية أخرى.
وتواجه حكومات غربية انتقادات بسبب تمكن أشخاص مدرجين ضمن قوائم «المشتبه في تطرفهم» من تنفيذ اعتداءات دامية، وعدم إيقافهم من قبل الأجهزة الأمنية في فترة مبكرة. وتورد «تليغراف» أن سلمان عبيدي الذي نفذ هجوم مانشستر، والذي أوقع 23 قتيلا و119 جريحا، كان موضع شكوك لدى المخابرات الداخلية في البريطانية، لكنه تمكن من تنفيذ هجومه الدامي.
وصرح دي كيرشوف قبل أسابيع إن التهديدات في أوروبا حاليا هي أكثر تعقيدا وتنوعا مما كانت عليه من قبل خصوصا في أعقاب الهجمات التي وقعت في باريس وبروكسل وغيرها، وتزامنت هذه التصريحات مع نتائج دراسات نشرتها تقارير إعلامية مؤخرا تقول إن الهجمات الإرهابية في تزايد خلال العامين الأخيرين خصوصا في الدول الغربية.
وتوقع المسؤول الأوروبي أن تزداد التهديدات خلال الأشهر المقبلة، خصوصا في أعقاب ما حدث في الموصل بالعراق والرقة في سوريا، وقال: «بالتأكيد فإن انهيار تنظيم داعش أو ما يعرف بدولة الخلافة سيكون له تأثير على أوروبا ودول أخرى وربما ستتدفق موجات من المقاتلين للعودة إلى أوطانهم وتنفيذ هجمات إرهابية فيها، ومع ذلك كان هناك عمل مكثف في الأعوام الثلاثة الأخيرة هنا في أوروبا، وحاولنا بقدر الإمكان التقليل من نقاط الضعف التي كانت موجودة من قبل، وإذا تحدثنا عن التهديدات ونقاط الضعف فيمكن القول إننا حققنا تقدما ملحوظا، ولكن في الوقت نفسه يجب عينا أن نكون على أعلى درجة من الحذر والتأهب».
وحسب تقارير إعلامية، ازداد عدد الهجمات الإرهابية في العالم بنسبة 14 في المائة في 2016م بالمقارنة مع عام 2015، فيما بلغت هذه الزيادة 175 في المائة بالنسبة للدول الغربية، وفق دراسة أجرتها شركة «إيه أو إن» للتأمين وإدارة المخاطر، ونشرتها مؤخرا، وفي أعقاب ذلك قالت وكالة الشرطة الدولية «الإنتربول»، إنها حصلت على معلومات كانت جمعتها أجهزة الاستخبارات الأميركية في العراق وسوريا، مما ساهم في تحديد أسماء العشرات من عناصر «داعش»، والموالين لها، من المشتبه في تورطهم بالتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية في أوروبا.
وحسب وسائل إعلام أوروبية، فقد أعلنت الشرطة (إنتربول) قائمة من 173 إرهابيا ينتمون لـ«داعش»، يعتقد أنهم تلقوا تدريبات لتنفيذ هجمات في أوروبا، انتقاما للهزائم التي تعرض لها التنظيم في الشرق الأوسط، حسبما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.
وتعتقد دول أوروبية عدة أنه مع تراجع «داعش» في العراق وسوريا، فإن مخاطر شن متطرفي التنظيم لهجمات في القارة تتزايد، لا سيما مع عودة بعض المتشددين الأوروبيين من مناطق الصراع في الشرق الأوسط إلى بلادهم. ورغم عدم وجود أدلة على دخول أي من الشخصيات المشمولة في القائمة إلى أوروبا، فإن المخاوف من عودة محتملة لمتشددين أوروبيين دفعت «الإنتربول» إلى تحذير دول.
والجدير بالذكر أن السلطات الأمنية البريطانية قد اقلت القبض على أربعة جنود من جيشها ينتمون للنازيين الجدد؛ الذين انتشروا فيالعديد من العاصم الأوروبية.. وكأن أوربا تعيش حالة من الإزدواجية من المتطرفين. " .
ونتساءل قبل أن نكمل :
"ماذا تفعل التجمعات العربية والإسلامية على الأراضي الأوربية لتوعية شبابها المسلم !!؟".
الثالثة::" كيف نجحت جماعة “الإخوان المسلمين” بنشر التطرف في النمسا واوروبا ؟".
«الإخوان المسلمون» استغلوا أموال الحكومة النمساوية لنشر التطرف:
يوثق التقرير، الذي كلفت به وزارة الخارجية والمؤسسة الاستخباراتية، وانفردت «المجلة» بالحصول عليه استغلال أموال الحكومة النمساوية ومدارسها، ونشر التطرف في التجمعات الإسلامية المحلية، واستخدام الأراضي النمساوية كقاعدة انطلاق لنشاط «الإخوان» في الدول العربية.
في الأعوام الأخيرة، بدأ كثير من الحكومات الأوروبية مراجعة سياساتها تجاه جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات إسلامية أخرى. بدأ هذا التوجه في عام م2014 عندما أصدرت الحكومة البريطانية أوامرها بإعادة النظر في شأن الجماعة ووجودها في بريطانيا وكيف يجب أن تتعامل معها السياسة الرسمية. ولم تتطور العملية -كما كان يرجو بعض معارضي الإخوان- إلى إعلان الجماعة منظمة إرهابية.
بيد أنها وصلت إلى اتهام مُوجِع لآيديولوجيا جماعة الإخوان وأهدافها. وتوصل التقرير إلى أن الجماعة «استخدمت على نحو انتقائي العنف وفي بعض الأحيان الإرهاب سعياً وراء أهدافها المؤسسية»، وحذر من أسلوبها في الحديث السياسي الخادع، وأوصى الحكومة البريطانية بالحذر من التعامل مع التابعين لـ«الإخوان» باعتبارهم شركاء.
بدأت نتائج مشابهة في الظهور في مناطق أخرى من القارة الأوروبية. وفي مارس الماضي، نشرت الوكالة السويدية للطوارئ والدفاع المدني التابعة للحكومة السويدية تقريراً مثيراً للجدل عن «الإخوان»، الذي كشف عن أن الجماعة كانت تنشئ «مجتمعاً موازياً» في البلاد، في مخالفة للقيم السويدية.
ينبع القلق الأكبر الذي تثيره هذه التقارير وغيرها من أنه لم يتم التسامح مع الإخوان فحسب، بل تم أيضاً منحهم شرعية وتمكيناً في أوروبا. فقد حصلت المنظمات التي أسسها ويديرها نشطاء «الإخوان» مكانة مميزة بصفتها ممثلة عن التجمعات المسلمة في الدول المعنية. ووصلوا إلى السيطرة على بعض أكبر المساجد والمدارس الإسلامية، ونظموا عملية إعادة تسكين اللاجئين، ودربوا أئمة شباباً على ممارسة العمل الدعوي باللغات المحلية. وإذا كانت الأموال الأجنبية قد ساعدت في نشاطهم، فإن سذاجة الحكومات الأوروبية سمحت بذلك.
آخر دولة ظهرت فيها المخاوف المتزايدة بشأن الجماعة إلى العلن هي النمسا. ولطالما كانت الدولة ساحة لاختمار نشاط الجماعة، ويرجع ذلك إلى وصول «يوسف ندا» أحد أبرز نشطاء «الإخوان» في الخارج، قبل خمسين عاماً إلى مدينة غراتس النمساوية. ومنذ ذلك الحين، استقر أعضاء بارزون في الأذرع المصرية والسورية والفلسطينية للجماعة في النمسا أيضاً، حيث عاشوا بلا معوقات واستمتعوا بقاعدة مريحة للعمل.
يصدر التقرير المكون من 60 صفحة هذا الأسبوع -أسبوع الحادي عشر من سبتمبر- عن وزارة الخارجية وأجهزة الاستخبارات النمساوية، بدعم من صندوق التكامل النمساوي والمكتب الفيدرالي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب. وتم تنفيذه بالتعاون مع معهد دراسات الشرق الأدنى بجامعة فيينا، وكتبه الدكتور «لورينزو فيدينو»، الخبير الإيطالي – الأميركي في شؤون جماعة الإخوان، الذي كان مستشاراً في تقرير الحكومة البريطانية الذي صدر عام 2014م، ويسهِم بكتابات دورية في «المجلة».
يؤيد التقرير وجهة النظر التي تفيد بأن تمكين المنظمات التابعة للإخوان المسلمين في القارة الأوروبية لم يقدم للجماعة أرصدة وإمكانيات جديدة للسعي وراء مطامعها في الأراضي العربية فحسب، بل أضر أيضاً بأوروبا بتقويض دمج المسلمين في المجتمع العام. ومن بين النتائج الأخرى، وضَّح التقرير الفارق بين نوعين من أعضاء الجماعة فيما يتعلق باستخدامهم للأراضي النمساوية.
بالنسبة لبعضهم، تعد النمسا في الأساس «بيتاً آمناً» ونقطة انطلاق إلى بلدانهم الأصلية. ومثال على ذلك «أيمن علي»، الذي عمل لعدة أعوام كبير أئمة في غراتس، ثم عاد إلى موطنه في مصر ليتولى منصب كبير مستشاري الرئيس مرسي. وبالنسبة لآخرين، أصبح تحويل الثقافة الدينية – السياسية في النمسا هدفاً في حد ذاته.
ووصل البعض إلى مناصب متحدثين رسميين بين الحكومة النمساوية ومواطنيها المسلمين.
لقد أفسد معلمو المدارس التابعون لـ«الإخوان»، الذين يحصلون على رواتب من الحكومة النمساوية، عقول الأطفال -والآن النقاش العام- بخطاب شوفيني.
يتماشى تقييم «فيدينو» مع رأي بارز تتبناه كوادر الاستخبارات النمساوية، الذي لخصته وثيقة محكمة في العام الماضي كانت تطالب بترحيل أيمن علي: «يذكرنا النظام السياسي المأمول (لدى الإخوان المسلمين) بنظام شمولي، لا يضمن سيادة الشعب ولا مبادئ الحرية والمساواة… ولا يتفق مثل هذا الموقف الجوهري مع الأعراف القانونية والاجتماعية في جمهورية النمسا».
يتبنى كلّ من المؤسسات الأمنية والسياسيين في أوروبا -على نحو متزايد- مثل تلك النتائج. وفي دول مثل بريطانيا، حيث تم اتخاذ خطوات ضد الإخوان، يعارض التابعون للجماعة وحلفاؤهم ذلك بقوة. ولكن يقدم التقرير الصادر هذا الأسبوع في النمسا إشارة أخرى إلى أن التيار قد ينقلب ضد الجماعة داخل القارة.".
10. 09. 2017
يتبع بإذنه تعالى.

 « شجرة الجميز »

أوشكت الراحة الصيفية لعام 2017 على الإنتهاء.. والعديد من الملفات الساخنة للتجمعات الإسلامية في العالم بأسره؛ وقضية الهجرة غير شرعية؛ خاصة من الساحل الجنوبي للبحيرة المتوسطية واستمرار القتال والتقاتل على كامل التراب السوري؛ فالعراقي؛ فالليبي؛ فاليمني؛ والصداع القطري في منطقة الخليج ومصر؛ والتقوية إما بالجار المزعج الإيراني الذي يريد التوسع والريادة على الجنس العربي.. أو الجار التركي الطامع في دور عالمي أكبر من حجمه والذي يريد السيادة على الجنس العربي.. والمسائل العديدة الشائكة للتواجد العربي على أرض القارة الأوروبية والأمريكية.. وهذه الملفات والمسائل والقضايا معلقة على حائط الإهمال من طرف أصحابها؛ لكن الساسة في الغرب وأهل الصحافة يستثمرونها من حين إلى حين.. راجع التصريحات والدراسات الميدانية ليتأكد القارئ من دقة وصحة ما اقول.. أو بتعبير أدق تستخدم كـ فزاعة تجاه بعض الأنظمة أو للسوق المحلي في الدول الغربية لإخافة مواطن تلك الدول من الخطر الداهم سواء من اللاجئين القادمين هرباً عن طريق البحيرة المتوسطية أو مَن تمكن من العبور إلى أراضيها.. وهذا يطلق عليه « فوبيا » سواء العربي أو الإسلامي.. وما يقلق أن المنظمات الدولية ذات الطابع الإسلامي أو القومي/العروبي/الخليجي فشلت أو تخاذلت في إيجاد حلول لما يجري.. لذا فينبغي على عقلاء التجمعات الإسلامية -وما أكثرها- ومفكري التواجد العربي -وعلى أكتافهم مهام- والذين يتولوا إدارة تلك المنظمات أو المؤسسات الدولية الرسمية الحكومية.. أو الأهلية كـ المصليات والإتحادات لا يصح لهم أن ينكفئوا على مسائلهم الخاصة ويدورون في حلقة مفرغة لا جديد .. والإكتفاء بالإجتماع ثم الإنفضاض ولا يحركون ساكنا في المياة التي يظن الجاهل بالأمور أنها راكدة.. بل ينبغي أن يجلسوا في لحظة صدق لإعادة النظر لما يحدث بمعطيات جديدة ورؤى تطلعية لإتخاذ ما يجب عمله بوضع مبادرة يتم تفعيلها؛ إذ لو غرقت السفينة سيغرق الجميع.. ومن ضمن المشاكل التي يجب النظر والإهتمام بها -على سبيل التمثيل وليس الحصر-هذه المسألة:
الشاب «الملحد» أو على أدنى تقدير «الفارغ» روحياً وفكرياً وعقائديا وأيديولوجيا.. وإن كان يحمل قشور بعض العلم..
منذ اسبوعين وإثناء تقديم برنامج «المصري أفندي» على قناة مصرية فجر مقدمه قنبلة من العيار الثقيل؛ إذ قال «يوجد في مصر ما يقرب من أربعة [4] ملايين ملحد»؛ ثم استضاف شيخا أزهريا ليلقي بدلوه في معالجة المشكلة..
والحقيقة أن مسألة الشباب ليست حالة من التدين الظاهري بل عقائدية.. وإنها ليست تحصيل مواد علمية بل تثقيفية.. وأنها ليست قومية أو عشائرية بل إنسانية.. وليست فردية أنانية بل جماعية.. وليست الحصول على بعض المال بل طمأنة مصيرية.. بتعبير آخر إيجاد توازن بين نفسيته وعقليته.
أربعة [4] ملايين ملحد في أرض المؤسسات الدينية الأربع: الأزهر الشريف؛ والكنيسة الأرثوذكسية العتيقة والإنجيلية والبروتستانتية.. في ستينات القرن الماضي كان يفتخر ساكن قاهرة المعز لدين الله الفاطمي بأنها مدينة الألف مأذنة.. صار اليوم التحرش بعفيفات مؤسستي الدين في مصر-الأزهر والكنيسة- يتم في شوارعها وخلف مكاتبها مِن زميل وداخل جامعتها من أستاذ.. توجد إحصائيات تتحدث عن أن أكثر من 90% من النساء يتم التحرش بهن.. أما في الغرب: فالبرلمان النمساوي في مايو 2015 اقر قانونا يجرم ويعاقب هذا الفعل الشنيع الـ لا آدمي.
ما يؤلم المتابع للأحداث في العالم ويوجع المراقب لما يجري على أرض الواقع أن ما يتحدث عنه الإعلام أو ثلة من وعاظ المعابد أو أحد مرشدي المساجد هو عَرض لمرض وليس تشخيص المرض ذاته؛ كمن يشعر بصداع-وهو عرض- ولا يتم تشخيص المرض وتحديده كـارتفاع ضغط الدم، أو تسوّس الأسنان، وخشونة فقرات العنق، والحساسية تجاه بعض الأطعمة، ومشاكل النظر، والتهابات الجيوب الأنفية والزكام؛ وهذه اسباب عضوية، أما الأسباب النفسية: فتُشير الأبحاث إلى أنّها تشكّل 90% من حالات الإصابة بـ الصداع، وتشمل التوتّر والقلق والضغط النفسي. إذاً ما نعاني منه هو أعراض لأمراض عدة داخل المجتمع وليس لمرض واحد بذاته؛ فتمرد الصبية وعناد الصبي مظهر ويجب النظر والإهتمام لما يحدث بعين الفاحص.. هياج الشباب في ستينات القرن الماضي كان له اسبابه ولم تعالج؛ واستمر الحال كما هو عليه؛ ثم جاء هياج الشباب العربي بدءاً من تونس الخضراء وأنتقل إلى مصر المحروسة.. والإخفاق التام الذي صاحب ذلك الهياج في تحقيق المطالب.. مع ملاحظة تكدس المشاكل وتعميم وتمركز الفساد في دواليب الدولة ونخر سوس الفساد في نفوس الناس وفقدان الوازع الخلقي ولا يغيب عن الذهن ما حدث ويحدث على الأرض المحتلة الفلسطينية.. والفشل التام في حل مشكلة فلسطين على كافة الأصعدة مما أوجد مرارة في الحلق وألم في القلب؛ وخاصة حين ترى أن جزءا ضئيلا من أهلها هم جزء من المشكلة فتتفاقم وليسوا جزءا من الحل.. ثم الحال اليوم على ما يجري على ارض دجلة والفرات؛ وعلى أرض الشام.. فليبيا المختار فاليمن التعيس بعد أن كنا نتعلم أنه اليمن السعيد.. وتذكر معي ما جرى في بلاد الأفغان وإنتقال «المجاهدين»(!) -بدون عمل أو مستقبل- إلى أرض البوسنة والهرسك.. تم ذلك كله تحت بصر ونظر الأجهزة المعنية الإستخباراتية أو العسكرية.. ووصل لسمع قادة الدول ذات العلاقة تقارير.. ولا ننسى الدعم المالي والمعنوي يرافقهما رضا أنظمة حاكمة قد تكون بعيدة عن الأحداث ولكنها فاعلة فيها.. نستخلص من هذا وجود بيئة حاضنة لما يدور في الأذهان وما يقرأ في كتب التراث من جهلة الثقافة العامة أو الإسلامية.. زد على ذلك محاولات الشباب الهجرة غير الشرعية من دول العالم الثالث.
وما يعنيني حين نتحدث عن الشباب:
[1.] الخطاب الجماهيري؛ ويندرج تحته طريقة التعليم وتثبيت القيم ورفع مستوى المفاهيم والقناعات.. و
[2.] المناخ العام.ويندرج تحته سبل التثقيف والتوعية!
وهما -الخطاب الجماهيري والمناخ العام- كجناحي الطائر؛ وما عَقّد المشكلة التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الإتصال..
الخطاب الجماهيري يبدء من الشارع العام من خلال الـ تجمع البسيط الـ« قهوة » لاحتساء الشاي ولعب الطاولة أو منتدى ثقافي رياضي أو في وسيلة إنتقال كالاتوبيس العام لنقل الركاب ثم يعلو الخطاب فيأخذ مصداقية ذات مرجعية إما دينية بحته أو علمية أو سياسية..
الأولى؛ الخطاب الديني: خطباء المصليات وأئمة المساجد ودروس الوعظ والإرشاد؛ تسمى أحياناً دروس العلم(!!!).. والمتحدث يأخذ مصداقيته من خلال الهندام الذي يرتديه وطريقة إخراجه ونطقه للكلام.. مع غض الطرف عن مضمون وفحوى الخطاب.. مع تعمد إهمال الناحية الفقهية العملية إثناء المخاطبة لأفعال الإنسان.. من خلال تفعيل آيات الأحكام أو آيات الأحكام.. وغالب الخطاب الجماهيري الوعظي خطاب مشاعري عاطفي وقتي يركز على إثاره الحماسة وجوانب عدة داخل النفس البشرية؛ كـالخوف من عذاب الله؛ دون أن يرافقه التركيز على حبه وطاعته.. ويركز على عذاب القبر وأهوال يوم القيامة؛ دون التعرض لرحمة الله بعباده وقبول التوبة من المذنب.. ويركز على مشاهد الجحيم ودركاته؛ دون الإهتمام بنعيم الجنة ودرجاتها.. كما يسود الخطاب الجماهيري (الديني) قَصص الإخباريين وحكاوي عازف الربابة؛ والتركيز على سرد المنامات واعتبارها مصادر للتشريع.. والحكي عن الأحلام واعتبارها زاد المسلم في حياته.. والأوهام واعتبارها مسلمات وحقائق.. مع خلق ونشر دخان تلبيس الجان في التجمعات النسائية خاصة في القرى والنجوع وأطراف المدن والعفريت.. والتأكيد على مخاوية الجن للإنسان وإعجاب الجني بمفاتن الإنسية دون التحدث عن مرافقة الملآئكة للإنسان في سبع عشرة حالة منذ لحظة التكوين إلى أن يرقد في مرقده الآخير.. أو ننتقل -وهذه درجة متقدمة- إلى حالة عدائية عنفية بمهاجمة الآخر.. سواء الآخر في التفكير أو الآخر في الدين والعقيدة أو الآخر في الهندام ولبس الجلباب.. والتقليل من شأنه وإهانته ونعته ووصفه بابشع الكلمات؛ وأقلها ضرارًا ما يسمى بالتصفية المعنوية دون القدرة على تقديم حل أو معالجة واقع سئ يزداد سوء بمرور الزمان.. الخطاب الديني(!) بشقيه الكنسي والأزهري أكتفى بإظهار دثار الرهبان ولباس رجال الدين.. في محاولة بائسة ليتميز صاحبه عن رجال الدنيا او رجال السياسة.
ولعلها محاولة لم نحكم على جدواها بعد : أقصد أكشاك الفتوى بمحطات المترو.. تماماً كما يحدث في مصليات الغرب فخادم المصلى مع جهله في العلم وفقره في الفقه يلبس لباس الواعظ أو المفتي ... أما الخطاب العلمي فله قاعته وله رواده ومريديه.. وهو ضعيف.. ولا يصح لي أن أجامل: إذ أن تقهقر الخطاب الديني -وإكتفائه بالحديث عن الغيبيات- دون معالجة وقائع الحياة أدى إلى عدم مصداقية من يتصدى للخطاب للجماهير.. وغاب الخطاب العلمي سواء في تفسير آيات القرآن او أحاديث سيد الأنام عليه السلام.. وما زاد الطين بلة وصار ضغثا على إباله عدم قدرة بقاء التيار السياسي الإسلامي في الحكم –مثال : تونس؛ ومصر- وهذا صدم الكثير-من الأتباع والمواليين والمحبين والمستفيدين والمنتفعين- في خيبة أمل لما قيل مِن قبل بأن « الإسلام هو الحل » .. أما الكنيسة فقد حلت هذه المعضلة منذ قرون ففصلت الدين عن الدولة؛ بل وفصلت الدين عن الحياة.. ونادت بما لقيصر فلقيصر وما لله فلله.. وهذا ما دعى إليه بابا الفاتيكان قبل أن يحيل نفسه إلى المعاش في محاضرة القاها في مدينة ميونخ بدعوة المسلمين بالأخذ بما فعلته الكنيسة..
هذا مختصر حال شباب دول العالم النامي.. أما شباب دول العالم الأول -خاصة من الشباب- فهي أصعب..
منذ بداية الثمانينات.. جيل الثمانينات.. هذا المصطلح الذي يطوف الميديا كثيرًا.. ويتردد صداه في الشاشات والوثائقيات المرئية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي.
جيل الثمانينات.. يمكن تعريفه بأنه : مَن ولد وترعرع وأدرك الثمانينات بكل تفاصيلها وما وجد فيها من تطورات على الساحة السياسية الثقافية الدينية، أي أنه يطلق على من وُلد في هذه الفترة -قبل أو بعد- العام 1980 بسنوات قليلة.. وحال هذا الجيل في مصر يظهر بوضوح من تصرفاته وأفعاله واهتماماته والكل يرى..
أما الجيل الذي ولد في بلاد العم سام أي في الغرب أو دول الخليج أي خارج مصر فهو يحتاج لنظرة تأملية وتحليلية.. ومِن ثم فكرية تثقيفية عقائدية..
ينبغي أن اقول: قبلها -سنة 1980- بسنوات غادر الشاب المصري أرض النيل متجهاً إما لدول النفط الخليجية أو دول التكنولوجيا والعلم في أوروبا وأمريكا.. نسبة عالية من هذا الشباب كان عاملا في شركة تركها أو فلاح في أرض أجداده هجرها والنسبة الباقية مَن تحصل على تعليم جامعي أو دونه ولكن لا يريد البقاء في بلده الأم.. وأعترف توجد تجارب ناجحة ومسيرة حياة رائعة أفتخر بها؛ والأسماء معروفة عند الجميع... هؤلاء.. أي الذين تركوا أرض النيل تزوجوا إما امرأة من هناك(!) أو هنا(!).. والطفل الرضيع أو الصبي أو الشاب تواجد في بيت له تقاليده وعاداته وموروثاته وهو في نفس اللحظة تواجد في بيئة ومناخ ومجتمع مخالف تماماً لما هو موجود في بيته أو اسرته.. وحين يذهب زيارة إلى أهل والده أو والديه.. يجد الفارق الكبير الهائل بين مجتمع وآخر.. وإن كانت الزيارة لا تتعدى اسابيع معدودة في العام أو في عدة أعوام..
التركيبة النفسية لهذا الشاب/الشابة والناحية المزاجية والسلوكية تحتاج إلى حالة من الإتزان.. فقدمٌ يضعها في مجتمع مغلق رجعي متزمت يتحدث عن الحلال والحرام ولا يفعله (وهذا في الغالب؛ وإن كان الأب يعيش حياته كما يريد بالطول والعرض) وقدمه الآخرى يضعها في مجتمع منفتح ينادي بحقوق الإنسان وحرية التعبير والرأي وحرية العقيدة والتدين وحرية الشخصية والتملك.. هنا تجد الفارق الكبير..
بعض الشباب وجد أنه لابد من تصرف ما أو فعل شيئا ما.. إذ أن عائلته بأكملها تعيش على هامش مجتمع بعينه ولكن يظهر على السطح رفض تام لمفاهيم وقيم وقناعات وأفكار وعادات وتقاليد هذا المجتمع الذي تعيش فيه.. وتجد صعوبة معيشية حياتية في العودة إلى وطنها الأصلي.. إزدواجية غير مقبولة ممجوجة.. فمعدة الرجل وعقله هناك وقدمه وجسده هنا..
هذا الشاب الذي يعايش المتناقضات لابد له من متنفس ما خاصةً إذا لم يجد هذا الشاب/ الشابة فرصته كما يريد ويهوى.. راجع -كمثال- حالات الطلاق التي تمت بين جيل الثمانينات وفشل التوافق مع زوج من هناك والزوجة من هنا؛ أو حالات الفشل الزوجي لفتاة رُبيت على تقاليد وعادات وقيم وقناعات تخالف في مجموعها ما عند الزوج.. وما ترتب على ذلك من عناء للأولاد.. البعض وجد ضالته عند تلك التجمعات الجهادية - كـحالة بلاد الأفغان؛ ومِن بعدها البوسنة والهرسك؛ بمباركة من دول منطقة الشرق الأوسط(!) والولايات المتحدة، والحرب العراقية الإيرانية؛ بمباركة من الدولة العظمى الأولى وقتها: الولايات المتحدة؛ فحرب تحرير الكويت؛ بمباركة خليجية ودولية؛ فحرب سورية سورية.. وليبية ليبية.. ويمنية يمنية بمباركة إيرانية خليجية قطرية روسيا؛ فإثارة قلاقل على أرض النيل -مِصر- بمباركة قطرية وتأييد تركي- البعض وجد ضالته بتحول التجمعات الجهادية إلى جماعات إرهابية؛ الهام هنا أنها جماعات إرهابية منظمة... لا ينبغي إغفال ما يشاهد من افلام أمريكية بخلق بطل وهمي يتحرك فقط فوق الشاشة الفضية ليس له وجود في الحياة ويراد تقليده؛ فالأمة الأمريكية لا تاريخ لها ولا أبطال حقيقيين عندهم كي يقرأ عنهم في كتب التراث يقابل هذا تاريخ عربي وتراث إسلامي يراد إعادته والمناداة بدولة خلافة راشدة على منهاج النبوة يجهل مدعيها مراحل إيجادها وطريقة صاحب الرسالة وصحابته في تفعيلها على أرض جزيرة العرب.
الأمر الهام الآخر أن المنظمات الشبابية الإرهابية أو المستأنسة تتولى دول رعايتها ماديا ومعنوياً.. لا اقول ولا أدعي بوجود «مؤامرة» على الأمة العربية أو الإسلامية أو ما يقوله البعض بـ «استراتيجِّيـًا» هناك من يريد أن يأخذ المنطقةَ إلى «صراعات بديلة»، تحت رايات دينية تتصارع فيها «الهويات المقدسة».. عقائد، وطوائف، وميثولوجيا» فالحقيقة توجد مصالح إيرانية ومنافع تركية في منطقة الشرق الأوسط(!) والعالم.. كما توجد مصالح وأغراض أمريكية روسية غربية وينبغي بل يجب الإستعانة بأهل المنطقة أو السذج أو من يسعى للقيام بدور ولو التراقص فوق جماجم الآخرين..
ما أهمية الشاب العربي/الإسلامي في الغرب:
تشير تقارير أنه بتاريخ الأول من أغسطس 2017م وبعد التضييق على «دواعشة» العراق وسوريا يوجد على أرض جمهورية النمسا 64 شاباً ينتمي إليهم؛ وفي الجمهورية الفرنسية 271 منهم؛ وما يقرب من 172 آخر في ألمانيا.. وهؤلاء يشعرون بمرارة «الهزيمة» وينبغي عليهم -في تصورهم- الأخذ بالثأر لرفاقهم في الجهاد المقدس(!)-الذي يدعونه.. ويطلق عليهم مصطلح «الذئاب » المنفردة؛ وهم يسعون -إن قدروا- على تجنيد مَن يوافقهم الأيديولوجية.. وهنا تكمن صعوبة المواجهة.. إذ بداية من شهر سبتمبر القادم ستعود عائلات من مصيفهم بأولادهم؛ وقد قامت إدارة الجامعات في بريطانيا بتدريب عمال النظافة على كيفية التجسس على الطلاب ذوي الميول العدائية.. هذا ومنذ أكثر من ثلاثة أعوام اصدرت الإدارة التعليمية بجمهورية النمسا تعميماً بملاحظة أطفال المدارس الذين لهم ميول عدوانية..
فماذا ستفعل إدارة المصليات والتجمعات والمؤسسات.. إذ أنهم بين نارين : إما الإهمال فيترتب ما يترب من صعوبات؛ أو وضع مبادرة بأيديهم وليس بيد زيد(!!!)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مبادرة « شجرة الجميز »..
تصلح كرمز لما تتميز به من صفات وتمتلك من خواص : فمن ناحية
1.] الثقافة والحضارة:
فقد أهتم بها المصريون ويكثرون من زراعتها في الريف لإعطاء الظل وتنقية الجو من الأتربة. وهي أشجار مقدسة عند الفراعنة؛ وأكدت ذلك النقوش المرسومة على جدران مقبرة الأميرة «تيتي». كما وجدت ثمار الجميز الجافة في العديد من المقابر الفرعونية وداخل عدة سلال بالإضافة إلى وجود أوراق الجميز في توابيت الموتى. ومن المعروف أن الملك «اوزوريس» دُفن في تابوت مصنوع من أخشاب أشجار الجميز، وقد نقشت رسومات أشجار الجميز على جدران العديد من مقابر الأسرة الثانية عشرة. وهذا لا يعني بالضرورة العودة إلى عصر الفراعنة وملوكهم.. لكن الإستفادة من تجارب مضت.
أضف إلى ذلك أن العائلة المقدسة -العذراء البتول وطفلها ويوسف - استظلت في رحلتها إلى مصر تحت ثلاث شجرات جميز في العالم، حسب ما أكده المؤرخ عارف العارف في كتابه "غزة.. والمسيح.. عام 1943"، حيث توجد الشجرة الأولي في مدينة أريحا بجوار الكنيسة الروسية ويقدر عمرها بأكثر من ألفي عام؛ وما تزال موجودة حتى الآن، وبرهن المؤرخ على صحة حديثه أن ذِكر الشجرة ورد في إنجيل "لوقا" في الاصحاحين الثامن والتاسع عشر. والشجرة الثانية موجودة الآن بكنيسة مريم في مصر حيث يرتادها السياح من مختلف بقاع الأرض، بينما الشجرة الثالثة المسماة "بجميزه صالحة" فقدت كانت موجودة قبل ثلاثين عاماً في موقع آثار الكنيسة البيزنطية شرق مدينة جباليا بقطاع غزة.
تصلح شجرة الجميز كرمز لهذه المبادرة .. إذ أنها :
2.] مثمرة :
وهي من الأشجار المثمرة لنوع من التين؛ ودائمة الخضرة وتتميز أخشابها بالقوة وخاصة عند غمسها في الماء. وتبدأ باعطاء الثمار بعد حوالي 5 سنوات من تاريخ نموها.
ومن هنا تصلح هذه المبادرة -كرمز- للجيل الثاني أو الثالث من أبناء التجمعات العربية والإسلامية؛ إذ أنه في سن الرابعة يبدء التحصيل العلمي للنشأ.. وما يواجهه هذا النشأ من مشاكل في التعليم والتلقي لغياب أهل التخصص والخبرة.. ومَن موجود على الساحة التعليمية هم مِن الـ « استرزاقية »
3.] فائدتها الطبية قديماً وحديثاً:
يفرز النبات سائلا لبنيا غزيرا وتستعمل العصارة اللبنية ضمن الوصفات العلاجية لبعض الأمراض. فـ ابن بيطار قال: «يستخرج في أيام الربيع من هذه الشجرة لبنا قبل أن تثمر ويجفف ويقرّص ويخزن في إناء من خزف ويستخدم كـملين ولازق للجروح ومحلل للأورام العسرة التحليل. وقد يشرب ويتمسح به لنهش الهوام ووجع الطحال ووجع المعدة والاقشعرار. وإذا طبخت ثمره نفع لمن كان محروراً ونافعاً من السعال المزمن. وورقه إذا سحق وشرب منه على الريق نفع في الاسهال الذي عجز عنه المعالجون»
والأمراض الجلدية وخاصة مرض الصدفية ولعلاج لسعات العقارب وعضات الثعابين ونافع للسع الحشرات شراباً وطلاءً. كما جاء الجميز ضمن الوصفات الفرعونية كـ مسهل وملين للمعدة والامعاء ولعلاج التهاب اللثة واستعمال عصير الجميز لعلاج أمراض الكبد والنزلات المعوية ومرض الاسقربوط.
وقال ابن سينا الجميز في لبنه قوة ملينة محللة للدم جداً، وقيل ان لبن هذه الشجرة ملزقة وملحمة للجراحات العسيرة وكذلك يحلل الأورام العسره. نافع من الاقشعرار.
أما داود الانطاكي في تذكرته فقال: «ينفع من أوجاع الصدر والسعال ويصلح الكلى ويذهب الوسواس، يقطع الاسهال ويسقط الجنين ويدر الطمث للنساء وورقه يقطع الاسهال. يمنع القروح الساعية والاكلة. رماد حطبه يمنع القروح، إذا رضت أوراقه وأطرافه الفضة وثمرته الناضجة وطبخ الكل حتى ينهري وصفي وأضيف له السكر وأخذ لعوقاً كان جيداً لا مثيل له لعلاج السعال المزمن وعسر النفس والربو ويصفي الصوت .
ماذا قال عنه الطب الحديث:
لقد جاءت الفوائد والنتائج والأبحاث العلمية التي نشرت في المؤتمر الدولي للأمراض الجلدية لتؤكد فوائد لبن الجميز في علاج مرض الصدفية وبعض الأمراض الجلدية الأخرى على شكل دهان موضعي، حيث ان لبن الجميز يحتوي على المضادات الحيوية القادرة على إبادة الجراثيم ومواد أخرى تساعد على التئام الجروح، هذا بجانب تأثير تناول الجميز عن طريق الفم كملين ومنبه جيد للمعدة والامعاء ومطهر للنزلات المعوية وطارد للغازات وفي علاج التهابات اللثة. تستعمل ثمار الجميز الطازجة أكلا لعلاج النزلات المعوية وانتفاخات البطن والامساك يتناول المريض كوباً من عصير الثمار صباحاً على الريق. وتمضغ ثمار الجميز لأطول فترة ممكنة في الفم أو استعمال عصيرها كمضمضة لعلاج التهابات وترهلات اللثة. أما لعلاج مرض الصدفية والقوباء ولتطهير الجروح والقروح وسرعة التئامها فتستعمل شرائح ثمار الجميز الناضجة على هيئة ضمادات فوق مكان الإصابة وأيضاً لبن الجميز على شكل دهان موضعي.
يسمى عنع بربر شمال أفريقيا (امشان)
وثمرة الجميز تتوفر بها كافة العناصر الغذائية، خاصة أنها تحتوي على مادة الزنك التي تساعد على تقوية الجهاز المناعي للإنسان، ولديها القدرة على معالجة فقدان الشهية والتئام الجروح حسب ما اثبت في اتحاد الصحة الألماني في فرانكفورت.
وللحديث بقية..
الأحد : ١٧ ذو القعدة ١٤٣٨ هـ ~ ٩ . أغسطس ٢٠١٧ م

شجيرات التين
:"تحت ظل شجيرات التين(!)"

يحلو لي أن استخدم تعبير «راحة» صيفية بدلا من الكلمة المشهورة سيئة السمعة «عطلة»؛ فالحقيقة أن الحياة لا توجد بها عطلة بمعناها اللُغوي أو الإصطلاحي؛ فحالة الإستجمام على شاطئ بحيرة هذه راحة وليس عطلة.. كما وأن التجوال في غابة أو الإستلقاء فوق رمال منتج الغردقة قبل المحاولات اليائسة للجماعة(!) أو لتلك الإمارة(!) المغمورة التي تبحث عن دور لها تحت الشمس.. وفشلت.. هذه راحة.. إذاً العطلة هي فترة زمنية تطول أو تقصر -وفقا لفترة الإجازة المسموح بها- لـ إعادة التهيئة النفسية والإعداد العقلي والذهني مع رفع القدرات الجسمانية والبدنية لمعاودة النشاط مرة ثانية.. فـ «راحة» نهاية الإسبوع هي زمن نتوقف فيه عن مزاولة نفس العمل وفي نفس الأوقات وفي نفس الظروف لتجديد نشاط العامل أو الموظف؛ لإسبوع جديد أكثر نشاطا وأكثر حيوية لينتج أكثر لصالح الإنسانية ولتقوية دعائم الدولة.. بمزاولة نشاط آخر محبب للنفس يجلب السرور.. وحالة النوم أو النعاس كذلك راحة للأجهزة الحيوية الرئيسة داخل جسم الإنسان لتقلل من مجهود عضلة القلب وعدد دقاته؛ وتخفيف عدد مرات التنفس للرئة؛ وراحة لعمليات تشغيل خلايا المخ وهو واحد من أكبر أجهزة الجسم؛ ويتألف من خلايا عصبية يبلغ عددها نحو 100 مليار خلية متصلة ببعضها البعض عن طريق نحو 100.000 مليار تشابك عصبي. وهذا مما يتميز به هذا الكائن المخلوق العجيب «الإنسان» عن بقية مخلوقات المبدع المصور الخالق سبحانه في علاه وتعالى في سماه؛ لكن الإنسان للأسف الشديد لا يستخدم هذه القدرات الدماغية الهائلة.. واسأل نفسك أيـ(ـتـ)ـها القارئـ(ـة) الكريمـ(ـة) ما هي إهتماماتك اليومية وما الذي يشغل نهارك.. وثم كيف تعيش يومك؛ [يعني بتضيع وقتك إزاي](!).. وستعرف كم من طاقات عقلية وذهنية وإدراكية بل وحركية تضيع هباءا منثورا.. مع ملاحظة أن هناك افعال تبقى كما هي على مدار الساعة أو النهار لكنها تختلف من حيث الزمن في الآداء كـ عبادة الصلاة فـ أوقات الصيف تختلف عن أوقات الشتاء.. واللافت للإنتباه أنه لا توجد راحة عند الحديث عن علاقة الإنسان بخالقه كـ عبادة الصلاة بالذات؛ أقصد أن الصيام المفروض كعبادة يتم فقط خلال شهر في العام.. والحج كعبادة يتم مرة واحدة في العمر.. وهذه افعال تعبدية؛ بخلاف إخراج الزكاة مثلاً..
أقول : خلال الراحة الصيفية لعام 2017 -ونملك وقتا كافيا- يجب إعادة ترتيب أوراق التواجد العربي على أرض القارة الأوربية..
وما ينبغي التركيز عليه وبحثه هي تلك التجمعات العربية الحالية الموجودة في الغرب.. إذ أن المقصود بالتجمع هو التواجد في زمن ما لممارسة نشاط ما في مكان بعينه.. فـ يجتمع تحت سقفه عددا ما لآداء هذا النشاط سواء أكان :
1.] روحي؛ أو
2.] ثقافي؛ تعليمي؛ أو
3.] رياضي؛ ترويحي أو ترفيهي..
وهنا يجب عليَّ إستخدام مصطلح سئ السمعة يتداوله البعض وهو ما يسمى بـ «قتل» الوقت.. فنضيعه بشتى الطرق دون تحصيل فائدة مرجوة أو نافعة تعود على الفهم أو الجسد بشئ يذكر.
فعند ممارسة النشاط الأول «روحي» فوفقا للمفهوم الغربي تجده عبارة عن مكان يتم فيه ممارسة بعض الشعائر/الطقوس « الدينية » كـ الصلاة مثلا في بيت العبادة.. وهنا في الغرب نطلق عليه مسمى «مصلىٰ» وهذا المكان وجد عندما جاء عمال الأناضول الأتراك إلى القارة الأوروبية لإعادة بنائها وفق مشروع مارشال الأمريكي لتعمير أوروبا.. ولعامل الضعف الشديد في التحدث بلُغة القوم افتتح مقهى خلفه صالة لإداء الصلوات لإشباع ما يسمى التدين الفطري أو تدين العجائز.. فبعد الإنتهاء من العمل يذهب العامل إلى هذا التجمع [القهوة] ليشرب كوبا من الشاي على الطريقة التركية ويتسامر مع رفاقه في إنتظار قدوم الليل ليخلد إلى النوم في إنتظا يوم عمل جديد.. ويوم الجمعة يتم آداء صلاتها.. وكان الغالب أن يكون هذا التجمع بالقرب من المصنع أو الشركة التي يعمل فيها هؤلاء العمال الأتراك.. هذا جانب من الحياة..
أما على الجانب الآخر أقصد الطلبة المسلمين من البلدان التي يقطنها أهل الإسلام فقد أفتتح في بيت للطلبة بالحي التاسع الفييناوي غرفة صغيرة في الدور الثاني لآداء صلاة الجمعة:
(Das Afro-Asiatische Institut in Wien ist eine kirchliche Stiftung mit Öffentlichkeitsrecht)
موقعه:
؛ (Türkenstraße 3, 1090 Wien)
وحين كثر عدد المصلين الطلبة(!) كانت الصلاة في الدور الأرضي بصالة تسع لما يقرب من مائة أو يزيد... وكان على الطرف الآخر وخلف مبنى جامعة فيينا العتيق تقام صلاة الجمعة في مقر البعثة التعليمية المصرية... يقوم بها أحياناً أستاذ كيمياء د. حسين الضو -يرحمه الله تعالى- وفي نفس الفترة الزمنية وخلف مبنى البرلمان لحكومة النمسا تقام صلاة للسادة المصريين في شقة بالدور الأول تحت اسم «النادي» المصري.. واللافت للإنتباه ان بيت الطلبة هذا بالحي التاسع الفييناوي تتولى إدارته الكنيسة الروم الكاثوليكية؛ والجدير بالذكر أن كاتب هذه السطور عرف بوجود هذه الصالة إثناء تواجده في مدينة نابولي الإيطالية وقبل مغادرته إلى جمهورية النمسا الإتحادية من خلال زائر مصري تعرف عليه هناك... والذي يجب أن نثبته في هذه الشهادة (لو أعتبرت أنها شهادة للزمان والتاريخ؛ وتحتاج مِن مَن عاش هذه الفترة الزمنية [بداية السبعينات من القرن الماضي] أن يوثقها ) أن خطيب يوم الجمعة في بيت الطلبة بالدور الثاني بالحي التاسع الفييناوي كان يتناوب على الخطبة مَن ينتمي أو محب/متعاطف مع الجماعة الإرهابية وفق تقييم دولة المنطقة العربية وآداء صلاة الجمعة التي تليها يقوم بها أحد أفراد حزب التحرير المحظور في المنطقة العربية أيضاً؛ وبالطبع كان يحدث نقاش فكري أو فقهي بين أفراد الحزب والجماعة؛ وهذا يعود لعوامل عدة منها ماهو إيديولوجي وما هو فقهي... ولعل هذه الجزئية من تاريخ العرب والمسلمين في فيينا/ النمسا~ أوروبا تحتاج لتسليط الضوء عليها بشهادة أمينة مِن مَن عاش هذه الفترة الزمنية تصلح للإطلاع عليها من الأجيال القادمة وتوضح الصورة لما عليه مسلم موديل 2017.. إذ ينقص التجكعات العربية في الخارج كتابة تاريخ موثق لتواجدها وتحركاتها..
نستخلص من هذه المراجعة السريعة أنه في بداية السبعينات من القرن الماضي كان بيت العبادة أو ما يسمى «مصلىٰ» متواجد في مثلث متقارب الأضلاع :
1.] الأول : غرفة صغيرة بمبنى للطلبة المسلمين من دول العالم الثالث (كما هو معلن حتى الأن على الصفحة الإلكترونية لمعهد الأفرو آسيوي)؛
2.] الثاني : غرفة بمقر البعثة التعليمية المصرية بالحي الأول خلف مبنى الجامعة؛
3.] الصالة الكبرى بشقة خلف مبنى البرلمان النمساوي -النادي المصري-.
ويغلب على الظن -وهذا القول يحتاج لمراجعة- لنواحي تنظيمية وإدارية ووصول شحنات من دعم مالي من دول الخليج -وكان يستخدم تعبير جمع الغلة من مشايخ الخليج(!)- رأت الجماعة -فرع النمسا/فيينا- أن تبتعد عن « وجع » الرأس من نقاشات شباب حزب التحرير المحظور عربياً في نهاية كل صلاة جمعة فتستقل بمكان يخصها وتحت إدارتها فوجد «مصلى» بالدور الثاني في حارة بالحي السابع الفييناوي تحت مسمى « اتحاد الطلاب المسلمين ».
الملحوظة التي تحتاج إعمال نظر ومراجعة دقيقة هي أن تلك التجمعات الروحية في العاصمة النمساوية=فيينا تكونت/تشكلت/ وجدت تحت مسمى «الطلبة»..
ينبغي أن نسلط قليلاً من الضوء على الحركة السياسية في بعض دول العرب: كجمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية؛ ونركز على الدولة المصرية؛ إذ التضييق من قِبل النظام المصري في العهد الناصري على الجماعة والمراقبة الأمنية الجأها الذهاب إلى أماكن آمنة كـ دول الخليج وقتذاك ودول القارة الأوربية مثل بريطانيا فرنسا ألمانيا وأخيرا النمسا.. وكذلك حال شباب حزب التحرير..
الملاحظ:
يمكن القول أن ساحة خطبة الجمعة -فيينا-كانت تحت سيطرة الدولة المصرية الرسمية؛ بمعنى أن الخطبة الأولى تقام بمقر البعثة التعليمية المصرية سواء لطلبة الدراسات العليا المبتعثين أو طلبة تحت الإشراف العلمي على نفقتهم الخاصة؛ يجاورهم النادي المصري الذي يمول من قبل الحكومة المصرية والجميع يتمنون الرضا من النظام المصري.. في المقابل مصلى معهد الأفروآسيوى؛ وهو خارج السيطرة الفكرية لكنه تحت المراقبة الأمنية بيد أنه منقسم في خطبته فقسم خارج عن السيطرة المصرية سواء الحكومية أو الأهلية وهذا خطيب حزب التحرير والقسم الثاني خطيب يتبع الجماعة وغالبا الخطبة على نمط الوعظ الأزهري وشاكلة الإرشاد وفق خطة وزارة الأوقاف مع ضعيف القدرات وفارغ المحتوى الفقهي أو الدعوي..
الملاحظ : الضعف الشديد في تجاوب أو قبول الناس لما يطرحه شباب حزب التحرير من افكار ومعالجات للمسائل المطروحة؛ أما وسيلة الجماعة فهي معروفة في كيف تقريب الناس وتكسب ودهم لما تريده أو حين طرحها لأفكار..
منذ بداية الثمانينات الميلادية من القرن الماضي وجد مصلى رابع أنفصل عن غرفة مصلى افروآسيوي التي تبرعت بها الكنيسة الكاثوليكية لطلبة وهو مصلى اتحاد الطلبة المسلمين -إداريا وتنظيمياً يتبع الجماعة- بالحي السابع تولى إدارته من ينتمي للجماعة فكرا وعملا وسلوكاً وظهر وجود تمويل مالي خارجي..
الملاحظ أنه في هذا الزمان -قبيل السبعينات إلى منتصف الثمانينات من القرن الماضي كان المتواجدون على تراب القارة الأوروبية شباب (ذكور) فلم توجد فتيات أو سيدات إلا نادراً جداً..
أذكر كان هناك فتاة تدرس آثار وكانت مديرة البعثة التعليمية امرأة.. وبالتالي التركيبة الإجتماعية في العاصمة النمساوية للعرب -تقريباً- (ذكور) شباب إما للدراسة وحين تنتهي فترة تحضير الدكتوراة فالمتوقع العودة أو هناك فريق آخر من الشباب هم مَن يبيع الجرائد في محطات القطار أو تحت إشارة المرور أو في الميادين العامة.. وعليه لا توجد عائلات أو أطفال أو مانسميه الجيل الثاني.
التكاثر :
لم يكن زيادة عدد المصليات -خاصة تحت الأرض=بدروم عمارات مدينة فيينا القديمة- لزيادة افراد التجمعات بل لإختلاف القائمين في تلك المصليات في التوجهات أو الإنتماءات في المصلى الأول.. لذا فيفتح الثاني:
1.] مصلى ابن تيمية فتح نتيجة لخلاف مع توجهات مصلى الصحابة (سابقاً: إتحاد الطلبة المسلمين؛ وخروجه من قبضة الجماعة)،
2.] مصلى الهداية فتح بعد تولي إتجاه الجماعة السوري منفصلا عن إتجاه الجماعة المصري؛ وقرر وقتها غلق مصلى إتحاد الطلبة المسلمين بالحي السابع.
3.] نتيجة لتوجهات وأراء خطيب مصلى الهداية فتح مصلى الشورى
4.] نتيجة مناظرة مع د. عمر عبدالعزيز -زائر؛ استضافة الدكتور الوالد محمد فريد سليمان؛ يرحمه الله تعالى- مناظرة قسمت ظهر البعير الصوفي ففتح مصلى الأسرة الدندراوية
5.] نتيجة تكسد عدد من المسلمين في مستعمرة
)Am Schöpfwerk ؛12, Am Schöpfwerk 27-31, Lichtensterngasse 2-4, Zanaschkagasse 12-16), städtische Großwohnanlage (erste Bauetappe: 62 Stiegen, 1.704 Wohnungen; insgesamt 2.151 Wohnungen), errichtet 1967-1980(
وإغلاق مكتب MA 50 في البرج رقم 31 فتح مصلى في هذا التجمع السكاني يتبع فكر السلفية كنظيره في مصلى ابن تيمية.. ثم توسع في مكان قريب من الأول
في هذه الحقبة الزمنية بدأ فتح مصليات ما تسمى بـ «الأهلية» كتلك السابقة؛ فتدخلت رابطة العالم الإسلامي والتي مقرها جدة بالمملكة العربية السعودية في دعم مالي لمصلى في الحي الخامس عشر ولمسجد.. قدم المستشار النمساوي آنذاك د. برونو كرايسكي قطعة أرض تطل على الدانوب الأزرق كهدية من حكومته في مقابل تمويل مبنى الأمم المتحدة:
6.] المركز،
وفي بداية التسعينات من القرن الماضي فتح
7.] مصلى دار السلام؛ كان يتولى أمره سائق تاكسي،
8.] مصلى الفتح؛
9.] مصلى الرحمة؛
10.] مصلى الأرقم؛
11.] مصلى التقوى؛
12.] مصلى التوحيد..
13.] بعض المطاعم التي تقدم البيتسا تفتح بعض قاعاتها لآداء صلاة الجمعة ..
14.] مصلى التيسير..
هذا ما يحضرني الأن من أماكن تجمعات العرب لممارسة شعائر دينية سواء إقامة الصلوات الخمس؛ أو فقط سماع خطبة وآداء صلاة الجمعة؛ أو صلاة العيدين.. صلاة التراويح.. أو سماع محاضرة أو ندوة دينية..
وهذه الأماكن تتجمع فيها افراد من العرب لإشباع جانب روحي.. وممارسة شعائر دينية.
أما التجمعات الآخرى فهي لإشباع جانب ثقافي كـ المنتديات.
أو تجمع ترويحي ترفيهي كمجالس لشرب الشاي واحتساء القهوة ولعب الطاولة...
وننزل درجة لتدخين الشيشا...
ثم نرتفع درجة لأماكن تجمع فقط للتوانسة أو المغاربة أو المصريين.. السوريين.. وهذا النوع الأخير من التجمع يخيم عليه المناخ الوطني أو القومي..
الجديد :
ثم تبعاً للتطور التقني والتكنولوجي نصبت منصات التواصل الإجتماعي كـ الفيس بوك والتويتر.. ووجد مَن يضيع نهاره وليله في متابعة ويتس أب والرد والإرسال لما نعلمه جميعاً..
يتبقى على الشبكة العنكبوتية صفحات للعرب مثل:

1.] جسور؛
2.] بلادي بلادي؛
3.] نمساوي؛
4.] شبكة رمضان الإخبارية؛

إذاً الجالس في بيته ولا يريد التحرك خطوة واحدة يجد مَن يقدم له خدمات.. أم مَن يريد الحركة.. وكما يقولون :"الحركة بركة" فعليه ان يذهب لواحدة من تلك التجمعات كل حسب هويته وأنتماءه وميوله.. سواء ديني أو ترفيهي أو تثقيفي..
وما يغلب على الجميع :
1.] ضعف بوصلة التواصل فيما بينهم؛ ونزيد فنتساءل عن :
2.] ما هو الهدف الحقيقي من هذا الكم؛ ولعلي أجد ما أجيب عليه :" بأن كل مكان يقدم شيئا ما يريده « الزبون » "،
3.] غياب عنصر التأهيل والتدريب وإكمال دورات تخصصية في مجال النشاط المقصود من تواجد هذا المكان
4.] عدم التنسيق فيما بينهم حسب النشاط المزمع القيام به،
5.] غياب فكرة تبادل الخبرات.. كأن كل يعيش في جزيرة في المحيط لا يدري أو لا يريد أن يدري عن الآخر شيئا،
6.] عدم تفعيل دور الجمعية العمومية -إن وجدت في تجمع ما- فالمشاهد أن رئيس التجمع الفلاني من حقبة الثمانينات مازال هو كبير المكان، وعليه:
7.] غياب مبدأ الديموقراطية -هذا في حالة أن سُمع بها أو تمرن عليها أو مارسها-
8.] غياب العنصر النسائي في التجمعات؛ ما عدا منصة على الشبكة العنكبوتية يتولى أمر هذه المنصة امرأة فقط
9.] غياب العنصر الشبابي -خاصة والأن نحن على مشارف الجيل الرابع والخامس من ابناء التجمعات العربيةفي الغرب-،
10.] عدم تقديم خدمات لمن تعدى سن المعاش -ونسبتهم قد ارتفعت منذ نهاية القرن الماضي-،
11.] غياب خدمات أو إدماج ربات(سيدات) البيوت في تلك التجمعات،
12.] يوجد دائماً مَن يعمل لحسابه الشخصي؛ ويسعى أن يوصف بما لم يفعله؛ مع الركوب فوق أكتاف الآخرين.. كما يوجد مَن يعمل لحساب دولة ما أو منظمة ما أو هيئة ما.. مع وجود فارق بين مَن يعمل مقابل آجر كموظف في منشأة ما وبين مَن يقوم بتنفيذ المخطط في السر دون العلن..
13.] لا ينبغي أن نهمل أو نتساهل في أن عورات الجيل الأول اثرت على ابناء الجيل الثاني كحالة البطالة المصطنعة أو تقديم أوراق ثبوتية غير صحيحة لجهات حكومية لتحصيل أموال،
14.] طريقة التربية وتأثيرات الحقبة الناصرية يليها عهد السادات وكيفية إدارة الدولة في زمن المبارك اثرت على الكثير من ابناء الجيل الأول مما ترك اثارا سلبية على الجيل الثاني،
15.] يكاد تكون كيفية إدارة الدولة في المنطقة العربية تطبق بحذافيرها مِن مَن تربى على قادة مصر أو سوريا مثلاً.
16.] يوجد فارق بين العقلية الإدارية وعقلية إدارة العلاقات العامة وبين الفهلوة؛ أو ما اسميه القهوجي يرافقه البويهجي،
17.] وجدت وظائف مكملة؛ إذ هي ليست مهنة في حد ذاتها.. فلوجود عطلانجية كُثر وجدت وظيفة -مثلاً- خادم المصلى؛ وهو يقوم بإدارة المصلى في حالة غياب مَن في الإدارة؛ وهو أيضا غير صالح لإدارتها،
هذا من الناحية الإدارية؛ اما من الناحية الإيديولوجية فنتكلم دون خجل عن:
1.] غياب أو عدم وضوح الخطط المستقبلية،
2.] رياض الأطفال -مستقبل تلك التجمعات في الغرب- يغلب عليها الطابع النفعي الربحي -ولا نعترض-؛ ومَن يتولى إدارتها الغالب عليهم أنهم ليسوا من أهل التخصص؛ أو التأهيل العلمي؛ وهذا ما تحدث عنه وزير الإندماج النمساوي،
3.] ينطبق ذلك على خطباء المساجد؛ فهم يفتقدون لدراسات تكميلية بما عندهم من تخصصات دينية
4.] فريق تدريس اللُغة العربية وحفظ القرآن في المصليات الغالب عليهم نقص التأهيل التربوي أو التعليمي؛ التخصصي،
5.] عدم التفاعل مع الأحداث الجارية سواء المحلية في مدينة فيينا أو جمهورية النمسا؛ أو التفاعل مع الأحداث الإقليمية -منطقة الأيرو- أو الدولية أو ما يحدث في المنطقة العربية أو في عموم القارة الأوروبية والأمريكية.. بمعنى التعايش الحي والمؤثر في الأحداث،
6.] غياب التواجد الإيجابي المثمر بين مؤسسات الدولة،
7.] غياب التنسيق بين التجمعات والمؤسسات السيادية والحكومية إثناء طرح ومناقشة وتفعيل خطة الدولة وتوجهاتها،
8.] غياب الوعي الكافي بالقوانين واللوائح المعمول بها في جمهورية النمسا ذات الصلة،
9.] لأسباب سياسية داخلية سعت بعض الدول الأجنبية لإعادة رسم خريطة التوجهات في أُروبا.. كما فعلت -مؤخراً- تركيا~أردوغان في كل مِن ألمانيا والنمسا؛ ورفض من سلطات ألمانيا أن يوجه الزعيم التركي رسالة لأتراك ألمانيا؛ وكما رفضت الخارجية النمساية زيارة لوزير الإقتصاد التركي للنمسا في الإسبوع الماضي -كما وحدث سابقاً إن لم تخن الذاكرة عام 2006م- مع جمال ابن المبارك كفكرة إنشاء تنظيم في الغرب موال للسياسة الدولة المصرية وقتذاك... وهرول الكثير للإنضمام إليه..
ينبغي أن أركز على مسألة :
أنه لا يضر التوجه الأيديولوجي مثل توجه مصلى ابن تيمية السلفي، كما لا يضر التوجه القومي أو الوطني كتوجه النادي المصري أو الإتحاد العام للمصريين بالنمسا.. أقول : هذا لا يضر(!)؛ بل الذي يضر حقاً وصدقاً هو رفض الآخر؛ أو إبعاده؛ أو تجاهله مع وجوده؛ أو فرض الوصاية عليه وإلزامه بما يتبناه شيخ الطريقة وما يراه خطيب المصلى.. ما يضر صدقاً وحقاً تنفيذ أجندة خارجية -أي مِن خارج الدولة النمساوية- تملى على أفراد يتولون إدارة تجمع ما سواء ديني أو ثقافي أو ترفيهي/ترويحي، وليس له علاقة مباشرة بحال ووضع وظروف التجمع في مدينة فيينا أو دولة النمسا؛ كما يجري في مصلى الشورى أو مصلى التيسير -وهذا على سبيل المثال وليس الحصر- وقد اثيرت سياسياً وإعلامياً قصة التمويل المالي لبعض التكتلات والمنظمات والأفراد على الأراضي الأوروبية/النمساوية؛ مثل التمويل التركي الحكومي لبعض المؤسسات؛ أو تحويل أموال من المملكة العربية السعودية أو إمارة قطر؛ أو تمويل حكومة جمهورية مصر العربية لبعض المؤسسات، وظهور حالة من الثراء فجأة مع معلومية دخل أمثال هؤلاء؛ ويتساءل المرء :" مِن أين لكَ هذا!!؟"..
أقول : إذا كان ما يتم تحويله مِن أموال ودعم بعض المؤسسات يسير في إطار قانوني ودولي معترف به فليس هناك بأس أو مؤاخذة أو لوم؛ أما إن وصل الدعم المالي في حقيبة دبلوماسية فهنا السؤال!!؟.. وهناك فارق كبير بين الدعم المعنوي والتمويل المالي خارج وعاء مالي سليم.
لعل ثقافة ممارسة نشاط رياضي أو ترفيهي/ترويحي كمصطلح غير موجود بين العرب!!؟.
لذا فدعوتي -ونفكر فيها بهدوء خلال الراحة الصيفية لعام 2017- لمن يسكن مدينة فيينا ومن حولها؛ او مَن يحمل جنسية الدولة النمساوية عليه أن يفكر مرة واحدة.. إذ عليه أن يفكر ويتصرف على أنه مواطن من دول العالم الأول.. وأنه يستفيد من المظلة الإجتماعية التي توفرها الدولة.. وأنه يتفاعل مع الأحداث وفقا لديموقراطية الدولة التي يحمل جنسيتها.. وأن الدولة وفقاً لسياستها الداخلية دولة ديموقراطية برلمانية فعليه أن يتعرف على حقوقه الأساسية والسياسية ويتعامل في البناية التي يسكنها وفي الشارع وفي مكان عمله على أنه من دول العالم الأول.. مع الإحتفاظ الكامل بما يحمل في رأسه مِن افكار وما يتبنى من أحكام فقهية ووجهة نظره في الحياة.
الأربعاء: 19. 07. 2017

[2] سقطت ورقة التوت.. فجاء الدود!

ورقة التوت.. تعبير يقال عند انكشاف ما هو مستور عن أمر فاضح، ويقال في أصل العبارة أن آدم وحواء عليهما السلام سترا أنفسهما عندما بدت لهما سوأتهما وانكشفت أمامهما عورتهما بورقة من شجر التوت.. هكذا رسخ عند البشر هذا الظن (!!!).
بيد أن آدم وحواء عادا عاريين كما خلقهما ربهما بعد قرون على قرار شخص متدين متزمت بـ إلباس آدم تنورة من العشب لتغطية عورته؛ ولف غلالة حول خصر حواء في كتاب مصوَّر عُرَض للجمهور في متحف „فيتزوليام” في كامبردج.
فبحسب رواية الكتاب المقدس: فان آدم وحواء لم يخجلا من جسديهما العاريين إلا بعد أكلهما من الشجرة المحرمة وطردهما من جنة عدن.. لذا رأت الملكة „آن” ملكة بريتاني التي أمرت بتأليف الكتاب المصوَّر في عام 1505م لتقدمه هدية الى ابنتها ذات الخمس سنوات „كلود”.
ان رسم آدم وحواء عاريين انما هو تمثيل أمين لقصتهما الانجيلية. وأُنتج الكتاب الذي أنجزه احد فناني البلاط الملكي لتعليم الأميرة الصغيرة „كلود” الحروف الأبجدية وكذلك قصة الخلق.
ولكن شخصاً اصبح مالك الكتاب المصوَّر لاحقاً ارتأى ان «يستر» حواء بغلالة لا تغطي كثيراً في الحقيقة وان يُلبس آدم تنورة رسمها هذا الشخص المجهول بطريقة بدائية لا تُليق بأول انسان أوجده الخالق.
ونرى حواء "ملفوفة" حتى وهي تخرج من ضلع آدم اثناء نومه. والأشكال الوحيدة التي تُركت بلا تغيير هي آدم وحواء بعد طردهما من الجنة ومبادرتهما الى استخدام ورقة توت "لستر عورتيهما". وأُعيدت صورة آدم وحواء الى عريهما الأصلي باستخدام التكنولوجيا الرقمية دون التلاعب بأي لون في صور الكتاب الذي يعود تاريخه الى 500 سنة في اطار معرض لأثمن ما في متحف „فيتزوليام” من مخطوطات.
وأوضحت أمينة المتحف السيدة „ستيلا بانايوتوفا” ان المتحف علم بأن الواناً أُضيفت على الألوان الأصلية للصورة ولكنه قرر ألا يزيل اياً منها بخلاف ما يحدث كثيراً في فن الرسم حين تُزال طبقات من الألوان للوصول الى اللوحة الأصلية الكامنة تحتها وفضَّل ألا يمس صفحة بحالة جيدة من المخطوطة الأصلية.
وأكد التصوير بالاشعة تحت الحمراء إضافة ألوان على الصورة الأصلية وعندما علمت بانايوتوفا؛ أمينة المتحف بأن قسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية في جامعة كامبردج طور برنامجاً لملء المناطق التي فقدت ألوانها في اللوحات الفنية بمسح الثغرات إشعاعياً وملئها بالمتبقي من صبغة العمل الأصلي، تحدَّت العلماء ان يحاولوا قلب العملية بإزالة الألوان بدلا من ملء الثغرات الفارغة بها. واسفرت النتيجة عن إعادة آدم وحواء الى براءتهما الأولى التي لم تُشاهد منذ قرون.
ونقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن أمينة المتحف ان العملية تكللت بنجاح فاق الخيال ونُفذت حتى بدون ملامسة الصفحة الأصلية بل جرى كل شيء ببرمجيات.
ولم تُعرف هوية الشخص المتزمت الذي سمح لنفسه ان "يستر عورتي" آدم وحواء ولا يُعرف كيف غادر الكتاب المصوَّر بلاط الملكة „آن” وانتهى بيد هذا الشخص.
الجدير بالذكر أنه احتفل متحف „فيتزوليام” في أغسطس 2016 بمرور 200 عام على تأسيسه عام 1816؛ وهو عام وفاة النبيل البريطاني ريتشارد فيكونت فيتزوليام الذي ترك مجموعة رائعة بينها لوحات وآلات موسيقية ومخطوطات و 100 الف جنيه استرليني لفتح متحف "جيد ومهم". وذهب فيتزوليام ضحية الكتاب إذ قُتل عندما سقط من سُلَّم مكتبته العامرة حين كان يبحث عن أحد المراجع. وتعتبر الكتب التي تركها من أفضل المجموعات في عالم المخطوطات وهي نادرا ما تُعرض لأنها شديدة الحساسية من الضوء..
هذا ما حدث في الغرب لمعرفة الحقيقة؛ وإن كانت عارية.
أما في الشرق فوفقاً لعظة القس مرقس ميلاد من كتاب عظات عن القديس مرقس؛ وهو يحكي عن آدم وحواء قبل وبعد السقوط: إذ يقول أن آدم وحواء يصلحا مثالًا لمن عراهم الشيطان من ثوب النعمة: فلأول مرة.. حين سمعنا عن الثياب والعري في الكتاب المقدس كان في سفر التكوين؛ الإصحاح الثاني.. حيث خلق الرب آدم وحواء وقال الكتاب المقدس عنهما: «وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ». [سفر التكوين: 2 :25].
هذه هي حالة آدم وحواء قبل الخطيئة.. أي أن الله عندما خلق الإنسان كان يرى أن الصورة المثلى للإنسان هي صورة آدم قبل السقوط.. وفق الرؤية الإنجيلية.. إذاً آدم وحواء في بساطتهما وبراءتهما كانا عريانين دون أن يخجلا: فـ مشكلتنا أن ذهننا تلوث بالخطيئة -حسب قول القس ميلاد- مرات كثيرة ذهنك يرتبك عندما تتخيل منظرهما! كيف كانا عريانين تمامًا هكذا؟! السبب أنه كان لديهما صلح كامل بين النفس والجسد لم يكن هناك خطيئة. كان آدم لديه بساطة وطهارة وكانت حواء عين نظيره لا يرى فيها غير هذا. فكان كلاهما عريانين وهم لا يخجلان. والدليل على ذلك أن الطفل في بساطته لا يهتم إذا كان عاريًا أم مرتديًا ثيابًا، لا يعنيه ذلك بالمرة. والحقيقة أنهما عاشا عريانين دون أي خجل، حالة من النقاء، حالة من التسامي، حالة من الصلح ما بين النفس والجسد.. لكن بعد المعصية بدأ آدم يشعر بالخجل، وأراد أن يخفي عريه، فاختار أكبر ورق شجر [أوراق التين(!!!)] لكي يكسو بها نفسه. صنع آدم وحواء لأنفسهما مآزر (وفي بعض الترجمات صنعا لأنفسهما مناطق، وكلمة منطقة تعني مجرد أنه يغطي وسطه هو وحواء ). هناك مَن يحاول أن يستر عريه وخطيئته بمحاولات فاشلة. هذا ما قال به القس ميلاد.
ويفهم من النص القرآني ما يدور في الذهن؛ إذ نطق القرآن فيقول :« فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ »﴿الأعراف: ٢٢﴾؛ وبداية القصة تقول : « فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ » ﴿٢٠﴾ « وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ »(21) ". كما تقرأ : « فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ» ﴿طه: ١٢١﴾
وبداية القصة تقول : « وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا » (115) « وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ »(116) « فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ »﴿١١٧﴾ « إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ » ﴿١١٨﴾« وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ »﴿١١٩﴾ « فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ »﴿١٢٠﴾ .
ولكن ماذا حدث لآدم؟
يكمل لنا القس ميلاد فيقول:" بمجرد ظهور الشمس جفت هذه الأوراق (أوراق التين [وليس ورقة التوت] التي ستر بها عريه) وسقطت. وعندما ناداه الرب رد قائلًا: "سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (سفر التكوين : 3 : 10) لم تفلح طريقته البشرية في تغطيته من عريه! فإنه لازال يشعر بالعري.. هذه أول حالة عري في الكتاب المقدس ويجب سترها...
هكذا فهم الغرب مسألة ورقة التين (التوت).. وهكذا تكلم الشرق عنها..
بيد أن الواقع العملي والأحداث المعاشة تبين أننا مازلنا نعيش في خرافة ورقة(!) تخفي عورة أو تستر سوءة دون البحث عن الحقيقة لمعالجتها؛ ولنأتي بأمثلة تمت في العاصمة الفييناوية.. فبموافقة من جهة عليا في الحكومة المصرية سمح لآحدى طرق الصوفية بعقد لقاء كتعريف لها في عاصمة جمهورية النمسا الإتحادية؛ بمكتب الملحقية الثقافية -مقر البعثة التعليمية (طلاب الماجستير والدكتوراة)- المطل على الواجهة الخلفية لمبنى جامعة فيينا العتيق بالحي الأول؛ وبعد نقاش وحوار أرسلت مديرة البعثة التعليمية -الملحقية الثقافية المصرية الدكتورة وقتذاك- كتيب تلك الطريقة لمشيخة الأزهر للبت في ما جاء في الكتيب من أدعية وجمل للشريعة الإسلامية وفق الخط العريض الذي تسير عليه المشيخة؛ فجاء الرد من دار الإفتاء المصرية موضحاً المخالفة الصريحة لتلك الأدعية والجمل لما هو معلوم من صحيح الدين ومعارض لمتين العقيدة؛ وتراجعت تلك الطريقة عن الأنظار إلى حواري فيينا القديمة بالحي الخامس عشر؛ في غضون ذلك تم إستضافة “ كبيرهم ” بآحدى شقق الحي الثامن الفييناوي للتعريف بالطريقة؛ ومن أهم ما قاله؛ وكانت بداية كلماته :"أن الإنسان أصله من آدم.. وآدم مخلوق من طين.. فأنت أصلك طين، وأن حواء خلقت من آدم إذاً هي مخلوقة من طين؛ فأنت طين تتزوج طين، والماء الذي تشربه يجري على طين والتفاحة تخرج من شجرة اصلها في الطين؛ فالحكاية طين في طين.. ولكن ما يخرجك من هذا الطين هو „حضورك الحضرة”. وعلى هذه المداخلة البسيطة ولنهاية اللقاء لم يتم الحديث عن العقيدة أو الألوهية أو إتباع الرسول أو العبادة أو تطبيق الأحكام الشرعية.. الإسلام أختصر في المشاركة الحضرة.. ثم جاءمن بعده „ آحدهم ” محملا بصفائح من عصير قرع العسل للتداوي؛ هذا المثال الأول يظهر بوضوح غياب المؤسسة الدينية الرسمية عن الشارع والمواطن وهمومه وصحيح الدين.. والتفاعل الحي المباشر مع الناس.. وأن هناك فراغاً يجب أن يملئ.. لا يفوتني أن تلك الطرق مرخص لها من خلال وزارة الشؤون الإجتماعية؛ فتأتي هنا المفارقة الصارخة: مؤسسة رسمية تعطي ترخيصاً وآخرى تخرج مَن يقول بمثل هذه الأدعية والأقوال عن صحيح الدين ومتين العقيدة.. فيختبئ الجميع تحت سرادق سيدهم في مولده وما يظهر على سطح الأحداث ما نعلمه عن أحتفالات المولد... وما يحدث في الموالد.. ورقة توت تخبأ العديد من عورات أمة وسوءات شعب..
ولتصحيح هذا الخطأ -الحكومي- وفي نفس مكتب الملحقية الثقافية-إدارة البعثة التعليمية المصرية- تم عرض فيديو للشيخ/ محمد متولي الشعرواي؛ ما يقرب من ست ساعات لتفسير سورة الفاتحة.. تم هذا في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم.. وهذه أمثلة لتخبط سياسة دولة وعشوائية التعامل مع مَن يعيش في الغرب ولو لمدة اربعة أعوام للإنتهاء من الدراسات التكميلية أو العليا..
ننتقل على الجانب الآخر من نهر الحياة: فالمثال الثاني: حين جاء وفد من حزب النور السلفي للعاصمة نفسها قبيل إنتخابات مجلس الشعب.. للدعاية الإنتخابية.. فالطبع تمت إستضافته في مصلى يتبعهم ؛ ثم كان اللقاء -الترحيب- الثاني في منتدى مصري تدفع إيجار الشقة مؤسسة حكومية مصرية..
يقول كاتب هذه السطور: لغياب إستراتيجية بخطوط عريضة وخطة عمل مدروسة ودارسة لواقع سئ يراد معالجته ومنذ سنوات تجرأ البعض على القيام بدور الراعي وهو لا يملك مقومات أو مؤهل لهذا الدور.. فالأصل أن الدولة هي التي تقوم بدور الراعي.. وليس الأفراد.. أو تكون واعية لمن يريد من الفراد المشاركة في تلك الرعاية..
المثال الثالث: لأسباب أمنية غير معروفة رفض السماح لآحدهم -التيار السلفي- من مغادرة مكتب أمن مطارالقاهرة المتجه للعاصمة نفسها.. إذ ظل يتناول فنجان القهوة في المكتب إلى أن إقلعت الطائرة المتجه إلى مطار فيينا الدولي...
اللافت للإنتباه أن المثال قبل السابق تم في عهد حكم الجماعة؛ أما الذي يليه فكان في عهد حكم المبارك..
والملفت للإنتباه أيضا: أن طبيب أصله من رومانيا عمل في الدول العربية وزار العديد منها؛ تحاور معي وفي إثناء الحديث؛ بعد أن عرف بأصولي المصرية؛ قال لي :" أين [الرئيس] مبارك الأن.. لماذا لا يتم الإستعانة به؛ إذ أنه قد حكم مصر مايقرب من أربعين عاماً!!؟... ولديه خبرة كبيرة بكيفية حكم البلد.. وله علاقات جيدة مع الآخرين"، ثم فجر أم قنبلة في الحديث؛ حين قال "الشعوب العربية لا تصلح معها الديموقراطية (الغربية)... الشعوب العربية غير الشعوب الأوروبية والغربية".. بالطبع تم الحوار في هدوء وعقلانية وكل منا أخرج ما في جعبته من تصور عن الغرب والعرب.
المثال الثالث الصارخ: حين أنتهت معركة الجهاد المقدس في أفغانستان ضد الشيوعية الملحدة؛ توجهت قوافل الجهاد إلى مصلى بائع الجبن والزيتون بالحي السابع الفييناوي عبر العاصمة في أتجاهها إلى زغرب ومن ثم إلى البوسنة والهرسك؛ ويدعى صاحب هذا المقال أن هذا تم تحت سمع وبصر مخابرات دول!.
أما ورقة التوت الأخيرة الخرافية :
وزيرة الهجرة المصرية تنوي إرسال ملحق ديني للسفارات في شتى أنحاء العالم..
ويتساءل المرء.. ألم ترسل وزارة الأوقاف واعظا أو مقرئا خلال شهر رمضان!.. ماذا قدم وماذا فعل مع ابناء الجالية(!!؟) المصرية خلال شهر؛ ومِن قبل كان الأزهر الشريف يرسل واعظا لمدة اربع سنوات؛ هذا الواعظ تنازل عن جنسيته المصرية مقابل البقاء حاملاً جنسية غربية..
إذا لم توضع إستراتيجية ذات خطوط عريضة متفهمة وواعية بالواقع في دول الغرب بالذات فلن يفلح واعظ يعيش في جلباب القرية التي أتى منها في مخاطبة من يضع البرنيطة(!) فوق رأسه وإن لم يشتريها.. وهنا الحديث عن الجيل الأول: مَن جاء إلى الغرب في نهاية الستينات من القرن الفائت؛ والأن يوجد الجيل الثاني والثالث والرابع ... وتوجد فجوة عميقة بين واعظ يعيش في الغرب منذ سنوات طوال وبين تلك الأجيال.. المصليات تعتبر جمعيات أهلية أسست للربح؛ وأيضا رياض الأطفال والمدارس الخاصة الإسلامية مصدر ربح مع مراعاة عدم توفر قدرات تعليمية وثقافية وتأهيلية لمن يقوم برعاية الأطفال أو التدريس؛ مما دعى وزير الإندماج النمساوي إلى التشديد على مراجعة رياض الأطفال الخاصة الإسلامية... (!!!).
يوجد واقع جديد يجب إدراكه جيدا وفهمه كاملا وهو وجود أجيال في الغرب من اصول عربية اقدامها في أمهات العواصم الغربية تفكر كما يفكر أهل الغرب؛ غير أنها تعيش في بيت ما زال أهله من المناطق التي جاءوا منها.. فيحدث صدام بين عادات وتقاليد وعرف الأب والأم؛ وبين طريقة تفكير ومعايشة اهل الغرب.. أما من لا يستطيع التوفيق بين الطريقتين -العربية والغربية- فهو قنبلة موقوتة تحتاج لمن يفكها..
هذا جانب والجانب الآخر ذلك الذي يريد الهجرة من الدول العربية إلى دول العالم الأول (الغرب) بأي طريقة وبأي ثمن وهذا يحتاج لمراجعة ومدارسة من أهل التخصص.. وليس مِن ملحق ديني ترسله وزارة الهجرة وشؤون المغتربين؛ وهو لا يدرك لغة الخطاب مع هؤلاء المغتربين نناهيك أنه يحسن لغة البلد التي جاء ملحقا دينياً لأهلها.. أو مَن يتولى الخطبة والإمامة في المصليات الأهلية مقابل 50 € - أيرو للخطبة الواحدة ..!!!
وللحديث بقية...

الخميس : ١٩ شوال ١٤٣٨هـ ~ ١٣يوليو ٢٠١٧ م

ورقة التوت !
انتهى رمضان.. فهل من متعظ !؟

تساقطت أوراق التوت جميعاً.. الواحدة تلو الآخرى؛ وتعرى الكثير مما كنا نريد تخبئته ووددنا عدم كشفه.. سقطت أوراق التوت لتكشف سوءة تلحقها سوءة.. وتتعرى عورة خلف عورة.. فلا تجد شيئا ما لتخفي به عورة أو تغطي به سوءة.. وما زال في حارتهم حانة يصب الساقي المخمور المغمور كؤوس الغفلة وأكواب الضلالة؛ فيتجرع الكثير منهم كأس الحنظل.. فيعتاد المرء على تعاطي هذا المنقوع؛ وفي حارة مجاورة يراقص الحاوي ذو الهندام العسكري المزيف ثعبانه بنفخ مزماره ومِن فوق قواعد عسكرية أجنبية بمنطقة الشرق الأوسط وتحالف تركيا العلمانية من النايتو تسمع دقات طبول الحرب فتخرج بقية الأفاعي من جحورها لتلدغ أطفال الحواري ومتشردي الشوارع وتغتصب صبايا فقراء بائعات عقد الياسمين تحت إشارات مرور السيارات في أمهات العواصم العربية وتحت الكباري التي امتلئت قمامة الجيران؛ وحين يمتلئ كيس النقود من الشحاتة وبيع أكياس المناديل يدفعون أجرة قارب مطاطي لعبور البحيرة المتوسطية هربا من جحيم مِن من ادعى العروبة وفتاوى مشايخ الزوايا ودروس مشعوذي التكايا يهربون من قرارات جامعة عربية لا تقدر أن تحمل اسمها.. لتفعله، ويهربون من مرسوم منظمة عالمية إسلامية للتعاون لم تقدر أن توفي بالقدر الضئيل من مسماها فتطبقه، ويهربون من مجلس تعاون خليجي لو استثمرت عائدات النفط لتم غناء العالم العربي ومن حوله.. فيهربون إلى الشاطئ الجنوبي لدول العالم الأول.. المتقدم علمياً والمرتقي فكريا والعالي المقام حضارياً صاحب مقولة «حقوق الإنسان»؛ والتي حصرت أخيراً بمقولة رئيسة وزراء بريطانيا :«أنه يجب إعادة النظر في تلك الحقوق؛ إذا تعارضت مع أمن البلاد وسلامة العباد» ففوق الرمال الناعمة على شواطئ القارة الأفريقية الشمالية -ليبيا؛ مصر؛ تونس- سماسرة المتاجرة بالبشر؛ وفي دول العالم الأول -على كل حال- توجد ملاجئ مكيفة ومخيمات للمهاجرين الجدد تقدم طعاما لآدمي وشرابا لإنسان في حالة ظمأ.. يغرق البعض في مسافة الطريق ويسلم البعض فإذا قُبل طلب اللجوء بعد إضاعة جواز سفر الدولة الأم.. مع الإحتفاظ بالتليفون المحمول يتمكن المهاجر من مباشرة حقوقه الإنسانية؛ ورغباته الآدمية.. ومنها -إذا لم يتيسر الحال فيكون الإعتداء بالقوة على فتاة؛ ظن أنها معجبة به- ..تصرف أموال دافعي الضرائب الأوروبيين على دروس لتعلم المهاجرين لغة الدولة التي استضافته؛ وتؤجر لهم بيوت للسكنى وتدفع لهم رواتب؛ ويتم معالجتهم وفق معيار التطبيب والتداوي في دول العالم الأول.. فينتظرهم اليمين المتطرف الأوروبي فيغضب من حاملة نقاب اعتادت عليه منذ نعومة أظفارها، ويثور لمن تغطي رأسها بحجاب كرامة لها.. فالمسالة إما عقائدية تحترم وإما عادات وتقاليد تتغير بفعل الزمان ومسلسلات رمضان.. ويهجم على صاحب البشرة السمراء.. إذ هم جميعاً غرباء.. وإن كان الذكر الأوروبي يعجب بصاحبة البشرة السمراء أو بنات من القارة الأسيوية تبيع الهوى.. تجد الإعلان على صفحات جريدة مجانية عند مدخل مترو الأنفاق.. إذ أن القارة العجوز ليست قارة إستقرار وبقاء بل قارة عبور أو إستضافة لنهار واحد ومساء.. والمثال مازال راسخ في الأذهان.. وصارخ للعيان : عمال التراحيل الأتراك أو العمالة الفنية والصناعية ليوغسلافيا السابقة للبناء ويجب المغادرة من حيث أتووا.. بعد الإنتهاء مما طُلب منهم .. ومازال عالق في الأذهان تلك الشقراوات في محطات القطارات يحملن في ايديهن الورود في إستقبال ذلك التركي المفتول العضلات والذي لا يحسن القراءة أو الكتابة وفق متطلبات القدوم من الأناضول.. فقط يستطيع حمل الأثقال لبناء القارة وفق خطة »مشروع مارشال« الأمريكي لإعادة إعمار أوروبا التي حطمتها الحرب الكونية الثانية.. والمفاجأة أن الكثير من الشباب بقوا في القارة الأوروبية؛ فأحضر الفتاة التركية وتم التزاوج والتناسل وصارت عائلات. فأصدر المستشار الذي منذ إسبوع نفق ومات فرماناً بتقديم 40 ألف مارك لمن يغادر البلاد.. فلم يغادر أحد البلاد إلا حين الخروج على المعاش.. بعدها بدقائق من عمر الزمان؛ وثوان من حياة الإنسان؛ إذ أن اليوم عند ربك بألف عام مما تعدون.. وبعد محاولة فاشلة من تنظيم يرتدي وشاح الإسلام أراد قتل الزعيم الخالد صاحب الكريزما الطاغية سواء بطلته أو طلعته أو خطبته أو حتى لحظة التنحية ومغادرة مكتب الرئاسة إلى الأبد؛ لكنه عاد وسُم حتى ينتهي هذا العناد.. بعد هذه المحاولة البائسة سارع العديد مِن مَـن ينتمون لهذا التنظيم مغادرة أرض النيل اليُوسُفية المُوسوية إلى ارض الحجاز ونجد وما حولها؛ والبعض الآخر غادر أرض الفراعنة إلى عاصمة التاج البريطاني؛ أو إلى دول أوروبا.. وقرروا هناك البقاء.
روى لي أحد المغمورين في رحلة عمرة مولد عام 2012~ ربيع أول 1433؛ وبآحدى المكاتب الإدارية لـ أوتيل في مكة المكرمة أمام الكعبة المشرفة.. وقد حدثت إشكالية تحتاج لحل ذهب هو ومعه آخرين لحلها.. فتكلم -محدثي- بلغة عربية فصحى ويحمل فوق صدره لحية كثة قارب البياض أن يغزوها؛ فظن أحد الموظفين أنه من جماعة الإخوان؛ فظن محدثي أنه إذا ادعى أنه منهم وركب مركبهم وتلحف بشارتهم.. وهو في الحقيقة ليس منهم ستحل الإشكالية.. وأكمل بإتقان تمثيل دور عضو مكتب الإرشاد؛ فما كان من الموظف المصري الذي يعمل بالملكية السعودية إلا أن قام وقبل رأسه.. وما بين عينيه، كأنه يقدم له ولاء الطاعة أو المبايعة.. فقال محدثي :"اطمئن.. يا بني الليل أوشك على الإنتهاء ولابد من بزوغ الفجر..".. لكن الإشكالية لم تحل كما فهمت.. وضحك الجميع على تمثيل زميلهم لهذا الدور وتصديق الشاب له .
استخلصتُ من هذه الحكاية أن من يرتدي الدشداشة الخليجية ويضع عقالا فوق رأسه ولعب بإتقان دور الواعظ أو المطوع اقترب من أولياء الله الصالحين.. ودخل في زمرة غير المغضوب عليهم ولا الضالين فهم لا بأس عليهم ولا هم يحزنون؛ كأن ربك غافل عما يصنع البشر سواء الأموات منهم أو مَن هم على قيد الحياة وما زال يرزقهم من حيث لا يعلمون ... سبحان الله العلي العظيم .. فيوضع الحابل بجوار النابل؛ وكأن الجميع يحتطبون في ليل.
وتحضرني نادرة آخرى ففي آحدى دروس يوم السبت بعد آداء صلاة العشاء بعاصمة غربية؛ تم استضافة آحدهم وهو يرتدي الجلباب يتصنع دور الراهب في المحراب على شاكلة رابعة التي ثلاث ارباع قصتها إختلاق وأوهام.. وهو لا لون له ولا إنتماء ولا ثقافة ولا علم ولكنه يأكل على موائد أهل المال.. وينقل من كتاب دون مراجعة ومن آخر دون تحقيق أو تدقيق.. وأمثاله هم كثر، جلس بعد أن خلع القبقاب على كرسي الأستاذ.. وإثناء الحديث قال بالحرف الواحد :«إن سيئات المقربين .. حسنات المبعدين»(!!!).. وانتظرتُ إلى إنتهاء الحديث؛ كي لا أقاطعه فقلتُ:" يقول الله تعالى :{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } [الأنعام: ١٦٤].. فكيف تتساوى سيئات قوم -عند الله تعالى- مع حسنات آخرين".. لم يتمكن من الرد.. ولم يرد حتى الأن.. ثم قلت له:"ليس كل ما هو موجود في كتب علماء سابقين ينقل بالحرف والسطر والكلمة ".. ومنذ ذلك الحين يغضب هذا إذا وجدني في مكان ما..
محصلة القول أننا في زمن مهرج السيرك الدرجة الثالثة أو حاوي يقف أمام ميدان محطة مصر بالإسكندرية مع ثعبانه أو ملاعب القرد المربوط بسلسلة وفي يده طبلة بالقرب من مستشفى أحمد ماهر.. وهما -الحاوي وملاعب القرد- يسكنا في عزبة القرود في مساكن الصفيح المطوحة خارج المنطقة السكنية لثغر الإسكندرية المطلة على البحيرة المتوسطية.. أو من يمسك دف ويبخر ويقول: اشتاتا اشتوت: عقد الزار.. ويخبر عن مَن هي مخاوية جني مع تلبيس جان .. والبضاعة حاضرة إما أبوال جمال... وإما خلطة أم فلان وإما حجاب من عمل الشيخ شعبان(!)
ما زاد الطين بلة أنه يوجد افراد من المقاولين -من الباطن- لا يملكون إلا النفخ في النار لإشعال الحرائق.. وهذا ليس فقط في البضائع الإستراتيجية بل وأيضاً في إثارة النعرات؛ وتهيج طائفة على طائفة آخرى؛ ومحاكمة وإهانة أصحاب مذاهب منذ مئات السنين .. وإهانة علماء قدماء صارت عظامهم مكاحل.. والجميع يعلم أن بعض من كان فاسدا خُلقاً ودينا أو فشل في التعليم ثم هداه الله تعالى ذكره وجل قدره -ونرجو ذلك- تحولوا إلى خدم مصليات؛ وكنسة سجاد وحصير المساجد؛ ومنهم من يعتلي المنابر ومنهم مَن يجهز ويعد فيكتب الحصن الحصين من عيون الناس وحسد البني آدميين؛ وآخرين لإخراج العفريت والجن.. مطرح ما هو مدفوس.. وكله إسترزاق على العبط والمهابيل.. وإللي معاهم فلوس.. ومنهم مازال يقف في الميدان بأموال الغير.. يهتف " يسقط .. يسقط ..."، وينتظر ما الذي عليه أن يقول.. أو يعلو على منصات التواصل الإجتماعي.. أو مَن ظن أنه من المجاهدين ضد الكفرة والمارقين؛ وإشكاله أنه لا يمكنه تعريف مَن هو الكافر او المنافق أو الفارق بين المسلم والمؤمن والمحسن.. لكن المسألة وفق مَن يدفع المال؛ ومَن يصدر الأوامر.
توجد آلة إعلامية جبارة خطيرة تبث من فوق رأس صاحب « الشماغ » و« الحطة » و« الكوفية» و« الطربوش » و« الطاقية » و« الغترة » و« العمامة » و« الشاشية ».. طبعاً كل حسب مكانته في المجتمع أو بتعبير آخر دولته أو إمارته.. وتبوح العمامة ليس فقط بديانة مرتديها بل أيضا بانتماءاته الأيديولوجية والمذهبية أو الطائفية.. أما «العقال» أو «المرير» فحسب الروايات التاريخية كان قديما يصنع من وبر « الإبل » ثم أدخلت شيئا فشيئا مواد أخرى لصناعته مثل صوف « الماعز ».. وبخصوص مسألة النوق والإبل؛ فقد سمعت أذني ذات مرة في عاصمة غربية واصفاً المتحدث شخصي بأنني : « راكب الجمل ». وهذا المصطلح ليس دقيقاً في الترجمة عن الكلمة: Kameltreiber» « (1) إذ أنه يوصف بصلف العيش وبساطته؛ وكان ردي :"كي تتمكن من قيادة البعير ينبغي عليك أن تحسن ركوبه لصعوبة التحكم فيه وقيادته؛ تماما كمن يبحر بسفينة يجب عليه أن يكون ملاحاً ماهراً؛ فهذا الحيوان هو سفينة الصحراء كما أن المركب سفينة في أعالي البحار؛ وتماماً كمن يمتطي جواداً..ففارق بين ركوب الحمير وبين فارس فوق الحصان".. ولأن الجلوس كانوا رجالاً قلتُ :" أن العربي الأصيل هو الرجل القادر على حسن معاملة المرأة.. إثناء غضبتها.. أو وقت اعتدال مزاجها.. انظر لشعره وبلاغته حيت يتحدث عنها أو يخاطبها " .. ثم اردفت قائلاً :"اظن أنكم كرجال تفهمون ما أقصد!!".فسكتوا على الحديث..
رجال الأزهر الشريف يختلفون عن رجال النجف الشريف في غطاءالرأس أو الزي؛ ورجال الدين المسيحي تتعدد أغطية الرأس بتعدد الإنتماء لكنائسهم؛ واللباس..
وصار ضغثا على ابالة أن الأسود صارت هِرَرَة والنمور تحولت إلى جرذان.. فتخلى الواعظ عن كرسيه ودخل في مضاربة في بنوك الربا وبورصة الأوراق المالية والسندات؛ وجلس خلف مقعد السلطان؛ وبنى فلاح القرية على أرض زراعته فيلا بدورين واربعة حمامات؛ والمزارع سرق قوت الشعب فنصب مقهي شعبي على قارعة الطريق حين تمر عربات النقل بين المحافظات.. يقدم لهم كوب الشاي والجوزة وقطعة من الأفيون توضع تحت اللسان.. لزوم المزاج.. وصارت غازية الموالد من سيدات المجتمع؛ وتحول صبي العَلْمَه(!) إلى مدير أعمال شركة استيراد وتصدير.. وصارت عشة الشاي والقهوة خلف جدار مرقد سيدهم المقبور الذي حول ضريحه يلف المريد ويدور.. تحول إلى منتجع سياحي..
اختلطت الأوراق فتسمع عن وزير يحمل درجة الدكتوراه مرتشي برحلات حج؛ يسكن في السجن المشدد لمدة عشر سنوات وتغريمه مليون جنيه مصري؛ جنية ينطح جنية لادانته بتلقي رشوة .
المهم هنا أنه يوجد مناخ خاص للإفساد .. وآخر عام لتفريخ هؤلاء الفاسدين .
عرفت مصر فى حقبة الأربعينيات العديد من التنظيمات السرية، التى ولدت وعاشت تحت الأرض، وكان أكثرها سرية وغموضا التنظيم السري الخاص بجماعة الإخوان؛ المصنفة حاليا في العديد من الدول منظمة إرهابية، وتنظيم الضباط الأحرار، وفرق القمصان الملونة، وجمعية التضامن الأخوي، وتنظيم الحرس الحديدي الذي أسسه ملك مصر والسودان فاروق للتخلص من خصومه، بعض تلك التنظيمات أنتهى وجودها بإنتهاء مؤسسها أو صانعها؛ أو دورها.. والبعض مازال يعمل.. ليس تحت الأرض بل فوقها هذا على المستوى الفردي أو التنظيمي الحزبي.. لكن الأمور وصلت لحد ما عادت هناك عورة تخبأ أو سوءة تغطى؛ فبريطانيا العظمى زمن الإحتلال راهنت على هذا التنظيم فكانت سخية مع مؤسسه فأرسلت 500 جنية مساعدة مالية؛ فصار كأن هناك تحالف ما ثم جاءت وريثة التاج البريطاني لتكمل الدور والمراهنة لإضعاف مؤسسات الدولة؛ خرجت العظمى من معادلة القوى الفاعلة في العالم لترثها عن جدارة القوة الفتية الجديدة الصاعدة -وقتذاك- الولايات المتحدة فراهنت أولاً على مَن يمثل الإسلام السياسي-مصطلح جديد لم يكن له وجود من قبل- وروجت لفكرة الإسلام المعتدل؛ أو الوسطي كي تقنع الساذج؛ بوجود العديد من أنماط الإسلام؛ كـ الإسلام الصوفي والإسلام الشيعي؛ والإسلام السني؛ الإسلام التركي؛ الإسلام الإندونيسي.. وأخيراً.. الإسلام المتطرف -الإرهابي- فذهب مَن يمثلهم ليحج للبيض الأبيض لإتمام الصفقة فقُبل العرض.. الإدارة الديموقراطية الأمريكية ارادت أن تكون الجماعة شوكة في خاصرة الدولة؛ ولضعف حاكم الثلاثين عاماً-المبارك- أو تواطئه منه سكت على تحركاتها؛ واعتبرهم من المعارضة لتبيض وجهه الديموقراطي أمام العالم؛ كما وأن الزعيم المؤمن رجل الحرب والسلام؛ رجل العلم والإيمان استعان بهم للقضاء على مَن يلبس القميص الناصري أو مَن يرتدي القميص الأحمر الشيوعي فتوغلوا في مراكز ومفاصل الدولة المصرية.. وكان الإعتبار أنها -الجماعة- جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة.. ولعل ضعف ساكن البيت الأبيض الأمريكي أعان على انتشار جهلة المعابد وتفشي خدام كواليس السياسة اعانهم على تواجدهم وتقويتهم؛ وما يثبت صحة مقولتي هذه تلك السنة الجرداء في تاريخ مصر؛ سقط حكم بلاد اُنتظر لأكثر من ثمانين عاماً؛ ومَن كان يتصور وقوفهم معهم في نفس الخندق -السلفية المصرية: حزب النور- سرعان ما أنقلب على الجماعة؛ ووقفوا بجوار الأزهر والكنيسة المرقسية والمؤسسة العسكرية ضد الجماعة.. وهنا أقول هذه صفعة في مقتل أنهت تواجدهم على الساحة الدعوية لعشرات السنين.. حتى ينسى جيل بعد جيل ما حدث.. فيعودوا من جديد بثوب جديد .
تطورت الأحداث وتغيرت الأحوال؛ فجاء ساكن جديد إلى البيت الأبيض؛ والإدارة الجمهورية غير راضية عن مشروعات الإدارة الديموقراطية؛ ومن يحسن ويجيد لعبة السياسة يجب عليه أظهار عوار القديم فبعد أن فشل استثمار طويل المدى لجماعة لم تصمد في حكم البلاد -مصر وتونس- أياما معدودات؛ وخاف حكام شبة جزيرة العرب على كراسيهم؛ إذ أن افراد الجماعة ومنذ حكم عبدالناصر تمركزوا في دول الخليج الست؛ فضاق الخناق على رقاب مسحراتي الحارة؛ كما تواجدوا بشكل مؤثر في بلاد تحوط بدولة الفاتيكان.. وظن الجميع أن الجماعة الأم تستطيع أن تستوعب الطيف الإرهابي المتطرف بتواجدهم في دولة إسلامية(!!!) تحكمها الجماعة.. سقط حلم منذ نهاية العشرينات من القرن الماضي وسقطت دولتهم وتكسر كرسي المرشد وأفلس رجالهم من حيث الفكر والطرح والمبادرة وتفعيل ما يقولون أو إنزاله على أرض الواقع المعاش.
أقول : حقيقة أمر مؤلم.. واقع موجع؛ ليس فقط مربك على المستوى التنظيمي -إن وجد- بل على المستوى الأيديولوجي -وهو الأهم والمهم- وهو غائب عند غالبية الحركات التي تدعي الإسلام أو تلبس ثوبه، والمستوى الإستراتيجي -إن وجدت استراتيجية - والحراك والتواجد والتفاعل داخل الشارع؛ وأيضاً في المساجد والمصليات والنقابات والمستشفيات كما غابت الإدارة الدينية كمؤسسة تملكها الدولة -أعني الأزهر؛ والأوقاف- فارادت العقلية الأمريكية جمعهم في منطقة سيناء الفاصلة بين دولة إسرائيل الموعوده منذ عهد جيمس بلفور؛ وسهل تواجدهم ساكن قصر الإتحادية -وقتذاك- د. مرسي؛ واشتعلت فكرة الخلافة الإسلامية في رأس رجب طيب أردوغان؛ الحاكم الوحيد في دولة علمانية منذ أسسها مصطفى كمال بما صاحب ذلك توافد عناصر إرهابية إلى مصر وسيناء وليبيا والعراق وسوريا والرغبة في توطينهم في مجموعة من الدول؛ خاصة بعد إنتهاء حرب أهل الكتاب ضد شيوعية الإتحاد السوفيتي السابق؛ إذ وقف المتأسلمون بجوار أمريكا ضد دولة الإلحاد؛ فلما انتهت الحرب أعلن زعيم القاعدة الحرب الشعواء على أهل الكتاب.. كما ظن بعضهم في الغرب أن الجماعة -جماعة الإخوان- قادرة على اعتبارها حزام مانع للتطرف واحتواء الطيف المتطرف الإرهابي؛ حسب نظرية مفادها أن الجماعة هي العباءة الواسعة التي تضم الجميع.. كانت المفاجأة أو جاءت الكارثة.. سقط الرهان بتورط الجماعة في العديد من الأنشطة الإرهابية وحل لغز التحالف خاصة من الأسمر بن الحسين أوباما.. والحقيقة أن أمريكا لها علاقات شائكة مع تنظيم ما وأيضاً مع ضده أو مع دولة ما ودولة آخرى مجاورة لها معادية للآخرى.. كتلك العلاقة الحميمية مع إسرائيل ثم العلاقة النفعية مع الملكية السعودية أو دول الخليج بصفة عامة ومع إمارة قطر بصفة خاصة.. والناظر في الأمور يتحسس عقدة أمريكا في منطقة ما تسمى بالشرق الأوسط .. أقصد عقدة الثورة الإيرانية؛ وقدرة آية الله الخُميني على إعتلاء كرسي مملكة فارس؛ وإن كان المسمى منذ حينها: الجمهورية الإسلامية؛ ذات التوجه الشيعي وفق نظرية ولاية الفقيه.. وظن الأمريكان أنهم يعلمون بواطن الأمور ويمسكون خيوط اللعبة في الداخل الإيراني وما يحيطه من دول؛ وأن رجلهم في المنطقة -شاه محمد بهلوي- يمسك خيوط المنطقة -خاصة الخليج- بيده؛ لكنه صرح حين استضافه المغدور به ثم الشهيد بعد المراجعات -السادات- فقال:"لقد ألقى بي الأمريكان كما يلقى الفأر الميت من المصيدة" .. وبعد حادثة إيران يتفهم المراقب لما تبني القوة الأمريكية جسور عبور مع منظمات قد تكون مؤهلة للصعود للجلوس على كرسي الحكم وتبقي العديد من الأبواب مفتوحة مع تكتلات متضاربة كي يكون في يدها كافة أوراق اللعبة وتكون كافية للتحرك وقت ما تشاء وكيف ما تريد؛ فصار جزءا من أدوات أمريكا في المنطقة وإن ظهر أنها متناقضة. ومن هنا يفهم الدور القطري الذي يوضح يوما بعد اليوم.. ولهذا حديث قادم..
ملحوظة:
انتهى شهر الصيام وانتهى ليل القيام؛ الشهر الذي أنزل فيه القرآن وشهر العفو والغفران؛ البعض يصوم في رمضان لكنه يستثقل الصلاة؛ والبعض لا يصلي اصلاً ولكنه يشارك بإنتظام صلاة الجماعة في التراويح البدعية وفق تبني الخليفة الثاني عمر الفاروق بن الخطاب.. لذا ويجب إعادة النظر فيما نقوم به ونفعله.. إذ لا يوجد في السو(ء)ق ور(ء)قة توت صالحة للإستخدام.
مسلسلات رمضان.. سواء للترفية أو للتسلية أو الإمتاع أو الإخبار عن حال مسلم موديل 2017~1438 .. أظهرت حاله وكشفت أخباره.. ففي رمضان مازال يقدم في المسلسلات الخمور؛ والمخدرات والخيانة الزوجية .. والتعايش مع هذه الأحداث تجعل المرء يفكر .. لكن يا عزيزي . هذه نقرة وتلك آخرى.. وكما قالت د. سعاد في رمضان:"الصلاة عبادة؛ والصيام عبادة.. آخرى وهما عبادتان منفصلتان.. فمن يصوم ولا يصلي .. أو يصلي التراويح فقط في العام ... هذه عبادة مستقلة سيجازى عليه وتلك آخرى سيعاقب عليها".. رمضان كريم(!) ونلتقي في مسلسلات أكثر كشفاً ووضوحا لحال مسلم موديل 2018~1439.. إذ لا يوجد شجر توت أو ورق..

خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‟

مِن عظيم مِنن الخالق سبحانه وتعالى على خلقه وعبده؛ ومن عظيم إحسانه على مَن خلقه في أحسن تقويم أن بيَّن سبحانه وتعالى نوع العبادة ومقدارها وكيفيتها وزمنها بواسطة الوحي السماوي بشقيه الكتاب الكريم والذكر الحكيم؛ هذا شق والآخر السنة النبوية الصحيحة؛ هذا جاء تنزيلا بواسطة أمين السماء جبريل على أمين الأرض والسماء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومِن ملح التفسير وبديع التأويل ما قيل بخصوص تأويل وتفسير آية القدر المتعلقة بأنها أفضل وأحسن من ألف شهر فـبَيَّنَ فَضْلَهَا وَعِظَمَهَا. وعَمَلَهَا وَصِيَامَهَا وَقِيَامَهَا يكون خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.. وَفَضِيلَةُ الزَّمَانِ إِنَّمَا تَكُونُ بِكَثْرَةٍ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَضَائِلِ.. والإخبار عن عبادة بعينها وعن كيفيتها وزمنها ووقتها ينبغي أن يكون من مصدر موثوق منه وفيه.. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُقَسَّمُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي أَلْفِ شَهْرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
والْعَمَلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَا تَكُونُ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ .
ومن بديع التأويل بخصوصها أنه سبحانه عَنَى بِأَلْفِ شَهْرٍ جَمِيعَ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ الْأَلْفَ فِي غَايَةِ الْأَشْيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ الدَّهْرِ .
وَقِيلَ : إِنَّ الْعَابِدَ كَانَ فِيمَا مَضَى لَا يُسَمَّى عَابِدًا حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ أَلْفَ شَهْرٍ، ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [ ٨٣ سَنَةً و ٤ أَشْهُرٍ]، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عِبَادَةَ لَيْلَةٍ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا .ونذكر ما قيل في فضليتها مِن ملح العلم وليس متينه:
[١] كَانَ مُلْكُ سُلَيْمَانَ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ، وَمُلْكُ ذِي الْقَرْنَيْنِ خَمْسَمِائَةِ شَهْرٍ فَصَارَ مُلْكُهُمَا أَلْفَ شَهْرٍ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذكره وجل قدره الْعَمَلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِمَنْ أَدْرَكَهَا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِمَا.
[٨] إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ؛ فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ الْآيَةَ " خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ "، الَّتِي لَبِسَ فِيهَا الرَّجُلُ سِلَاحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. ذكر وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ مُسْلِمًا، وَإِنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ نَذْرًا لِلَّهِ، وَكَانَ مِنْ قَرْيَةِ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَكَانَ سَكَنَ قَرِيبًا مِنْهَا؛ فَجَعَلَ يَغْزُوهُمْ وَحْدَهُ، وَيَقْتُلُ وَيَسْبِي وَيُجَاهِدُ، وَكَانَ لَا يَلْقَاهُمْ إِلَّا بِلَحْيَيْ بَعِيرٍ، وَكَانَ إِذَا قَاتَلَهُمْ وَقَاتَلُوهُ وَعَطِشَ، انْفَجَرَ لَهُ مِنَ اللَّحْيَيْنِ مَاءٌ عَذْبٌ، فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْبَطْشِ، لَا يُوجِعُهُ حَدِيدٌ وَلَا غَيْرُهُ : وَكَانَ اسْمُهُ شَمْسونُ.
- كَانَ رَجُلًا مَلِكًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلَ خَصْلَةً وَاحِدَةً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّ زَمَانِهِمْ : قُلْ لِفُلَانٍ يَتَمَنَّى. فَقَالَ : يَا رَبِّ أَتَمَنَّى أَنْ أُجَاهِدَ بِمَالِي وَوَلَدِي وَنَفْسِي، فَرَزَقَهُ اللَّهُ أَلْفَ وَلَدٍ، فَكَانَ يُجَهِّزُ الْوَلَدَ بِمَالِهِ فِي عَسْكَرٍ، وَيُخْرِجُهُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَيَقُومُ شَهْرًا وَيُقْتَلُ ذَلِكَ الْوَلَدُ، ثُمَّ يُجَهِّزُ آخَرَ فِي عَسْكَرٍ ، فَكَانَ كُلُّ وَلَدٍ يُقْتَلُ فِي الشَّهْرِ ، وَالْمَلِكُ مَعَ ذَلِكَ قَائِمُ اللَّيْلِ ، صَائِمُ النَّهَارِ؛ فَقُتِلَ الْأَلْفُ وَلَدٍ فِي أَلْفِ شَهْرٍ ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ . فَقَالَ النَّاسُ : لَا أَحَدَ يُدْرِكُ مَنْزِلَةَ هَذَا الْمَلِكِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : " لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ " مِنْ شُهُورٍ ذَلِكَ الْمَلِكِ ، فِي الْقِيَامِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ وَالْأَوْلَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
- ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ " عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصُوهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ "؛ فَذَكَرَ أَيُّوبَ وَزَكَرِيَّا، وَحِزْقِيلَ بْنَ الْعَجُوزِ وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ؛ فَعَجِبَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ عَجِبَتْ أُمَّتُكُ مِنْ عِبَادَةٍ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثَمَانِينَ سَنَةً لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ؛ ثُمَّ قَرَأَ : " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ " فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
- وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ : سَمِعْتُ مَنْ أَثِقُ بِهِ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ الْأُمَمِ قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمُرِ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَجَعَلَهَا خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ .
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى)

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ

بِسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم « »
« إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ »﴿١﴾« وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ »﴿٢﴾« لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ﴿٣﴾« تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ» ﴿٤﴾« سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ »﴿٥﴾ ".

صَدَّرَ القرآنُ العظيم والذكر الحكيم ضمير الجلالة تشريفاً لخاتم أنبياءه وتكريماً لآخر رسله وتعظيماً من شأن متمم المبتعثين للخلق أجمعين؛ نبي الإسلام محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم فيبدء العظيم الكبير المتعال صدْرَ سورة القدر بـ « إِنَّا »؛ والله يخاطب العرب بلسانهم؛ فقال : « إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » ﴿الزخرف: ٣﴾؛ فمن أساليب اللغة العربية أن الشخص يعبر عن نفسه بضمير " نحن " للتعظيم؛ ولفظ " إنا " و " نحن ".. وغيرهما من صيغ الجمع قد يتكلم بها الشخص عن جماعته وقد يتكلّم بها الواحد العظيم ويقصد بها نفسه وذاته، كما يفعل الملوك فإذا أصدر مرسوما أو قرارا يقول " نحن قررنا"، وليس هو إلا شخص واحد وإنّما عبّر بها للتعظيم؛ فحين كان يتحدث ملك مصر والسودان-مثلاً- كان يقول :"نحن ملك.."؛ وملكة بريطانيا حين تتحدث عن نفسها تقول :"نحن ملكة بريطانيا "، وفي لغة الخطاب أمام ملوك أوروبا منذ زمن ليس ببعيد كان الخطاب :"Seine Majestät"؛ وحين يذكر الشخص نفسه بضمير المتكلم الدال على المفرد كقوله " أنا " وبضمير الغيبة نحو " هو " فهذه الأساليب الثلاثة جاءت في القرآن.. " فالله تعالى ذكره وجل قدره يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع كقوله « إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا »﴿الفتح: ١﴾ " وأمثال ذلك. ومِن المفيد والعلم أنه لا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس متعال عن ذلك " والأحقّ بالتعظيم من كلّ أحد هو الله عزّ وجلّ فإذا قال الله في كتابه "إنا" و"نحن" فإنّها للتعظيم وليست للتعدّد، ولو أنّ آية من هذا القبيل أشكلت على شخص واشتبهت عليه فيجب أن يردّ تفسيرها إلى الآيات المحكمة، فإذا تمسك مَن يجهل لغة الضاد؛ والتي نزل بها القرآن الكريم والذكر الحكيم مثلا بقوله : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ » ﴿الحجر: ٩﴾) ونحوه على تعدد الآلهة، رددتُ عليه بالمحكم كقوله تعالى : « وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ »﴿البقرة: ١٦٣﴾ و كقوله : « إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ » ﴿النحل: ٢٢﴾ ، وقوله : « قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ » ﴿الإخلاص: ١﴾، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً، وعند ذلك يزول اللبس لمن أراد الحقّ، وكلّ صيغ الجمع التي ذكر الله بها نفسه مبنية على ما يستحقه من العظمة ولكثرة أسمائه وصفاته وكثرة جنوده وملائكته مثل قوله :
« إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ » ﴿يس: ١٢﴾ .
« أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا » ﴿النمل: ٨٦﴾
« إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا » ﴿الكهف: ٧﴾
« إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا »﴿الكهف: ٨٤﴾
« فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ »﴿الحج: ٥﴾
« ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقً آخر »﴿المؤمنون: ١٤﴾
« وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ » ﴿المؤمنون: ١٨﴾
« وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا »﴿الفرقان: ٥١﴾
« إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ»﴿غافر: ٥١﴾
« إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا »﴿النساء: ١٦٣﴾
« إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ »﴿الكوثر: ١﴾
ثم يتغيير الخطاب القرآني من الحديث عن الأقعال والصفات فيتحول الخطاب بصيغة المفرد عند الحديث عن العقيدة والإيمان والوحدانية والألوهية :
« إِنِّي أَنَا رَبُّكَ » ﴿طه: ١٢﴾
« وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ » ﴿طه: ١٣﴾
« إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي »﴿طه: ١٤﴾
« نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » ﴿الحجر: ٤٩﴾
« إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ » ﴿القصص: ٣٠﴾
وبخصوص ما نتحدث عنه نطق القرآن العظيم فقال « إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴿الزمر: ٤١﴾ ؛ ثم يقول « إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ » ﴿الدخان: ٣﴾.
ثم يكمل الخبير العليم التكريمَ والتشريف والتعظيم فيأتي القرآن بصيغة تعظيم :" أَنْزَلْنَاهُ ".
وهذه الصيغة تأتي كما اسلفتُ في الأفعال؛ والرسالة: كقوله تعالى « إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا »﴿البقرة: ١١٩﴾
وأصاب مَن أمن بالقرآن دستوراً؛ وبسنة محمد منهاجاً وطريقة؛ بالله عز وجل إله واحدا فردا صمدا ليس له صاحبة ولا ولد من خير الله تعالى العميم بقيامة ليل رمضان وهو مأجور؛ وفي بقية ليال العام تهجداً وهو إن شاء خالقه ورازقه غفور له مرحوم.
يتبع.
الإثنين : ٢٤ رمضان ١٤٣٨ هـ~ ١٩ يونيو ٢٠١٧

﴿٥.﴾ ﴿ وَالْفَجْرِ ﴾ ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: ١-٢]

حصل خلاف بين العلماء في المراد بالعشر المقسم بها :
﴿٥. ١. ﴾ : قال ابن عباسٍ وابن الزبير ومُجاهد وغير واحدٍ من السلف والخلف هي :" ليالي عشر ذي الحجة ". فذهب جمهور أهل العلم إلى هذا القول، ونقل ابن جرير الطبري في تفسيره الإجماع على ذلك فقال : " هي ليالي عشر ذي الحجة، لإجماع الحُجة من أهل التأويل عليه" . قال ابن كثير الدمشقي: "والليالي العشر : المراد بها عشر ذي الحجة،
﴿٥. ٢. ﴾ : روي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالليال العشر : هي ليالي عشر رمضان الأخيرة، فقالوا:‏ لأن ليال العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها : ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ وقال ‏:‏ ﴿ ‏‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾‏‏ [‏الدخان: 3 ، 4‏] .
وهذا القول موافق لظاهر الآية .
﴿٥. ٣. ﴾ : تبدأ العشر الأواخر من رمضان ابتداء من ليلة إحدى وعشرين، سواء كان الشهر ثلاثين يوما، أم كان تسعا وعشرين.
﴿٥. ٣. ١.﴾ : يدل على ذلك ما رواه البخاري (813)، ومسلم (1167) عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: " اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ عَشْرَ الأُوَلِ مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: « إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ »، فَاعْتَكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: « إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ »، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ: “ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، وَإِنَّهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فِي وِتْرٍ، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ”، وَكَانَ سَقْفُ المَسْجِدِ جَرِيدَ النَّخْلِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَةٌ، فَأُمْطِرْنَا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ وَأَرْنَبَتِهِ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ " . وفي رواية للبخاري (2027): " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: “ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ” ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَىله وسَلَّمَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ " .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري:" هذا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْخُطْبَةَ كَانَتْ فِي صُبْحِ الْيَوْمِ الْعِشْرِينَ، وَوُقُوعَ الْمَطَرِ كَانَ فِي لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ " .
وفي رواية للبخاري (2018)، ومسلم أيضا (1167) : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي رَمَضَانَ العَشْرَ الَّتِي فِي وَسَطِ الشَّهْرِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ يُمْسِي مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً تَمْضِي، وَيَسْتَقْبِلُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، رَجَعَ إِلَى مَسْكَنِهِ، وَرَجَعَ مَنْ كَانَ يُجَاوِرُ مَعَهُ " .
فهذا يدل على أن العشر الأواخر تبدأ من ليلة إحدى وعشرين. ولذلك فإن مذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة الأربعة -: أن من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإنه يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين.
﴿٥. ٣. ٢.﴾ : وأوتار العشر الأواخر هي : ليلة الحادي والعشرين ﴿١ ٢﴾ والثالث والعشرين ﴿٣ ٢﴾ ، والخامس والعشرين ﴿٥ ٢﴾ :، والسابع والعشرين ﴿٧ ٢﴾ :، والتاسع والعشرين ﴿٩ ٢﴾ : .
قال الحافظ ابن حجر : " لَيْلَةُ الْقَدْرِ مُنْحَصِرَةٌ فِي رَمَضَان، ثُمَّ فِي الْعَشْر الْأَخِيرِ مِنْهُ، ثُمَّ فِي أَوْتَارِهِ، لَا فِي لَيْلَةٍ مِنْهُ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوع الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِيهَا " .
﴿٥. ٣. ٣.﴾ الإعتكاف :" من أراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فإن دخوله كما ذهب جمهور العلماء؛ منهم الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إن يدخل قبل غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة ، منها :
١.] أنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان . [متفق عليه]. وهذا يدل على أنه كان يعتكف الليالي لا الأيام، لأن العشر تمييز لليالي، قال الله تعالى : ( وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [سورة الفجر؛ آية:2]. والعشر الأواخر تبدأ من ليلة إحدى وعشرين . فعلى هذا، يدخل المسجد قبل غروب شمس ليلة إحدى وعشرين .
٢.] وقالوا : إن من أعظم ما يقصد من الاعتكاف التماس ليلة القدر، وليلة إحدى وعشرين من ليالي الوتر في العشر الأواخر فيحتمل أن تكون ليلة القدر، فينبغي أن يكون معتكفا فيها. [انظر السندي في حاشيتة على النسائي؛ وانظر : المغني:ج: 4؛ ص: 489].
لكن روى البخاري (2041) ومسلم (1173) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ". وقد قال بظاهر هذا الحديث بعض السلف وأنه يدخل معتكفه بعد صلاة الفجر. وأخذ به ابن باز، لكن أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأحد جوابين :
الأول : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ كان معتكفاً قبل غروب الشمس ولكنه لم يدخل المكان الخاص بالاعتكاف إلا بعد صلاة الفجر . قال النووي : " إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِف صَلَّى الْفَجْر ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفه "؛ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول : يَبْدَأ بِالاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّل النَّهَار، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْث فِي أَحَد قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَف، وَانْقَطَعَ فِيهِ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاته الصُّبْح، لا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الاعْتِكَاف، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْل الْمَغْرِب مُعْتَكِفًا لابِثًا فِي جُمْلَة الْمَسْجِد، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ اهـ .
الجواب الثاني : أَجَابَ به الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَة بِحَمْلِ الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَفْعَل ذَلِكَ فِي يَوْم الْعِشْرِينَ. قال السندي :" وَهَذَا الْجَوَاب هُوَ الَّذِي يُفِيدهُ النَّظَر، فَهُوَ أَوْلَى وَبِالاعْتِمَادِ َأَحْرَى".
على أن جمهور أهل العلم يقولون أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين لا من فجر إحدى وعشرين، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين مستدلاًّ بحديث عائشة رضي الله عنها عند البخاري : " فلما صلى الصبح دخل معتكفه"، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل، لأن العشر الأواخر تبتدىء من غروب الشمس يوم عشرين" .
ودخول المعتكِف للعشر الأواخر يكون دخوله عند غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، وذلك لأن ذلك وقت دخول العشر الأواخر، وهذا لا يعارضه حديث عائشة لأن ألفاظه مختلفة، فيؤخذ بأقربها إلى المدلول اللغوي، وهو ما رواه البخاري (2041) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ. فقولها : " وَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ" يقتضي أنه سبق مكثُه دخولَه، أي سبق مكثُه في المسجد دخولَه مكان الاعتكاف، لأن قولها: " اعتكف " فعل ماض، والأصل استعماله في حقيقته.
ثانياً: متى يخرج المعتكف من اعتكافه.. أبعد غروب شمس ليلة العيد؛ أم بعد فجر يوم العيد ؟.
أما خروجه : فإنه يخرج إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان . فـيخرج المعتكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، وينتهي رمضان بغروب الشمس ليلة العيد. وتنتهي مدة اعتكاف عشر رمضان بغروب شمس آخر يوم منه". وإذا اختار البقاء حتى يصلي الفجر ويخرج من معتكفه إلى صلاة العيد فلا بأس، فقد استحب ذلك بعض السلف .
قال الإمام مَالِك رحمه الله إنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ لا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ النَّاسِ. قَالَ مَالِك : وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ . وقال النووي في [المجموع:ج: 6؛ ص: 323] : "قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ : وَمَنْ أَرَادَ الاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، لِكَيْ لَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، ويَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، سَوَاءٌ تَمَّ الشَّهْرُ أَوْ نَقَصَ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَمْكُثَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ الْعِيدِ، أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى لِصَلاةِ الْعِيدِ إنْ صَلُّوهَا فِي الْمُصَلَّى" . وإذا خرج من الاعتكاف مباشرة إلى صلاة العيد فيستحب له أن يغتسل قبل الخروج إليها ويتجمل ، لأن هذا من سنن العيد . ".
**
﴿٥. ٤.﴾ :" الترغيب في قيام رمضان "
﴿٥. ٤. ١.﴾ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول : " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك [ أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح ]، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرٍ من خلافة عمر رضي الله عنهما.
﴿٥. ٤. ١. ١.﴾ عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من قضاعة فقال: يا رسول الله ! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت الشهر، وقمت رمضان، وآتيت الزكاة ؟، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “ من مات على هذا كان من الصديقين والشهداء ”
**
﴿٥. ٥. ﴾ مشروعية الجماعة في القيام :
﴿٥. ٥. ١.﴾ وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد، لإقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله، كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال :" صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت : يا رسول الله ! لو نفّلتنا قيام هذه الليلة، فقال : " إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة " فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال : قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور ، ثم لم يقم بنا بقية الشهر " [ حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن] .
﴿٥. ٦.﴾ السبب في عدم استمرار النبي صلى الله عليه وسلم بالجماعة فيه :
﴿٥. ٦. ١.﴾ وإنما لم يقم بهم عليه الصلاة والسلام بقية الشهر خشية أن تُفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزوا عنها كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما، وقد زالت هذه الخشية بوفاته صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر رضي الله عنه كما في صحيح البخاري وغيره .
**
﴿٥. ٧.﴾ مشروعية الجماعة للنساء :
﴿٥. ٧. ١.﴾ ويشرع للنساء حضورها كما في حديث أبي ذر السابق بل يجوز أن يُجعل لهن إمام خاص بهن، غير إمام الرجال، فقد ثبت أن عمر رضي الله عنه لما جمع الناس على القيام، جعل على الرجال أُبيّ بن كعب، وعلى النساء سليمان بن أبي حثمة، فعن عرفجة الثقفي قال : " كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يأمر الناس بقيام شهر رمضان ويجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال : فكنت أنا إمام النساء " وهذا محله إذا كان المسجد واسعاً، لئلا يشوش أحدهما على الآخر .
**
﴿٥. ٨.﴾ عدد ركعات القيام :
﴿٥. ٨. ١.﴾ وركعاتها إحدى عشرة ﴿١ ١﴾ ركعة، ونختار أن لا يزيد عليها اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها عن صلاته في رمضان ؟. فقالت : " ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً ﴿٤.﴾ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً ﴿٤.﴾ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً ﴿٣.﴾ [أخرجه الشيخان وغيرهما]
﴿٥. ٨. ٢.﴾ وله أن ينقص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فعله صلى الله عليه وسلم وقوله .
أما ﴿٥. ٨. ٢. ١.﴾ الفعل : فقد سئلت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها :" بكم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوتر ؟. قالت : " كان يوتر بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وعشر وثلاث ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة " [رواه أبو داود وأحمد وغيرهما] .
وأما ﴿٥. ٨. ٢. ٢.﴾ قوله صلى الله عليه وسلم فهو : " الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة " .
**
﴿٥. ٩.﴾ القراءة في القيام :
﴿٥. ٩. ١.﴾ وأما القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يحُد فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته فيها تختلف قصراً وطولاً، فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر ( يا أيها المزمل ) وهي عشرون آية، وتارة قدر خمسين آية، وكان يقول : " من صلى في ليلة بمائة آية لم يكتب من الغافلين "، وفي حديث آخر : " .. بمائتي آية فإنه يُكتب من القانتين المخلصين " .
وقرأ صلى الله عليه وسلم في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ( البقرة ) و ( آل عمران ) و ( النساء ) و ( المائدة ) و ( الأنعام ) و ( الأعراف ) و ( التوبة ) .
وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة واحدة ( البقرة ) ثم ( النساء ) ثم ( آل عمران ) ، وكان يقرؤها مترسلا متمهلاً
وثبت بأصح إسناد أن عمر رضي الله عنه لما أمر أبيّ بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ رضي الله عنه يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر.
وصح عن عمر أيضاً أنه دعا القراء في رمضان، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين آية، والوسط خمساً وعشرين آية، والبطيء عشرين آية .
وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطوّل ما شاء، وكذلك إذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلا أنه لا يبالغ في الإطالة حتى يحيي الليل كله إلا نادراً، اتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم القائل : " وخير الهدي هدي محمد "، وأما إذا صلى إماماً، فعليه أن يطيل بما لا يشق على من وراءه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة، فإن فيهم الصغير والكبير وفيهم الضعيف، والمريض، وذا الحاجة، وإذا قام وحده فليُطل صلاته ما شاء .
**
﴿٥. ١٠.﴾ وقت القيام :
﴿٥. ١٠. ١.﴾ ووقت صلاة الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر، لقوله صلى الله عليه وسلم : “ إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ”
﴿٥. ١٠. ٢﴾ والصلاة في آخر الليل أفضل لمن تيسر له ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : “ من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل”.
﴿٥. ١٠. ٣.﴾ وإذا دار الأمر بين الصلاة أول الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفرداً، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنه يحسب له قيام ليلة تامة. وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه، فقال عبدالرحمن بن عبيد القاري : " خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرّهط، فقال : “ والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم، فجمعهم على أُبيّ بن كعب”، قال :" ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال : عمر “ نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله” وقال زيد بن وهب : " كان عبدالله يصلي بنا في شهر رمضان فينصرف بليل "
﴿٥. ١٠. ٤.﴾ لما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الإيتار بثلاث، وعلل ذلك بقوله : “ ولا تشبهوا بصلاة المغرب ”؛ فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثاً من الخروج من هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين :
﴿٥. ١٠. ٤. ١.﴾ أحدهما : التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل .
و ﴿٥. ١٠. ٤. ٢.﴾ الآخر : أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم .
﴿٥. ١٠. ٥.﴾ القراءة في ثلاث الوتر :
﴿٥. ١٠. ٥. ١.﴾ ومن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى من ثلاث الوتر : ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، وفي الثانية : ( قل يا أيها الكافرون ) ، وفي الثالثة : ( قل هو الله أحد ) ويضيف إليها أحياناُ : ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) . وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قرأ مرة في ركعة الوتر بمائة آية من سورة ( النساء )
**
﴿٥. ١١. ﴾ دعاء القنوت :
﴿٥. ١١. ١.﴾ و.. يقنت .. بالدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم سبطه الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو : “ اللهم اهدني فيمن هديت؛ وعافني فيمن عافيت؛ وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لا منجا منك إلا إليك”، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً، لما يأتي بعده . [ ولا بأس أن يزيد عليه من الدعاء المشروع والطيّب الصحيح ] .
﴿٥. ١١. ٢. ﴾ ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء للمسلمين بما استطاع من خير في النصف الثاني من رمضان ثم يستغفر للمؤمنين، لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر رضي الله عنه. قال : وكان يقول إذا فرغ من صلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته : " اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ربنا، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك لمن عاديت ملحق " ثم يكبر ويهوي ساجداً .
**
﴿٥. ١٢.﴾ ما يقول في آخر الوتر :
﴿٥. ١٢. ١.﴾ ومن السنة أن يقول في آخر وتره ( قبل السلام أو بعده ) : " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما اثنيت على نفسك "
﴿٥. ١٢. ٢.﴾ وإذا سلم من الوتر ، قال : سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس ( ثلاثاً ) ويمد بها صوته، ويرفع في الثالثة .
**
﴿٥. ١٣.﴾ الركعتان بعده :
﴿٥. ١٣. ١.﴾ وله أن يصلي ركعتين ( بعد الوتر إن شاء )، لثبوتهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً بل .. قال : " إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له " .
﴿٥. ١٣. ٢.﴾ والسنة أن يقرأ فيهما : ( إذا زلزلت الأرض ) و ( قل يا أيها الكافرون ) .
**
﴿٥. ١٤.﴾ ليلة القدر وتحديدها :
﴿٥. ١٤. ١.﴾ وأفضل لياليه :" ليلة القدر"؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " من قام ليلة القدر { ثم وُفّقت له }، إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه "
﴿٥. ١٤. ٢. ﴾ وهي ليلة سابع وعشرين﴿٧ ٢﴾ من رمضان على الأرجح، وعليه أكثر الأحاديث منها:
﴿٥. ١٤. ٢. ١.﴾ حديث زر بن حبيش قال : سمعت أبي ابن كعب يقول- وقيل له : إن عبدالله بن مسعود يقول : من قام السنة اصاب ليلة القدر ! - فقال أُبيّ رضي الله عنه: رحمه الله، أراد أن لا يتكل الناس، والذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة هي ؟؛ هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين؛ وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها. ورفع ذلك في رواية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. [أخرجه مسلم وغيره] .
يُتْبَعُ... بإذنه تبارك وتعالىٰ
حُرِّرَ في يوم الجمعة ٢١ من شهر رمضان ١٤٣٨ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين ~ الموافق ١٦ من شهر يونيه عام ٢٠١٧ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم العذراء البتول عليهما السلام.

ـــــــــ التمهيد لـ ليلة القدر ــــــــ

١ . ] الإعداد الذهني والتهيئة النفسية والتمهيد.. عمليات يحتاجها الإنسان في حياته الدنيا وتفعل معه منذ نعومة أظافره ويقوم بها مَن يتولى حضانته وتعليمه؛ كما وأن اعطاء المعلومات والمعرفة ترافق الإنسان إثناء تواجده على سطح المعمورة؛ لذا يبحث دائما عن صحة المصدر وقوة الدليل ودقة المعلومة؛ وهنا يأتي دور التدقيق والتحقيق كي توثق الأفكار المرتبطة بأمر ما ثم تبدء عملية التخزين -في خلايا المخ- لهذا الكم الهائل من المعلومات والخبرات التي تم الحصول عليها؛ وبالتالي إسترجاع هذه المعرفة وقت احتياجها تجعل الإنسان يستحق الحياة في الكون؛ لذا فمن المعروف أن أطول فترة حضانة لكائن على وجه الأرض هي للإنسان.. وما تقدم الشعوب ورقي الأمم إلا وفق ما لديها من أفكار صحيحة عن الكون والإنسان والحياة.. وسمو مبادئ التعليم وطرق التدريس وإرادة اكتشاف الحقائق المبنية على استقراء الكون والحياة والإنسان تؤثر في تقدمه العلمي وتفوقه التكنولوجي.. ثم يعلو الإنسان درجة بكيفية التثقيف ودرجته.. وبمراجعة طريقة التدريس في بلدان نحكم على قدرتها في إثبات ذاتها ورفعة شأنها ونفع في شتى العلوم النظرية والتطبيقية يقدم للبشرية جمعاء.. وبنظرة فاحصة لدول العالم الثالث وفي نفس الزمن والوقت؛ وعلى نفس رقعة الكرة الأرضية نلقي نظرة على دول العالم الأول فنجد البون الشاسع بينهما.. بيد أن الإنسان-بغض النظر عن مكان موضع قدميه- تتملكه مجموعة متناقضة من الرغبات وكتلة مختلفة من القيم وحزمة متنافرة من المقاييس؛ فإما تعلوه المصالح والمنافع بغض النظر عن موافقتها للحق وقربها من الصواب؛ فيقدم على اذاء الغير وتصنيع ما لا يفيد بل يضر.. إذ يجلب له الكثير من الأموال فيتمكن من بسط نفوذه بالقوة الغاشمة وإستغلال شعوب الأرض ونهب ثرواتها.. وهذا يلاحظ بوضوح في مسألة الإستعمار القديم.. هذا جانب مظلم من حياة الإنسان.. وإما يراعي القيم الرفيعة ويلتزم بالمبادئ العلا ويتمسك بالمقاييس الصحيحة.. فيعم الرخاء على الجميع.. والحالة الأخيرة نفتقدها الأن.. وبما أن الإنسان بصفته البشرية وقدراته الآدمية -كما بينت- يحمل المتناقضات بين جوانب نفسيته وتتملكه الرغبات الدفينة والظاهرة مع تنوعها وتناقضها فقد يغفل في حين أو يضعف أحياناً ويتغير فكره وشعوره من فترة عمرية إلى آخرى ومن حقبة زمنية في عمر البشرية إلى آخرى.. ولأن هكذا حال الإنسان المخلوق لم يترك خالقه وواجده ومبدعه الحكم على الأفعال والأشياء لهذا الإنسان المتقلب المتغير المتنوع.. بل جعل مقياس الحكم على الفعل بالإقدام عليه أو التراجع عن فعله للخبير العليم خالق الإنسان والحياة.. كما جعل الأشياء المستخدمة في الحياة كلها مباحة لهذا الكائن الناقص في صحة ودقة الحكم إلا ما منعه عنها.. لذا تجد الإختبار الأول والإبتلاء المثال هو منع آدم وزوجه من ثمرة وحيدة من ثمار الجنة؛ دون تعليل ودون إبداء ضررها؛ وهذه المسألة-الإخبار بالعلة وحيثيات الحكم؛ ولماذا وكيف- أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله : ﴿ .. وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ﴾ [الكهف: ٥٤]؛ فتجد الحكم صريح دون تعليل؛ فيخبرنا من رفع السموات بغير عمد نراها عن مسألة الإبتلاء والإختبار الأول-وهو مثال ممتاز- فنطق القرآن:" وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا "﴿الأعراف: ١٩﴾ وهذا تعبير سورة الأعراف أما سورة البقرة فتأتي لفظة زائدة :" وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ :" ﴿البقرة: ٣٥﴾ : فلا يوجد تعليل أو لماذا؛ فهو اختبار من الحكيم وابتلاء من الخبير؛ ولأن الإنسان منذ بدايته الأولى يبحث عن السبب والعلة؛ ومن هنا دخل إبليس العين فأثبت القرآن الكريم والذكر الحكيم مقولته: " وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ" كما أثبت فعله: " فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا " ﴿الأعراف: ٢٠﴾ ".
ولأنه الخبير العليم أعطى حكما عاماً وأصدر خطاً عريضاً؛ ما اسميه المعلومات السابقة عن افعال وأشياء أو بتعبير أدق الإعداد الذهني والتهيئة النفسية والتمهيد فنطق القرآن الكريم يقول ﴿.. وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥]، فعفى عن أهل الفطرة؛ لغياب المبلغ الرسول بينهم؛ وهي الفترة الزمنية بين وجود نبي ومجئ آخر.. فجاء دور الرسول/النبي كمبلغ لشرع الخالق ومبين لمنهاجه وموضح لأحكامه؛ فيتكلم بوضح-أولاً- عن اساس الدين وهو العقيدة؛ أو ما يسمى الإيمان -وهذا موجود في الدين المنزل من السماء؛ كما تجده عند الدين الوضعي مِن قبل إنسان- فإن ثبتت العقيدة وترسخ الإيمان يتكلم عن الأحكام الشرعية العملية -أفعل أو لا تفعل- التي تبنى على هذه العقيدة؛ فإذا كانت العقيدة تتحدث عن إله خالق رازق محيي مميت؛ وأنه يثيب العابد الذي التزم بأوامره إثناء حياته الدنيا على الأرض وابتعد عن معصيته ونواهيه.. فيثيبه بعد مماته؛ والموت حق؛ فتكون الإثابة بجنة عرضها السموات والأرض؛ وهي -الجنة- ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ ولكن تم الإخبار عنها.. فالكلام يفصل من خلال الوحي بشقيه : القرآن العظيم والسنة النبوية عن حياة من خلال تنفيذ أوامر بعينها والإبتعاد عن نواهي بعينها فيكون لهذا العابد الثواب؛ تماماً كقانون المرور مثلاً؛ مَن ينطلق بسيارته وإشارة المرور حمراء يدفع غرامة مالية قدرها كذا؛ فإذا صدم سيارة أو شخص تكون العقوبة غير ذلك.. وهذه الأوامر والنواهي تُبلغ عن طريق رسول يختاره الخالق لخلقه.. فنطق القرآن فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ..... مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥] ؛ أي مبشراً بالثواب لمن يلتزم بما أمره خالقه؛ ونذيراً لمن يخالف هذه الأوامر فلا يلتزم بها.. أي مَن يقوم بهذه النواهي التي نهى عنها .. ويوضح القرآن دور النبي/الرسول بجلاء حين يقول ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ﴾ [٤٦]؛ أي مبلغاً أوامره ونواهيه.. فـ تتضح الصورة كاملة بنص القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ [المائدة: ٦٧].. ثم تزداد الصورة وضوحاً فعلق الطاعة على الإيمان وربط التقييد بأوامره والإبتعاد عن نواهيه بالعقيدة بقوله تعالى : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]؛ أي إذا تم الإيمان بالله والرسول وجبت الطاعة في حق المؤمن.. من خلال ما قاله وفعله الرسول؛ فتجد أنه قال : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] والذكر يندرج تحته كافة الأوامر وجميع النواهي سوء أكانت سطرت بين آيات القرآن، أو كطريقة وكيفية التبيان عند الرسول، فيقول :" ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. ﴾ [الحشر: ٧].. ثم يوضح مسألة جوهرية؛ إذ هي متعلقة بمصادر التشريع الأصلية الأساسية والوحيدة وهما قرآن كريم وسنة محمدية فيقول ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾[النساء: ٥٩]. فإذا انتقل الرسول/النبي إلى الرفيق الأعلى عطف على طاعة الله تعالى ورسوله مَن يتولى رعاية شئون الناس؛ أي مَن يطلق عليهم :" أولى الأمر ".. وليس إستقلالا بطاعتهم بل إلحاقاً بطاعة الله من خلال أوامره ونواهيه ومن خلال ما بينه رسوله الكريم فقال : ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾؛ ثم يخبر القرآن عن حالة قد تحدث : ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩] .
وعليه فإن :
٢ . ] الأصل في أفعال المسلم العاقل البالغ وتصرفاته التقييد بالحكم الشرعي الوارد في كتاب الله تعالى؛ والمبين من سنة رسوله الكريم؛ والأصل في الأشياء المستخدمة في الحياة الإباحة ما لم يرد دليل التحريم؛ ونأتي بمثال كفعل الشرب كضرورة بشرية والذي يرتبط كثيراً بالشئ؛ فشرب الماء على وجه العموم مباح؛ بل لازم لإستمرار الحياة؛ بدونه يهلك الكائن البشري أو الحيوان والنبات؛ إذاً فهناك ضروريات حياتية يجب تواجدها؛ ومن ثم إشباعها كالطعام وآخرى لازمة حياتية كـالهواء.. ثم إذا ترقى الإنسان وجدت مكملات حياتية كاجازة على شواطئ منتجع شرم الشيخ.
فالشرب ضرورة حياتية؛ ثم يتدخل الشرع الحنيف في حكم الشئ الذي سيشرب؛ فاباح الماء؛ والحليب وعصائر الفواكة ومنقوع التمر؛ لكن الشرع حرم شرب شئ؛ وإن كان يتصف بصفات المشروبات الآخرى(سائل) اي الخمر والمسكر؛ فجاء التحريم بدرجة عالية من البلاغة :" . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ﴿المائدة: ٩٠﴾. فالإجتناب أشد درجة من مجرد ذكر التحريم فقط؛ كما منع شرب الماء خلال نهار رمضان؛ لكن الشرع؛ ومن خلال سنة رسول الإسلام يتدخل في أجزاء من الشئ المباح؛ لتعلي قدر نوع ماء فـ :" عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : « مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ ». هذا قول النبي من حيث شرب ماء زمزم.. ثم يأتي قول صحابي جليل: قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قَالَ : " اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ". قال صاحب المستدرك :" هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إِنْ سَلِمَ مِنَ الْجَارُودِيِّ.
فتلاحظ أن بعض الأمم والشعوب تبالغ في قيمة مياهها فتأتي مقولة تاريخية شهيرة مصرية قائلة: « من شرب من ماء النيل.. لابد وأن يرجع له » .
وكذلك ما يتعلق بالشم؛ فأباح الشارع شم أشياء وحرم أشياء آخرى؛ وأيضاً النظر-الرؤية: فأباح النظر إلى ماحلله وحرم النظر إلى العورات؛ وكذا المشي: فهو مباح مطلقاً ؛ لكن الشرع يأتي لينهى عن المشي إلى محلات الفسق والمجون وأماكن بيع الخمر.. وندب للمشي إلى المساجد وحلقات العلم.
٣ . ]. كما توجد تصرفات أو أخلاق-الفاظ سيئة السمعة- نهى عنهاكـ الحسد .. لكن الشرع يستثنى :" يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ : " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آَتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آَتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ [بَاب إِنْفَاقِ الْمَالِ فِي حَقِّهِ]، عَنِ الحُمَيْدِيِّ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ.
وكذلك الكذب؛ لم يحرم مطلقاً بل قيد فـ:" عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ :" لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ:" يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا "؛ وَ " الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ " وَ " الْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ ". وَقَالَ مَحْمُودٌ فِي حَدِيثِهِ :" لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ ": هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ خُثَيْمٍ. وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ دَاوُدَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي بَكْرٍ "
ورَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ : الرَّجُلُ يَكْذِبُ فِي الْحَرْبِ؛ وَالْحَرْبُ خُدْعَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا ، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ لِلْمَرْأَةِ لِيُرْضِيَهَا بِذَاكَ ".
ولعل احاديث الباب تحتاج إلى شرح وتبيان؛ إذ " أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ :" بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ". قَالَ أَبُو عَبْداللَّهِ :" وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوَامِعَ الْكَلِمِ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْأُمُورَ الْكَثِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُكْتَبُ فِي الْكُتُبِ قَبْلَهُ فِي الْأَمْرِ الْوَاحِدِ وَالْأَمْرَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ". [ انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني].
٤ . ]. الإنسان حيز زمني:
ومن حكمته أن ربط التكليف الشرعي بالعقل والإدراك والفهم؛ فرفعت المحاسبة عن النائم حتى يستيقظ وتركت المؤاخذة عن الناسي؛ ورفع التكليف على من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. وأيضاً عن المجنون حتى يفيق والصبي حتى يبلغ .
ثم نوع في خطاب الكليف فجعل الشارع سبحانه أمورا حراماً وآخرى حلالا؛ ورحم عباده فجعل التكليف منه فرض وآخر مباح وثالث مندوب؛ ثم رحم فجعل هناك فرض عين وآخر فرض على الكافية؛ إذا قام به البعض وأنتهى سقط عن الباقيين؛ وإذا لم يتم لزم الجميع وأثموا على تركه؛ ثم رحم فجعل هناك عزيمة وآخرى رخصة؛ ثم رحم فجعل في حالات استثنائية الفعل المحرم واجب فعله؛ كحالة إشراف الإنسان على الهلاك فسمح بشرب الخمر -وهي حرام في الحالة العادية- إن لم تجد غيرها عند العطش؛ وسمح بأكل الميتة ولحم الخنزير في حالات الضرورة المشرفة على الموت والتي قد تؤدي إليه؛ ثم رحم ففرق بين الصحيح والضعيف وبين السليم والمريض؛ فاباح بخبرة طبيب حاذق أن يتداوى-ربما- بما هو محرم في الحالة الصحية العادية؛ وتوجد أحكام تفرق بين الذكر البالغ والأنثى إن لم يأكلا الطعام؛ والتي بلغت مبلغ النساء وإن تساويا -الذكر والأنثى- ؛ بصفتهما البشرية الآدمية أمام التكليف وأمام الشرع- كما وأن الزمان فُضل بحكمته سبحانه وتعالى ؛ فأنزل القرآن في شهر رمضان؛ وولد خاتم أنبياءه وآخر رسله ومتمم بعثاته تعالى لأهل الأرض يوم الإثنين؛ دون تحديد التاريخ أو العام بالدقة التي يبحث عنها الكثير؛ أو يجتهد البعض في تحديدها؛ والحديث جاء عن يوم مجيئه إلى الدنيا أما ساعة مولده ووقت مولده: في نهار أو ليل فلم توضح؛ لذا أغفلها الشرع الحنيف فلن يترتب عليها كبير فائدة، وجعل الحج في شهره؛ وندب لعمرة في شهر الصيام-رمضان- وزوجت عائشة نساءها في شهر شوال؛ وقسم النهار لخمسة أوقات مرتبطة بحركة الشمس مع الأرض. ثم ابهم الزمان في بعض المسائل: كساعة الإجابة من يوم الجمعة؛ أو ليلة القدر ..
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَصَلَّى اللَّهُ وسلم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا قَلْبًا عَقُولًا وَلِسَانًا صَادِقًا وَيُوَفِّقَنَا لِلسَّدَادِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‏ .

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)

الخميس : ٢٠ رمضان ١٤٣٨هـ ~ ١٥ يونيو ٢٠١٧ م

بين “ لَعَلَّكُمْ” وبين :“ لَعَلَّهُمْ”
* خواطر رمضانية
المبحث الثاني: بين “ لَعَلَّكُمْ” وبين :“ لَعَلَّهُمْ”

نتساءل:
بماذا اراد الخالق سبحانه وتعالى مِن حصر آيات صيام شهر رمضان من سورة البقرة بين الخطاب القرآني؛ حيث يقول: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ﴿آية:١٨٣﴾ وصدر الآية بدء بخطاب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ". وبين: "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" ﴿١٨٧﴾ ".وهو خطاب أنهى به آيات فرضية الصيام: "تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" ﴿١٨٧﴾ ".!!؟؟
مدخل لُغوي للمسألة :
" لَعَلَّ" كَلِمَةُ رَجَاءٍ وَطَمَعٍ وَشَكٍّ ، فهي من حروف الترجي في أمر محبوب قريب الوقوع كقوله تعالى:" لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّـهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا"﴿الطلاق: ١﴾، وقد ترد كلمة لعل داله على توقع أمر محذور كما في قوله تعالى: "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ "﴿الشورى: ١٧﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
الخطاب القرآني يرتقي بالإنسان في نداءه إلى القوى العاقلة؛ فيخبرنا عن المخلوقات وآيات الكون والحياة؛ وينهي الخطاب بقوله:"لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿البقرة: ١٦٤﴾"؛ ثم يؤكد بقوله: "إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴿الرعد: ٤﴾". ثم ينوع الخطاب فينادي: "يَا أُولِي الْأَلْبَابِ"﴿البقرة: ١٧٩﴾؛ ويقول :" .. الْكِتَابَ" .. "هُدًى وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ] ﴿غافر: الآيتان ؛ ٥٣ -٥٤﴾ .. تلك القوى العاقل التي بداخل الكائن البشري؛ ثم يُثني الخطاب إلى النفس البشرية؛ سواء : "النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ "﴿الفجر: ٢٧﴾؛ أو : "النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ" ﴿يوسف: ٥٣﴾، أو : "النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" ﴿القيامة: ٢﴾.. وما يعتمل داخل الكينونة الإنسانية من أحاسيس ومشاعر وعواطف.. هذا الخطاب القرآني يسعى من خلال جمع الهمم وإيقاظها؛ ولَمْ القوى الإنسانية بإدراكاتها المتعددة.. يسعى إلى التنبيه مع التذكير بما يجب أن يكون عليه المرء الذي يوجه له الخطاب؛ إذ أن الشخصية الإنسانية تنقسم إلى -أولاً- عقلية -كما استدللتُ بآيات- هذ العقلية تدرك الواقع الملموس بحواسها المخلوقة فتتعامل معه؛ لذا وجدت الحضارات في الأمم؛ وأبدعت الشعوب الفنون والصناعات وما يرافقها من مدنية؛ وتقدم علمي ملحوظ في كافة مناحي الحياة كما يرى في الغرب مع جعل مسألة العقيدة والإيمان وما يترتب عليهما من تصرفات وأقوال مسألة شخصية فردية تبحث بين جدران المعابد، أو يستدل العقل على وجود الخالق فتدرك آثار الخالق في مخلوقاته أو في أشكال الحياة المختلفة أو في الكون مع إتساعه فتدرك أن الكون والإنسان والحياة مخلوقة لخالق واجب الوجود وبالقطع يختلف -الخالق: المبدع المصور- تماماً عن مخلوقاته وموجوداته وصناعته.. والقسم الثاني من الشخصية الإنسانية بعد العقلية هي نفسيته وما تحمل من مشاعر وعواطف وأحاسيس؛ تنمو من خلال إسلوب تربية وتعلو بالإنسان إن كانت صحيحة موافقة للفطرة البشرية أو تهبط به إن كانت معارضة ومخالفة لها..
النص القرآني بصفة عامة يخاطب العقل البشري وكما يخاطب الداخل الإنساني دون تميز بين لون بشرة وعرق أو جنس فيقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿البقرة: ٢١﴾؛ فنقرأ لـ صاحب المنار في تفسير سورة البقرة :"الْوِقَايَةُ مَعْرُوفَةُ : فهي الْبُعْدُ أَوِ التَّبَاعُدُ عَنِ الْمُضِرِّ أَوْ مُدَافَعَتُهُ ".. يكمل صاحب المنار :" وَلَكِنْ نَجِدْ هَذَا.. مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ: "وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ".. "وَاتَّقُوا اللَّهَ ".. " فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "فَمَعْنَى اتِّقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى اتِّقَاءُ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، وَإِنَّمَا تُضَافُ التَّقْوَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا لِأَمْرِ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّقِيَ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ، وَلَا الْخُضُوعَ الْفِطْرِيَّ لِمَشِيئَتِهِ.
نأتي بتعبير آخر فأقول :" التَّقْوَى.. حَسَاسِيَةُ الْقَلْبِ وَشُعُورُهُ بِالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ؛ وَتَحَرُّجُهُ مِنْ غَضَبِهِ وَتَطَلُّبُهُ لِرِضَاهُ. ".
ثم يوضح تلميذ الأستاذ الإمام -محمد عبده- الشيخ محمد رشيد رضا ما سطره بالقول و :" مُدَافَعَةُ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ بِاجْتِنَابِ مَا نَهَى وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْخَوْفِ مِنَ الْعَذَابِ وَمِنَ الْمُعَذِّبِ، فَالْخَوْفُ يَكُونُ ابْتِدَاءً مِنَ الْعَذَابِ وَفِي الْحَقِيقَةِ مِنْ مَصْدَرِهِ، فَالْمُتَّقِي: هُوَ مَنْ يَحْمِي نَفْسَهُ مِنَ الْعِقَابِ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ “نَظَرٌ” وَ “رُشْدٌ” يَعْرِفُ بِهِمَا أَسْبَابَ الْعِقَابِ وَالْآلَامِ فَيَتَّقِيهَا .
أقول(الرمادي): انتبه أيها القارئـ(ـة) الكريمـ(ـة) إلى تعبير تلميذ الأستاذ الإمام :«نظر »؛ « رشد ».. وهذا ما قصدته من إعمال العقل وأستخدام القوى العاقلة داخل النفس البشرية. ثم يزيد الشيخ رضا المسألة وضوحاً بالقول :" إِنَّ الْعِقَابَ الْإِلَهِيَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّقَاؤُهُ قِسْمَانِ: «دُنْيَوِيٌّ»؛ وَ «أُخْرَوِيٌّ»، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُتَّقَى بِاتِّقَاءِ أَسْبَابِهِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: مُخَالَفَةُ دِينِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَمُخَالَفَةُ سُنَّتِهِ فِي نِظَامِ خَلْقِهِ.
صاحب المنار يشرع في التوضيح فيقول :" فَأَمَّا عِقَابُ الْآخِرَةِ فَيُتَّقَى بِالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ الْخَالِصِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاجْتِنَابِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ،
ثم يضع خطة ذهنية -لمن يريد بالطبع- لتحقيق ذلك فيقول: "وَأَفْضَلُ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى فَهْمِهِمَا وَاتِّبَاعِهِمَا "سِيرَةُ" السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَوَّلِينَ مِنْ آلِ الرَّسُولِ وَعُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ .
واستسمح فضيلة الشيخ؛ تلميذ الإمام بإضافةٍ: "كما يستعان بالعلوم الحديثة مع تنوعها؛ وأدوات العلم المتقدمة".
ويكمل صاحب المنار فكرته بالقول:" وَأَمَّا عِقَابُ الدُّنْيَا فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَى اتِّقَائِهِ بِالْعِلْمِ بِسُنَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَلَا سِيَّمَا سُنَنُ اعْتِدَالِ الْمِزَاجِ وَصِحَّةِ الْأَبْدَانِ - وَأَمْثِلَتُهَا ظَاهِرَةٌ - وَسُنَنُ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ .".
ويذكر صاحب المنار تعريفاً فيقول :" الْإِيمَانُ: هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ الْمُقْتَرِنُ بِإِذْعَانِ النَّفْسِ وَقَبُولِهَا وَاسْتِسْلَامِهَا ، وَآيَتُهُ الْعَمَلُ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِيمَانُ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ الَّذِي يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْيَقِينِ .
ينبغي هنا أن نذكر الهدي النبوي حتى تكتمل الصورة الذهنية عما نريد أن نبحثه فـ:" [قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ :" الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةً ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ " قَالَ : ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ يَقُولُ : " التَّقْوَى هَاهُنَا ، التَّقْوَى هَاهُنَا"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نؤكد على معنى أَنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَ التَّقْوَى، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَقِبَ أَمْرٍ فِيهِ مَشَقَّةٌ، إما للنفس أو الجسد ؛ أو لهما معاً.. وَكَذَلِكَ جَاءَ هُنَا: لِأَنَّ مَنْعَ الْإِنْسَانِ مِنْ أَمْرٍ مُشْتَهًى بِالطَّبْعِ اشْتِهَاءً عَظِيمًا - بِحَيْثُ هُوَ أَلَذُّ مَا لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْمَلَاذِّ الْجُسْمَانِيَّةِ؛ كلذيذ الطعام أو طيب الشراب أو جماع النساء - شَاقٌّ عَلَيْهِ ، ذَلِكَ وَلَا يَحْجُزُهُ--خلال نهار الصيام- عَنْ مُعَاطَاتِهِ إِلَّا التَّقْوَى ، فَلِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِهَا ، أَيْ : هُمْ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ حُصُولِ التَّقْوَى لَهُمْ بِالْبَيَانِ الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ".
وهنا تأتي أهمية فِي التَّعْقِيبِ عَلَى الصِّيَامِ حيث تَرِدُ الْإِشَارَةُ إِلَى التَّقْوَى .
فإذا بحثنا "لَعَلَّ" في الآية 183 من البقرة نجدها :" إِمَّا مُسْتَعَارَةٌ لِمَعْنَى "كَيِ" اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً، وَإِمَّا تَمْثِيلِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ شَأْنِ اللَّهِ فِي إِرَادَتِهِ مِنْ تَشْرِيعِ الصَّوْمِ التَّقْوَى، بِحَالِ الْمُتَرَجِّي مِنْ غَيْرِهِ فِعْلًا مَا، وَالتَّقْوَى الشَّرْعِيَّةُ هِيَ اتِّقَاءُ الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا كَانَ الصِّيَامُ مُوجِبًا لِاتِّقَاءِ الْمَعَاصِي؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ قِسْمَانِ ؛ قِسْمٌ يَنْجَعُ فِي تَرْكِهِ التَّفَكُّرُ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ ، فَتَرْكُهُ يَحْصُلُ بِالْوَعْدِ عَلَى تَرْكِهِ وَالْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ وَالْمَوْعِظَةِ بِأَحْوَالِ الْغَيْرِ ، وَالثاني : قِسْمٌ يَنْشَأُ مِنْ دَوَاعٍ طَبِيعِيَّةٍ كَالْأُمُورِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْغَضَبِ وَعَنِ الشَّهْوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي قَدْ يَصْعُبُ تَرْكُهَا بِمُجَرَّدِ التَّفَكُّرِ ، فَجَعَلَ الصِّيَامَ وَسِيلَةً لِاتِّقَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ يَعْدِلُ الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي هِيَ دَاعِيَةُ تِلْكَ الْمَعَاصِي ، لِيَرْتَقِيَ الْمُسْلِمُ بِهِ عَنْ حَضِيضِ الِانْغِمَاسِ فِي الْمَادَّةِ إِلَى أَوْجِ الْعَالَمِ الرُّوحَانِيِّ ، فَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلِارْتِيَاضِ بِالصِّفَاتِ الْمَلَكِيَّةِ وَالِانْتِفَاضِ مِنْ غُبَارِ الْكُدُرَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ ."
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " الصَّوْمُ جُنَّةٌ " أَيْ : وِقَايَةٌ ، وَلَمَّا تَرَكَ ذِكْرَ مُتَعَلِّقِ ( جُنَّةٍ ) تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ أَصْنَافِ الْوِقَايَةِ الْمَرْغُوبَةِ ، فَفِي الصَّوْمِ وِقَايَةٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَآثِمِ ، وَوِقَايَةٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي عَذَابِ الْآخِرَةِ ، وَوِقَايَةٌ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَدْوَاءِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِفْرَاطِ فِي تَنَاوُلِ اللَّذَّاتِ ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإذا تتبعنا الخطاب القرآني نجد أنه سبحانه وتعالى ذكره وجل قدره يقول :" ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "﴿البقرة: ٥٢﴾.
قال الطبري :"أَنَّ أَحَدَ مَعَانِي " لَعَلَّ " " كَيْ " ،"فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ اتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ إِلَهًا، لِتَشْكُرُونِي عَلَى عَفْوِي عَنْكُمْ، إِذْ كَانَ الْعَفْوُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَى أَهْلِ اللُّبِّ وَالْعَقْلِ .".
فَقَدْ جَاءَتْ لعل فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى كَيْ.
وَفِي حَدِيثِ حَاطِبٍ:" وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمْ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ؟ ".
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى لَعَلَّ هَاهُنَا مِنْ جِهَةِ الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ ، قَالَ : وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى عَسَى ، وَعَسَى وَلَعَلَّ مِنَ اللَّهِ تَحْقِيقٌ.
"وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" ﴿البقرة: ٥٣﴾ وهذا هو المعنى الثالث من معان لعل وهو : التعليل. وهذا معنى أثبته الكسائي، والأخفش، وحملا على ذلك ما في القرآن، من نحو " لعلكم تشكرون "، " لعلكم تهتدون "، أي: لتشكروا، ولتهتدوا.
قال الأخفش في المعاني: " لعله يتذكر " نحو قول الرجل لصاحبه: افرغ لعلنا نتغدى. والمعنى: لنتغدى. ومذهب سيبويه، والمحققين، أنها في ذلك كله للترجي، وهو ترج للعباد. وقوله تعالى " فقولا له قولاً ليناً، لعله يتذكر أو يخشى " معناه: اذهبا على رجائكما ذلك، من فرعون.
: "فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّـهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ".﴿البقرة: ٧٣﴾
"يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ﴿البقرة: ١٨٩﴾
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ" ﴿البقرة: ٢١٩﴾
:"وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" ﴿آل عمران: ١٣٢﴾
:" وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ اللَّـهِ أَوْفُوا ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" ﴿الأنعام: ١٥٢﴾
" اللَّـهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ " ﴿الرعد: ٢﴾
"وَاللَّـهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ" ﴿النحل: ٨١﴾
"لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ " ﴿الأنبياء: ١٣﴾
"وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴿الشعراء: ١٢٩﴾
" إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ "﴿النمل: ٧﴾
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
أما لعلهم في قوله تعالى :" يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ ".
فـ الآيات: هي العلامات الهادية إلى الحق، و"لعلهم" ترج في حقهم، وظاهر ذلك عموم، ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي تتضمن أن الله يضل من يشاء.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَعْنِي بِآيَاتِهِ عَلَامَاتِ مُتَعَبَّدَاتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْآيَاتِ هُنَا الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ".
"كَذَلِكَ" أَيْ مِثْلَ هَذَا الْبَيَانِ الْعَلِيِّ الشَّأْنِ " يُبَيِّنُ اللَّهُ " لِمَا لَهُ مِنَ الْعَظَمَةِ الَّتِي لَا تُحْصَرُ بِحَدٍّ وَلَا تُبْلَغُ بِعَدٍّ " آيَاتِهِ " الَّتِي يَحِقُّ لِعَظَمَتِهَا أَنْ تُضَافَ إِلَيْهِ.. وَقَالَ: "لِلنَّاسِ " : إِشَارَةٌ إِلَى الْعُمُومِ دَلَالَةً عَلَى تَمَامِ قُدْرَتِهِ بِشُمُولِ عِلْمِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْبَيَانُ إِلَى حَدٍّ لَا يَحْصُلُ فِيهِ تَفَاوُتٌ فِي أَصْلِ الْفَهْمِ بَيْنَ غَبِيٍّ وَذَكِيٍّ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " أَيْ لِيَكُونَ حَالُهُمْ حَالَ مَنْ يُرْجَى مِنْهُ خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا عَلِمُوا مِنْ هَذَا الْبَيَانِ مِنْ عَظَمَتِهِ، وَأَشْعَرَ هَذَا الْإِبْهَامُ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَا يَتَّقِي.وعليه :" فَإِنَّهُمْ إِذَا بَانَ لَهُمُ الْحَقُّ اتَّبَعُوهُ، وَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْبَاطِلُ اجْتَنِبُوهُ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ عَلَى وَجْهِ الْجَهْلِ بِأَنَّهُمُحَرَّمٌ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإِذَا بَيَّنَ اللَّهُ لِلنَّاسِ آيَاتِهِ، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّقْوَى " .
وكَمَا بَيَّنَ سبحانه وتعالى أَحْكَامَ الصِّيَامِ يُبَيِّنُ -أيضاً- آيَاتِهِ لِلنَّاسِ، أَيْ : جَمِيعَ آيَاتِهِ؛ ونضيف الآيات الكونية والآيات في الأحياء بكافة أنواعها.. يبينها لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَالْمَقْصِدُ أَنَّ هَذَا شَأْنُ اللَّهِ فِي إِيضَاحِ أَحْكَامِهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ ،
وَقَوْلُهُ : ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) أَيْ : إِرَادَةٌ لِاتِّقَائِهِمُ الْوُقُوعَ فِي الْمُخَالَفَةِ ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمُ الْأَحْكَامَ لَمَا اهْتَدَوْا لِطَرِيقِ الِامْتِثَالِ ، أَوْ لَعَلَّهُمْ يَلْتَبِسُونَ بِغَايَةِ الِامْتِثَالِ وَالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورَاتِ عَلَى وَجْهِهَا ، فَتَحْصُلُ لَهُمْ صِفَةُ التَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ ، إِذْ لَوْ لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهُمْ لَأَتَوْا بِعِبَادَاتٍ غَيْرِ مُسْتَكْمِلَةٍ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهَا ، وَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَعْذُورِينَ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيَانِ وَغَيْرَ مُؤَاخَذِينَ بِإِثْمِ التَّقْصِيرِإِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ صِفَةَ التَّقْوَى ؛ أَيْ : كَمَالَ مُصَادَفَةِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَعَلَّ يَتَّقُونَ عَلَى هَذَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لَا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ ، مِثْلَ : "هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ" وَهُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحْذُوفُ الْمَفْعُولِ لِلْقَرِينَةِ . "
ــــــــــــــــــــــــــــــ
وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ كُلَّ التَّكْلِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَخُصُوصًا الْعِبَادَاتِ لِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى التَّقْوَى ، وَإِيدَاعِ الْمَهَابَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَلَا يَجْتَرِئُونَ فَيَنْتَهِكُوا حُرُمَاتِ الشَّهْرِ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَجَعَلَهُ مُبَارَكًا ، وَأَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ .
و " كذلك يبين الله آياته للناس " : أي: كما بين ما أمركم به ونهاكم عنه - في هذا الموضع - يبين للناس ما شرعه لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: " لعلهم يتقون" المحارم فيعرفون كيف يطيعون ويهتدون. كما قال تعالى: "هو الذي ينـزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم "
قال الرازي: والغرض من قوله تعالى: " كذلك " تعظيم حال البيان، وتعظيم رحمته على الخلق في ذكره مثل هذا البيان.
وفيه أيضا تقرير للأحكام السابقة التي ذكرت في السورة، والترغيب إلى امتثالها بأنها شرعت لأجل التقوى.
**
قُبيل النهاية
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَيْمُونٍ- بِإِسْنَادِهِ - عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْتَحِي أَنْ يَبْسُطَ الْعَبْدُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ يَسْأَلُهُ فِيهِمَا خَيْرًا فَيَرُدَّهُمَا خَائِبِينَ "
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ - بِإِسْنَادِهِ - عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ : وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُعَجِّلْ . يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي! ".
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الِاسْتِعْجَالُ. قَالَ: "يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدْعُ الدُّعَاءَ ".
وَالصَّائِمُ أَقْرَبُ الدُّعَاةِ اسْتِجَابَةً ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ - بِإِسْنَادِهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " لِلصَّائِمِ عِنْدَ إِفْطَارِهِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً ". فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا أَفْطَرَ دَعَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَدَعَا .
وَرَوَى ابْنُ مَاجَةَ فِي سُنَنِهِ - بِإِسْنَادِهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَذَلِكَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ مَا تُرَدُّ ".
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
وَمِنْ ثَمَّ جَاءَ ذِكْرُ الدُّعَاءِ فِي ثَنَايَا الْحَدِيثِ عَنِ الصِّيَامِ.
* ولعل هذا مبحثي القادم من خواطر رمضان 1438.
الجمعة : ١٤ رمضان ١٤٣٨ هـ ~ ٩ .يونيو ٢٠١٧ م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ آية 30؛ سورة النمل 27]
﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ﴾، ﴿ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: ٤١- ٤٢]

صومٌ « كــالذين مِن قبلكم »

خواطر رمضانية

المبحث الأول: « الذين مِن قبلكم »
تمهيد للمسألة :

١.] المعبود -الإله- وحده؛ هو الوحيد الذي يعلم ما يحبه لعباده ويرضاه لهم؛ لذلك فـ المعبود وحده يعطي الأمر ويسمح بالندب لأفعال أو اقوال أو تصرفات ويأمر بالنهي وألزمهم المنع من القيام بأفعال وتصرفات؛ وهذا مِن خلال وحي السماء بواسطة الرسل والأنبياء. لذا عُرفت العبادة[(1)] بأنها كل ما يحبه المعبود للعابد ويرضاه له.
٢.] وعليه فإن كل أصناف وأنواع العبادات توقيفية؛ سواء البدنية منها؛ أو المالية؛ أو التي يمتزج المالي فيختلط بالبدني، فالنوع الأول وهو بدنيٌ صِرفٌ كالصلاةِ والصيام والإعتكاف وقيام الليل، ومنها ما هو مالي صِرف كالزكاة والصدقات والتبرعات والأوقاف الخيرية على إختلاف مصادرها وأنواعها كالزروع والمصانع، ومصارفها كالأيتام والأرامل والعجزة، ومنها ما يمتزج به المالي بالبدني كالحج والعمرة وشد الرحال لزيارة المساجد الثلاث.[(2)]
٣.] « تموضعت » الآيات التي فرض فيها الركن الرابع مِن أركان[(3)] الإسلام: « صيام رمضان » بين اللفظة القرآنية ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[(4)] وبين؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾[(5)]؛ فالخطاب القرآني في الموضع الأول موجهٌ إلى الذين أمنوا برسالة خاتم الأنبياء وآخر المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم؛ أما الخطاب السماوي في الموضع الثاني فموجه إلى الناس كافة. وهنا لفتةٌ القرآنية تدعونا جميعاً -أي مَن أمن بالإسلام أو الآخر- إلى قراءة النص القرآني قراءة تدبر وتعقل وليس مجرد قراءة شفهية سطحية؛ أو ما تتناوله وسائل الإعلام دون تحقيق أو تدقيق.
وبما أنني أبدء في سرد خواطر رمضانية لعام »١٤٣٨« متعلقة بالآيات ذات الترقيم القرآني ١٨٣؛ ١٨٤؛ ١٨٥[(6)]؛ ١٨٧ أجدني ملزماً أن أتحدث عن مَن شبههم الشارع سبحانه وتعالى للذين أمنوا بقوله ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾.
فلنبدءُ العرض:
جاءَ عند الطبريُّ في تأويلِ قوله تعالى : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾[(7)] :" يَعْنِي فُرِضَ عَلَيْكُمْ مَثَلَ الَّذِي فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ". ثم قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ الطبري : " ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾، وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّشْبِيهُ بَيْنَ فَرْضِ صَوْمِنَا وَصَوْمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " .
وأجدُ أن هذه المسألة ﴿فرض الصوم على مَن هم جاءوا قبل المسلمين؛ وفرض الصوم على المسلمين﴾.. تعتبر مِن المسائل الضرورية والهامة من بحوث دراسة مقارنـ(بـ)ـة الأديان!؛ وينبغي في هذا العصر بالذات عرض المسألة من الناحية التاريخية ومِن حيث المصادر والمراجع التي يعترف بها الآخرين؛ وخاصةً الكتاب المقدس بشقيه العهد العتيق والعهد الجديد والشروح المتعلقة بهما.
ورأيتُ أن أعرضَ كافة الأقوال التي وردت في مسألة „ الصيام في الأمم السابقة”.. ثم نستخلص من أبحاث العلماء الرأي الذي نظن أنه صواب ونميل إليه.
ذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن قول مجاهد إذ قال : „ كتبَ الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة ” .
وعند ابن كثير من رواية عباد بن منصور عن الحسن قال : „ واللهِ؛ لقد كتب الله الصيام على كل أمة خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملاً ” .
وعن ابن عمر مرفوعًا قال : „ صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ” .
أفهمُ من قول مجاهد والحسن وعبدالله بن عمر تعميم فرضية الصوم على كافة الأمم التي سبقت أمة الإسلام.
فقال الإمام الرازي في تفسيره : " هَذِهِ الْعِبَادَةَ -الصيام - كَانَتْ مَكْتُوبَةً وَاجِبَةً عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى عَهْدِكُمْ، مَا أَخْلَى اللَّهُ أُمَّةً مِنْ إِيجَابِهَا عَلَيْهِمْ لَا يَفْرِضُهَا عَلَيْكُمْ وَحْدَكُمْ".. ثم يعلق الرازي بقوله :" وَفَائِدَةُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ شَاقَّةٌ، وَالشَّيْءُ الشَّاقُّ إِذَا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ " .
وقد قال ابن عاشور : " اللَّهُ شَرَعَهَا -عبادة الصيام- قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِمَنْ كَانُوا قَبْلَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَعَهَا لِلْمُسْلِمِينَ".. ثم يتكلم ابن عاشور عن حكمة التشريع لجميع الأمم فيقول :" وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّرَادَ صَلَاحِهَا وَوَفْرَةَ ثَوَابِهَا، وَإِنْهَاضَ هِمَمِ الْمُسْلِمِينَ لِتَلَقِّي هَذِهِ الْعِبَادَةِ كَيْلَا يَتَمَيَّزَ بِهَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ " .
أولاً : عهد أبي البشر والناس أجمعين آدم؛ عليه السلام .
قال صاحب الفتح : ذَكَرَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ " آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَابَ، تَأَخَّرَ قَبُولُ تَوْبَتِهِ مِمَّا بَقِيَ فِي جَسَدِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَكْلَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا صَفَا جَسَدُهُ مِنْهَا تِيبَ عَلَيْهِ، فَفُرِضَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ صِيَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا " .
قلتُ(الرمادي) : وأظن أنَّ هذا القول ينسب إلى أَبي الْخَيْرِ الطَّالِقَانِيُّ نقلاً من كِتَابِهِ " حَظَائِرُ الْقُدُسِ " .
وعقب صاحب الفتح بقوله :" وَهَذَا - الإدعاء - يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ السَّنَدِ فِيهِ إِلَى مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَيْهَاتَ وِجْدَانُ ذَلِكَ "، وبالتالي تسقط هذه الرواية ولا يعتمد عليها ولا يحتج بها .
قلتُ :" وإذا لم تصح هذه الرواية ولا يجوز الإعتماد عليها غير أننا نجد عند القرطبي في جامعه :" ما روي عن مجاهد بن جبر المفسر التابعي المعروف وأحد النجباء من تلاميذ ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن الله عز وجل كتب صوم رمضان على كل أمة " . [(8)]
قلتُ : إذا اعتمدنا قول التابعي الجليل؛ تلميذ ابن عباس فيمكننا القول بأن كل أمة من الأمم السابقة قد أوجب الله تعالى عليها الصيام دون إستثناء، لكن ينقصنا الدليل والسند لتثبيت هذا الرأي، هذه واحدة، أما الثانية فإنه يفهم من قوله تعالى : " من قبلكم "، أي كل مَن جاء قبلنا، و " من " هنا للبيان . والله أعلم .
ثانياً : نوح عليه السلام؛ أو كما يسميه البعض آدم الثاني .
د. محمد إبراهيم الشريف في بحثٍ له تحت عنوان : " الصيام في الأمم السابقة " قال :" ويُرجع أهل التاريخ بداية تشريع هذه الفريضة - الصيام - إلى عهد نوح النبي عليه السلام؛ فيقولون إنه - أي النبي نوح - أول من صام رمضان لما خرج عليه السلام من السفينة "، ثم يعقب د. الشريف بالقول :" ومن المرجح أن فريضة الصيام قد عرفت قبل هذا التاريخ، ومعلوم أنه كان قبل نوح عليه السلام أمم وأجيال شغلت الزمان منذ نبي الله آدم عليه السلام" .
وهنا تعوزنا الأدلة المسندة لنثبت أن قبل زمن نوح عليه السلام صام الناس .
قالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ محمد عبده: " أَبْهَمَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا " .
قلتُ : وقد صدق الإستاذ الإمام فيما قاله لحكمةٍ يعلمها سبحانه وتعالى، نسعى أن نتبينها .
ثم يقول د. الشريف :" من الملاحظ أن آية سورة البقرة - آية 183 - لم تُشر في وضوح إلى كيفية صيام الأمم السابقة، أو مقدار هذا الصوم وزمانه، وإن كانت قد أشارت في إجمال إلى فرض الله له على السابقين، وقد فرض الله على الأمة الإسلامية على نحو من فرضيته له على مَن سبقها من الأمم " .
قلتُ : وما قاله فضيلة الدكتور الشريف إضافة هامة إلى قول الإمام محمد عبده، وهكذا لا يدل ظاهر الآية القرآنية على أكثر من فريضة الصيام ووجوبه؛ إذ ليس شيء في ألفاظ الوجوب أصرح من قول الله تعالى : " كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ " [البقرة : 183] .
فقد كان الصوم مكتوبًا ومفروضًا عليهم، ومثل كتابته وفريضته عليهم كُتِب وفُرِض على المسلمين .
بيد أن الأستاذ الإمام تعرض لأمم سابقة .
ثالثاً : مصر القديمة واليونان والرومانيون و وثنيو الهند :
عقبَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ محمد عبده بعد جملته السابقة بالقول : " وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الصَّوْمَ مَشْرُوعٌ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ حَتَّى الْوَثَنِيَّةِ، فَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ قُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ فِي أَيَّامِ وَثَنِيَّتِهِمْ، وَانْتَقَلَ مِنْهُمْ إِلَى الْيُونَانِ فَكَانُوا يَفْرِضُونَهُ لَا سِيَّمَا عَلَى النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ الرُّومَانِيُّونَ كَانُوا يُعْنَوْنَ بِالصِّيَامِ، وَلَا يَزَالُ وَثَنِيُّو الْهِنْدِ وَغَيْرُهُمْ يَصُومُونَ إِلَى الْآنِ " .
وينقل الشيخ محمد رشيد رضا - تلميذ الأستاذ الإمام - فكتبَ :" قَالَ شَيْخُنَا - الأستاذ الإمام محمد عبده : إِنَّ الْوَثَنِيِّينَ كَانُوا يَصُومُونَ لِتَسْكِينِ غَضَبِ آلِهَتِهِمْ إِذَا عَمِلُوا مَا يُغْضِبُهَا، أَوْ لِإِرْضَائِهَا وَاسْتِمَالَتِهَا إِلَى مُسَاعَدَتِهِمْ فِي بَعْضِ الشُّئُونِ وَالْأَغْرَاضِ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ إِرْضَاءَ الْآلِهَةِ وَالتَّزَلُّفَ إِلَيْهَا يَكُونُ بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ وَإِمَاتَةِ حُظُوظِ الْجَسَدِ، وَانْتَشَرَ هَذَا الِاعْتِقَادُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ إِنَّمَا فُرِضَ؛ لِأَنَّهُ يُعِدُّنَا لِلسَّعَادَةِ بِالتَّقْوَى، وَأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنَّا وَعَنْ عَمَلِنَا، وَمَا كَتَبَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ إِلَّا لِمَنْفَعَتِنَا " .
قال صاحب المنار : " وَقَدْ كُتِبَ عَلَى أَهْلِ الْمِلَلِ السَّابِقَةِ فَكَانَ رُكْنًا مَنْ كُلِّ دِينٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْعِبَادَاتِ وَأَعْظَمِ ذَرَائِعِ التَّهْذِيبِ، وَفِي إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَنَا بِأَنَّهُ فَرَضَهُ عَلَيْنَا كَمَا فَرَضَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا إِشْعَارٌ بِوَحْدَةِ الدِّينِ أُصُولِهِ وَمَقْصِدِهِ، وَتَأْكِيدٌ لِأَمْرِ هَذِهِ الْفَرْضِيَّةِ وَتَرْغِيبٌ فِيهَا " .
قال الرازي : " اللَّهُ تَعَالَى فَرَضَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى " .
رابعاً : اليهود
القرطبي حدد أن المقصود من الآية :" هُمُ الْيَهُودُ "؛ والإمامُ ابن عاشور تبنى قولاً واحداً؛ إذ يقول :" وَالْمُرَادُ بِـ : " الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " مَنْ كَانَ قَبْلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّرَائِعِ، وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ - أَعْنِي والقول للإمام ابن عاشور: الْيَهُودَ - لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُهُمُ الْمُخَاطَبُونَ وَيَعْرِفُونَ ظَاهِرَ شِئُونِهِمْ وَكَانُوا عَلَى اخْتِلَاطٍ بِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ " .
قال صاحب المنار : " وَلَيْسَ فِي أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّةِ الصِّيَامِ، وَإِنَّمَا فِيهَا مَدْحُهُ وَمَدْحُ الصَّائِمِينَ، وَثَبَتَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ كَانَ مَعْرُوفًا مَشْرُوعًا وَمَعْدُودًا مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْيَهُودُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ يَصُومُونَ أُسْبُوعًا تِذْكَارًا لِخَرَابِ أُورْشَلِيمَ وَأَخْذِهَا، وَيَصُومُونَ يَوْمًا مِنْ شَهْرِ آبَ [ أغسطس ] " .
ثم يقول صاحب المنار : " وَيُنْقَلُ أَنَّ التَّوْرَاةَ فَرَضَتْ عَلَيْهِمْ صَوْمَ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِعِ وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَهُ بِلَيْلَتِهِ وَلَعَلَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهُ عَاشُورَاءَ، وَلَهُمْ أَيَّامٌ أُخَرُ يَصُومُونَهَا نَهَارًا " .
خامساً : النَّصَارَى
الإمام الطبري؛ شيخ المفسرين ذكر في موسوعته التفسيرية: قَالَ بَعْضُهُمُ : الَّذِينَ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَنِ الصَّوْمِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْنَا، أَنَّهُ كَمَثَلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ، هُمُ النَّصَارَى " . ثم أورد ذِكْرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
قال ابن العربي في أحكام القرآن في تأويل قَوْله تَعَالَى : " كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ "؛ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
قِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ،
وَقِيلَ : هُمْ النَّصَارَى.
وَقِيلَ : هُمْ جَمِيعُ النَّاسِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ - عند ابن العربي - سَاقِطٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ الصَّوْمُ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا بِإِمْسَاكِ اللِّسَانِ عَنْ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِنَا؛ فَصَارَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ رَاجِعًا إلَى النَّصَارَى لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ الْأَدْنَوْنَ إلَيْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ الصَّوْمَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَانَ إذَا نَامَ الرَّجُلُ لَمْ يُفْطِرْ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِصَوْمِهِمْ .
صاحب المنار يقول - ووافقه في الرأي ابن عاشور - :" وَأَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي أَنَاجِيلِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ نَصٌّ فِي فَرِيضَةِ الصَّوْمِ، وَإِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُهُ وَمَدْحُهُ وَاعْتِبَارُهُ عِبَادَةً كَالنَّهْيِ عَنِ الرِّيَاءِ وَإِظْهَارِ الْكَآبَةِ فِيهِ، بَلْ تَأْمُرُ الصَّائِمَ بِدَهْنِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الْوَجْهِ حَتَّى لَا تَظْهَرَ عَلَيْهِ أَمَارَةُ الصِّيَامِ فَيَكُونُ مُرَائِيًا كَالْفُرِيسِيِّينَ، وَأَشْهَرُ صَوْمِهِمْ وَأَقْدَمُهُ الصَّوْمُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ، وَهُوَ الَّذِي صَامَهُ مُوسَى وَكَانَ يَصُومُهُ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَالْحَوَارِيُّونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ وَضَعَ رُؤَسَاءُ الْكَنِيسَةِ ضُرُوبًا أُخْرَى مِنَ الصِّيَامِ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَالطَّوَائِفِ، وَمِنْهَا صَوْمٌ عَنِ اللَّحْمِ؛ وَصَوْمٌ عَنِ السَّمَكِ؛ وَصَوْمٌ عَنِ الْبَيْضِ وَاللَّبَنِ، وَكَانَ الصَّوْمُ الْمَشْرُوعُ عِنْدَ الْأَوَّلِينَ مِنْهُمْ - كَــ صَوْمِ الْيَهُودِ- يَأْكُلُونَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَغَيَّرُوهُ وَصَارُوا يَصُومُونَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَلَا نُطِيلُ - يقول الشيخ محمد رشيد رضا نقلا من المنار - فِي تَفْصِيلِ صِيَامِهِمْ، بَلْ نَكْتَفِي بِهَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ "، أَيْ فُرِضِ عَلَيْكُمْ كَمَا فُرِضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ قَبْلِكُمْ. فَهُوَ تَشْبِيهُ الْفَرْضِيَّةِ بِالْفَرْضِيَّةِ وَلَا تَدْخُلُ فِيهِ صِفَتُهُ وَلَا عِدَّةُ أَيَّامِهِ، وَفِي قِصَّتَيْ زَكَرِيَّا وَمَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يَصُومُونَ عَنِ الْكَلَامِ؛ أَيْ : مَعَ الصِّيَامِ عَنْ شَهَوَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ " .
وابن عاشور وافق الشيخ رشيد في قوله فكتبَ يقول : " أَمَّا النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي شَرِيعَتِهِمْ نَصٌّ عَلَى تَشْرِيعِ صَوْمٍ زَائِدٍ عَلَى مَا فِي التَّوْرَاةِ فَكَانُوا يَتَّبِعُونَ صَوْمَ الْيَهُودِ " .
قلتُ : لم يوثق لنا الأستاذ الإمام؛ شيخ الإسلام أو تلميذه الشيخ الجليل محمد رشيد رضا؛ وأيضا فضيلة الشيخ الموقر ابن عاشور؛ السادة العلماء أصحاب القدم الراسخة في التأويل؛ أقول : لم يوثق أي منهم ما لخصه لنا من الكتاب المقدس؛ العهد العتيق، فلم يذكر أي منهم اسم الكتاب أو الإصحاح أو الإنجيل أو رقم الآية أو الفقرة؛ مع علمي بأن فضيلة الشيخ رشيد والشيخ ابن عاشور في مواضع آخرى من تفسيرهما ذكرا - جزاهما الله عنا كل الخير - اسم الإصحاح ورقم الآية عند الإستدلال . [ قلت(الرمادي): راجع : الرساله الي أهل روميه 14 / الاصحاح الرابع عشر / العهد الجديد، والرساله الي اهل كولوسي / الاصحاح الثاني / العهد الجديد ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالُوا : " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى "، ثُمَّ إِنَّ رُهْبَانَهُمْ شَرَعُوا صَوْمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا اقْتِدَاءً بِالْمَسِيحِ، إِذْ صَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَبْلَ بَعْثَتِهِ، وَيُشْرَعُ عِنْدَهُمْ نَذْرُ الصَّوْمِ عِنْدَ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي صِفَةِ الصَّوْمِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ تَرْكُ الْأَقْوَاتِ الْقَوِيَّةِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، أَوْ هُوَ تَنَاوُلُ طَعَامٍ وَاحِدٍ فِي الْيَوْمِ يَجُوزُ أَنْ تَلْحَقَهُ أَكْلَةٌ خَفِيفَةٌ " .
سادساً :
جَمِيعُ النَّاسِ .
قال الطبري : " وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ ذَلِكَ كَانَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ " . وهذا ما قال به ابن العربي في أحكام القرآن .
خلاصة البحث :
ونميلُ إلى ما قاله الطبري؛ إذ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَ أَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْآيَةِ :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا فُرِضَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ،" أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ "، وَهِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهُ. لِأَنَّ مَنْ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَأْمُورًا بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَانَ جَعْلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسَلِّمَةَ، فَأَمْرَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَثَلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مَنْ قَبِلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .
قلتُ ؛ الرمادي : تتبقى مسألة :" مَاهِيَّةِ الصِّيَامِ وَكَيْفِيَّتِه " .
*****
ويختص الصيام من بين الفرائض والشعائر الدينية المتعبَّد بها بشرف إضافته إلى الله تعالى، ونسبته إليه، وتفرده بعلم مقدار ثوابه وعظم فضله؛ لبعده عن الرياء والشهرة وخفائه عن الناس، وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، التي ذكرها الأئمة ومنها ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل قال : " يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، " إنما يترك طعامه وشرابه من أجلي فصيامه له وأنا أجزي به كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ". [(9)] ، وقال أبو هريرة :" كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام هو لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، إذا كان يوم صيام أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم. والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك؛ للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه عز وجل فرح بصومه " [(10)] ، وإنما خص الصوم بذلك وإن كانت العبادات كلها لله سبحانه وتعالى، لما أشرنا إليه من مباينة الصوم سائر العبادات والشعائر في كونه سرًّا بين العبد وربه، لا يظهر إلا له فكان لخفائه عن الناس بعيدًا عن شبهة الرياء والسمعة، فاستحق بإخلاص صاحبه لله اختصاصَه به، وإضافته إليه دون سائر العبادات .
يقول ابن عاشور : " فَحَصَلَ فِي صِيَامِ الْإِسْلَامِ مَا يُخَالِفُ صِيَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُيُودِ مَاهِيَّةِ الصِّيَامِ وَكَيْفِيَّتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ صِيَامُنَا مُمَاثِلًا لِصِيَامِهِمْ تَمَامَ الْمُمَاثَلَةِ " .
ونميلُ لقول ابن عاشور؛ ثم نقول بما أثبته مولانا سبحانه وتعالى: إذ قال مَن تعالى في سماه وتقدست اسماه :" لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " [(11)] .

[(*)] يتبع بإذنه تعالى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والمراجع :
[(1)] جاء عند السلمي في شرحه على رسالة العبودية لابن تيمية:" إذا تتبعت كتب المعاجم ستجد أن العبادة تأتي لخمسة معان: الأول والثاني: الخضوع والذل، ولهذا تقول العرب: هو طريق معبد أي: ذللته الأقدام بالسير. والثالث: الطاعة، والرابع: التمليك، تقول العرب: أعبدني هذا: أي: ملكنيه. والخامس: التنسك، فهذه خمسة معان تأتي العبادة بها في اللغة.
قال الحكمي: ١.] » الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعُ لِكُلِ مَا يَرْضَى الْإِلَهُ السَّامِعُ «. [راجع بحوث العقيدة؛ كتاب:" معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول؛ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ، صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ؛ المؤلف: " حافِظُ بنُ أَحْمَدِ الْحَكَمِي".
ثم يكمل السلمي القول فينقل عن ابن تيمية تعريفه : ٢.] العبادة » هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة «، وعرفها غيره بتعريف آخر، فيقول أبو البقاء الكفوي في كتابه (الكليات) في تعريف العبادة: » هي فعل ما يرضي الرب « ؛ وعرفها غيره فقال: ٣.] » العبادة هي عبارة عن الاعتقاد؛ والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد فهو عبادة «. (انظر السلمي؛ شرح رسالة العبودية لابن تيمية؛ ص8).
وعرفها ابن القيم بأنها: : ٤.] » كمال المحبة مع كمال الذل «.
وقال في النونية:
وعبادة الرحمن غاية حبه * مع ذل عابده هما قطبان
وعرفها الشيخ ابن سعدي بعدة تعريفات منها قوله:
٥.] » العبادة روحُها وحقيقتُها تحقيقُ الحبِّ والخضوع لله؛ فالحب التام والخضوع الكامل لله هو حقيقة العبادة، فمتى خلت العبادة من هذين الأمرين أو من أحدهما - فليست عبادة؛ فإن حقيقتها الذل والانكسار لله، ولا يكون ذلك إلا مع محبته المحبة التامة التي تتبعها المحاب كلها «.
وعرفها بتعريف ثانٍ فقال : ٦.] » العبادة والعبودية لله اسم جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من العقائد، وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، فكل ما يقرب إلى الله من الأفعال، والتروك فهو عبادة، ولهذا كان تارك المعصية لله متعبداً متقرباً إلى ربه بذلك «. ومما ينبغي التنبيه عليه أن العبادة تطلق إطلاقين:
١.] - الفعل الذي هو التَّعَبُّد.
٢.] - المفعول وهو المُتَعَبَّدُ به أو القربة. كما أن البعض اعتبر أن الإخلاص والتوكل على الله من العبادات القلبية"وهناك عبادةلقولية كقراءة القرآن.
[(2)] عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ : لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنِ الطُّورِ فَقَالَ: " مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟". قَالَ: " مِنَ الطُّورِ؛ صَلَّيْتُ فِيهِ ". قَالَ: " لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْتَحِلَ مَا ارْتَحَلْتُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ يَقُولُ: » لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَمَسْجِدِي هَذَا؛ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى «. [التخريج: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ].
[(3)] أركان الإسلام : هي القواعد والأُسس الرئيسيّة التي يقوم عليها الإسلام؛ ولا يستقيم دونها؛ أو بفقدان أحدها.
[(4)] نص الآية القرآنية من سورة البقرة؛ وهي مدنية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [ ١٨٣ ].
[(5)] نص الآية القرآنية من سورة البقرة: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [١٨٧]
[(6)] نص الآية القرآنية يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[١٨٦]. يكاد يكون هذا النص خارج على سياق وحدة موضع الصيام؛ إذ أن الحديث هنا عن عبادة آخرى وهي عبادة „الدعاء” وأن يسأل العبد خالقه ورازقه الوهاب المعطي؛ الله سبحانه وتعالى من فضله، أو يرجوه شفاءه من مرض؛ أو رفع/تخفيف مصيبة ألمت به.
[(7)] آية رقم [١٨٣] من السورة التي يذكر فيها البقرة؛ وترقيمها [2].
[(8)] راجع "الجامع لأحكام القرآن" القرطبي 2/ 274 ، 290 دار الكتاب العربي 1387هـ - 1967م .
[(9)] رواه: أبو هريرة ـ وصححه أحمد شاكر في مسند أحمد : 13/239 درجة الحديث: صحيح .
[(10)] صححه الألباني في : صحيح النسائي : 2215 درجة الحديث : قال الألباني : إسناده صحيح .
[(11)] تمام الآية : « وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ » [ آية 48؛ المائدة؛ سورة 5 ]
****
[(*)] ثبت بالمراجع : .
[.1. ] الطبري؛ محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المشهور بــ تفسير الطبري، دار المعارف، دون ذكر سنة النشر .
[2 . ] رضا؛ محمد رشيد، تفسير المنار، الهيئة المصرية للكتاب، دون ذكر سنة النشر .
[3 . ] ابن عاشور؛ محمد الطاهر؛ " تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد " واختصر هذا الاسم باسم " التحرير والتنوير من التفسير "؛ دار سحنون، دون ذكر سنة النشر .
[4. ] الرازي؛ الإمام فخر الدين؛ أبو عبدالله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل، التفسير الكبير؛ مفاتيح الغيب، طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، 2004م – 1425هـ .
[5. ] القرطبي؛ أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن؛ المشهور بــ " تفسير القرطبي "، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، 1413هـ ~ 1993م
[6 . ] ابن العربي؛ محمد بن عبدالله الأندلسي؛ أحكام القرآن لابن العربي، دار الكتب العلمية، دون ذكر سنة النشر، الطبعة الأولى .


سلسلة بحوث
﴿ سنن الأنبياء؛ وسبل العلماء؛ وبساتين البلغاء؛ والأعجاز العلمي عند الحكماء في تأويل آيات الذكر الحكيم المنزل من السماء ﴾
„ أبحاث تمهيدية لمستقبل أمة غائبة ‟

: د. فَخْرُ الدينِ مُحَمَّدُ الرَّمَادِيُّ من ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِـ مِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ
-حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى -
Dr. MUHAMMAD ELRAMADY
ورقاتٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
حُرِّرَ سَنَةَ ١٤٣٨ من الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ؛ يوم ‏الثلاثاء: ٣ رمضان ~ ٣٠ يونيو ٢٠١٧ من سنة الميلاد العجيب
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ!

علبة سردين(!)

1.] يتفاجأ المرء للبون الشاسع بين القيم العليا الرفيعة والتي يُنادى بها فوق منصات المحافل الدولية أو التجمعات الإقليمية أو الهيئات الوطنية يرافق هذا – بالطبع - دروس وعاظ المعابد وعظات رجال الدين الكهنوتي والخطب التقليدية لأئمة المنابر وما يطل علينا من مشايخ القنوات الفضائية الخاصة وبعض وسائل التواصل الإجتماعي المحافظ وبين ما يظهر ويطفو على سطح المجتمع من مساوئ وعورات سواء في الغرب المتحضر المتحرر صاحب التكنولوجيا والتقدم العلمي والتقني ومدعي حرية الرأي ومالك حق التعبير المنادي بديموقراطية النظام والمعلن حكم الشعب بالشعب من خلال نوابه في البرلمان أو ما يقابله على النقيض في الشرق -ما عدا مناطق تصنيع كل شئ وتصدير مايريده الزبون- النقيض في الشرق بما يرزح تحته من وطئة الفقر والجهل والمرض والحروب والنزاعات الطائفية أو العرقية أو المذهبية .
لعلها مفارقة كبرى.. ومخجلة في نفس الوقت بين القول وبين الفعل أو بين ما يسمع وبين ما يرى .. يتبادر إلى الذهن من البعض مقولة : الإنسان "البدائي"(!) وكيف كان يعيش ويتعامل مع الآخر ، وطريقة حياة مَن سكن في العصر الحجري وأدواته وكيف استخدمها ثم تصرفات أهل الزمن الجاهلي..
لكن المتابع والمراقب لما يجري على ارض الواقع لا يجد إختلافا ملحوظاً أو كبيراً بين إنسان من الزمن الغابر وبين إنسان يعيش زمن الإنسان الآلي والمحمول الذكي.. ربما -فقط- في الأدوات وكيفية إستخدامها.. أو الوسائل التي تمكنه من العيش برفاهية .. لكن هذا لم يؤثر مطلقاً في طريقة تفكير الإنسان في العصر الحديث بما يتناسب مع تقدمه العلمي أو التقني .
يظن المرء أن المعبد أو ما يسمى دور العبادة ينبغي أن تلعب دوراً جوهرياً أساسياً تغييراً في حياة الناس بصفة عامة ؛ اضف المؤسسة التعليمية والتربوية والتثقيفية ومؤسسات رعاية الشؤون ... وبالتالي يتم التأثير في/على أخلاق الناس وسلوكهم وتصرفاتهم فترتقي رغباتهم عن حدها الأدنى الوضيع وتنظم علوا وتحضراً شهواتهم عن مستواها الإشباعي الهمجي.. بيد أن الحقيقة مخجلة وغير ذلك تماماً : أخفقت المؤسسة الرسمية ذات الطابع الديني أو التثقيفي التعليمي في تقديم نموذج يحتذى به.. فـ الظاهر الأن على الساحة في الغرب تعالٍ لصوت اليمين المتطرف كـ أحزاب سياسية لها أتباع .. وفي الشرق المتوسطي.. يمين متطرف مِن مَن يحملون الهوية الإسلامية .. وفي الوسط بينهما تجد فوضى فكرية تتبعها فوضى أخلاقية تمارس من خلال السلوك والتصرفات عند الكثير من الشباب .
2.] في جلسة ذكورية (يسميها البعض :"قعدة رجاله" ؛ إذ يقابلها "قعدة ستات") بآحدى التجمعات العربية بالعاصمة المطلة على الدانوب الأزرق.. وفي ليلة باردة ممطرة .. جمعني المكان مع نخبة من أهل الفكر والقلم والعلم... وتحدثنا في موضوعات شتى .. وبالطبع جاء الحديث عن المرأة (الأنثى) وهنا تغيرت النبرات وعلت الأصوات والضحكات من خلال نكات عنهنّ وغمزات بين المتعارفين فيما بينهم حكي عن أحوالهنّ وهمسات بين الأصدقاء تخبر عن تجاربهم معهنّ.. فيزداد علو الصوت بالضحك أو الإستفسار أو الإستهجان أو الإستحسان.. فما كان من آحدهم - طبيب - إلا أنه قال :" تعالوا نتحدث بجدية هل نحن فقط ذكور.. فنطلق العنان لكلمات غير مسؤولة ؛ أم نحن رجال فنتحدث بمعيار "...
فقال الآخر - طبيب ؛ ايضاً - :" أعتقد يا زميلي بعد إسبوع مرهق من العمل نحتاج إلى ساعة ترفيه "... فعاد الصخب وتعالت الأصوات والنكات والمزاح ،
فقال آحدهم - مهندس - :" نعم إرهاق العمل يحتاج منا نحن الرجال إلى مناخ آخر جديد(!) .. غير الروتيني في العمل ... وغير الممل في البيت."..
فنهض رجل أعمال من مقعده متحمساً :" يا جماعة هذا المكان غير صالح للحديث ؛ فلنذهب إلى مكان آخر !؟"...
فقال آخر - أستاذ جامعي - :"خلونا هنا أحسن .. المكان ده مِنّا وعلينا " ..
والحقيقة أن برودة الطقس خارج قاعة التجمع العربي هذا وزخات المطر التي لم تتوقف منذ الظهيرة اغرت الكثير بالبقاء ، فقال البعض :" طيب خلونا هنا !!".
لفيف الأصدقاء .. أو قُل بتعبير أدق المعارف.. فهم جميعاً من الأكاديميين ومنذ سنوات يعيشون في الغرب ويعملون في قطاع الحكومة الفيدرالية أو أعمال حرة .. والحال ميسور لديهم جميعاً .
3.] قنبلة من العيار الثقيل لم تكن نووية أو إنشطارية .. لكنها غبّرت سقف القاعة بالدخان الفكري ؛ إن جاز التعبير ... ألا وهي الحديث عن المرأة .. الأنثى ... عادة إذا كانت الجلسة تحوي رجال فقط ..
وكأن الجلسة صارت خاصة أو يظهر للرائي أنها إجتماع شبه مغلق .. إذ أن الآخر القادم - والذي لا يشبههم أو يقترب منهم في الوظيفة أو العمل أو المنصب أو المستوى الأكاديمي - ؛ والذي يعرف السادة الأساتذة عن بُعد كان ينظر من باب القاعة فيجد هؤلاء السادة أصحاب الياقات البيضاء فيتأخر قليلاً ؛ ثم يغادر المكان .. ظناً منه أنهم يتحدثون في مسألة مصيرية ... أو هكذا يفهم !.
سكت الجميع حين دخل طاهي التجمع ؛ وقال بصوت مهموس ولكنه مسموع :" البهوات يحتاجوا بالأكيد عشاء ... عايزين تأكلوا.- إن شاالله - آيه!!؟.
نظر بعضهم لبعض ..." عشاء ".. أم " قهوة.. وشاي ".. وبعض " الحلويات " (!!)
فبادرهم كبيرهم سناً :"أنا ياجماعة .. لا أتعشى هكذا متأخراً " ؛
فرد زميله وهو قريب منه في العمر ... :"خليها الليلة دي دون النظام المعتاد(!) ".. وضحك ضحكة خبيثة ؛ ثم اردف قائلاً :" الحكومة - بتاعتك - موش راح تشم فمك الليلة دي (!)؛ علبال ما تروّح تجدها في سابع نومة " فضحك الجميع غمزاً ولمزاً.
فقال رجل الأعمال وبيده سيجار لم يشتعل بعد ؛ إذ غير مسموح التدخين وتناول المشروبات الروحية بهذا التجمع العربي ؛ وإن كنا في أفضل موضع لصناعة النبيذ الجيد :" إذاً .. عشاء من النوع الثقيل!؟"... آيش عندك !؟ ؛ ؛ موجهاً حديثه للطاهي ؛
فرد مبتسماً فرحاً :" إللي الباشاوات يحبوه(!) إحنا عندنا كله(!) "...:" ياكتور أحنا بتوع كله!!".. ثم اردف - فاتحاً للسادة الشهية ، وله محفظة نقودهم - قائلاً :" عندي بط محمر ... ومحاشي .. و.. "...
فقال آخر :" وآيه تاني.. كمان !؟" ..
:" فيه سمك !؟؟" ..
" بس هو ده إللي عاوزينه ... سمك ؛ ورز صيَّدية بالطحينة وجمبري " ..
" الله !!" . . يعني " أكلة إسكندرانيه" ...
فقال الطبيب الأول للطاهي :" توكَّل (!) .. معلناً أن المطلوب أكلة سمك " .
عاد الهدوء مرة ثانية للقاعة فهم قد تمركزوا في وسطها .. وكأن الجلسة خاصة .
علا صوت أحدهم بالقول :"أحنا وقفنا فين!؟" ..
فرد آخر :"بيقولوا السنة دي .. سنة النسوان في مصر !" وضحكَ ؛
فصحح آحدهم القول :" يادكتور .. اسمه : عام المرأة!! "...
فتعال الصوت بالضحك ؛
فاردف الجالس على طرف الجلسة :"إنتم سمعتم امبارح في الصلاة بتاعة الجمعة في الدرس إللي قبلها .. بيشرح الشيخ :" ما هو الفارق بين الإسلام والإستسلام " ... مبتسماً ؛ ثم قال :"ده الشيخ ده ... بيقول الواحد مننا لازم ... ".
فأخذ أحدهم طرف خيط الحديث بصوت مرتفع :" عام المرأة ٢٠١٧ " ... طيب العام الفائت ٢٠١٦ كان عام الشباب ... ماذا قدمت الدولة أو الحكومة أو المؤسسات لشباب دولة 65% من سكانها شباب ...
فلضم آخر طرف الخيط قائلا :"خلي بالك ... الحديث هنا عن شبه دولة .. شبه حكومة تقوم برعاية شؤون شعب زي الأنارب " ..
" استنى شوية بس ... يا باشمهندس .. احنا بنتحدث عن رجل تولى زمام دولة .. "مصر " .. وهو إما قادر على أن يقوم بدوره .. أو يخلع منها ". ...
" يا جماعة .. ده فيه فساد و... "
" يافضيلة الشيخ .. الدنيا كلها فيها فساد .. في تركيا أردوغان... وكمان في أوربا وأمريكا .. بس هنا فيه قانون "...
" يا ناس خلونا في موضوع النسوان ... آيه حكاية ... سنتها (السودا؛ أقصد الوردي الفلْلَلِي... الحمرا ) دي (!!)"...
دخل الطاهي بمقبلات لفتح شهية السادة ...
فخلع أحدهم الجاكت وقال :" نستعد بقى .. أكلة سمك بلطي مشوي ... وجمبري وكابوريا ..." ..
" ولا ليلة من لياليكِ يا إسكندرية "..
فرد الآخر :" ياراجل..! اسمهان بتقول : ليالي الأنس في فيينا ".
فقال ثالث:" أحنا فين وفيينا فين !"...

لحظة هدوء لترتيب المقاعد والسفرة .. ومَن يجلس بجوار مَن!؟
فجاءت قنبلة آخرى من طرف المائدة ... إذ قال آحدهم :"على فكرة النسوان دول .. إما بلطية .. وإما واحدة في علبة سردين " ..
فجاوبه زميله :" صحيح كلامك.. أحياناً يحتاج الراجل منا لواحدة من صفيحة سردين .. كي تنفتح نفْسُه !!؟... يخرب بيت شيطانك !!!.
سكت الجميع وبدأوا في تناول العشاء .. فقد تأرجحت عقارب الساعة بين العاشرة والنصف مساءً والحادية عشر..
ثم قال مدرس الجامعة :" آيه رأيكم اسمعكم أم كلثوم .. عشان يبقى عشاء شرقي بالكامل ..!. ولا عاوزينه عشاء راقص شرقي ...(!)
فماذا كان هذا العشاء (!؟).... ياترى !!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل من رواية :« الرجل المشرقي »
**

» مَن تَمَصِّر تَبَصَّر «
حكمة شائعة عند العلماء(!)

٨. ٤..: مِصر تقود القاطرة :
مكونات « الشخصية الـ„ـــمِصرية‟ » (*):
» ١ .« " إنسانٌ مؤمنٌ(**)"...
» ١. ١. « عبر التاريخ الطويل ارتبط الإنسان المصري بالسماء ؛ فـ أمن بالغيب ؛ وبرزت فكرة الآخرة والبعث ، واجتهد في الحياة الدنيا مستعداً لذلك اليوم ؛ فـ تركز عنده مفهوم العدالة بآثارها الممتدة دنيا وآخرة ؛ فـ أثرَ الدينُ تأثيراً عميقاً في وجدانه ؛ ويلاحظ هذا في كل موقف : كـ مجئ فيضان النيل ؛ وإنحسار المياه عن الأرض للزراعة ؛ وفي جني المحاصيل... هذا جانب و هناك جوانب عدة كـ علاقات العبد بالرب أو علاقة الإنسان بنفسه -الأخلاق ؛ والتصرفات الشخصية- أو بالآخر إجتماعياً -سواء الذي يوافقه في مبدأ أو فكره أو يخالفه ويعارضه- أو علاقة الإنسان بالغيبيات كما يدعي البعض -جهلاً- علاقة الإنسي بالجني..، وما إلى ذلك.. مما دعى أهل الفكر الصحيح والذين يملكون وعياً مستنيراً إلى تصحيح إعوجاج تديني قد يأتيه في إيمانه وكيفية تعبده... فمنذ جذور التاريخ بنى المعابد وشيّد الكنائس ؛ ورفع مآذن المساجد... توجه إلى السماء في كل أطوار تاريخه ومراحل حياته... فـ رصد مجموعات الشمس والأجرام الفلكية ومجموعات النجوم ؛ وقسم السنة بناءً على ذلك وضبط عليها مواعيد الزراعة والحصاد...أو إعوجاج في التصرفات والأفعال.
ـــــــــــــــــــــــــــ
(*) لسرعة جريان أحداث على الساحة الإقليمية والعالمية ترتبط عضوياً بالمنطقة العربية بصفة خاصة والمسلمين عامة من حيث سلوكهم وفهم للحياة وتعاملهم مع الآخر [وليس الإسلام ؛ إذ أنه طراز خاص من العيش ؛ وطريقة معينة في الحياة ؛ ونموذج معتبر صالح لكل زمان ومكان ؛ بيد أن مسلم "موديل" 2017 أفشل النظرية لعدم قدرته على فهمها فهما مستنيرا عميقاً ؛ وعدم قدرته على إنزالها عملياً في الواقع المعاش وسط بقية المبادئ السائدة وبين الأفكار المتواجدة واحتكاكاً بـ المفاهيم المسيطرة ومصارعة فكرية مع القناعات المهيمنة على الفكر الإنساني الحالي وبالتالي السلوك الفردي والجماعي] ... أقول : كاتب هذه السطور : بصفة عامة توقفتُ عن إكمال سلسلة مقالات « مصر تقود القاطرة ».. فـ اعتذر أمام القارئـ(ـة) واستسمح إدارة الموقع بنشر البقية.
(**) لعل الدقة في إستخدام لفظ إنسان «مؤمن» بدلا من التعبير الشائع إنسان «متدين» فهي الأنسب هنا.. فالإيمان يدعو ويلح على صاحبه بتصرف ما تجاه موقف أو حادثة ، أما التدين فـ حالة نفسية داخلية مشاعرية كهنوتية تستغرق لحظات خلال ساعات النهار تنتهي بمجرد إنتهاء الحدث أو الموقف أو الوعظ.. عليك أن تتابع الواعظ أو المرشد وما يقوله إثناء خطبته في أماكن العبادة من إثارة المشاعر وابتزاز العواطف وتهيج الخواطر... وقارنه مع مَن يشحذ القوى العاقلة عند الإنسان يخاطب حواسه بالبرهان ؛ فيخاطب العقل ويوقظ الضمير والوجدان . لذا تجد الفشل الذريع لـ اسلوب الوعظ والإرشاد على طول وعرض البلاد .. ونجاح طريقة مخاطبة ما يحتاجه الفرد وفق معايير مدروسة.. فنجح وعاظ السلطان في إثارة الهمة لقتال مَن يخالف النظام أو يعادي المبدأ (مثال : أفراد من القاعدة) أو جلب اهتمام شباب فارغ من علم ويملك عقلا ضائعا بين مستجدات طريق الحياة فيوعده بـ (صك الغفران ؛ والحور العين) وبما لا عين رأت ولا سمعت اذن ولا خطر على قلب بشر (فرق الدواعش) ... ملازمة لذلك كله غياب تام للمؤسسة الدينية وضعف اداءها. وتفاهة مايقدم من مناهج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

» ١. ٢ «. تكلم حمدان عن خصائص الشخصية المِصرية: ولعل هناك شبه اتفاق على بعض خصائص اساسية ؛ تعد اركان أو أقطاب تلك الشخصية:
أولها دائماً :"التدين"(**) ؛ و
ثانيها حتماً : المحافظة ؛ و
ثالثها باستمرار :"الاعتدال"...
ثم يبدء حمدان في بلورة فكرته بالقول فــ :[" التدين" : سمةٌ مصريةٌ اصيلة ؛ وقديمة قدم الأديان ، ولعلها هي التي منحت المصري قوة داخلية ؛ ومقاومة خارجية وصلابة غير عادية ضد الكثير من الأخطار والمحن والمآسي التي تعرض لها عبر التاريخ ؛ سياسةٍ كانت أو اجتماعية... خارجية أو داخلية" ] {شخصية مِصر : دراسة في عبقرية المكان: 4 / 524 }..
أرضُ مِصرَ ظلت مسرحاً للأحداث المذكورة في التوراة والإنجيل والقرآن ؛ إذ هي -مِصر- بؤرة الأحداث المذكورة في الكتب السماوية ؛ يقول حمدان :[ " مِصر مذكورة في الكتب السماوية الثلاثة ذكراً متوتراً إلى أقصى حد ، بحيث تؤلف جزءاً اساسياً من جغرافية(*) الأديان الثلاثة ؛ ومفتاحاً لتاريخها... بل إن مِصر ونيلها وفرعونها ومدائنها وخزائنها هي البلد الوحيد المذكور بالاسم والتضمين مراراً في القرآن... فإن مِصر لعبت في مراحل الدعوة إلى ثلاثتها دوراً أو آخر... فكانت لـ موسى قاعدة ومنطلقاً؛ ولـ عيسى ملجأ وملاذاً... بينما مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هدية ونسباً... وفي كل الأحوال فإن مِصر تبقى بطبيعة الحال مسرحاً اساسياً لكل الأديان والرسالات ومعظم الأنبياء والمرسلين] {شخصية مِصر : دراسة في عبقرية المكان : 4 / 413 و 414 }.
فيمكننا القول أن هذا الحضور الإبتعاثي الرسولي السماوي الملآكي يتجلى في مختلف مظاهر حياة الإنسان المِصري في العمارة والفنون والكتابة والحرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يصلح لمن يريد متابعة البحث والقراءة .. الإطلاع على مجموعة د. شوقي أبو خليل :
(1) أطلس القرآن -الكريم- : أماكن ؛ أقوام ؛ أعلام ،
(2) أطلس السيرة النبوية ،
(3) أطلس الحديث النبوي -الشريف- من الكتب الصِحاح السِّتة : أماكن ؛ أقوام . هذا من حيث رسالة الإسلام.
وكاتب هذه السطور يجهل ؛ كما لم ابحث عن وجود أطلس –كامل مطبوع- للـ رسالتين الإثنتين اللتين سبقتا رسالة الإسلام [اليهودية ، والنصرانية (المسيحية)] .. فالرجاء مَن لديه معلومة يكون الشكر له موصول والفضل بإرسالها لموقع استرو عرب نيوز. والكاتب قدم بحثاً متواضعاً عن الأماكن التي مرت عليها العائلة المقدسة ... ويحتاج لمزيد مخطوطات وتوثيق.
ــــــــــــــــــــــ
» ١. ٣. «: نلاحظ وجود أوقات عصيبة على وجدان الإنسان المِصري : من ضنك العيش ؛ وضيق أحوال معيشية ؛ وشدة وطأة أحداث سياسية أو إجتماعية ؛ وقلة أرزاق.. يفرز هذه كله منظومة من القيم المختلة حافلة بالتدافع وتستحضر الأنفس الشح والمنازعة فيضيق صدره ؛ فيرصد البعض أنماطاً إجتماعية أو سلوكيات لا تتسق أو تتفق مع قيمة الإيمان ودرجة صحة التدين في المجتمع المِصري ولا تتوافق مع الشخصية المِصرية.. ورصدت عدة مشاهد من مظاهر ادعاء التدين من خلال محاور ؛ منها :
» أ. « الجنوح بالتدين إلى الخرافة واللامعقولية والشعوذة والدجل ،
» ب. « التكسب بالتدين والإرتزاق به ،
» ج. « استغلال الدين في تحقيق أهواء ومآرب خاصة ؛
» د. « استيراد أنماط غريبة عن عموم افراد المجتمع
» هـ. «.إسقاط نظريات شاذة أو صلحت لزمنها على الواقع الحالي دون فهم أو إدراك ..
ولكل من هذه المحاور صور كثيرة وإنماط متعددة..
» ١. ٤. « الإيمان الواعي العميق برب العالمين ، والعمران المتأصل داخل أعماق الوجدان المصري يدفعاه إلى إزالة التراكمات الغريبة عن فكره والشوائب ؛ ويعيدا انبعاث همته من جديد.

المكون الثاني في شخصية المصري: » ٢. « اتساع الأفق "
مركزية المنطقة:"
حسين مؤنس يقول: [يكفي أن نذكر في هذا المقام ركب الحجاج المعروف بالركب المغربي ؛ الذي كان يخرج من فاس ومراكش للحج... ويلم بمصر شهوراً طوالاً في الغدو والرواح ؛ فقد كانت القافلة تصل في بعض الأحيان إلى الخمسين ألف [ ٠٠٠, ٥٠ ] إنسان ] ؛ ثم يكمل د. مؤنس الحديث فيقول: [.. وتصور أنت ما يمكن أن يكون مِن الأثر لـ خمسين الف إنسان يتنقلون كل عام من المغرب إلى مصر فالحجاز.. ومن الحجاز إلى مصر فمراكش] {مصر ورسالتها ؛ ص : 40 ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب ؛ القاهرة ؛ 1998م}... ثم يأتي حمدان فيكمل أضواء الصورة فيقول : [غير أن الحج -لا شك- خير ما يلخص لنا كل علاقات هذا المحور ؛ وكان طريق الحج رافداً سنوياً أو دائماً يصب مؤثراته بهدوء في مصر] {شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان ؛ 4 / 426 ؛ دارالهلال ؛ مصر ؛ 1995م} ...
جاء الوافدون من المغرب العربي ؛ أو القرن الأفريقي أو السودان أو اقاليم التكرور الواسعة التي تغطي غرب السودان وتشاد والنيجر ومالي إلى نيجيريا والسنغال ؛ إلى غير ذلك من المناطق الشاسعة في العمق الأفريقي... حيث ظل أبناء هذه الشعوب يعبرون على أرض مِصر من خلال طريق الحج القديم فيما قبل عصر الطيران قبل نحو قرن من الزمان أو يزيد ؛ حيث تعبر القوافل على ذلك المسار حتى تنزل في مدينة قوص ؛ بـ محافظة قنا ؛ والتي كانت قاعدة الصعيد وعاصمته ثم تعبر تلك الوفود والقبائل الصحراء الشرقية إلى البحر الأحمر ومنه إلى أرض الحرمين الشريفين أو يصعدون مع النيل إلى القاهرة ليرافقوا رحلة «المحمل» المصري الذي يحمل الكسوة المعظمة للكعبة المشرفة إلى مكة المكرمة... هدية مِصر إلى الحرم الشريف.. فـ الإنسان المصري يشهد بعينيه الغرباء -الضيوف- والوافدين الذي يعيشون أياما أو شهوراً أو سنوات في رحاب مصر]. فيجئ تعبير حمدان : [روافد تصب بهدوء في مِصر] أي أنها تصب آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية وعلمية كبيرة متدفقة في وجدان الإنسان المصري و وعيه بذاته...
مِن الآثار الجليلة للحج أنه يجلب لمصر افاضل الناس والأتقياء ... الأنقياء منهم الذين يدركون منذ خروجهم من بيوتهم أنهم في رحلة روحية سامية... وطريق الحج هذا كان ايضاً طريقاً من طرق التجارة العالمية...
دخول السيد المسيح في مهده مع أمه العذراء البتول ويوسف ، هذا الدخول أعطى -وتلك الرحلة- إلى أرض مصر بركة كبيرة لشعبها [إشعياء 19 : 25] ؛ تلك الرحلة الكريمة للعائلة «المقدسة» التي اسهمت في ارتباط الوجدان المسلم والمسيحي على السواء بأرض مِصر لأنها كانت الوعاء الحاضن لرسالات السماء (*).
فبعدما استقبلت مِصر «سيدتنا» "مريم" بنت عمران "العذراء" "البتول" صلوات الله وسلامه عليها أرسلت مرجعية مسيحية للعمق الأفريقي مما أسهم في تكوين دور مصر المؤثر الذي يجعل إطلالها على العالم حاضرة ونافذة ؛ يقول حمدان : [أما الحبشة فكانت وقمة الإشعاع الديني لـ مِصر حيث ارتبطت كليةً بالكنيسة المصري] {شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان : 4 / 440}. (ص18)
وبالمناسبة ينبغي أن نذكر هنا دور الأزهر الشريف حيث كان يستقبل الآلوف الكثيرة من طلاب العلم من المبتعثين والوافدين والمجاورين من أهل الهند وبلاد الملايو والشوام والأكراد والأتراك والعراقيين واليميين والأفارقة.. وغيرهم... يظهر هنا بوضوح اعتياد الإنسان المصري أن يرى على ارضه أجناساً وأعراقاً كثيرة جاءت لوطنه تستمد العلم فيترك هذا في نفسه ثقة في وطنه... يقول حنا: [وتحولت القاهرة لتكون أقوى مقرات الخلافة الثلاث من خلال حركة ثقافية مزدهرة؛ بإنشاء كل من الجامع الأزهر ؛ ودار الحكمة ؛ وأصبح الجامع الأزهر منذ تلك الحقبة وإلى الأن مصدر معرفة وفكر وفقه ؛ وأتصور -يكمل د. ميلاد الحديث- :" أن هناك تشابهاً في الزخم الثقافي في هذه الفترة يناظر ماتمتعت به مصر في القرون الأولى للمسيحية عندما كانت مدرسة اللاهوت بالإسكندرية هي مصدر المعرفة ؛ وكانت مكتبة الإسكندرية هي المرجع لكل ما يكتب ؛ لأنه بنفس الطريقة تحول الأزهر ليكون قبلة العلماء -وموضع نظر- طلاب العلم والمعرفة في كافة أمور الدين والدنيا من كل الأقطار دون تفرقة في الجنس أو اللغة أو الطبقة.. وقدم الأزهر عبر العصور إسهاماً حضارياً يرتكز على العقلانية والتوجهات المنطقية المتطورة المتقدمة عما حولها بمقاييس ذلك الزمان ؛ فما بالقوم ينكرون(!!!) على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين : حين أوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون ؛ وحمتها حين أوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث.. ومن خلال العلماء الوافدين من كافة اركان الأرض إلى الأزهر .. جاءت معهم مصادر معرفية جديدة أدت إلى إثراء الفكر القومي المصري] {د. ميلاد حنا ؛ الأعمدة السبعة للشخصية المصرية ؛ ص : 105 ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب ؛ القاهرة ؛ 1013م}
إذاً عوامل -عدة- تركت بصمتها وآثارا على نفسية الإنسان المصري ؛ فـ أبدع حمدان حين رصد الأبعاد المحيطة بمِصر وتجاذبها ؛ حتى تمثل مِصر نقطة إرتكاز لها جميعاً .. فـ تكلم عن فكرة الأبعاد الأربعة ؛ التي هي البعد الآسيوي والأفريقي على مستوى القارات والبعد النيلي المتوسطي على المستوى الإقليمي ، ولكل بعد منها إسهامه في تكوين الشخصية المصرية ؛ وتوازنات التفاعل المتطور بينها جميعاً حتى نشأ ما يسمى بـ «دائرة الحلقة السعيدة» وهي تلك الحلقة من الأراضي الخصيبة التي تحيط بالجزيرة العربية وكانت مصر تدخل في هذه الدائرة عن طريق شريط سيناء الشمالي من ناحية ؛ ووادي الحمامات من ناحية آخرى وكانت تلك الدائرة كاملة تجري فيها تيارات التاريخ والحياة بلا انقطاع.. كالدائرة الكهربائية المغلقة .. وكانت مصر قطباً أساسياً من اقطاب هذه الدائرة ولهذا كانت تقف بوابة أفريقيا وتنظر إلى نافذة آسيا ] {شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان : 4 / 410 ؛ دار الهلال ؛ مصر ؛ 1995م} .
المراقب -لما يجري على الأرض- يرى أنه طرأ مؤخراً على شخصية الإنسان المصري رياح تغيير ؛ جعلته ينكئ على ذاته ويتوقع وينعزل عن الدنيا ويخرج من السعة والرحابة إلى الضيق والإنغلاق وتختزل مِصر إلى شارع ضيق أو حالة من الفقر أو عجز عن تحقيق متطلبات حياته أو ركود في حركة الحياة فيفقد الأمل فالإنعزال التدريجي عن رحابة الحياة والوطن ودخوله في نفق مظلم مصنوع وسقف منخفض من الإحباط أو الضيق مصطنع من اشد الأمور خطورة على الإنسان.
ـــــــــــــــــــــــ
(*) لكاتب هذه السطور بحث تحت مسمى :« تعانق السيد المبشر مع السيد البشير »... واعتبار عام 2016 سنة تعانقهما... صلوات الله سلامه عليهما وعلى جميع الأنبياء والمرسلين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشخصية المصرية
» ٣. « المكون الثالث:" إنسان مُعَمِّرٌ " .
منذ فجر تاريخ الإنسان المصري وهو يملك شغفاً و ولعاً عميقا بالعمران والبناء والتشييد ؛ يؤكد هذا المعنى مؤنس حين يقول :[فأما العلم فايسر تأمل فيما بين أيدينا من آثار هذه الحضارة يتحدث عن العلم القائم على الحساب والدرس الطويل ؛ هذه الأهرامات والمنشآت كيف تقوم دون هندسة] وبقية الأهرامات التي تزيد على المائة والمعابد والمسلات والنحت والمدافن الملكية المنقوشة بعجائب النقوس والرموز وبدائع الرسوم... ثم الكنائس التاريخية المنتشرة في ربوع مِصر.. ثم المساجد والمآذن والمنارات والقباب.. ثم الطرق والكباري والمعابر والأسبلة والخانات والتكايا والقصور ومنارة الإسكندرية ومقاييس النيل والمدارس المتقنة البناء من عجائب فنون النحت والنقوش والصنائع المصرية العريقة والمنسوجات اليدوية البديعة ؛ فتقام في لندن معارض لقرى (نقادة) مصرية تبدع نسيجاً يدوياً في غاية الإتقان ؛ ثم سور مجرى العيون ؛ وحفر قناة السويس ... وتشييد السد العالي ؛ ثم حفر قناة السويس الجديدة... ذكر "دالتون" في [الدليل الذي وضعه عن أقدم الآثار المسيحية والبيزنطية في الفن القبطي :" أنه عثر على آنية برونزية من طراز قبطي في مقابر إنجليزية ساكسونية"] {تكوين مصر ؛ ص : 88} مما يدل على شغف الإنسان المصري بالعمران والتشييد في كل أطوار تاريخه ؛ في العهد الفرعوني وفي العهد المسيحي وفي العهد الإسلامي والعصر الحديث] .. وجامع السلطان حسن يعد بحق اعظم المساجد المملوكية وجلها شأناً فقد جمع بين ضخامة البناء وجلال الهندسة... خصوصاً قيام بعض اركانه على اسس علم الهندسة اللاإقليدية ؛ فتوفرت فيه دقة الصناعة وتنوع الزخارف وشتى الفنون والصناعات من دقة الحفر على الحجر ودقة صناعة النجارة العربية وتطعيمها ؛ فلا فرق بين الثريات النحاسية والمشكاوات الزجاجية ... واحتفظت دار الآثار العربية بالقاهرة بالكثير من هذه التحف النادرة وهي من أدق وأجمل ما صنع في هذا العصر حتى كان بعض كبار المعماريين يسميه : ( هرم مصر الرابع ) .. ونأخذ شهادة الرحالة العياشي الذي زار المسجد سنة 757ه~1356م فيقول [وهو مسجد لا ثاني له في مصر ولا في غيرها من البلاد في فخامة البناء وارتفاعه وإحكامه واتساع حناياه وطول اعمدته الرخامية وسعة أبوابه كأنه جبال منحوتة تصفر فيها الرياح ] .. ونعتمد شهادة "هارولد ماكمايل" الدبلوماسي البحاثة البريطاني فيقول [في رحلتي الأولى مع النيل جنوباً ؛ ما وجدتُ بناءً حجرياً من الخرطوم إلى أكو أتوريا "المديرية الاستوائية" إلا وهو من بناء المصريين .. كل المدارس والمساجد ونقط البوليس وثكنات الجند ومراكز المواصلات ومحطات الري ... بناها المصريون ] {د. حسين مؤنس ؛ مصر ورسالتها ؛ ص : 15 ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب ؛ القاهرة؛ 1998م}.

الشخصية المصرية
» ٤. « المكون الرابع:
يتميز الإنسان المصري بأنه قوي:
وترجع قوته إلى قدرته على البقاء والاستمرار واجتياز الأزمات رغم عوامل النحت والتجريف التي طرأت عليه وتلاطمت حوله ؛ فهو إنسان صلب ومقدام .
وأول مستوى من مستويات القوة :
1.) " ثباته النفسي". فيحميه من الحيرة والاضطراب والتزلزل والتشتت والإحباط واليأس ؛ فمهما حزن يخرج من حزنه وأن تألم:
عشرات مِن موجات المعتدين من : الهكسوس ؛ والصليببين ؛ والتتار ؛ والفرنسيين ؛ والإنجليز والصهاينة ...
2.) أما المستوى الثاني من مستويات القوة :
" قوة الإرادة ".
3. ) المستوى الثالث من القوة :
قوة العقل المستنير بالعلم والمعرفة والوعي وإدراك الواقع وفهم تعقيداته والإلمام الواسع بخريطة العالم من حوله وموضعه منها.. ولعل الزحف التتاري مثال على أنه انكسر على صخرة مصر وإن كانوا -الغزاة- أشداء.. فيخرج جيش مصر إلى عين جالوت ليلحق بجيش التتار العاصف المرعب أول هزيمة قاسية في تاريخه فينكسر شرهم ويزول طغيانهم وتبقى مصر..
لستُ مِن مَن يتغنى بالتاريخ دون أن ينظر إلى غد مشرق وصباح قادم بعد ليل بهيم... فالإنسان المصري قادر على صناعة المستقبل كما صنع مِن قبله أجداده.

الشخصية المصرية
» ٥. « المكون الخامس :" إنسان قائد ورائد:"
الوعي بالدور الطبيعي الذي يجب أن يقوم به في منطقته من مكونات شخصية المصري .
يقول غربال [إن مِصر هي القلب النابض لمجال حيوي يمتد إلى ما وراء حدودها] {محمد شفيق غربال ؛ ص : 106 ؛ تكوين مصر}.. ثم يلتقط الخيط من غربال .. فيقول مؤنس [ذلك أن بلدنا هذا قاعدة عظمى ومركز توازن من الطراز الأول] {د. حسين مؤنس ؛ ص : 82 ؛ مصر ورسالتها} ... يبلور الفكرة بجلاء وعبقرية حمدان فيقول : [وإذا كان في العالم بلد واحد تصدر قارته على مستوى القمة أطول فترة في التاريخ ؛ بل طوال التاريخ بلا إنقطاع فهو بلا شك مِصر في أفريقيا] {جمال حمدان ؛ ص : 4/ 422 ؛ شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان} ...
وهذا ليس ادعاء ولا تكبر بل واقع تاريخي استقر في وجدان.الأمم والشعوب ورسخته مواقف عدة...

حافظ إبراهيم يقول
نظر الله لي فأرشد أبنائي**فشدوا الى العلا أي شد
انما الحق قوة من قوى الديان**أمضى من كل أبيض وهندي
قد وعدت العلا بكل أبي**من رجالي فأنجزوا اليوم وعدي
امهروها بالروح فهي عروس**تنشأ المهر من عروض ونقد
وردوا بي مناهل العز حتى**يخطب النجم في المجرة ودي

https://www.youtube.com/watch?v=I470IfnKql4

الشخصية المصرية
» ٦. « المكون السادس:
"إنسان محب للعلم والإبداع"...
منذ فجر التاريخ برع الإنسان المصري في التحنيط والهندسة والفلك والطب والبحث الديني العميق كحالة التوحيد التي وصل إليه إخناتون ومكتبة الإسكندرية... وردت الإشارة إلى ذلك في الإنجيل :" فتهذب موسى...."] {أعمال الرسل 7: 22} .. وقال الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري في القرن الرابع الهجري في كتابه :"فضائل مصر وأخبارها وخواصها": [ومصرُ بلد الحكمة والعلم ومنها خرج الحكماء الذين عمروا الدنيا بكلامهم وحكمتهم وتدينهم] {فضائل مصر وأخبارها ؛ ص: 15؛ مكتبة الخانجي ؛ القاهرة (طبعة خاصة لمكتبة الأسرة) 1999م؛ تحقيق د. علي محمد عمر} وقال أيضا: [وكانت مصر يسير إليها في الزمن الأول طلبةُ العلم وأصحاب العلم الدقيق لتكون أذهانهم على الزيادة وقوة الذكاء ودقة الفطنة فما اكسبت أجداً منهم بلادةً ولا انقطع له خاطر] {المصدر السابق ؛ ص : 20} .. ثم بنحو قرن من الزمان شهد بذلك العلامة أبوالقاسم صاعد بن أحمد التغلبي الأندلسي فقال في كتابه [وكان لقدماء أهلِ مِصر الذين كانوا قبل الطوفان عنايةٌ بأنواع العلوم وبحث غوامض الحكم] {طبقات الأمم ؛ ص : 106 ؛ دار الطليعة بيروت 1985 تحقيق حياة العيد بو علوان }....ثم يأتي العلامة المؤرخ الفليسوف ابن خلدون ليصف حال الديار المِصرية قبل سبعة قرون من الزمان فيقول في مقدمته [ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مِصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم ] {ابن خلدون ؛ المقدمة ؛ ص : 524 ؛ دار القلم بيروت؛ 1984م }... اقولُ :" استمرت هذه الصفة عبر القرون والتاريخ الطويل إلى أن شهد لها المعاصرون ، فقال المؤرخ د. مؤنس: [ومصر عاشت تاريخها كذلك على العلم وأهله] إلى أن قال [مِن أيام أمحوتب ومِن قبلها قطعاً لم تتوقف شعلة العلم في مصر أبداً.. لم يخل عصر من عصورنا من علماء كبار {د. حسين مؤنس ؛ ص : 19 ؛ مصر ورسالتها} ..
» ٧. « المكون السابع:" إنسان يقدم الخير للإنسانية"...
الإنسان المصري يقدم للعالم عقولاً وخبرات وثروات ويُصدِّرُ المعرفة والحكمة.. يقول مؤنس [والإغريق -الذين يزعم المؤرخون أنهم من كبريات الشعوب التي صنعت أصول التاريخ والذين يفخر الأوربيون بأنهم آباؤهم الروحيون- هؤلاء الإغريق أنفسهم كانوا يعترفون بأنهم تعلموا أصول الحضارة من المصريين ؛ هنا -في مِصر- تعلموا الفن والفكر والجمال والدولة والنظام ] {د. حسين مؤنس ؛ ص : 18 ؛ مصر ورسالتها ؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب؛ 1998م }.
من أمثلة ذلك : التفاعل التاريخي العميق المتشعب بين مصر وبين شبه الجزيرة العربية وظلت مصر تحرص على أرفع مظاهر التكريم للبيت الحرام العتيق وترسل الكسوة المعظمة إلى الكعبة المشرفة إلى أوائل الستينات .. ثم نضيف تفاعل آخر جديد في بناء وتعمير وتشييد جزيرة العرب.. فيقول حمدان [وتعد مِصر حاليا أكبر عامل تحضير وتعمير وتنمية منفرد في كل الجزيرة العربية] {جمال حمدان ؛ ص : 4 / 415 ؛ شخصية مصر : دراسة في عبقرية المكان} .. وكذلك الحال في فلسطين [ولا خلاف على الأثر والدم والوجود المصري المادي في كيان فلسطين ] {شخصية مصر ، حمدان 4 / 418} .. والحال كذلك في القارة الأفريقية [وحسبنا أن نقول إن مصر التي كانت طليعة ومهد الحضارة في القارة الإفريقية قد صدرت إليها كثيرا من إنجازتها منذ فجر التاريخ فلقد جعلت الظروف الجغرافية والتاريخية من مِصر مشعل النور الأكبر في القارة السمراء ... ولا نقول منارة إفريقيا الوحيدة حضارياً .... وإذا كان العالم بلد واحد تصدر قارته على مستوى القمة أطول فترة في التاريخ بل طوال التاريخ بلا إنقطاع فهو ولا شك مِصر في أفريقيا] {حمدان ؛ ص : 422 } ... ثم يقول مؤنس في مصر ورسالتها [أي أن أفريقيا المدارية كلها كانت في القرن الرابع عشر الميلادي شديدة الصلات بمصر وكان أهلها يفدون على بلادنا للعلم والتنور وقد بقيت في مصر جماعات كبيرة ممن وفد عليها منهم ولا زالت نواح من مصر تحمل أسماء أولئك القوم خذ مثلا الناحية المسماة بـ "بولاق «الدكرور»" ؛ فهي منسوبة إلى أمة «التكرور» وكانت تسكن غربي كردفان فيما يعرف الأن جمهورية تشاد وجمهورية النيجر... بل إن الصلات بين مصر وتمبوكتو ؛ كبرى مدائن حوض النيجر الأوسط في العصور الوسطى كانت طوال هذه القرون موصولة لم يوقفها إلا التدخل الأوروبي الحديث ؛ وقد كان الأوربيون يظنون أن تمبوكتو هذه ناحية من مجاهل لا يعلم أمرها إلا خالقها وتصدى نفر من الأوربيين لكشفها فلم يجدوا ليها سبيلا إلا عن طريق القاهرة وتستطيع أن تقرأ قصص الكاشفين من أمثال "مونجو بارك" و"فردريك هورنيمان" و"رينيه كاييه" و"هاينريخ بارث" لتتبين تعجبهم من وصول نور القاهرة إلى هذه النواحي القصية الخافية وراء الرمال ولكن هؤلاء جميعاً بل أوربا كلها لا تعلم شيئا عن سر مصر ورسالتها في القارة التي جعلها الله فيها .. إنها الأم ومنبع النور وهذا في حد ذاته حقيقة يثبتها التاريخ في كل حين وتعمل مصر على أدائها واعية وغير واعية] {د. حسين مؤنس ؛ مصر ورسالتها ؛ ص : 42} .
شاعت عند العلماء حكمة تقول:
» مَن تَمَصِّر تَبَصَّر « ...
الإنسان المصري عبر تاريخه ظل حلقة وصل بين الشرق والغرب :
- نموذج قناة السويس معبر التجارة البحرية في العالم هدية مصر للعالم ...
- قصة سيدنا يوسف ..
مِصر تمد يدها بالخير للنطاق المحيط بها بمختلف شعوبه وأجناسه .. فـ يحدثنا القرآن في قصة سيدنا يوسف ؛ حتى يأتي إخوة يوسف من ارض الشام يطلبون الزاد والغلال من ارض مِصر في وقت الشدة فكيف بها في وقت الرخاء .. يقول مؤنس [ونحن لا نذكر هذا الكلام تغنياً بالفضل ؛ وإنما تقريراً لحقيقة ... حقيقة مسعدة لأهل هذا البلد لأن السعيد في الدنيا من كانت حياته رسالة خير للآخرين ] {د. حسين مؤنس ؛ مصر ورسالته ؛ ص : 44} ..
ثمرة تلك المكونات وخلاصتها :
" التوسط ~ التوازن ~ الإعتدال:
تمتزج تلك المكونات وتنصهر وتتفاعل ويذوب بعضها في بعض فإنها تتضافر أخيرا في سمت عام غلب على الشخصية المصرية عبر تاريخها... يقول حمدان: [ليس من قبيل الطرفة أو التبسيط ولا هو بالتأكيد من باب الوهم أو التسطيح أن نعد التوسط والإعتدال من ابرز السمات العامة الأساسية في شخصية مصر والشخصية المصرية... فالوسطية والتوازن سمات رئيسية عريضة في كل جوانب الوجود المصري تقريباً : الأرض والناس .. الحضارة والقوة .. الأخذ والعطاء... فمثلا نجد في الموقع والموضع توازناً وتقارباً عاماً من حيث القيمة والأهمية رغم بعض ذبذبات عارضة.. ونجد بناء حضارياً يتكافأ مع قوة الأساس الطبيعي ونجد في الحضارة عطاءً يعادل الأخذ أو يزيد عليه ... وبالمثل في الموقع والمناخ في الجنس والسكان حتى الثقافة والدين.... والتوسط لا يعني بالضرورة تسطيح الشخصية أو اللون الباهت وهو بالتأكيد لا يمكن أن يعنيه في بلد من اشد البلاد تبلوراً وتفرداً في الشخصية ] {جمال حمدان ؛ ص : 4 / 483 و 484؛ شخصية مصر} ... و [إن يكن التوسط صفة جوهرية في شخصية مصر فإن الإعتدال من جانبه أدخل في الشخصية المصرية : التوسط دراسة في عبقرية المكان ؛ ولكن الإعتدال دراسة في عبقرية الإنسان ؛ والتوسط دراسة في روح مصر ؛ أما الإعتدال فدراسة في روح المصري... وبعبارة أوضح : إذا كان التوسط ألصق بالأرض المصرية فإن الإعتدال يتصل مباشرة بالإنسان المصري : نفسيته .. عقليته .. أخلاقياته .. شخصيته .. خامته .. معدنه .. جوهره و .. روحه ] {د. جمال حمدان شخصية مصر 4 / 517}.
وخيراً فقد تضافرت تلك المكونات على صناعة شخصية الإنسان المصري فـــ [كان المصري العادي أو المتوسط أميل في الغالب إلى الوداعة والهدوء والدماثة والبشاشة ؛ إلى الشخصية الإجتماعية السلسة السهلة الودود المنطلقة غير المنغلقة أو المعقدة . كما كان أجنح إلى التعاون منه إلى التنافس وفي الوقت ذاته ابعد شئ عن العنف والقسوة والدموية والمزاج الحمراوي الدموي .. فالإنسان المصري رجل عملي علمته البيئة والتجربة -أي الجغرافيا والتاريخ- احترام الواقع والالتصاق به وعدم الانفصال عنه أو التناقض مع ] {حمدان ؛ ص : 4 / 526 شخصية مصر}
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى)
19. 02. 2017

«.. الأوروبية ..»
(١.) الـقارة الأورُبية :

1.] ذات جذور مسيحية؛ ولا يوجد اي تقارب بين رجل الدين -ابتداءً من الواعظ وإنتهاءً بـ البابا- وفق الهرم الفاتيكاني والتقليد الكهنوتي؛ أو مقارنة وبين إمام وخطيب مسجد أو العَالِم أو المفتي والمجتهد، أو بين الراهبة في هندامها وطريقها حياتها وبين المرأة المسلمة في لباسها؛ وكيفية عيشها،
2.] تتبنى الديموقراطية بـ أعمدتها الأربعة: حرية الإعتقاد؛ حرية التدين؛ الحرية الشخصية وحرية الرأي والتعبير، وتسن القوانين لحماية هذه الحريات الأربع لمواطنيها؛ وبما أن الشعب مصدر السلطات يحكم الشعب بواسطة نوابه عموم الشعب؛
3.] لديها مجموعة من الأفكار وتحمل كتلة من المفاهيم وتدعو إلى حزمة من القيم والقناعات تخالف شيئاً ما.. ما هو موجود في القارة السمراء الأفريقية أو القارة الصفراء الأسيوية؛
4.] تصنف أنها من العالم الأول المتحضر؛
5.] ترفع من شأن حقوق الإنسان؛ وتعلي من قيمها؛ وتنادي بحماية الأقليات؛ وحقوق اللاجئين؛
6.] لذا فهي تحمل حضارة بعينها؛ ومبدأ بذاته تسعى إلى حمله إلى بقية العالم.
7.] القارة الأوربية ليست أرض مهجر كـ استراليا - كندا – أمريكا،
8.] القادم إليها إما وافد للدراسة في جامعتها أو التعلم في معاملها وسيعود، أو عامل لفترة زمنية وينتهي عقده؛ أو سائح،
9.] المرأة الألمانية استقبلت العامل التركي؛ الذي اشترط فيه أن يكون مفتول العضلات يجهل القراءة والكتابة بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية في محطة فرانكفورت بالزهور؛ وفقا لخطة مارشال -الأمريكي- لإعادة الأعمار.. وبعد مرور سنوات عرض المستشار الأسبق الألماني هلموت كول إثناء فتره حكمه مبلغ 40 آلف مارك للعائلة التركية التي تغادر البلاد طوعاً دون عودة؛
10.] رامسفِلد -وزير الدفاع الأمريكي في عهد بوش الإبن- وصفها بـ القارة العجوز؛
11.] الأمة النمساوية تتكون وخاصة منذ أيام الإمبراطورية من التشيك والبولنديين واليوغسلاف والصرب والمجريين؛
12.] لأسباب عدة حدث تغيير في البنية الإجتماعية في القارة الأوربية؛ أو ما يسمى بـالدراسات السكانية أو الديمغرافيا وهو فرع من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية، يقوم على دراسة علمية لخصائص السكان المتمثلة في الحجم والتوزيع والكثافة والتركيب والأعراق ومكونات النمو (الإنجاب والوفيات والهجرة) - ونسب الأمراض، والحالات الاقتصادية والاجتماعية، ونسب الأعمار والجنس، ومستوى الدخل، وغير ذلك في إحدى المناطق.فـفتح باب التجنس؛ ولحدوث اضطرابات ومتابعة أمنية وحروب في المنطقة العربية أو مناطق ما تسمى بـالإسلامية(!) هاجر الآلاف من فلسطين وافغانستان والعراق وسوريا إلى العالم الحر؛ إما قصراً ورهبة وإما رغبة.. وهذا ما دعا الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى التحذير من الوافد إلى القارة؛ كما حدث في فرنسا وإيطاليا النمسا ألمانيا هولندا
13.] ثم ارتفعت وتيرة الصوت الإسلامي؛ خاصةً حين سعى الوافد المسلم لإيجاد منظومته التي اعتاد عليها في بلده الأم؛ ففتحت المقاهي لقضاء الوقت بالكيفية التي أعتادها، أو أنشأ مصلى تحت الأرض أو شقة لإشباع مظهر من مظاهر غريزة التدين؛ وكأن أجهزة دول القارة الأوربية أغمضت العين عما يقال أو يحدث بين جدران المصلى؛ فعلت أصوات الجهاد ضد العدو الأحمر-الشيوعية- رضت أجهزة الدولة الأمنية والرقابية على مضض وهذا تم زمن عدم وجود عائلات؛ اي زوجة وأولاد؛ أو وجود عدد لا يذكر.. فبذرت نبتة المجتمع الموازي للمجتمع الأوربي الغربي المتحضر.. ومنذ بداية السبعينات من القرن المنصرم توافدت العربيات كـ زوجات.. ومن ثمَّ صرن حوامل فـ أمهات؛ والمسلمات؛ فقوي المجتمع الموازي؛ ثم بدأت المتابعة والمراجعة وسن القوانين.. وكان ينظر للجميع على أنه طراز تركي(!) وافد إلى القارة العجوز الأوربية؛ بمعنى «الضيف العامل(*) -في بداية السبعينات كان تصدر جريد باللغة التركية توزع مجاناً- ».. صاحب الجميع الهندام التركي التقليدي للبسطاء من العمال الأتراك الغالبية من القرى والأرياف؛ -يمكن المقارنة لما حدث من موجة عمالة لكل من دول الخليج وليبيا مِن صغار العمال والفلاحين المصريين؛ فحدث خلجنة للمجتمع المصري- .
14.] ظهر اللباس العربي المعهود للرجل والمرأة وفق مناطق القدوم في أمهات عواصم أوربا والشارع الأوربي في المناسبات والأعياد.. ثم ارادت الفتاة ذات الأصول الدينية -إسلام- أن تتميز عن الآخريات من بنات جنسها.. فأمها في البيت ترتدي غطاء للرأس عند خروجها للشارع العام؛ وبالتالي فـ هي -فتاة الجيل الثاني؛ التي ولدت في الغرب- لبسته لرغبةٍ شخصية فيه؛ أو إملاء من أب مازال يعيش في المجتمع الموازي للمجتمع الغربي وإن كانت قدماه في أوربا؛ غير أن عقله وذهنه ومعدته وعاداته وتقاليده ووجهة نظره في الحياة كما تربى سنوات شبابه في المنطقة التي آتى منها.. بدخول طبق الساتيليت (القنوات الفضائية) إلى حيز قدرة العامل على شراءه زادت الفجوة اتساعاً بين موضع القدم وبين حياته خارج المنزل.. فتأكد وجود المجتمع الموازي في الحياة الأوربية.. ثم ازدات شراسة حين وجد البقال واللحام والترزي ومساعدة طبيب تحسن التركية أو العربية في العيادة أو إستخراج رخصة قيادة.. فبذرت بذرة فشل الإندماج.. الخطة الموضوعة من قبل الدولة ولها وزارة.. احضر العربي من أصول محافظة وفق تربية بعينها لباس المرأة معه في شنطة السفر.. المفارقة التي لم تفك رموزها حتى كتابة هذه السطور.. أن هذا الوافد يرغب في البقاء في القارة الأوربية ويتمتع بفوائد النظام والتأمين الإجتماعي والمعاشي.. وفي نفس اللحظة يسب مَن يخالفه في وجهة النظر ويلعن القارة ويصفها بما يخالف عقيدته... دون إدراك حقيقي للأحكام الشرعية العملية المتعلقة بالآخر في الدين أو العقيدة.
15.] نتيجة سرعة جريان الأحداث في الشارع السياسي وما يجري في فلسطين على يد حليفة وربيبة الغرب.. مرورا بما وقع في افغانستان فالعراق فسوريا فليبيا فاليمن؛ أرتفعت أصوات تبين أن ماجرى في فلسطين يعود لوعد جيمس بلفور -وزير الخارجية في حكومة ملكة بريطانيا العظمى-؛ وتدمير أفغانستان يعود لإتفاق بين حكومات عربية والإدارة الأمريكية في إنعاش الجهاد الإسلامي(!) للقضاء على العدو الأحمر، وتدمير العراق يعود لمعلومات كاذبة من الإستخبارات الأمريكية في عهد بوش؛ عن أسلحة دمار شامل ومفاعل نووية.. وبموافقة بلير- رئيس الحكومة البريطانية-؛ وبمباركة دول عربية وشلت حركة جامعتهم؛ وتدمير ليبيا تم بواسطة الناتو؛ وتركيا الأردوغانية عضو فيه؛ وتدمير سوريا تم بواسطة وزيرة خارجية أمريكا كطرف -هيلاري كلينتون- في عهد ابن الحسين أوباما؛ إذ أوجدت وقوّت تنظيم الدولة؛ المسمى إعلاميا "داعش".. وهكذا يظهر لمتابع المشهد في منطقة ما تسمى بـ "الشرق الأوسط" أن اصابع الغرب -القارة(!) الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية- أوجدت هذه القلاقل والحروب أو بتعبير أدق «الفوضى الخلاقة» كما عرضتها وزيرة الخارجية السمراء الأمريكية كوندوليزا رايس (26 يناير 2005~20 يناير 2009) ونفذتها؛ ثم ما اتممته هيلاري كلينتون (21 يناير 2009 ~1 فبراير 2013) من إتفاق مع جماعات سميت وأطلق عليها الإسلام السياسي(!) ثم الطرد السريع المفاجئ لتلك الجماعات في كل مِن تونس ومصر.
16.] تخبطات الساسة في العالم الأول المتحضر لمعالجة قضايا حيوية بالمنطقة العربية والمناطق الإسلامية؛ والتراجع الظاهر في إتخاذ قرار ينصف الضعيف أو المظلوم؛ وغياب الحكام العرب عن دورهم المنوط بهم في رعاية شؤون بلادهم.. وتخاذل منظمات إقليمية كـ الجامعة العربية(**) (22 عضوا؛ 3 مراقبين) ومعها منظمة التعاون الخليجي (6 أعضاء) وفوقهما منظمة التعاون الإسلامي (57 عضوا).. وفوق رؤوس الجميع منظمة عالمية: الأمم المتحدة (193 دولة) وقراراتها الهشة... تلك المنظمات الإقليمية والعالمية خذلت الكثير من مواطني ما يسمى بالعالم الثالث فأدى بالتالي إلى تخبطات في الشارع العربي بصفة عامة وبصفة خاصة في الشارع الإسلامي.. فكان لابد من متنفس ما وبعد إنتهاء حرب أفغانستان وجدت أحداث 11 سبتمبر 2001؛ وقبلها مرور المجاهدين عبر عواصم كبرى أوروبية كفيينا وبرلين كي ينضموا إلى مجاهدي البوسنة والهرسك.. تحت أعين الإستخبارات والأجهزة الأمنية وما تلى كل هذا من أحداث دامية بسفك دم ابرياء فقط لأنهم مِن سكان الغرب.. حتى ما حدث أمس بعاصمة النور "باريس" بمدخل متحف اللوفر؛ ثم تشكيك والد الفاعل المصري على القناة الفضائية الخاصة في اجراءات التحقيق في فرنسا –وأخيراً يلاحظ بوضوح شديد نبرة العداء للأجنبي/الغريب/الآخر بوصول دونالد ترَمب وقراراته (سبقته الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا؛ واستثمار حالة الخوف والذعر من الوافد المسلم على وجه التحديد والدقة) وصول ترَمب لسدة الحكم في البيت الأبيض البيضاوي بواشنطن؛ والمعارضة الشديدة له (خاصة اليوم السبت في لندن).. فكان ينبغي إيجاد ملاذ أمن.. للحفاظ على الهوية وإظهار الإنتماء وتبيان المرجعية.. فيأتي ملبس الرجال كـ دشداشة؛ أو النساء كـ نقاب.. وهذا إظهار بما تمكن في الباطن العقلي مِن عقيدة -لشخص عادي ليس لديه قدر من العلم الشرعي الصحيح- لمن يؤمن بمفهوم العورة عند الرجل أو النساء وفق اجتهاد مذهب بعينه أو إمام -اللباس الشرعي الإسلامي (جلباب الرجل؛ نقاب المرأة).. وبالتالي لا يهم المكان- بجوار البيت العتيق؛ أو متنزه حول قصر الإمبراطور النمساوي أو حديقة كـ حدائق النباتات الملكية (كيو)؛ أو حدائق كنسينغتون؛ او حديقة بوستمان؛ أو حديقة حيوان لندن، سانت جيمز بارك؛ غرين بارك؛ هايد بارك؛ أو هولاند بارك؛
17.] ما يثار الأن في أروقة السياسة بجمهورية النمسا؛ وما تنشره الجرائد الشعبية أو ذات العراقة في الصحافة يُبين أن الدولة من خلال وزير خارجيتها والمسؤول عن ملف إندماج الغرباء في المجتمع النمساوي تسعى لحماية المجتمع الأوروبي المسيحي من الوافد الغريب المسلم بتقاليده وعاداته.. حتى ولو كان هنداماً؛ كـ مسألة التغطية الكاملة لجسد إنسان -يفترض هنا- امرأة؛ فلا يظهر من ملامحها شيئاً تعبيراً عن أن كلها عورة؛ وهنا نتساءل متى يصير اللباس عادة لشعب، ومتى يصبح حكما شرعيا إسلاميا يجب الإلتزام به !!؟. وهل هذه المسألة-لباس(زي)المرأة- عرضت على طاولة البحث الشرعي العلمي التأصيلي؛ أم أنها مجرد تقليد وإتباع لرأي إسلامي (***)
(.٢) الجزء الثاني
«.. لباس(زي)المرأة المسلمة في القارة الأوروبية ..»
نُعَرِف :
[١.] زي -لباس- المرأة :" الزي الشرعي المطلوب من المرأة المسلمة هو أي زي لا يصف مفاتن الجسد ولا يشف، ويستر الجسم كله ما عدا الوجه والكفين". [ بيد أن الحنابلة ترى أن :" زي المرأة الشرعي هو الذي يغطي رأسها ووجهها وجسمها كاملاً ".]، ولا مانع كذلك أن تلبس المرأة الملابس الملونة بشرط ألا تكون لافتة للنظر أو تثير الفتنة، فإذا تحققت هذه الشروط على أي زي جاز للمرأة المسلمة أن ترتديه وتخرج به.".[ لجنة أمانة الفتوى بدار الافتاء المصرية]؛.
كما نُعَرِف
[٢.] الحجاب في اللغة: الستر، والحجاب: اسم ما احتجب به، وكل ما حال بين شيئين فهو حجاب. فالحجاب: كل ما يستر المطلوب ستره ويمنع من الوصول إليه؛ كـ الستر والبواب والثوب ... ألخ. و
[٣.] الخمار: من الخمر، وأصله الستر، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :« خمروا الآنية.. »[رواه البخاري] جاء في الفتح :" أي غطوها ".، وكل ما يستر شيئا فهو خماره. لكن الخمار صار في العرف اسما لما تغطي به المرأة رأسها، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للخمار في بعض الإطلاقات عن المعنى اللغوي. ويعرفه بعض الفقهاء بأنه ما يستر الرأس والصدغين أو العنق.
والفرق بين الحجاب والخمار أن الحجاب ساتر عام لجسم المرأة، أما الخمار فهو في الجملة ما تستر به المرأة رأسها .
[٤.] النِّقاب -بكسر النون-: ما تنتقب به المرأة، يقال: انتقبت المرأة؛ وتنقبت: أي غطت وجهها بالنقاب. وقريب منه البرقع؛ سواء وفق عادة أهل أفغانستان؛ أو البرقع المصري [قال في الفتح:"والنقاب الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر"] زمن الملكية وكانت المرأة الغنية تضع قصبة من الذهب على أنفها؛ وكان البرقع في ذاك الزمان من الدانتيل.
والفرق بين الحجاب والنقاب: أن الحجاب ساتر عام، أما النقاب فساتر لوجه المرأة فقط.
الـمسألة المبحوثة هنا ليس زي-لباس- المرأة الذي يغطي جسدها؛ بل جزء من الجسد؛ وهو موضع الرأي المذهبي وإختلاف المناطق؛ والعادة والعرف... اقصد تغطية وجه المرأة وكفيها، وهي مسألة النقاب (البرقع)؛ والقفاز الذي يغطي كفيها.. فما هو حكم لبس النقاب في الاسلام؟، وإليك التفصيل:
[١.] اختلف العلماء في وجوب تغطية الوجه والكفين من المرأة أمام الأجانب.
[١. ١.] مذهب الإمام أحمد بن حنبل والصحيح من مذهب محمد بن إدريس الشافعي أنه يجب على المرأة-المسلمة- ستر وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب، لأن الوجه والكفين عورة بالنسبة للنظر.
[١. ٢.] ومذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان ومفتي مدينة الرسول أنس بن مالك أن تغطيتهما -الوجه والكفين- غير واجبة، بل مستحبة،
[١. ٢. ١.] لكن أفتى علماء الحنفية والمالكية منذ زمن بعيد أنه يجب عليها سترهما عند خوف الفتنة بها أو عليها. والمراد بالفتنة بها: أن تكون المرأة ذات جمال فائق [راجع نظر الفضل بن العباس للمرأة الخثعمية وقت حجة الوداع؛ وهو خلف الرسول الكريم، ثم مافعله عمر بن الخطاب الخليفة مع نصر بن حجاج حين نفاه إلى البصرة]، والمراد بخوف الفتنة عليها أن يفسد الزمان، بكثرة الفساد وانتشار الفساق.
[٣.] لذلك فالمفتى به الآن وجوب تغطية الوجه والكفين على المعتبر من المذاهب الأربعة. وعلى هذا: فمن كشفت وجهها فهي سافرة بهذا النظر، وهذا قول منقول عن الحنابلة، بيد أن [لجنة أمانة الفتوى بدار الافتاء المصرية] قالت أن :" نقاب المرأة الذي تغطي به وجهها وقفازها الذي تغطي به كفها فجمهور الأمة على أن ذلك ليس واجبًا وأنه يجوز لها أن تكشف وجهها وكفيها أخذًا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾[النور: 31] حيث فسر جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم الزينة الظاهرة بالوجه والكفين، نُقِل ذلك عن ابن عباس وأنس وعائشة رضي الله عنهم.[وهذه مسألة خلافية].
تكمل اللجنةالقول :" وأخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾[النور: 31]، فالخمار هو غطاء الرأس، والجيب هو فتحة الصدر من القميص ونحوه[وهذه أيضا مسألة خلافية]، فأمر الله تعالى المرأة المسلمة أن تغطي بخمارها صدرها ولو كان ستر الوجه واجبًا لصرحت به الآية الكريمة، ومن السنة المشرفة حديث عائشة -رضي الله عنها-: «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: يَا أَسْمَاءُ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِه وَكَفَّيْهِ» أخرجه أبو داود. إلى غير ذلك من الأدلة المصرحة بعدم وجوب ستر الوجه والكفين.
ثم تقول لجنة أمانة الفتوى:" بينما يرى بعض الفقهاء أنه يجب على المرأة ستر وجهها "،فنستدل بقول المنجد:" فإذا كان نقاب المرأة أو برقعها لا يظهر منهما إلا العين وتكون الفتحة على قدر (العين اليسرى) كما ورد عن (بعض السلف) فإن ذلك جائز ، وإلا فإن عليها أن تلبس ما يغطي وجهها بالكامل". يقول الشيخ محمد الصالح العثيمين: الحجاب الشرعي: هو حجب المرأة ما يحرم عليها إظهاره، أي: سترها ما يجب عليها ستره". والعثيمين يرى أن:" أولى ذلك وأوله: ستر الوجه؛ لأنه محل الفتنة ومحل الرغبة. فالواجب على المرأة أن تستر وجهها عن من ليسوا بمحارمها.. فإذا كان نقاب المرأة أو برقعها لا يظهر منهما إلا العين وتكون الفتحة على قدر العين اليسرى كما ورد عن بعض السلف فإن ذلك جائز، وإلا فإن عليها أن تلبس ما يغطي وجهها بالكامل". فعلم بهذا أن الوجه أولى ما يجب حجابه، وهناك أدلة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وأقوال أئمة الإسلام وعلماء الإسلام تدل على وجوب احتجاب المرأة في جميع بدنها على من ليسوا بمحارمها. [ فتاوى المرأة المسلمة " ( 1 / 391 ، 392 ) ]، ولما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:«كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا أَسْدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاه»، وهذا الحديث [قلتُ:"يناقض مع عند البخاري عن ابن عمر كما سيأتي"]. تقول اللجنة:" ولا دليل فيه[قول أمنا عائشة] على وجوب ستر وجه المرأة؛ لأن فعل الصحابة لا يدل أصلا على الوجوب، ولاحتمال أن يكون ذلك حكمًا خاصًّا بأمهات المؤمنين كما خُصِّصْن بحرمة نكاحهن بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقد تقرر في علم الأصول "أن وقائع الأحوال، إذا تَطَرَّقَ إليها الاحتمال، كَسَاها ثَوْبَ الإجمال، فَسَقط بها الاستدلال".
وقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «لا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ»، وهذا يدل على أن الوجه والكفين.. ليسا بعورة، وكيف يُتَصَوَّرُ أنهما عورة مع الاتفاق على كشفهما في الصلاة ووجوب كشفهما في الإحرام! إذ من المعلوم أن الشرع لا يمكن أن يأتي بتجويز كشف العورة في الصلاة ووجوب كشفها في الإحرام، ومحظورات الإحرام أشياء كانت في الأصل مباحة كلبس المخيط والطيب والصيد ونحوها، وليس منها شيء كان واجبًا ثم صار بالإحرام حرامًا.
غير أن صالح الفوزان يرى خلاف مارأيته لجنة الفتوى فيقول :" الصحيح الذي تدل عليه الأدلة: أن وجه المرأة من العورة التي يجب سترها، بل هو أشد المواضع الفاتنة في جسمها؛ لأن الأبصار أكثر ما توجه إلى الوجه، فالوجه أعظم عورة في المرأة، مع ورود الأدلة الشرعية على وجوب ستر الوجه. من ذلك : قوله تعالى: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } النور/31 ، فضرب الخمار على الجيوب يلزم منه تغطية الوجه . ولما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى : { يدنين عليهن من جلابيبهن } [الأحزاب/59]، غطى وجهه وأبدى عيناً واحدةً، فهذا يدل على أن المراد بالآية: تغطية الوجه، وهذا هو تفسير ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية كما رواه عنه عَبيدة السلماني لما سأله عنه . ومن السنة أحاديث كثيرة، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى المحرمة أن تنتقب وأن تلبس البرقع "، فدل على أنها قبل الإحرام كانت تغطي وجهها . وليس معنى هذا أنها إذا أزالت البرقع والنقاب حال الإحرام أنها تبقي وجهها مكشوفاً عند الرجال الأجانب، بل يجب عليها ستره بغير النقاب وبغير البرقع، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات، فكنا إذا مرَّ بنا الرجال سدلت إحدانا خمارها من على رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه. فالمحرمة وغير المحرمة يجب عليها ستر وجهها عن الرجال الأجانب؛ لأن الوجه هو مركز الجمال، وهو محل النظر من الرجال ... ، ثم قال :"والله تعالى أعلم". " فتاوى المرأة المسلمة " ( 1 / 396 ، 397 ). وقال أيضاً : لا بأس بستر الوجه بالنقاب أو البرقع الذي فيه فتحتان للعينين فقط؛ لأن هذا كان معروفاً في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن أجل الحاجة، فإذا كان لا يبدو إلا العينان فلا بأس بذلك، خصوصاً إذا كان من (عادة) المرأة لبسه في مجتمعها. " فتاوى المرأة المسلمة " ( 1 / 399 ). انتهى النقل من الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد".
ثم تقول لجنة الفتوى المصرية:" وقصارى القول أن ستر الوجه والكفين للمرأة المسلمة ليس فرضًا، وإنما يدخل في دائرة المباح؛ فإن سترت وجهها وكفيها فهو جائز، وإن اكتفت بالحجاب الشرعي دون أن تغطي وجهها وكفيها فقد برئت ذمتها وأدت ما عليها. والله سبحانه وتعالى أعلم. [انتهى قول : لجنة أمانة الفتوى بدار الافتاء المصرية]
قال د. مختار مرزوق عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط، إن الداعية [قلت الرمادي:" اتحفظ على هذا المصطلح" ] السعودي الشيخ أحمد الغامدي كان يقصد أن النقاب ليس فرضا ولم يقصد الحجاب، مضيفاً أن المرأة يجوز لها إبداء الوجه والكفين ولكن بدون الزينة التي ظهرت هذه الأيام فـ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات".[سنن أبي داود]. وأضاف في تصريحات خاصة لشبكة الإعلام العربية “محيط”، أن حديث الشيخ الشعراوي ذكر من قبل أن النقاب لا «مفروض» ولا «مرفوض». وكانت قد نشرت بعض المواقع فتوى للشيخ أحمد الغامدى الرئيس السابق لهيئة مكة قال فيها، “إن النقاب ليس فرضا على جميع النساء، وإنما هو خاص بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، مضيفا أن هذا هو قول جمهور العلماء، وعليه كان عمل الصحابة رضوان الله عليهم”.
ومن المهم ما قاله الغامدى رداً على سؤال إحدى المغرّدات عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” :" أنا الآن أضع صورتي الشخصية على حسابي، هذا هل يجوز أم لا؟": فكانت الإجابة “إن كشف النساء لوجوههن لا حرج فيه حتى وإن كانت تضع مستحضرات التجميل، موضحاً أنه يجوز للمرأة أن تضع صورتها الشخصية على حسابها في مواقع التواصل الاجتماعي”. وأضاف في تغريدة ثانية: “عامة النساء فرض عليهن الجلباب والخمار لستر محاسنهن عند الخروج وأباح لهن كشف الوجه والكفين وما عليهما من زينة كما صح عن عائشة وابن عباس وأنس وغيرهم ".
**
قمتُ بنقل ماتيسر لي من أقوال العلماء في المسألة؛ وهناك العديد من الأقوال والبحوث.. وما يمكنني قوله؛ واطمئن إليه أن:
[١.] القول بأن الحجاب مفروض على النساء في الإسلام يسترن به وجوههن ماعدا عيونهن هو رأي إسلامي معتبر، قاله بعض الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب كما بينتُ في المقدمة. كما وأن القول بأن:
[٢.] الحجاب غير مفروض (انظر قول الإمام محمد متولي الشعراوي) على النساء في الإسلام فلا يجب على المرأة المسلمة أن تستر وجهها مطلقاً لأنه ليس بعورة .. هو أيضاً رأي إسلامي، قاله بعض الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب.
[٣.] لذا فيجب عرض شامل للأدلة الشرعية في هذه ا لمسألة؛ ودراستها وتتبعها وتطبيقها وإنزالها على المشكلة حتى يتبنى المسلمون الرأي الأقوى دليلاً وبالتالي تبني الرأي الأرجح برجحان الدليل؛ وليس بغلبة أتباع مذهب بعينه.
[٤.] الحكومة النمساوية ومؤسساتها عملا بمبدأ رعاية الشؤون يحق لها سن قوانين لحماية المجتمع والفرد؛ فيحق لمواطنيها من المسلمين بحث المسألة في إطارها الشرعي مع أولي الأمر وتبيان الحكم الشرعي في المسألة بإظهار الرأيين الشرعيين [ما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل والإمام محمد بن إدريس الشافعي ويقابلهما ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان]؛ وكان بالأمس تظاهرة في العاصمة للنساء؛ وعلى التجمعات الإسلامية في الدولة تشكيل وفد برفقة الهيئة الإسلامية الشرعية المعترف بها رسمياً لعرض أدلة المسألة ووجهة النظر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)Der Gastarbeiter - ein Wort, das aus der deutschen Sprache nicht mehr wegzudenken ist und inzwischen auch in anderen Sprachen seinen festen Platz gefunden hat. Versucht man das Wort "Gastarbeiter" in eine andere Sprache zu übersetzen, wo es diesen Begriff nicht gibt, kommt man darauf, dass es sich gewissermaßen um einen Euphemismus handelt, denn im gewöhnlichen Sprachgebrauch haben Gäste und Arbeit wenig miteinander zu tun.
(**) في 29 مايو 1941 ألقى أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا العظمى خطاباً ذكر فيه "إن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية، ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكبر مما تتمتع به الآن. وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف ولا ينبغي أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجود تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً... وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأيّ خطة تلقى موافقة عامة". وفي 24 فبراير 1943 صرح إيدن في مجلس العموم البريطاني بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين "العطف" إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية. وبعد عام تقريباً من خطاب إيدن، دعا رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس كلا من رئيس الوزراء السوري جميل مردم بك ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية بشارة الخوري للتباحث معهما في القاهرة حول فكرة "إقامة جامعة عربية لتوثيق التعاون بين البلدان العربية المنضمة لها".
(***) في نوفمبر 2015 كانت السنغال تنوي منع المسلمات من ارتداء النقاب لدواع أمنية، إذ تقول السلطات السنغالية إن الالبسة الفضفاضة تسهل اخفاء المتفجرات التي ينفذها الجهاديون.[وهي أيضا ذريعة في الغرب]. وطلب وزير الداخلية -آنذاك- عبداللاي داوودا عدم النظر إلى هذا الإجراء على أنه معاد للإسلام، فالسنغال دولة ذات أغلبية مسلمة، كما قال. وفي حال إقرار الموضوع ستصبح السنغال الدولة الإفريقية الخامسة [5] التي تفرض قيودا على ارتداء النقاب. وكان الرئيس السنغالي ماكي سول وهو مسلم، قد دعا إلى حملة شجاعة لمكافحة المتطرفين الإسلاميين. ولكن السنغال ليست البلد الوحيد الذي اتخذ هذا المنحى. لنلق نظرة على الدول الأخرى التي قالت "كلا" للنقاب، إذ سبقتها كل من تشاد والغابون والكونغو برازافيل. ويختلف شكل النقاب الذي ترتديه المسلمات تبعا للتقاليد المتبعة في البلدان المختلفة يذكر أن البلاد الخمسة هي مستعمرات فرنسية سابقة، علما بأن بدء فرنسا بحظر النقاب عام 2011 قد أثار ضجة واحتجاجات. وقد تعرضت تشاد والكاميرون إلى هجمات انتحارية ربطت بحركة "بوكو حرام" النيجيرية، التي يرتدي منفذو عملياتها أحيانا النقاب لتسهيل دخولهم إلى الأماكن المزدحمة. وكانت الحكومة التشادية قد قررت حظر ارتداء النقاب عقب الهجوم الانتحاري الذي أودى بحياة 33 شخصا في العاصمة انجامينا في يونيو 2015. نيجة تحركات بوكوحرام. وبعد ذلك بوقت قصير، حذت كل من الكونغو برازافيل والغابون حذو تشاد، وذلك بعد وقوع هجوم انتحاري في الكاميرون فقد فجرت امرأتان ترتديان النقاب نفسيهما في بلدة فوتوكول القريبة من الحدود مع نيجيريا. وقتل في ذلك الهجوم 13 شخصا. قررت الكاميرون حظر ارتداء النقاب بعد سلسلة هجمات نفذتها حركة بوكو حرام المتشددة.. والآن تدرس السنغال تطبيق اجراء مماثل، رغم انها لم تتعرض لأي هجمات، لكن السلطات ألقت القبض على إمامين بشبهة وجود صلات لهما مع جماعات متشددة، وهي الحالة الأولى المعلن عنها في البلاد. وكان الرئيس السنغالي قد صرح بأن ارتداء النقاب غريب على ثقافة الشعب السنغالي وروح الإسلام المتسامح المنتشر في غرب إفريقيا. ولكن مسألة النقاب وحظر ارتدائه ليست حكرا على القارة الافريقية. ففرنسا المتحظرة: سببت لغطاً كبيرا عام 2010 عندما اصبحت اول دولة اوروبية يحظر فيها على النسوة تغطية وجوههن في الاماكن العامة. وكان مجلس الشيوخ الفرنسي قد صوّت بالاجماع تقريبا لصالح قانون يجعل ارتداء (1)النقاب والبرقع، وكذلك 02)الاقنعة و(3)الخوذ التي تخفي هوية الشخص، عملا غير قانوني يخضع للملاحقة. يذكر ان في فرنسا نحو 5 ملايين مسلم -اكبر جالية مسلمة في اوروبا الغربية- ويعتقد ان ألفي مسلمة من هؤلاء ترتدين النقاب. وكان الرئيس الفرنسي -آنئذ- نيكولا ساركوزي قد قال إن النقاب "ليس مرحبا به" في الاراضي الفرنسية، معتبرا اياه "لا يتماشى" مع نموذج الاندماج الفرنسي المرتبط بالعلمانية التي تتبناها الجمهورية الفرنسية والتي يضمنها قانون صدر عام 1984 حظر بموجبه ارتداء أي رمز أو لباس يشير الى انتماء ديني مهما كان. كما تضمن القانون الفرنسي المناوئ للحجاب عقوبات للذين يجبرون النسوة على ارتداء هذا الزي قد تصل الى السجن لعام واحد وغرامة قد تصل الى 32 الف دولار. وهوجم القانون باعتباره يستهدف المسلمات دون غيرهن، واحيلت القضية الى محكمة حقوق الانسان الاوروبية عام 2014، الا ان قضاة المحكمة أيدوا ما جاء به القانون وقرروا أنه لا يعد انتهاكا لـ(حقوق الانسان). بلجيكا وهولندا وغيرها : وحذت بلجيكا حذو فرنسا في عام 2012، إذ حظرت أي لباس يمنع التعرف على هوية الشخص "لدواع أمنية." أما هولندا، التي كانت قد منعت النقاب في مدارسها في عام 2007، فقد قررت لاحقا تمديد العمل بهذا الحظر ليشمل الاماكن العامة مثل وسائل النقل والجامعات وبعض المهن المحددة. فعلى سبيل المثال، لا يسمح للعاملين في المحاكم ارتداء النقاب لأنه "يقوض حيادية الدولة"، فيما يطلب من النسوة اللواتي يعملن في مهن تطلب التواصل المباشر تجنب ارتداؤه. وأيضا السويد. وبينما لا تحظر أي دول اوروبية أخرى ارتداء النقاب على النطاق الوطني، تلتزم بالحظر مناطق محددة في دول أخرى. فمدينة برشلونه الاسبانية حظرت ارتداء أي لباس يغطي الوجه عام 2010، كما فعلت المحاكم الدنماركية وولاية هيسيه الالمانية وعدد من المدن الايطالية.
أما الاتجاه المعاكس: ولكن ثمة دول اتجهت في الاتجاه المعاكس بالغاء قيود كانت سارية لعقود عديدة. فتركيا العلمانية رفعت الحظر المفروض على ارتداء الحجاب عام 2013 وسط مخاوف عبر عنها حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم بأن الحظر يمنع النسوة المسلمات "الملتزمات" من التقدم في التعليم والحياة العامة. وعبرت المؤسسة العلمانية التركية عن قلقها من أن يكون السماح بارتداء الحجاب الخطوة الأولى نحو هيمنة الاسلام على دولة القانون العلمانية التي اسسها اتاتورك. ولكن شكاوى العلمانيين لم تؤخذ بجدية، وتم تخفيف القيود بحيث سمح للنسوة بارتداء الحجاب، ولو ان النقاب ما زال محظورا. وسوريا ايضا سمحت - منذ عام 2011 - للمدرسات بارتداء النقاب الذي يغطي الوجه، إذ الغت قرارا كان قد أصدره وزير التعليم العالي بحظر هذا الزي وسط قلق من تصاعد موجة التطرف في اوساط الطالبات المسلمات. وكذلك تونس، التي رفعت الحظر على ارتداء النقاب عام 2011 ايضا. وكانت النسوة التونسيات تعرضن لضغوط من جانب الدولة لاجبارهن على التخلي عن الحجاب، الذي كانت الحكومة تنظر اليه باعتباره "لباسا طائفيا."
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى)

 «اسقاطات ضوئية من النظم الكونية والسنن الربانية»
مثال الثورة «المصرية» المعاصرة

======== مقدمة تنظيرية(*) لثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011 ==========

18 يوماً أطاحت بـ نظام حكم 30 عاماً أو يزيد سنوات؛ ثم مرت 6 سنوات؛ والبعض مازال يبحث أكانت ثورة لم تكتمل أم إنتفاضة؛ نبحث في التوصيف ونتباحث في التعريف؛ ونغوص في التنظير الذي ليس تحته طائل؛ أو يقدم رغيف خبز مكتمل -المصري يسميه «عيش» مصطلح مصري منحوت من المعيشة والمعايشة والملازمة- وننسى أمة مصرية 65% من تعدادها شباب ما بين 18 و35 سنة؛ ولا نبحث بالتفصيل كيف يفكرون اليوم!؟؛ ولا نتدارس علمياً كيف ينظرون إلى محاولتهم؛ وفرصتهم الضائعة.. نعم عام 2016 هو عام الشباب؛ وتعقد مؤتمرات تكميلية شهرية بحضور رئيس الدولة وتحت إشرافه ومتابعته والحالي هو عام المرأة.. المسألة ليس في المسميات-عام شباب .. عام امرأة.. ثورة 25 .. انتفاضة 25 ..- بل القضية في ترجمة حقيقية لأحلام شباب قَدم مثالا رائعاً؛ ونموذجا فريداً لدول العالم أجمع في القدرة على التغيير السلمي بوقوف في ميادين «الزاهرة=مصر» ثم إعادة تنظيفها وترتيبها.. في تقدير كاتب هذا المقال إن إعادة ترتيب الأفكار وتنظيفها مما علق فيها من أدران يواكب ويلازم تنظيف الشوارع والميادين والحارات والأزقة.. مَن وقف في الميادين-من الشباب- حزم أمتعته في 12 فبراير بعد خطاب التنحي؛ فتوقف الوريث «الشرعي=شباب» عن الحراك السياسي والتفاعل المجتمعي والوجود المؤثر اليومي في الشارع المصري من خلال إطروحات تكمل دائرة ثورته التي بدءها؛ الهتافات: (عيش.. حرية.. كرامة إنسانية)؛ (عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية).. توقف الشباب عند حد الهتافات ولم تتبلور لديهم طريقة علمية مدروسة وعملية واقعية تتناسب مع حال الأمة المصرية لتترجم إلى افكار فـ تتحول إلى مفاهيم فـ تحملها قيم جديدة تؤثر في سلوك الفرد بداية من شاطئ الثغر المطل على البحيرة المتوسطية جنوب القارة الأوروبية.. فيتغلل الوجود المصري العلمي والأكاديمي فيالقارة العوز ليصل غلى القارة الأمريكية الغنية والكندية.. ممتداً وحتى نهاية بحيرة ناصر؛ فيمتد تواجدها في الظهير الأفريقي الثري الغني، ومن شواطئ البحر الأحمر الملاصق للبيت العتيق فخطوات ليصل إلى شبه القارة الهندية فالصين إلى نهاية بحر الرمال الأعظم وخطوات آخرى ليصل إلى مضيق جبل طارق فالأندلس .. اكتفى الشباب بـ لقب «ثوري» على «الشبكة العنكبوتية»؛ ثم تحرك متخبطا الوريث «السياسي = تنظيم الإخوان + الإسلام السياسي» صاحب شعار «الإسلام هو الحل» دون برنامج مطروح لأمة؛ أو إنزالات سياسية عملية لواقع يسعى الكل إلى تغييره؛ أو رؤى سياسية عملية تناسب القرن الحالي المعاش وليس نقلا فقط من ورقات السادة العلماء زمن العز بن عبدالسلام وفتاوى أحمد بن تيمية وكتابات الجلال السيوطي.. فإذ بـ الوريث «الرسمي=الجيش» يمسك بـ مقبض دفة سفينة الدولة باجهزتها ومؤسساتها.. الثورة تعني أنها تغيير سياسي وتغيير نظام حكم وتغييرفي البنية الإجتماعية؛ إذ أن حركة الضباط الأحرار أدت إلى ثورة فـ تغير نظام حكم من ملكي إلى جمهوري؛ فسقوط طبقة الباشوات وكبار الملاك والإقطاعيين؛ ووجد وسط سياسي جديد؛ وليس بالضرورة أن يكون صالحاً.
ــــــــــــــــــــــــ
(*) كُتبت ورقاتٌ كثيرة في وعن وحول الأحداث التي تمت يوم الخامس والعشرين من يناير 2011؛ وما تلاه.. كما كتبت ورقات حول مظاهرات الثلاثين من يونيو 2013؛ وفهم إدراكي لما يسمىٰ بالإسلام السياسي(!)؛ وقدرته وقبلها فهمه لإسلام النبي الخاتم وطريقة ونهج وسيرة الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الهم عليه وآله وسلم .. مازال هناك العديد من الزوايا لم تكتمل الرؤى من خلال الأحداث؛ ومازالت هناك شهادات تحتاج لسماع أو مراجعة أو فحص أو دراسة... ما يسطره كاتب هذه السطور ليس تأريخاً بل إعادة قراءة للمشهد..
محمد فخر الدين الرمادي.
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى)

 «أجعل أمريكا عظيمة.. فليساعدني الآله»

الحدث الأبرز في مستهل العام الميلادي 2017 هو تنصيب دونالد جون ترَمب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لمدة أربع سنوات؛ أمام الرئيس الجديد مهام صعبة. وإن عانت الأمة الأمريكية من انقسام في الرأي ووجهة النظر في مسألة أو قضايا؛ فديموقراطية الغرب تعني حرية التعبير عن الرأي والحرية الشخصية وحرية التملك وحرية الإعتقاد.. فـ استطلاعات الرأي تظهر أن 56% تعارض وجوده في المكتب البيضاوي، أما زمن أوباما يعني منذ 8 سنوات كان 48% ترفضه؛ فهذا يوم أمريكي ديموقراطي بامتياز.
توجه ترَمب برفقة زوجته الحسناء إلى كنيسة القديس يوحنا قرب البيت الأبيض في واشنطن، وذلك للبدء في مراسم التنصيب قبل أن يتناولا الشاي مع أوباما؛ المنتهية ولايته وزوجته في البيت الأبيض.
العالم بأسره أمام الأمركة بحذافيرها؛ بعنا الغالي النفيس للحصول على كارت الإقامة بها؛ نحن نعيش ونتعايش الطراز الأمريكي بتفاصيله منذ أزمنة؛ فقد تربينا سنوات مع نمط الحياة الأمريكية من خلال الأفلام الأمريكية والمسلسلات المتلفزة وصار لنا خبرة بطريقة عيشهم؛ وصار نموذج المرأة الأمريكية هو المعروض في وسائل الإعلام؛ وكم تمنينا الحصول على السيارة الأمريكية؛ وتمتعنا بالموسيقى الأمريكية؛ وتراقصنا معها؛ وكان من مستلزمات البيت العربي الثلاجة الأمريكية؛ وفي المطبخ العربي تجد التفاحة الأمريكية.. ومع علو سقف المصالح وإرتفاع مبنى المنافع قال في نهاية القسم ونائبه :«ساعدني يا رب! ».. كما شكر شعوب العالم لحظة التنصيب.
يلاحظ :
- إلى حد بعيد الجو الإحتفالي في موسكو والمناخ الجنائزي في دول أوربا وبعض مناطق العالم العربي؛ مع إرتفاع الجنية الإسترليني قليلا؛ وايضاً الروبل الروسي مواكبة لتنصيب ترَمب.
- ان هزال أداء باراك بن «الحسين» أوباما سنوات حكمه؛ وضعف إدارته أدى إلى ذهاب أصوات الناخبين الأمريكيين إلى صندوق إنتخابات ترَمب؛ عام 2001 زمن بوش الإبن يشبه انتصار ترَمب وقتها كان منافسه آل جور؛ التصويت الشعبي كان لصالح خصم بوش أما المجمع الإنتخابي فنجح بوش الإبن.. عليك أن لا تنسى أن وزيرة خارجية أوباما السيدة هيلاري بلعت العلقم بفضائح بيل-زوجها- في مكتبه البيضاوي كي تصل إلى هذه اللحظة؛ ثم خسرت الإنتخابات، وهي التي ساندت تنظيم ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية» المختصر إعلامياً بـ«داعش»؛ ومراهنتها على حصان تنظيم الإخوان في الحصول والبقاء على كرسي الحكم في دول ما يطلق عليها منطقة «الشرق الأوسط»؛ وقبلها تم ترشيح الطرق الصوفية للقيام بهذا الدور ولم ينجحا -أقصد الإدارة والطرق- وأخترع مصطلح «الإسلام السياسي»؛ وبلعته بعض الجماعات الساذجة سياسياً وهضمته وهي الضعيفة فقهياً مقابل مصطلحات غريبة واردة من الغرب نفسه كـ الإسلام «الراديكالي» «الأصولي» «المتشدد» «السلفي» الجهادي.. المهم في الأمر تنظيم/فرقة /جماعة تسير وفق الأجندة الغربية؛ ويسهل قيادتها وقد تعاونت الكثير من حكومات المنطقة في إنجاح هذا المشروع؛ وليس ببعيد نجاح تنظيم «القاعدة» بقيادة اليمني أسامة بن لادن وخلفه المصري أيمن الظواهري على أيدي نظام حكم مبارك مصر وتمويل وطيران مجاني من دول الخليج.. وحتى كتابة هذه السطور لم يفهم أحد الدرس.
- يلاحظ الإنقسام الشديد الصارخ بالنسبة لفئات في الشارع - وإن غازل حلم الطبقة الإجتماعية الوسطى إثناء حملته الإنتخابية- يجاورها مؤسسات تعارض فوزه داخليا؛ وعملية الإمساك بزمام هذه التحركات المعارضة لسياسته التي أعلن عنها ستكون بيده وإدارته؛ إذا أحسن التعامل معها بأفعال مرضية على أرض الواقع وتصرفات ترضي المواطن الأمريكي أولاً؛ أما بقية سكان المعمورة خاصة الدول التي يطلق عليها عالم ثالث أو بتعبير ارق قليلاً دول «نامية» -ترمَب استخدم لفظة العالم «المتحضر»؛ وقصد به العالم الأول، فليس لهم -سكان العالم الثالث؛ وفق التقسيم الديجولي- وحتى سماع خطاب التنصيب قدر مقبول محترم في أجندته؛ سوى المصالح التي تجنى من مغازلتهم؛ فهو رجل أعمال (مقاول) في المقام الأول.
- أنه نادى بإصلاح أجهزة المخابرات (CIA) الحالية؛ وتحدث فقال لن تكون أمريكا كالقديمة.
- وصرح بالقول أن نظام التعليم يترك شباب أمريكا بلا معرفة.
- وسوف يتوقف عن تمويل ولايات تسمح بوجود مهاجرين غير شرعيين (التقدير يصل إلى 11 مليون في أمريكا؛ منهم 2 إلى 3 مليون اصحاب جرائم جنائيا سيعودون لبلادهم؛ هذه الخطوة أعتبرها البعض سياسة منطقية.
- غلق حدود أمريكا أمام دول تصدر الإرهاب.
- الأمن القومي الأمريكي في المقدمة؛ مثال: مع مصر دولة فيها قيادة قوية؛ فهل يسمح بدخول أحد منها إليها؛ بخلاف دولة كـ سوريا.
- إلغاء بعض قرارات الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته؛ فهل هذه الإجراءات كأنها حرب مع الماضي، وعليه أن يضع بصمته.
- هناك إتفاقيات مع كوبا ابرمها الرئيس السابق؛ فكيف سيتعامل مع هذه الملف.
- ماذا يستطيع أن يفعل مع الملف المـزمن اليمني؛ خاصة أن دول المنطقة (إيران والسعودية ودول التحالف) في مضيق بحري هام للتجارة تتصارع فيه.
- إذن في بداية عام 2017 يعيش العالم لحظة فارقة في تاريخ السياسة الأمريكية وتحركها ومواقفها تجاه العالم؛ سواء في القارة الأوروبية( الإتحاد الأوروبي)؛ الصين ودول أسيا؛ منطقة الشرق الأوسط؛ أو قل الجميع يقف فوق صفيح ساخن قابل للإشتعال منتظرا الأيام القليلة القادمة لما ستسفر عنه قرارات وتصرفات الإدارة الأمريكية الجديدة.
- القادم الجديد للبيت الأبيض لديه مهارة أن يستفذ الحزب الجمهوري؛ ويستفذ الإعلام والإعلامين؛ ثم يجمع خاصية العناد.
- مقدمات المشهد الفوضوي: يوم السبت أحتجاجات تعم القارة الأمريكية فيتوقع بعض المراقبين أن يتجاوز عدد المحتجين نصف مليون . فـهل نبرة حديثه كصفعة قوية ضد الأقليات والمهاجرين غير الشرعيين والسود؛ قد تلغي شرعيته؛ فعن السود رفض لويس رفيق أكبر مَن دافع عن حقوق الأقليات مارتن لوثر الحضور في مراسم التنصيب.. في المقابل: 50 شخصية أبقاها ترَمب في وظائفهم فعلى المدى القصير لن يكون هناك تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية .
- في واشنطن مظاهرات في الشارع لحظة تنصيبه؛ وحتى كتابة هذه السطور اعتقل أكثر من 200 محتجاً من 60 حركة إحتجاجية؛ وتخريب المحلات وتكسير واجهات السيارات وإلقاء سلات القمامة في عرض الشارع وإشعال النار في إطارات السيارات.. إستخدام العنف؛ الشرطة عملت على وقف المسيرات كي لا تصطدم بمن يحتفل بتنصيب الرئيس الـ 45.. مع احتجاجات في بعض مناطق من العالم فعلى الجانب الأخر من المحيط تجد في لندن برلين ميونخ وطوكيو ومانيلا وفي بيت لحم حرق صورته بعد أن داسها معترضون. وفي العاصمة الإسبانية مدريد رفع متظاهرون لافتات تحمل صورا لباراك أوباما كُتب عليها "أمل" وأخرى لترَمب كتب عليها "كراهية"؛ وفي ليما بـ بيرو، شجب متظاهرون موقف ترَمب من حقوق النساء في هونغ كونغ، وقيد متظاهر نفسه أمام بوابة القنصلية الأمريكية، لكن الشرطة قامت لاحقا بإبعاده عن المكان.
- انقسام أكثر حدة عند المحللين السياسيين خارج الولايات المتحدة الأمريكية بين معارض له وبين مؤيد؛ لكل منهما دليله ووجهة نظره.
- نتفق أن المصالح هي التي تقيم علاقات بين الدول وليس الصداقة أو مراعاة حقوق الإنسان؛ فـ ترَمب كان ديموقراطياً فتحول للحزب الجمهوري؛ حين وجد فرصة نجاحه أكبر؛ فالعبرة أن كفة الفوز تلزمه الميل إلى جانب معين.. فهو رجل أعمال برغماتي ليس له تأريخ سياسي؛ فهو لم يتربى في الوسط السياسي الأمريكي؛ أو ينشأ بين رجال الحزب الأزرق أو الأحمر ولم يتم تحضيره أو إعداده في المطبخ الأمريكي السياسي التقليدي.. وهو يقود حركة اصلاح في الطبقة المتوسطة وهو ليس منها؛ لا يمثل مَن انتخبه؛ كما يلاحظ غياب إنسجام مع الحزب الذي يمثله؛ يوصف بأنه شخصية ارتجالية؛ ليس أمين في كلامه هاجم هيلاري وذهب بماله للصين وبنجلادش لرخص العمالة هناك.
- ومع كل ذلك يحضر مراسم تنصيبه أربعة من رؤساء أمريكا السابقين: باراك أوباما؛ جيمي كارتر؛ جورج بوش الإبن-لم ينتخب ترَمب-؛ وتغيب الأب لنصائح طبية لحالته الصحية؛ وبيل كلينتون وهيلاري ليس باعتبارها خصمه في الإنتخابات بل كـ مرافقة لزوجها كما حضرت السيدات الأُوَّل في البيت الأبيض مع أزواجهنَّ.
ثم أدى الرئيس الأميركي دونالد جون ترَمب اليمين الدستورية لتسلم الرئاسة الأميركية رسميا منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية (45).
وتلا ترَمب، كلمات القسم، الذي لقنه إياه رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية، القاضي جون روبيرتس: "أنا، دونالد جون ترَمب، أقسم أن أؤدي بإخلاص واجبات رئيس الولايات المتحدة الأميركية، قدر استطاعتي، وأن أقوم بصيانة وحماية والدفاع عن دستور الولايات المتحدة الأميركية". ووعد الرئيس الأميركي، ترَمب، يوم الجمعة، بتحديد مسار التنمية في البلاد وحول العالم لسنوات عديدة قادمة. وقال في خطاب القسم: "سوف نحدد مسار أميركا والعالم لسنوات عديدة قادمة". وأردف "إننا سنواجه تحديات، ولكننا سننفذ هذه المهمة". وأكد: "نحن، الأمريكيون، اليوم، شرعنا بجهد وطني كبير، لإعادة بناء بلدنا". وأعلن عن نقل السلطة من واشنطن للشعب الأميركي، وقال: "حفل اليوم له أهمية خاصة جدا. لأننا لسنا ننقل السلطة من إدارة إلى أخرى أو من حزب إلى حزب آخر فقط. نحن ننقل السلطة من واشنطن للشعب". وعلق حول "الإسلام الإرهابي المتطرف"، قائلا: "سنقوم بتعزيز التحالفات القديمة، وبناء أخرى جديدة، لتوحيد العالم «المتحضر(!)»، في المعركة ضد الإرهاب «الإسلامي» المتطرف، والذي نريد أن نمحوه من على وجه الأرض".
- خطاب التنصيب ركز على السياسة الداخلية؛ ومراعاة المصالح الأمريكية في المقام الأول، فهناك مناخ عام جديد في العالم بأسره؛ يواكب ثورة 25 يناير 2011 التي غيرت المنطقة العربية بأسرها تلاها خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وقد غيرت نظرة أوروبا للإتحاد أو كادت؛ مع صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في دول الإتحاد الأوروبي مثال إنتخابات الرئاسة لجمهورية النمسا الإتحادية وسبقها حصول تلك الأحزاب على نسبة عالية في التصويت في الإنتخابات البرلمانية .
- ما أعلنه الرئيس الأمريكي الجديد يصدم مع الكونغرس؛ مع معايشة ظروف اقتصادية سيئة ومستوى معيشة متدني لذا فهل الحزب الجمهوري يوافق على بعض مشاريعه كقانون رعاية صحية مع تغيير إقتصادي وقيام مشروع بنية اساسية وبرامج لرفع الطبقة المتوسطة بين الساحلين اي وسط القارة الأمريكية؛ وهي القاعدة للحزب الجمهوري؛ كما سيواجه مشاكل في خطط الحزب الجمهوري. ومع مبادئ التجارة الحرة والفكر الرأسمالي فالحزب الجمهوري رأسمالي بحت؛ وهو يغازل الشعب بجعل الأمر بيده والحكومة تخدمه كما أصطدام مع الحزب الجمهوري بتحدي الشركات الأمريكية. إذ أن 37 دولار ثمن ساعة عمل داخل أمريكا ولكنها تصل إلى 40 في اليوم في المكسيك؛ ودولار ونصف في دول شرق أسيا.
- ولكنه أختار فريق عمل ذا كفاءة وخبرة تمكنه من السير قدما في رعاية شؤون أمته الأمريكية.. أما الأمة الإسلامية أو العربية فليس لها سوى الله يرعاها.
وكاتب هذه السطور يتساءل ويسأل القارئ: ما الدافع عند الآخر ليقوم برعاية شؤون عربي أو مسلم!؟؛ او بصياغة آخرى : ما الذي يدعو غير مسلم وغير عربي أن يحل مشاكل ويرعى قضايا عربية إسلامية!؟؛ وما هو العائد مِن حلها أو رعايتها!!.. إن لم يكن للآخر مصلحة ومنفعة كي يضع قدمه في المنطقة... كاتب هذه السطور يستبعد نظرية المؤامرة؛ ويركز على نظرية المصالح التي تجلب والمنافع التي تستحضر .
- الخطاب مخيب للأمال لحالة التعايش من إنقسام؛ إذ أن الخطاب نرجسي وإنعزالي.. هذا ما يراه البعض في خطاب ترَمب الأول؛ فهل هي محاولة لكسب الآخر المعارض في إستعلاء!؟، لقد أساء إلى الآخرين من الرؤساء السابقين؛ 17 شهرا ولم يتغير كثيرا.
- إعادة وظائف وإلغاء أتفاقية التجارة الحرة؛ فهو يقول عن نفسه:" أنا الممثل لكم لأعيد أمريكا إلى مركز الصدارة أمريكا أولا وأخيراً .
والآخر - كـ محلل سياسي - يقول أن الخطاب يوافق تماماً ما بدء به من لهجة ونفس البرنامج من قبل إثناء الحملة الإنتخابية فالنبرة من لم تتغير .
- غالبية القنوات الفضائية من خلال محليلها وصفته بأنه راديكالي متطرف.. تلفزيون أمريكا مع تحياته للرؤساء السابقين؛ أساء لهم؛ رسائل داخلية بأمتياز إذ انه قال ما يريد أن يسمعه بعض الناس بتبني رؤى جديدة.
- ونأتي لقضية هامة جوهرية ومحورية أقصد: أولاد المهاجرين -أبناء العائلات غير الشرعيين- الذين أتوا بدون تأشيرة وهم صغار ويصلحون كـ مصدر عمل كما يعتقد أوباما.
- ما هو العمل مع الضمان الصحي.
- مخالفة للقانون الأمريكي حين يقول العمل للأمريكي فقط.
- الإتفاق النووي مع إيران يحتل أولوية وإعتبار إيران مصدر تهديد في المنطقة؛ فـأدان ترَمب الإتفاق أولاً؛ ثم تغير موقفه إلى تطبيق كل البنود بدلا من تغيير أو إلغاء الإتفاق؛ مع استمرار العقوبات الإقتصادية؛ وهي منذ سنوات. فأمامه بعض الملفات الشائكة الساخنة:
- يبدي أكثر محبة للسياسة الإسرائيلية: بنقل السفارة؛ محباة لتل أبيب للقدس إذ أن زوج ابنته له تأثير عليه فهو يهودي الديانة؛ وسوف يتولى هذا الملف.. وعلى الدول العربية أن تحضر نفسها من الأن لما سيحدث لتتخذ موقفا مناسباً من هذه النقل.
- ملف سوريا ودعوته بإقامة كيانات.
- الإرهاب؛ داعش؛ القاعدة
- دول الخليج؛ وله علاقات مع شخصيات في الخليج= بلدان النفط. ولكنه يقول في الماضي دفعت أمريكا للدفاع عن الأصدقاء والحلفاء، أما في المستقبل لن ندفع؛ جهود ذاتية من البلاد الخليجية للدفاع عن نفسها؛ الحقيقة أنه يحتاج لتلك الدول للتواجد الأمريكي كشرطي للعالم؛ مع تغيير طفيف في الدور.
- لن تتوقف المساعدات المالية والعسكرية في العراق؛ إذا تغير رجال الحكم.
- فهل نصفه بأنه غاوي كلام.. أم إثناء إدارة شؤون حكومية يتعلم كيف يدير حكومة كاملة بها آلاف وآلاف من الموظفين فإدارة أمور حكومة تختلف عن كتابة تغريدات في الشبكة العنكبوتية.
- هاجم النخب التي أثرت على حساب الناس؛ وهي مهاجمة صريحة لمن سبقه؛ فالدولة الأمريكية دولة ديموقراطية وليست من دول الحاكم الواحد.
- يشكر بقية شعوب العالم على ترشيحه؛ فماذا قدموا له.
- إهانات لرؤساء ولسياسيين سابقين يصفهم بأنهم يتكلمون ولا يفعلون شيئا "خطبة نرجسية "
- خطاب محلي للغاية لم يتطرق لدور امريكا في العالم قائد العالم الحر.. غازل الأمريكان في الوظائف اقل 38 % نسبة المهمشين هم من حصل منهم على أصوات.
- المواطن الأمريكي لا يهتم بالشأن الخارجي بل يعنيه تفاصيل حياته اليومية.. مسارات إحتجاجات تفسر الحالة: ماذا بعد التنصيب:"الإقصاد يحدد السياسة الأمريكية" مصلحة الداخل مرتبطة بالخارج فالإرهاب وصل لعقر دارهم .
- ديموقراطية أمريكا تعطي حقاً لإعتراض سلمي للتعبير عن وجهة النظر والرأي.. بيد أن أعمال الشغب (64 مجموعة) في واشنطن خرجت عن السيطرة.. وأيضا في نيويورك.. توجد بعض الإعتقالات في بعض الولايات... فتوجد الأن حركة أحتجاجية.. من حق الشعب أن يسحب ترشحه أو يغير رأيه (ترمب لا يمثلني). لا ننسى أن كارتر حزبه كان ضده؛ جورج بوش الابن وريغان أحضرا معاونون كانوا من الفريق الآخر.
- هناك «كيمياء» بين الرئيس المصري وبينه.. علاقة جيدة بين سيسي مصر وترَمب أمريكا في ملف محاربة الإرهاب؛ وبين الرئيس الروسي بوتين وبينه؛ سيتعاون مع روسيا للقضاء على داعش؛ الأول رأى فيه أنه يعمل على رفع شأن شعبه؛ والثاني معجب بسياسته ويرى إمكانية التعاون معه دون تحديد وتقليل الترسانة النووية مع الروس؛ وتواجدها في أوربا الشرقية. الأول وفق وجهة نظر الرئيس الأمريكي الجديد يحارب بالفعل الإرهاب المتمثل في الجماعات التي تدعي إسلاماً أو تلبس عباءة إسلامية؛ كما أنه يركز النظام المصري على الشعب كما يقول ترَمب، والثاني يعمل على إيجاد موضع قدم لدولته -روسيا- في منطقة الشرق الأوسط؛ وشرق أوروبا ويريد أن يلعب دورا جوهريا في السياسة العالمية؛ أما الأول فيظن أنه قادر على لعب دور القائد في منطقة مشتعلة ولكنه يحتاج لرجال حوله.. خذله البعض خلال العامين الماضيين.
- سلفه أوباما جمع كل الكروت لدعم الجماعات الإرهابية ضد أسد في سوريا؛ ودعم الإخوان في المنطقة العربية.
- تعهد بالقضاء على الإرهاب الإسلامي وكذا نظام متطور ضد إيران وكوريا الشمالية. فهل سيصطدم مع الصينيين؛ وهذا مما دعى الرئيس الصيني للتواجد في منتدى دافوس، فهل هناك هواجس مع أوروبا الشرقية؛ أو هواجس مع المنطقة الخليجية أو الصين.
- تحديات تواجه أمريكا: منها إغناء دول على حساب أمريكا؛ ودفعت امريكا المصاريف والتكاليف؛ تدخلت إدارة بوش وأوباما في العراق وسوريا وليبيا ووجدت تداعيات خطيرة على هذه الدول وايضا على أمريكا. فهل فعلا من تحالفات جديدة؛ هل يقصد بالفعل روسيا ويرغب في التنسيق مع روسيا للقضاء على الإرهاب.
- يبحث عن إنشاء تحالفات جديدة: مع حكومات وأنظمة الشرق الأوسط؛ ومصر ستكون في القيادة لمحارية الإرهاب. والعدو القديم لم يعد عدوا جديدا مثل: روسيا اليوم.
- ولعل اول قرار يتخذه: تصنيف الإخوان جماعة إرهابية؛ وليست المرة الأولى في عرض هذا الأمر؛ مع وجود إرادة سياسية لذلك؛ ودعوة من الإدارة المصرية لزيارة ترَمب خلال الست الشهور الأولى لمصر.
- إلغاء الشراكة عبر الأطلسي؛ والشمال الأمريكي مع كندا والآخرى مع المكسيك: وتوجد معارضة من النخب؛ خاصة أنهم أخرجوا الوظائف إلى الخارج؛ وهي قضايا التجارة الحركة والعولمة. وبدءَ في ولاية إنديانا؛ وشركة جنرال موتورز؛ ومؤسسة علي بابا بمليار دولار لوظائف للأمريكان. إعادة بناء الإقتصاد الأمريكي.
- سياسة أمريكا في عهدي بوش الإبن وأوباما في الشرق الوسط دمرت المنطقة ودعمت الإرهاب.
- الإدارة والحكم ينتقل إلى الشعب؛ نظام واشنطن هو الحاكم مصالح الشعب الأمريكي هي المقدمة في رعاية الشعب؛ الأمريكان يعملون وليس الأجانب؛ تغيرات في سياسة أوباما داخليا وخارجيا شخصيات الحكم تختلف عن إدرة أوباما سياسيا؛ فهناك مؤشرات تبين أن هناك تغييرات في السياسة الخارجية
- تدفع أمريكا بمفردها ما يقارب 70% من ميزانية حلف شمال الأطلسي
- لم يؤثر غياب أعضاء رسميين عن حضور مراسم التنصيب في الإحتفال وإتمامه؛ مقاطعة الإحتفالات من أكثر من 25 شخصية؛ كانت هناك احتجاجات زمن نيكسون خاصة بسبب حرب فيتنام؛ واحتجاجات في عهد بوش الإبن فقد قاطع جمهوريون أوباما.
يتبقى أن نقول :
- أنه خطأ فادح أن تعتمد الإدارة السياسية العربية على حلول لمشاكلها الداخلية تأتي من البيت الأبيض وقد جرب العرب هذا كثيراً تهميش من إدارة اوباما للقضية الفلسطينية؛ وسبقه سلفه بكذب صراح من إدارة بوش الإبن بوجود أسلحة دمار شامل بأرض العراق؛ ثم إفشال دولة؛ بوش فشل في العراق وافغانستان من خلال فرض وجهة النظر؛ أوباما دخل في ليبيا
- وإنتحار سياسي أن لا يقوم الساسة العرب بحل مشاكلهم باعتمادهم على أنفسهم فليس الراعي الأوروبي أو الأمريكي أو الروسي وحتى التركي براغب في حل مشاكل المنطقة العربية بأسرها ناهيك عن قضايا الأمة الإسلامية.
- ضحك على الذقون أن المنظمات الإقليمية كـ جامعة الدول العربية؛ مجلس التعاون الخليجي؛ مجلس التعاون الإسلامي تقدر أن تؤثر في المشهد السياسي الإقليمي أو العالمي أو تغيره.
- خطأ قاتل أن تعتمد الأمة الإسلامية ومنها العربية على حلول تأتي من الغير؛ فالذي أوجد تنظيم داعش وأنعشه إدارة الرئيس السابق أوباما؛ واحتضن تنظيم الإخوان؛ والإدارة الأمريكية من خلال وزيرة الخارجية السمراء خلقت الفوضى الخلاقة في المنطقة.
كما يتبقى أن نقول :
- مبدأ 100 يوم الأولى من الحكم -صاحب هذا المبدأ روزفيلد- سيكشف لنا قدرة الرئيس المنتخب الجديد في قدرته على حسن ركوب موجات وعود عديدة إثناء حملته الإنتخابية وإثناء إلقاءه خطاب التنصيب؛ فهل يقدر على تحقيقها!!!.
„ بحث تمهيدي لمستقبل أمة أمريكية؛ لا تفكر في مستقبل الأمة العربية ‟
السبت 21 يناير 2017
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)

التنسيق فيما بينهم!
«الفكرةُ لا تنجح لصحتها بل لوجود مَن يؤمن بها!»

دون تفصيل.. نُشرَ(1) في الإسبوع الماضي رؤوس أقلام عن الهيئة الإسلامية الرسمية والتي مِن أدوارها المهمة للغاية الرعاية الدينية لشؤون مسلمي جمهورية النمسا؛ فتعلم أن لديها مكتب إفتاء(!)، ولها صلاحيات فتح قنوات إتصال مباشر مع مؤسسات الدولة وأجهزتها، وبصياغة مجملة تحدثنا عن الأكاديمية الإسلامية مع التلميح بأنها تصلح مركز بحوث؛ ومن أدوارها إعداد وتخريج مدرس دين إسلامي يصلح لتعليم تلاميذ المستوى الإبتدائي وطلاب المستوى الإعدادي؛ ويقوم بعمل «مساچ» لنفسية متلقي التعليم الديني في المدارس الحكومية الرسمية؛ كما وشهادته معترف بها في دول الإتحاد الأوروبي؛ ولم نتحدث عن المعهد التربوي...
أما الهيئة الثالثة المتواجدة على أراضي القارة الأوروبية -جمهورية النمسا فتحت مسمىٰ:
٤. ٣. ) مجلس تنسيقي(2) لمؤسسات وجمعيات اسلامية؛ إقترح الفكرة فضيلة الدكتور الوالد عبدالله المصلح زمن زيارته للمركز الاسلامي بفيينا بتاريخ: 28 أغسطس 2005؛ وقد لاقى الإقتراح ترحيباً مِن النواة(3) الأولى لهذا المجلس:
١. ) . المعهد التربوي الإسلامي؛
٢. ) . مصلى الهداية؛
٣. ) . مصلى ابن تيمية؛
٤. ) .الاتحاد الاسلامي التركي (مللي جروش)؛
٥. ) . اتحاد المراكز الثقافية الاسلامية في النمسا (السليمانية)؛
٦. ) . مصلى بيت المكرم؛
٧. ) . مصلى البوسنويين؛
٨. ) . مصلى الامام البخاري؛
٩. ) . مصلى المدينة.
تميَّز هذا الإجتماع الأول بتنوع ملحوظ محمود لمَن يمثل مسلمي مقاطعة فيينا العاصمة؛ مع وجود مشاركة معهد تربوي إسلامي في تأسيسه الأول وهو جهة علمية بحثية؛ وهذا ما ينقص التجمعات العربية والإسلامية وايضاً الدولة النمساوية؛ عضو الإتحاد الأوروبي؛ فتجد المسلم مِن اصول عربية يجلس بجوار المسلم التركي أو البوسنوي أو الباكستاني أو البنغالي... ثم إن الإجتماع الدوري الشهري يعطي فرصة ذهبية لتبادل الأراء/الأفكار والخبرات والمشاركة العملية العلمية لأصحاب الفكر والقلم مِن الأعضاء(!). فيترتبُ على الخبرات المكتسبة والأفكار النيرة والأراء المستنيرة التعاون الكامل بين أعضاء المجلس في عدة نواح؛ لصالح المسلم الوافد.. وعائلته مثل تعليم ابناء المسلمين في المصليات لغة القرآن الكريم وحسن تحفيظه سواء ترتيلا أو تجويداً؛ مع قدر معقول لتفسير آياته؛ وعقد مؤتمرات وندوات وألقاء محاضرات؛ ايضاً معالجة بعض القضايا الإجتماعية والثقافية بصحيح الدين. أو متابعة الشباب في كافة مراحل نموهم الفكري والجسدي. وعقد حلقات إلتقاء لتبادل وجهات النظر مع مؤسسات الدولة وأجهزتها ذات العلاقة والتي يعيش فيها وعلى أراضيها مسلم وعرض ما يصلح... وبناء الشخصية الإسلامية-عقيدة وأحكاما شرعية كالطهارة والشعائر- خاصة للنشأة من أبناء الجيل الثاني والثالث.
وما يؤخذ على هذه النواة التعبير الذي ورد في المحضر الأول إذ كُتب :" تم بحمد الله وعونه الاجتماع... مع العاملين والمتعاونين بالمركز الاسلامي " .
ونتساءل: ما هي المعايير التي وضعتها إدارة المركز الإسلامي؛ كي يعتبر هذا التجمع أو ذاك صالحاً للتعاون معها!؟.
الموقف الرسمي من هذا المجلس تم تفاديه بذكاء: وهو طبيعة العلاقة مع الهيئة الإسلامية المعترف بها رسمياً أمام الدولة بأجهزتها والحكومة النمساوية؛ كي لا يُفهم أن المجلس التنسيقي هذا أنشأ-كجسم دخيل أو غريب- كـ بديل عن الهيئة أو مساوٍ لها... وإن جاءت الفكرة من منطقة الخليج العربي.. وفي لقاء لي-لمعالجة هذه الجزئية- مع رئيس الهيئة وقتذاك بروفيسور أنس الشقفة أقترح الأستاذ أن يصلح للهيئة أن تكون عضوا مراقبا في حضور جلسات المجلس التنسيقي.
مع بزوغ شمس عام ٢٠١٧ مر على تأسيس النواة(4) = 9 أعضاء عشرة أعوام وزاد على عمر المجلس التنسيقي عاما مما يلزمنا جميعاً إعادة النظر بما هو موجود على الساحة العربية والإسلامية من أفكار وحراك وتصرفات وأفعال؛ مع إتخاذ موقف واضح لعديد من القضايا والأمور التي جددت؛ وبلورة فكرية لكل ما يطرح؛ وضرورة تأهيل وعاظ المصليات إذ ملقى على عاتقهم دورا جديدا لم ينتبهوا إليه بعد أحداث جرت وأمور وقعت.. فيلاحظ أنهم في واد والواقع المعاش يخبرنا جميعاً عن واقع آخر.. الرياح التي هبت على المنطقة العربية فتم تغيير أنظمة؛ وسبقها طريقة تربية حكام لشعوبهم أضف الإنتماءات الحزبية والولاءات؛ وفوق رؤوس الجميع كللت المصالح الفردية واعتلتهم المنافع الشخصية فأوجدت شخصا تراه في مصلى بإزدواجية في نفسيته وعقليته وسلوكه؛ فيرتدي عباءة صنعت في الصين ويرتدي ثوبا خيوطه حيكت بيد بنغالي وقدماه فوق سجادة نسجت في بلاد تركب الفيل وساعة أذان تقليد من تايوان... ولا يفكر أن يجمع هذه الصنعات في يده هو.. أو يسعى من خلال عضويته في تجمع ما لمركز الإدارة.. أو تسمع منه أو عنه في منتدى لا يحسن كتابة جملة واحدة بلغة قرآنية صحيحة أو يشاركك الفيسبوك فيفصح عن دواخله فيفضح حاله؛ غذ هو مسلم مودل 2017...
أختصر القول.. فأقول: غاب التنسيق-مع ضرورته في الغرب- فصار كل فريق/فرد يسعى لمصالحه دون مصالح المجموع؛ وأنقسم ما هو متفتت وتناثر ما هو متبعثر...
المؤلم أن المحاولات تكررت.. والمفزع الوصول إلى نفس النتيجة...
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَى)
٤. ٤ ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما يكتب وينشر على موقع استروعرب نيوز بقلم كاتب هذه السطور... يُسطره وفق ما لديه من معلومات؛ وقد يشوب ما يُكتب وجهة نظر الكاتب.
(2) كاتب هذه السطور شهادته مجروحة؛ فقد تولى منصب منسق المجلس.
(3) د. عبدالله بن عبدالعزيز المصلح؛ من مواليد قبيلة ومديرية الحداء محافظة ذمار منطقة الكميم: نشأ وتربى في مدينة الرياض؛ التحق بمعهد الدعوة بالرياض ومنه نال الشهادة الثانوية؛ ثم التحق بكلية الشريعة بالرياض وتخرج فيها عام 90/91 هـ . عين معيداً بكلية الشريعة عام 1391هـ؛ أكمل الدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ونال منها شهادة الماجستير والدكتوراه. عمل عميداً لكلية الشريعة واللغة العربية في أبها عام 1396هـ .وعمل مديراً لفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالجنوب. استمر في عمادة كلية الشريعة وأصول الدين ومديراً لفرع الجامعة في الجنوب في الفترة من 1396 وحتى 1415هـ . ألف مجموعة من الكتب. وجاء في المحضر الأول بتاريخ 28/08/2005 ما نصه :" تم بحمد الله وعونه الاجتماع في يوم الاحد في المركز الإسلامي بفيينا في لقاء فضيلة الشيخ د. عبدالله المصلح مع العاملين والمتعاونين بالمركز الاسلامي وقد تم اقتراح انشاء نواة لمجلس تنسيقي بين الجمعيات والهيئات الاسلامية بالنمسا وقد لقى الاقتراح قبولا من الحاضرين وتم الاتفاق على دعوة عدد من أئمة المساجد والجمعيات لجلسة تاسيسية لانشاء هذا المجلس على أن يتم توسعته لكل من رغب الاشتراك فيه إلى ان يشمل كل الجمعيات والهيئات والمؤسسات الراغبة في التنسيق والتعاون فيما بينها وقد تم اقتراح البداية بالاسماء الاتية:... " اثبتها في متن المقال.
(4) بعون الله تعالى ارتفع عدد الأعضاء في عام 2008 إلى 55 عضواً؛ وقبل مغادرة كاتب هذه السطور منصبه وصل بفضل الله تعالى عدد الأعضاء إلى 90(!).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مكة المعظمة؛ الثلاثاء: ١٢ ربيع آخر ١٤٣٨هـ ~ ١٠ يناير ٢٠١٧ م


شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا