السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
النمسـا اليـوممفكـــــرةخدمات & طوارئ النمسـا الوطـنإخترنـا لكإعلانــــــاتحـوار صـريحمجتمــــــعهيئة التحـريرمواقع إلكترونيةتواصـــل
 
 

محمد الرمادى
فيينا / 20
21

حول ذكرى مولد النبي- صلى الله عليه وسلم -

في شهر ربيع الأول من كل عام يقيم المسلمون حفلات الذكرى لميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فينصبون السرادقات، ويرفعون الإعلام، ويلقون الخطب، ويذيعون الأحاديث، ويكتبون الفصول، يشرحون للناس فيما يخطبون ويذيعون ويكتبون سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو ناحية من نواحي سيرته، ويذكرون تشريعه وأحكامه، وطريقته في التأديب، وإنهاض النفوس وتهذيب الأخلاق. يذكرون أطواره التي مر بها في حياته قبل البعثة وهو طفل رضيع في صحراء بني سعد، وهو غلام يرعى الغنم بمكة، وهو شاب قوي جلد يتجر ويسافر، ويحضر حرب الفجار وحلف الفضول.
ثم يذكرون دعوته وكيف بدأت سرية ثم كانت جهرية. ويذكرون ما ناله من أذى قومه، واضطهادهم له، وتضييقهم عليه حتى أخرجوه من دياره وأمواله إلى المدينة، فكانت الهجرة، وكانت الحروب، وكان التشريع والأحكام إلى أن نزل قوله تعالى بعد ثلاث وعشرين سنة من مبعثه: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً ﴾ [المائدة: 3].
يحتفلون على هذا النحو في يوم أو أيام، ويقولون: إنها ذكرى، ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]، ولقد كان المسلمون في عصورهم الأولىٰ لا يعرفون احتفالاً خاصاً يقام في مثل هذه الأيام بقصد إحياء ذكرىٰ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا يرون أن عظمته ليست من جنس هذه العظمات التي يألفها الناس في أفذاذهم ورجالهم، والتي يخلعها الزمن علىٰ بعض الناس في بعض نواحي الحياة. لم تكن عظمته صلى الله عليه وسلم من جنس هذه العظمات المحدودة في نوعها، والمحدودة في أمدها. لم تكن من جنس هذه العظمات التي يخشىٰ عليها من الضياع والتلاشي في بطون الأزمان والأيام؛ فيحتاج بقاؤها في أذهان الناس إلىٰ مذكر.
كانوا يعرفون أن عظمته صلى الله عليه وسلم ليست من جنس هذه العظمات، وإنما هي العظمة الخالدة التي ينبغي أن تكون دائماً قارّة في النفوس، ماثلة في القلوب، ممتزجة بالدماء، مؤاخية للعقيدة. لذلك كانت هذه العظمة المحمدية ظاهرة في قولهم إذا نطقوا، في حركتهم إذا تحركوا، في سكونهم إذا سكنوا، في جميع شئونهم الفردية والاجتماعية، السرية والعلنية، الدنيوية والأخروية، فهي عظمة قد رسمت لهم باطن الحياة وظاهرها، وحدودها ودوائرها، لم تقف عند ناحية من نواحي الحياة، بل لم تقف عند حدود هذه الحياة الفانية، فشملت جميع نواحي الحياة وامتدت إلىٰ الحياة الآخرة فكشفت لهم عن حجب غيبها، وصورت لهم ما يكون للمحسن فيها من نعيم، وما يكون للمسيء فيها من شقاء.
لم تكن عظمته عندهم بانتصار في معركة، ولا برأي في علم، ولا باختراع في صلاح، ولا بنظرية في أرض ولا سماء، وإنما كانت عظمة عامة وشاملة، ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإسراء: 9- 10].
بهذا آمَن المسلمون في عصورهم الأولىٰ يوم كان الإيمان قوياً في النفوس، تشتعل جذوته فتلتهب الجوارح، وتُبذل الأنفس، ويضحىٰ بالأرواح في ترسّم خُطىٰ تلك العظمة والجد في معرفتها، ونشرها علىٰ العالم مهذبة نقية حتىٰ تحيا بها النفوس وتطمئن إليها القلوب، وبذلك كانت جميع أيامهم وجميع أوقاتهم ذكرىٰ عملية لهذه العظمة، ذكرىٰ عملية يتمثلون فيها مبادئه وأحكامه وإرشاداته الحكيمة ويسيرون علىٰ نهجها، فكانت حالتهم مثالاً صادقاً ومرآة صافية تُرىٰ منها عظمة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر بحاجة إلىٰ مذكر بعظمة هم فيها سابحون، وبنورها مهتدون.
كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم أعظم قدراً وأجل شأناً من أن يكرَّم كما يكرَّم آحاد الناس بخطبة تلقىٰ أو حديث يذاع، أو فصل يكتب.
كرمه الله وليس بعد تكريم الله تكريم، وخلد اسمه في كتابه الخالد، فذكر اسمه الصريح، وذكره بوصف الرسالة مبعث العظمة، وذكره بوصف العبودية لله الواحد، وذكره بعظمة خُلقه، وذكره برحمته للمؤمنين، وبرحمته للناس أجمعين، وذكره بأنه المزكي للنفوس، والمعلم للكتاب والحكمة. ذكره بكل هذا كما ذكره بالتبشير والإنذار، وبأنه شهيد علىٰ أمته، وبأنه صاحب المقام المحمود، وجعل محبته من محبته، وطاعته من طاعته، وذكره في كتابه الخالد بهذا وبغيره من أوصاف التكريم بل من الأوصاف التي طبعه عليها وصاغه بها؛ بياناً لحقيقته، ورسماً لوظيفته.
لم يقف التكريم الإلهي لمحمد صلى الله عليه وسلم عند هذا الحد، بل جعل له ذكراً في الأولين إذ كتبه في التوراة والإنجيل، وبشر به علىٰ لسان عيسىٰ بن مريم، وجعل له ذكراً في الآخرين إذ قرن بينه و بين اسمه الكريم في كلمه التوحيد التي بها يكون المرء مسلماً، والتي هي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وإذ جعل المناداة باسمه جزءاً من الأذان الذي يكرر في كل يوم خمس مرات بصوت مسموع؛ إيذاناً بالصلوات المفروضة، وجمعاً للمسلمين علىٰ عبادة الله، وفي التشهد كلما صلىٰ مسلم فرضاً أو نقلاً. فكم إذاً من ملايين تفتر شفاهم، وتنطق ألسنتهم بذكر محمد صلى الله عليه وسلم في كل يوم و ليلة كلما أذن مؤذن أو أجاب مجيب، أو صلىٰ مصلٍّ أو آمن مؤمن، أو تلا قارئ أو حدّث محدث.
لم يكن بعد هذا كله ما يُلتمس أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومتى كانت هذه العظمة تنسىٰ حتىٰ تُذكر؟! ومتىٰ كان هذا التكريم يخفىٰ حتىٰ يظهر؟! تلك روح خص الله بها نبيه ومصطفاه، لم تكن لتخفىٰ علىٰ قلب يؤمن بالله وبرسوله الله.
آمن الأولون بهذا كله، آمنوا بأن تمجيد رسولهم وتكريمه إنما يكون عن طريق اتباعه وإحياء سنته والتحلي بأخلاقه، وإقامة شرعه ودينه. آمنوا بهذا واعلموا أن الإيمان الحق يثمر المحبة الصادقة؟ وللمحبة الصادقة حقوق وعليها تبعات، فمن حقوقها: المتابعة لمن تحب، والرضا بما يرضيه، والغضب لما يغضبه. ومن تبعاتها تحمل المشاق والتضحية بالنفس في سبيل رضا المحبوب.
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: 24]، ((لا يؤمن أحدكم حتىٰ يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما)).
ظل المسلمون كذلك حتىٰ ضعفوا واستكانوا، فانطفأ نور تلك العظمة من قلوبهم، وأقفرت بصائرهم من أسرارها، ولم يبق لهم منها إلا صور مرسومة بحروف في الصحف والكتب يرجعون إليها كلما عاودتهم ذكرىٰ تلك العظمة، وكلما تذكروها في شهر ربيع.
طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وأعرضوا عن تعاليم تلك العظمة، وصاروا لا يذكرونها إلا إذا ذكروا ميلاد صاحبها، فوضعوها في مستوىٰ العظمات الأخرىٰ التي يألفها الناس في أفذاذهم، وجاروا الناس في تكريم عظمائهم بأساليبهم: بالأناشيد، والأزجال، والأنغام، وبالصور والزينات، وبالخطب والإذاعات، وتفننوا في المحاكاة حتىٰ صاغوا عظمة محمد في أسلوب روائي قصصي، وقالوا: تلك قصة المولد الشريف.
وما كان لعظمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون قصة وهي الحقيقة الخالدة، وما كان لها أن تنسىٰ وهي التهذيب الإنساني الدائم.
ولكن هكذا ابتدع المسلمون هذا الأسلوب من التكريم، وصار لهم ليالٍ معدودة كليالي شم النسيم وليالي عيد الفصح ووفاء النيل. وهكذا ابتدع هذا الأسلوب كأثر من آثار الضعف حينما ابتلي المسلمون بالقول دون العمل، وحينما انقطعت الصلة العملية بين المسلمين وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابتدع هذا الأسلوب من التكريم بعد أن لم يكن، فهل بحث الناس عن سبب ابتداعه؟
وهل تساءلوا عن السر في أنه لم يكن ثم كان؟
هل انصرفوا إلىٰ هذا الجانب الذي كان يرجىٰ أن يعرفوا منه أسباب ضعفهم؟
كلا؛ ولكنهم انصرفوا إلىٰ البحث في كونه بدعة أو ليس بدعة؟ وإذا كانت بدعة فهل هي بدعة حسنة أو بدعة غير حسنة؟
وهكذا اختلفت بهم المذاهب، وتعددت الآراء، وظلوا إلىٰ يومنا هذا بين محبِّذ ومنكر؛ شأنهم في كل شيء تناولوه بروح الجدل الذي صرفهم عن العمل، وما ابتليت أمة في حياتها بشر من كثرة القول وقلة العمل، وقد ابتلىٰ الله المسلمين بالجدل في كل شيء فصرفهم عن العمل بمقدار ما جادلوا، جادلوا في العقائد، وجادلوا في الأحكام، وجادلوا فيما ليس من العقائد ولا من الأحكام، وجادلوا في كلماتهم وألفاظهم، وجادلوا حتىٰ في القواعد التي وضعوها للجدل!! وهكذا صار الجدل شغلهم الشاغل، فتلهوا به عن فهم الإسلام، وعظمة الإسلام وسرد دعوة الإسلام، تلهوا به عن فهم كلام الله، وعن إدراك مقومات الحياة التي لا تستطيع أمة أن ترفع رأسها إلا بها، واكتفوا بذكر محمد صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع، وأنه علىٰ خلق عظيم وأن شريعته صالحة لكل زمان ومكان، فانخفضت رؤوسهم، والتوت أعناقهم، وضعف سلطانهم، وتفرق شملهم، وتناثرت عزتهم، وشغلوا بالقول ونسوا دينهم، ومنبع عظمة نبيهم أساسه العمل، ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾ [التوبة: 105].
أيها السادة: لا نعلم في القرآن ولا في تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم آية واحدة أو حديثاً واحداً يجعل سبيل السعادة مجرد القول، بل نراهما يُنيطان النجاح دائماً بالعمل، وينعيان علىٰ القوّالين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2-3 ].
نعم قد نجد القول في شيء من الآيات والأحاديث ولكن مقروناً بطلب العمل، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ [فصلت: 30]، ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر: 18]، ((قل: آمنت بالله، ثم استقم)).
وهكذا كان صاحب الرسالة صلوات الله عليه فعالاً لا قوالاً، كان فعله أكثر من قوله، ذلك أن القول إذا لم يتبعه العمل كان الإيمان بالقائل ضعيفاً، وربما عُدَّ القائل الذي لا يعمل منافقاً أو مخادعاً، ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 8 - 9].
ولقد كثر في أيامنا الدعاة إلىٰ الخير وإلىٰ الفضيلة وإلىٰ الإصلاح وإلىٰ الإنقاذ ولم تتجاوز دعواتهم حناجرهم، فعادت عليهم بالخسران والوبال، وسيخرجهم الزمن طوعاً أو كرهاً من صفوف المصلحين، وسيعلم الناس أنهم فيما يدعون كاذبون، وأنهم فيما يقولون مخادعون، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون.
كان النبي صلى الله عليه وسلم معلماً بالعمل لا بالقول، وكان داعياً للفضيلة بالفضيلة تفيض من نفسه، وكان قدوة في أعماله، وأسوة بأفعاله، يتوضأ ويقول لأصحابه: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)) لم يشرح لهم فرضاً ولا سنة ولا مستحباً، كان يصلي ويقول لأصحابه: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، كان يحج ويقول: ((خذوا عني مناسككم))، لذلك كان عظيماً، وعظيماً فوق العظماء.
ولنذكر لكم بعض المثل العملية في ناحيتين من نواحي تلك العظمة العملية، ناحية تربيته للنفوس على الفضائل، وناحية إصلاحه للمجتمع إصلاحاً منظماً ثابتَ الأركان، مدعّم الجوانب.
1- طريقة الرسول في التهذيب:
يقول الله تعالىٰ: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَىٰ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164].
ولنقف في هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾.
التزكية تطهير النفوس، وتقويم الأخلاق. ولذلك طريقان:
أحدهما: شرح للأخلاق الطيبة من مزايا وآثار تعود علىٰ المرء وعلىٰ المجتمع بالخير والسعادة، وهي الطريقة
الوحيدة التي يعتمد عليها دعاة الإسلام ورؤساؤه اليوم.
والثاني: ضرب المثل العملية في هذه الأخلاق الفاضلة، ليرى الناس آثارها بأعينهم، وتنفعل بها نفوسهم فيتسابقون إلىٰ التحلي بها، والانتفاع بآثارها.
وهذا الطريق الحكيم هو الذي سلكه محمد صلى الله عليه وسلم في تزكية النفوس، وتقويم الأخلاق، وكان قليلاً ما يكتفي بالطريق الأول.
1- كان يدعو إلىٰ الرحمة، ويضرب المثل العملية في جميع تصرفاته، وليس أدل علىٰ هذا من موقفه من قومه، وقد كادوا ما كادوا، فجاءه جبريل يقول له: إن الله قد علم ما رد به قومك عليك، وقد أمر ملك الجبال أن يصنع ما شئت بهم، فناداه ملك الجبال: مرني يا محمد بما شئت؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت. فماذا كان جوابه؟ ماذا كان جوابه وقد أتته القوة التي لا تبقي ولا تذر؟ ماذا كان جوابه وقد مُكِّن له من الذين نكلوا به وبأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم؟ كان جوابه: لا. بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله!
وجاءه عمر بن الخطاب بعد غزوة أحد وقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح علىٰ قومه فقال: ﴿ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَىٰ الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ [نوح: 26]، ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا عن آخرنا، فلقد وُطِئَ ظهرك، وأُدمي وجهك، وكسرت رَباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيراً، فقلت: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)).
لذلك يقول الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، ويقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: من 128].
2- كان يعلمهم العفو عند المقدرة:
تجلىٰ ذلك منه عملياً يوم الفتح، يوم أن دخل مكة ظافراً منتصراً يكاد رأسه يمس سرج فرسه من الخضوع، يوم أن دخلها في خضوع المؤمنين لا في صلف الجبارين و المتعنتين، وقد اجتمع حوله أقطاب قريش وصناديدهم ينظرون ما هو فاعل بهم، تصطك مفاصلهم، وترتجف قلوبهم من هول ما ينظرون؛ جرياً على عادة الفاتحين المتغلبين. يومئذ قال لهم: ((يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
وقد قصده غورث بن الحارث ليفتك به وهو نائم في حر الظهيرة تحت شجرة بعيداً عن أصحابه وهم جميعاً نائمون، فأحس صلى الله عليه وسلم بحركة فانتبه فإذا رجل قائم علىٰ رأسه والسيف مصلت في يده قائلاً: ((ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال: الله يمنعني منك ويعصمني)).
فسقط السيف من يد الرجل، فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم وقال للرجل: ما يمنعك مني يا أخا العرب؟! فقال حلمُك وعفوك. فتركه النبي وعفا عنه. فرجع الرجل إلىٰ قومه مسلماً يقول لهم: جئتكم من عند خير الناس)).
وجاءه رجل لم يسلم وكان له دَين عليه: جاءه يتقاضاه دَينه، فجذب ثوبه عن منكبيه، وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ، ثم قال: ((إنكم يا بني عبدالمطلب مُطْل، فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا وهو كنا إلىٰ غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي))، ثم قال: ((لقد بقي من أجله ثلاث، وأمر عمر بأن يقضيه ماله، ويزيده عشرين صاعاً؛ لما روعه))، فكان سبب إسلامه.
ولقد كان رسول الله عليه وسلم شجاعاً كأتمّ ما تكون الشجاعة، لم يكن شجاعاً بالقول فقط، وإنما كان شجاعاً بالفعل، وفي ذلك يقول علي رضي الله عنه: ((لقد كنا إذا حمى البأس، واحمرت الحدق؛ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلىٰ العدو منه. ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي وهو أقربنا إلىٰ العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً))، وكان الشجاع هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو؛ لقربه منه.
وليس يعرف التاريخ قائداً بطلاً كمحمد صلى الله عليه وسلم، فرّ أصحابه من موقفهم يوم أحد متلهين بالغنائم، مخالفين عن أمره: ألا يبرحوا الشعب ولو رأوه وأصحابه يُقتلون، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي بنفسه عن قوسه حتىٰ اندقت سِيَتُها، وأحاط به نفر من المسلمين يدفعون عنه ويحمونه، وترّس أبو دجانة بنفسه دون رسول الله، فنحىٰ ظهره والنبل يقع فيه.
ووقف سعد بن وقاص إلىٰ جانبه يرمي بالنيل دونه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناوله النيل ويقول له: ارْم فداك أبي وأمي. وأصيب النبي صلى الله عليه وسلم فوقع لشقّه، وكسرت رباعيته، وشج وجهه، وكُلمت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر - الذي يستر به وجهه - وفي وجنتيه، ولكنه مع هذا تمالك نفسه وأخذ ينادي المسلمين: ((إلي عباد الله.. إلي عباد الله))، فإذا به يقع في حفرة حفرها المشركون ليقع فيها المسلمون، فيأخذ علي بيده، ويرفعه طلحة بن عبيدالله حتىٰ يستوي.
موقف من مواقف البطولة لا يعهد لقائد غير رسول الله، وفي هذا الموقف العملي يقول الله في كتابه العزيز: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 152- 153].
ولقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يشترك مع أصحابه فيما يفعلون من شئون الحرب كأنه جندي من جنوده، وكان يحمل التراب في غزوة الخندق علىٰ كاهله، وهو يعلم أن فيهم من يكفيه ذلك راضياً مسروراً، ولكنه يضرب لهم الأمثال بما يفعل، ويثير في قلوبهم حماسة الإيمان.
3- إصلاحه لنواحي المجتمع:
كان له صلى الله عليه وسلم طرق عملية في تأديب الذين ينحرفون عن واجب الإيمان، وسبيل المؤمنين المخلصين، فقد تخلف بعض أصحابه عن الخروج إلىٰ غزوة من الغزوات، ولم يقدموا عذراً يشفع لهم في هذا التخلف، ولما رجع الرسول وصحبه إلىٰ المدينة جاءه أولئك المتخلفون وصدقوه الحديث، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم مقاطعتهم حتى عن رد السلام وإلقائه، وفي هذا التأديب الذي أقره الله عليه يقول الله تعالىٰ: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 117- 119].
هكذا كان تأديب النبي لأصحابه وتربيته لأخلاقهم.
كان الإصلاح الإلهي للأمم أنجع الأدوية يقدرها الحكيم العليم الخبير بناء علىٰ علمه بحالة المريض وبما تحتمله صحته وجسمه. وقد وزع الإصلاح علىٰ الرسل كما وزعت الرسل علىٰ الأمم، فلما كمل استعداد الإنسانية لتلقي جميع أنواع الإصلاح أرسل خاتم الأنبياء إلىٰ جميع العالم، مذكراً بما مضى من إصلاح إخوانه المرسلين، متماً لرسالة الله معمماً الناس أجمعين، فجاءت رسالته إصلاحاً عاماً شاملاً، ولم يترك سبيلاً للسعادة إلا شرعه، ودعا إليه، ولا آخر للشقاء إلا منعه ونفر منه، ولم يعرف العالم هذا الإصلاح الشامل العام قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].
1- أصلح العقيدة، وكانت من قبل بين الإفراط، كانت بين عقل ينكر الله، ولا يعترف بوجوده، ويقول: ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ﴾ [الجاثـية: 24]، وبين داع يدعو مع الله إلهاً آخر، ويشرك به ما لا ينفعه ولا يضره فجاء بالعقيدة القويمة: أنباهم بأن ربهم واحد، وأنه هو القادر العليم الحكيم المستحق وحده للعبادة، وأن تتوجه القلوب إليه، فكرم بذلك الإنسان، وأزال وصمة الشرك والعبودية لغير الله.
ثم أمد هذه العقيدة بمدد دائم روحي لا ينقطع، يذكر بها ويعين عليها؛ أمدها بالصلوات التي تصل بين العبد وربه، وتذكره كل يوم خمس مرات بخالقة ومنشئه، وتنهاه عن الفحشاء و المنكر، وأمدها بالصوم تمريناً على الصبر، وتعويداً على الطاعة، ومراقبة لله في السر والعلن. أمدها بالزكاة، تمريناً على العطف والبر والرحمة، والرفق بالمحتاجين، وشكراً لله تعالىٰ الذي منح الأغنياء ما في أيديهم من الأموال، وبارك لهم فيها.
2- وكما أصلح العقيدة وأمدها بهذا وأمثاله من ألوان المدد؛ أصلح المجتمع، والإصلاح في الأمم إنما يعتمد علىٰ عُمُد، ويقوم علىٰ أسس لا ينهض بدونها، ولا يثمر ثمراته إلا بها: إنه يعتمد علىٰ العلم والمال والأسرة ونظام الدولة، والصحة العامة والقوة والعدل. وفي هذه الدوائر يرسم الإسلام برنامج إصلاحه الشامل:
1- حث علىٰ العلم، وسوّى فيه بين الرجال والنساء.
2- وضع نظاماً للتعامل بالبيع والشراء والإجارة والوصية والميراث، ونحو ذلك، من شأنه أن يبطل النزاع، ويزل الفساد ويقضي علىٰ أسباب الفتن.
3- وضع نظاماً للأسرة يقيها الانحلال ويربط برباط المحبة والتعاون، للزوج فيه الحقوق، وللزوجة حقوق، وللأبناء حقوق وللآباء والأمهات حقوق، وضع هذا النظام دقيقاً شاملاً لكل علاقة من علاقات الأسرة صغيرة أو كبيرة، موافقاً لما يقضي به العقل والعدل والرحمة وحسن الصلة.
4- جعل للدولة نظاماً في حكومتها، ومحكوميها، وفي علاقتها بغيرها من الدول، وفي سلمها وحربها ومعاهداتها.
5- أمر بالمحافظة علىٰ صحة الشعب العامة، وعلم الأفراد النظافة بالغسل والوضوء، ومنع الضرر الناشئ من العدوىٰ والوباء.
6- حث علىٰ اتخاذ الحيطة، وإعداد القوة، لتكون الدولة قوية الجانب، مهيبة في عيون أعدائها.
7- أمر بالعدل في كل شيء، بين الحاكم والمحكوم، بين السادة والمسودين، وبين الأغنياء والفقراء، وبين المتقاضين بين المتعاملين، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [النساء: 135]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8 ].

أيها السادة: ذلكم قل من كثر من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وهديه، التي كان سلفنا بها عاملين، وعلىٰ نهجها سائرين، والتي أصبحنا من بعدهم لها ذاكرين وبالذكرى مكتفين!
قولوا ما شئتم ولكن لا تكتفوا بالقول: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105].
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].
________________________________________
حول ذكرى مولد النبي
الشيخ محمود شلتوت
المصدر: مجلة الهدي النبوي، العدد الثالث لسنة 1362هـ.

ميلاده أم موته

احتفالية :«ميلاده»؛ أم تعاذي :«موته»
بمناسبة قدوم شهر :«ربيع الأول»
..حين تضعف الأمة الإسلامية -مع بقاء صبغتها الدينية التي تميزها عن بقية الشعوب والأمم؛ وترتدي وشاح مناسبات دينية علىٰ مدار السنة الهجرية وتتلحف بمعطف أعياد موسمية علىٰ مرور الأيام والشهور؛ وتلبس ثياب جديدة بمناسبة إحتفاليات دورية؛ ويشوبها مظاهر تدين تقليدي.. أقترب من الكهنوتي كــــ حج وعمرة وصلاة جمعة ومراسيم زفاف وعقيقة مولود؛ فتزدهر أسواق البيع والشراء لمستلزمات هذه المراسم-..
أقول(الرَّمَادِيُّ) حين تضعف الأمة الإسلامية بمجموع افرادها في فهم الإسلام وتبيانه وحمله مع شرحه بصورة ملفتة للنظر؛ حينها يختفي النبهاء مِن ابنائها.. ويغيب العقلاء في أركان ربوعها.. فتضعف معها الأجهزة الحيوية ومؤسسات رعاية الشؤون وممارسة الحكم داخلياً وخارجياً.. تلك المؤسسات والأجهزة التي تسيرها كأمة ذات رسالة وسيادة فتغيب عن جميع شؤون حياتها المؤسسة الرعوية التي تنظمها وتسيّر شؤونها وتتولىٰ أمرها.. وتتخلف بل تختفي كأمةٍ بين الشعوب الآخرىٰ وبقية الأمم.. يختفي وجودها كــ أمة ذات رسالة مؤثرة فهي وظيفتها الأصلية: أي هداية الناس لأفضل السبل وفق منهاج خاص.. وإن بقيت في غرفة إنعاش التاريخ منذ أزمان؛ ولم تفق بعد(!).. فيتبقىٰ وحالها من الضعف والخوار ما يسعد الأعداء ويحزن فيبكي الأصدقاء.. ولكن حالة الانشقاق والتَّهَرُّؤ والفوضىٰ وغياب الدولة الراعية لجميع شؤون رعاياها -بغض النظر عن دينهم وبغض الطرف عن انتمائتهم ولون بشرتهم ومنطق لسانهم- هذه الحالة التي تضرب مناطق كثيرة، قاربت الحافة الأخيرة.. إن لم تسقط بالفعل.. فتتبقىٰ مظاهر الحزن وجلد الذات كما يحدث مع شيعة العراق - مثلا؛ وعند الشيعة عموماً- بمناسبة تأتي في العام لمقتل حفيد رسول الإسلام: الحسين بن علي -رضي الله عنه- ويتبقى صوت مبحوح بالإنشاد والتغني بأمجاد الأجداد.. ومما زاد الطين بلة وصار ضِغْثاً علىٰ إِبَّالَةٍ(*) إنه قد تم تقليد الغرب فوُجِدت مؤسسة دينية كهنوتية في كل قطر من اقطار تلك الأمة علىٰ غرار المؤسسة الدينية الغربية.. وكل منها منفصلة عن الآخرىٰ.. كــ وزارات الأوقاف؛ والهيئات الرسمية ذات المسمىٰ الإسلامي سواء المحلي أو الإقليمي أو العالمي كــ منظمة التعاون.. ونأتي بمثال ممن قلدناهم.. فــ المؤسف حقاً المخجل صدقاً -كما أعلن الراعي الأول لتلك المؤسسة الدينية الكهنوتية- ما طالعناه في وسائل الإعلام العربية والعالمية -يوم الثلاثاء: الخامس مِن أكتوبر الحالي لهذا العام- في دولة فرنسا ما اصدرته منظمة حيادية بدأت عملها منذ عام 2018م لرصد وتوثيق ما تم مِن أحداث تخدش الحياء الآدمي وتجرح الضمير الإنساني فيسيل على جبين التاريخ دماء الإساءة لبراعم الطفولة مِن الفترة الزمنية: 1950~2020م عن فضائح في المؤسسة الدينية(**) الرسمية طاولت 216,000 قاصرا تم الإعتداء عليهم.. 80% منهم ذكور؛ ولعل البناء الهرمي لتلك المؤسسة الدينية في الغرب ساهم بشكل فاعل في مثل تلك التجاوزات فتم ذلك -أيضاً- إذ حدث في النمسا وألمانيا؛ ولا أريد أن استحصي هذه الظاهرة المخجلة والتي تندي الجبين بل تغرق الإنسان في وحل الخطيئة مع أطفال قُصر.. هذا جانب.. والآخر: اقول أن الهرم قد اصاب المؤسسة الدينية الرسمية في بلاد المسلمين؛ والهيئة الرسمية في الغرب.. فترىٰ علىٰ الهواء مباشرةً ما حدث ويحدث في سوريا منذ ما يزيد عن عشر سنوات عجاف؛ مِن فساد وظلم وإرعاب وإرهاب فتشريد وترحيل الملايين وقبلها ما حدث ومازال يحدث في العراق؛ وحدِّث ولا حرج عن ما يجري منذ سنوات في سويسرا الشرق -لبنان- ثم ما يجري في اليمن السعيد فليبيا فالمغرب فتونس فالجزائر.. وفضائح الفساد المالي في جزيرة العرب.. وفي الغرب الإعتداء اللفظي والمعنوي.. وعدم العمل الجدي من المصليات والهيئة في تهيئة شباب الغد منذ الطفولة بكيفية التعايش مع/في بلاد الغرب!.
وهذا كله لا يتناسب مع أمة الإسلام.. !
لكنه الواقع الحالي المرصود ونحن في الربع الأخير من العام 2021م والربع الأول من العام 1443 هــ. يشهد بذلك.. و يتبقىٰ احتفاليات موسمية وأعياد دورية ومنها إذ هلَّ ربيع الأول.. يتذكر البعض مولد سيد البشرية فيحدث إنشاد دون دراسة سيرته العطرة وتعليم سنته !!.
وهنا المؤلم حقاً أن نتذكره-صلى الله عليه وآله وسلم- لحيظات في السنة وثوان في العام.. فماذا عن بقية سنته العطرة وماذا عن بقية افعاله وأقواله وتصرفاته!!..
«„الجزء الأول”»
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ضِغْثٌ عَلَىٰ إِبَّالَةٍ؛ الإبَّالة: الحُزْمَة من الحَطَب، والضِّغْث: قَبْضَة من حشيش مختلطة الرطب باليابس، ويروىٰ" إيبالة" وبعضهم يقول " إبَالَة" مخففاً، وأنشد:
لِي كُلَّ يَوْمٍ مِنْ ذُؤَالَةْ ... ضِغْثٌ يَزِيدُ عَلَىٰ إبَالَهْ
ومعنىٰ المثل بَلِيَّةٌ علىٰ أخرىٰ.
(**) العدد يصل إلىٰ "330 ألفا طفل برئ إذا ما أضفنا المعتدين العلمانيين العاملين في مؤسسات الكنيسة الكاثوليكية" من معلمين في مدارس كاثوليكية وعاملين في منظمات للشبيبة وغيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
‏الخميس‏، 01‏ ربيع الأول‏، 1443هــ ~ ‏07‏ أكتوبر 2021م
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــالدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ- حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

مقارنة أم مقاربة(*)ـ

„ ما إن تنبت شجرة جذورها في مستنقع عطن فاسد فتثمر فسرعان ما تذبل أوراقها وتجف فتسقط وتموت جذورها وإثناء سقوط الأولىٰ تنبت آخرىٰ.. وهكذا دواليك.. هذا وصف اشبه بالحِراك الإسلامي منذ عام 1928م.. أو ما اصطلح عليه حديثاً بــ «الإسلام السياسي» من باب التفرقة والتجزئة في الدين بدءً مما حدث زمن مِصر المَلكية؛ ومِن بعدها مِصر الجمهورية فسوريا فالسودان فإيران الشيعية فتركيا العلمانية فغزة تحت الاحتلال ومروراً بتونس فالمغرب.. وحالياً بأفغانستان..ـ ‟.فــ „ الفساد لا يتفاقم بفعل ذاتي، وهناك عاملان يسهمان في تحوله إلىٰ وباء، الأول التعامي الرسمي عنه، خصوصاً عندما يكون هذا الفساد رسمياً، ومغطىٰ بشرعية شكلية، وشرعنة دينية، والثاني هو تحوله إلىٰ ثقافة، ووجهة نظر تبدأ بالهمس والدخول علىٰ استحياء، وبقدر مِن التستر مِن أبوابه الخلفية، ثم يعلو الصوت ويصبح كل شيء متاحاً مباحاً لغياب الكوابح، فيدخل من الأبواب الرسمية الأمامية.. فمَن كانوا يمارسون الفساد خلسةً وبمهارة قادرة علىٰ إخفائه، لم يعودوا بحاجةٍ إلىٰ تبديد الوقت وضياع الجهد مِن أجل الإخفاء، فثمةَ ما يشبه الشرعية الثقافية؛ والشرعنة الدينية الكهنوتية التي تحوّل ما كان موضوعاً للاستهجان والاستنكار إلىٰ أمر مسموح بل مباح ومألوف ... ‟.
رَّدحٌ مِن الدهر والأمم والشعوب ذات الصبغة الدينية الإسلامية الظاهرة علىٰ السطح تعاني مِن عدم إمكانية إنزال النظرية الإسلامية إلى موقع التطبيق؛ وتفعيلها في مركز التنفيذ، وهذه المعاناة تعود لأسباب إنسانية بحتة؛ فالميول الإنسانية المتدنية للمرء والأطماع النفسية البهيمية له والرغبات الآدمية الآنية عنده تجنح بالمرء إلىٰ مستنقع الفساد العطن؛ وإن تمكنت منه أطراف النظرية تمكن العين مِن محجرها؛ إلا إن «الأنا»؛ والسيطرة؛ والتملك و«الحكم»؛ والسلطة.. و«المال» تتقدم علىٰ الإدراك الصحيح والفهم المستنير والاستيعاب الكامل على التغيير وفق مبادئ النظرية الإسلامية والتي تربت عليها أجيال، ودرستها منفصلة عن التطبيق؛ أو بتعبير مختصر ودقيق «الضعيف الشديد الذي طرأ علىٰ أذهان المسلمين في فهم الإسلام كما جاء من مصدريه : القرآن الكريم والسنة العطرة».. فمنذ أن عَلَت العلمانية الأتاتوركية وتربعت علىٰ ربوع تركيا الحديثة(!)؛ بعد أن أُسقطت السلطنة العثمانية بمساعدة الغرب في عام م1924 مع ملاحظة أن العلمانية الأتاتوركية تختلف عن مثيلتها الفرنسية أو الأمريكية؛ وأيضا التركية الحالية؛ منذ ذلك الحين ويصب في مجرىٰ وعي الشعوب ومدركات الأمم ذات الصبغة الإسلامية الظاهرة وجذورها المدفونة في ذاكرة التاريخ -ولا أقول الأمة الإسلامية؛ إذ أنها غير موجودة بالفعل لا في الأحداث ولا في التأثير عليها ولا في مجرياتها بل هي شعوب وأمم مفعول بها؛ وليست فاعلة- .. إذاً فمنذ عام م1928 وتصب -ضمن ما يُصَبُ- في مجاري الحياة اليومية لتلك الشعوب والأمم العديد مِن التيارات ذات الوشاح الإسلامي؛ ولم تفلح واحدة منها بل تزيد الشقة إتساعاً وتزداد الفجوة عمقاً بين حضور الأمة الإسلامية علىٰ الساحة العلمية أو الثقافية أو الحضارية والمدنية وبين واقعها الحالي المزري.. وهي أمة «أقرأ».. فلم يتمكن الإسلاميون الجدد المنتمون لعديد من التيارات المختلفة بل والمتعارضة أحياناً سواء تيار البنا المدرس الإبتدائي بمدينة الإسماعيلية؛ أو تيار النبهاني القاضي الشرعي خريج الأزهر؛ أو تيار سلفي؛ سواء العلمي منه وعلىٰ رأسه الألباني الساعاتي؛ أو السلفي الدعوي أو السلفي الجهادي أو تيار صوفي.. لم يتمكن أي تيار مِن هؤلاء مِن طرح مبدأ الإسلام بصورته الصحيحة والتي جاء بها بيضاء نقية رسول الإسلام -عليه الصلاة والسلام-.. والتيار الذي وصل إلىٰ سدة الحكم وتمقعد علىٰ كرسي الرئاسة لم يتمكن من البقاء سوىٰ عام في مِصر.. وعشر سنوات في البرلمان في تونس والمغرب.. فلم يتمكن الإسلاميون الجدد -الحقبة الزمنية منذ مارس 1928م وحتىٰ سبتمبر 2021م- مِن التأثير الفاعل في الأحداث أو تنفيذ مع تطبيق النظرية لمن وصلوا إلىٰ سدة الحكم واعتلوا مقعد الرئاسة.. فلم يتمكنوا من إحسان المشاركة في لعبة الحكم وفق النظام الديموقراطي -النمط الغربي-؛ كما رسمها ساسة الغرب؛ كما لم يحسنوا البقاء علىٰ النمط الإسلامي الشورقراطية كما رسمها جهلة العرب.. فلم يتبق علىٰ الساحة سوىٰ حثالة دراويش الحارة وأخيراً تيار الوعظ الكهنوتي والإرشاد الأجوف والقَصاصون!.
.. لا يمكن لمتتبع مجريات الإنتخابات البرلمانية في دول العالم المتقدم مدنياً أو دول ذات التخلف الحضاري.. لا يمكن للمراقب مقارنة أو مقاربة خسارة التحالف المسيحي(**) [ويضم التحالف كلا مِن الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)؛ ويعد الاتحاد الديمقراطي المسيحي مِن أنجح الأحزاب السياسية في ألمانيا، إذ لم يظل خارج الحكومة سوىٰ 20 سنة، مِن أصل 72 سنة تشكل عُمر الجمهورية في البلاد. والثاني هو الاتحاد الاجتماعي المسيحي الذي يعرف اختصارا بـ"CSU".] في إنتخابات ألمانيا يوم الأحد الماضي.. فقد تراجع تحالف ميركل إلىٰ مستوىٰ قياسي منخفض بلغ 24.1% بعد 16 عاماً قضتها المستشارة في حكم البلاد؛ وذلك مقابل 32.9% كان قد حصل عليها تحالفها في انتخابات عام م2017. والتحالف المسيحي الذي قصد به في الظاهر غرس : «القيم المسيحية» مِن المحبة والسلام في الحياة السياسية الأوروبية. أو ما يسمىٰ بــ «القيم الإنسانية العليا» المستمدة مِن مسيحية بولس الرسول، فلا يمكن للمراقب مِن مقارنته بما حدث في إنتخابات المملكة المغربية -وبينهما أيام معدودات- مِن تراجع الحزب الإسلامي عن الصدارة وفقدانه عددا كبيرا من مقاعده في البرلمان وخسارته مقاعد جهوية؛ أو ما يحدث الأن مِن تصدع حزب إسلامي آخر في تونس وإستقالات بالجملة خاصةً مِن الصف الأول؛ ثم غياب تام لحزب النور السلفي في مِصر عن الساحة السياسية؛ مع أن هذا الحزب قد أرسل وفداً -إثناء دعايته الإنتخابية- لمقابلة مسؤول أو أكثر في الاتحاد الأوروبي لطمأنة الغرب عن اعتداله وفتح قنوات إتصال..
هذه الظاهرة -وصول حزب ينتمي إلىٰ مرجعية دينية- تختلف آثارها في بلاد الشرق -تحت شعار الإسلام هو الحل- عن بلاد الغرب -التدين الفردي-؛ إذ :„ أنَّ القطيعة بين الدين والدولة -في الدول الغربية- اجتماعياً أمرٌ ذهنيٌّ، وليس حقيقة اجتماعية، فما زال دين رأس الدولة في كثير مِن الدول الأوروبية أمراً يخلط بين الديني والسياسي، في شخص رأس الدولة علىٰ الأقل. كما أنَّ التجربة العلمانية الفرنسية اللائكية هي تجربة لم يحدث فيها طلاقٌ بائنٌ بين ما هو ديني وما هو (زمني) دنيوي. ومع ذلك، شاعت في عالم الشفاهة عند العرب وعالم الإعلام فكرة «فصل الدين عن الدولة» بصفتها سبباً أساسياً وحيداً لتفسير تقدم الغرب، وظهور أنظمته العلمية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
الحديث عن : الدين والمجتمع، وتأثير الدين -بمفرده- علىٰ التقدم أو ينتج عنه التخلف.. حديث مبتور؛ لأن الغرق الذي نحن فيه مِن شيوع مصطلحات بعينها، مثل «تجديد الخطاب الديني» أو «فقه الواقع» أو «فقه المراجعات» وزاد أخيرا «فقه الأقليات».. أو «فقه المرجعيات» وغيرها، فيه تركيز شديد علىٰ أنَّ الدين وحده هو سبب تخلف الشعوب والأمم التي تؤمن به، أو أنَّ تفسيرنا السيئ للدين هو سبب هذا التخلف، أو أنَّ فهمنا الصحيح للدين سيأخذنا إلىٰ التقدم؛ كل هذا يقع داخل إطار «تفسير الظواهر الاجتماعية» مِن خلال متغير واحد.. وهذا.. دَّرْبٌ -المدخَل الضَّيِّق- مِن دروب الغباء، هذا ما عُلِم في أول دروس علم السياسة. ومن هذه المقولة التي تشبه القانون في العلوم السياسية، يبدء الحديث غير المنتهي حول دور الدين في تقدم المجتمعات أو تخلفها، كل حسب موقعه ورؤيته، دينية كانت أم علمانية أم غير ذلك؛ فــ التركيز علىٰ سبب واحد أو مؤثر واحد أو عامل واحد أو متغير واحد هو نوع من أنواع الخطل في التحليل، لو طبق في العلوم الطبيعية لكانت نتائجه كارثية، وشاع : لدى كثيرين في عالمنا العربي ممن ليسوا في معسكر الدين أنَّ أساس النهضة الأوروبية هي مسألة «فصل الدين عن الدولة»، دونما إدراك لــ
- عوامل اجتماعية، و
- تحولات اقتصادية و
- تيارات سياسية و
- مؤثرات ثقافية و
- نواح معرفية، و
- إثباتات علمية مثلت أموراً حاسمة في تفسير أسباب التقدم الغربي عموماً.
وقبل أن ينتهي شهر سبتمبر بزخمه فقد فرضت علينا أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، أن نرى مجتمعاتنا من منظور ديني، وأن مَن قاموا بفعلتهم الشنيعة هم نتاج الثقافة التراثية الإسلامية، وهذا ما أشارت إليه أصابع "بيرنارد لويس"، والمحافظين الجدد، وها هو نرىٰ بعد عشرين عاما من التواجد الأمريكي ثم إنسحابه فيسطع نجم طالبان وبقوة في افغانستان.. فبدأنا نفتش في نظامنا التعليمي، كأن الدين وحده هو الذي يحرك سلوك البشر، وفي هذا اختزال شديد لتفسير ظهور السلوك العنيف عند الأفراد، وكذلك تفسير التطرف، أو تفسير بيع الخمور وتجارة المخدرات أو تجارة البشر والدعارة.. أو الهجرة غير شرعية لذا يصلح أن يعاد بحث العقوبات والحدود والتعزير في الفقه الإسلامي! اضف سفر العديد مِن شباب ومسلمي الغرب إلىٰ سياحة في تركيا ثم يسرت الأجهزة التركية الدخول إلىٰ ارضي العراق وسوريا للإنضمام لــ"داعش" وقتل المدنيين وإقامة الدولة(!) الإسلامية المزعومة؛ وهي ايضا سقطت بأيدي مَن اقامها كما حدث في كل من مِصر وتونس والمغرب وغزة مع الفارق في ماذا أقاموا!.. مع تدني فهم هؤلاء الشباب والشابات للدين الإسلامي(مثال: عروس داعش: «الفتاة الإنجليزية -شميمة بيغوم- من اصول آسيوية: بنغلادش»).. بل فقط شعارات جوفاء تطرح علىٰ منصات التواصل الإجتماعي وعملية تجنيد منظمة مِن خلال الشبكة العنكبوتية؛ الشيء نفسه أصبح رائجاً في منطقتنا عندما قلنا إن سبب كل مشكلات النظام السياسي هو الإسلام السياسي مثلاً. فــ الرواج السياسي لهذه المقولات غير العلمية هو الذي يجعلنا نتغاضىٰ عن بقية العوامل المؤثرة في التغير الاجتماعي، سواء أكان هذا التغير إيجابياً أم سلبياً. المشكلة لدينا هي إغفال عوامل أخرىٰ، مثل طبيعة النظام السياسي مثلاً، مضافاً إليه نوعية الاقتصاد السائد، ومَن يقع داخله أو خارجه، والثقافة السياسية للمجتمع (الدين هو مكون من مكونات الثقافة السياسية)، وتأثير التراث وتواجد العادات والتقاليد «الإرث الثقافي» في العلاقات؛ وكذلك بنية المجتمع ذاته؛ كلها عوامل تحدد تفسير التقدم والتخلف في المجتمعات.
لماذا نحن سجناء التفسير الأحادي واختزال الظواهر الاجتماعية في التفسير الديني؟
السبب الأول هو أن جميعنا يدعي معرفة الدين، وبعضهم يتصدر أو يدعي معرفة أكبر، لأنَّ لديه تعليماً دينياً أو كان منخرطاً سابقاً في حركة إسلامية، كما أنَّ الحديث عن الدين ليس كالحديث عن الاقتصاد مثلاً. فحديث الاقتصاد يحتاج إلىٰ إلمام بأرقام حقيقية وإحصاءات موثقة، أما الحديث في الدين فكل يدلي بدلوه، بغض النظر عن المعرفة أو عدمها. حديث الدين أيضاً في المجتمعات المغلقة ساخن مشاعري عاطفي، يقسم الناس بسهولة إلىٰ معسكرات كلامية، وليست فكرية واضحة، تجعل حالة الحديث عن الدين ممسرحاً؛ أي يشبه الأداء علىٰ خشبة المسرح أمام جمهور، فيها أدوار بطولة رئيسية وأدوار ثانوية كلها ترضي غرور مَن ليس له إنجاز، فيرتدي زيَّهُ المسرحي، ويتقمص الدور، ويلقي بخطبة عصماء.
إن بداية الحل للخروج بمجتمعاتنا مِن حالة الظلام إلىٰ النور هي النظر إلىٰ كل المؤثرات التي تنتج التخلف، وليس الغرق في متغير واحد، مثل الدين. التركيز علىٰ متغير واحد بصفته مفسراً للظواهر، سواء كان هذا هو الدين أو الاقتصاد أو حتىٰ الحرية، لا يكفي لتفسير التخلف، إذ لا بد أن نقرأ المعادلة كاملة، بكل متغيراتها، والوزن النسبي لكل متغير، وإدراك أن هذا الوزن النسبي يتغير مع الوقت، فقد يزداد أهمية أو يقل. وإن لم نتجنب اختزال تفسير الظواهر السياسية والاجتماعية، فسندور في متاهة، وأعمالنا تكون قد أُحبطت نتيجة للدوران في المكان ذاته؛ ضجيج ولا تجد طحين.
في هذه المرحلة التي يراجع فيها الفلاسفة الغربيون تراث العلمانية، وعلاقتها بالتعددية والديمقراطية، واتساع المجال العام عندهم نتيجة لتعقيدات المشهد الاجتماعي فيما بعد وباء كورونا، لا يراجع العرب إشاعاتهم المنقولة بشكل مشوه عن الحداثة والعلمانية الغربية، وعلاقتها بمجتمعاتهم. وهذا ما يسمى بالإستغراب مقابل الاستشراق!
إن نصف العلم والاختزال لهو كارثة أوطاننا الأولىٰ، مع بقية كوارثنا الاجتماعية الأخرىٰ. وللدول دور كبير في الترويج لنصف العلم، وكذلك في جعل صدارة المسرح الاجتماعي مساحة يمرح فيها البهلوانات ومحدودو المعرفة أو مِن يتأبطون معارف زائفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) إعادة قراءة الواقع المعاصر مِن خِلال تجربة تيار الحراك الإسلامي خلال قرن من الزمان؛ [1] .
(**)In Deutschland gab es seit 1870 die Zentrumspartei, die zur Verteidigung des Katholizismus begründet wurde und daher kaum Protestanten anzog. Sie blieb mit 10 bis 20 Prozent der Stimmen relativ klein. Trotzdem hatte sie schon im Kaiserreich, etwa seit Ende der 1870er Jahre, durchaus politischen Einfluss. In der Weimarer Republik (1918–1933) stellte sie sogar die meisten Reichskanzler. Nach dem Zweiten Weltkrieg wurden die Christlich Demokratische Union Deutschlands bzw. in Bayern die Christlich-Soziale Union in Bayern gegründet (die CDU als Partei auf Bundesebene erst 1950). Beide Parteien treten bei Wahlen nicht gegeneinander an und haben eine gemeinsame Fraktion im Bundestag. Sie sprechen ausdrücklich sowohl Katholiken als auch Protestanten an, geben sich aber auch offen für religiös Ungebundene und Anhänger anderer Religionen. Sie vereinen sozialliberale, wirtschaftsliberale, christlich-ethische, konservative und nationale Strömungen. Über die CSU heißt es, dass sie tendenziell weiter rechts stehe als die CDU. In der Wirtschafts- und Sozialpolitik gilt die CSU hingegen als sozialstaatlicher ausgerichtet.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الأحد‏، 26‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الأحد‏، 03‏ تشرين الأول‏، 2021م
-*-*
أعد هذا الملف : د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــالدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

«„ عندما رحلتْ ”»

.. هناكَ امرأةٌ تَسكنُ بحجمِها الطبيعي داخل كل خلية حيّة مِن خلايا الرجل الذي يعشقها؛ فلا تبرحها.. وبكامل ملابس خروجها تتنزه بداخلها.. وخجلاً منه تستر نفسها فتضع فوق كتفيها شالها الحريري الأسود؛ الذي يُشبه الملايَّة اللَف الإسكندرانيّة؛ فجزءٌ عريضٌ منها يغطي جسدها.. فتلم قوامها كأنه تُمَشِقَهُ.. وجزءٌ ضئيل انزلق عفواً مِن فوق غطاء رأسها كي لا تكشف وجهها له تسعىٰ لتثبيته وكأنها في عراك دائم معه.. فالحياء شيمتها زالخجل إهابها.. أو قل حركات أنثىٰ وتصرفات امرأة كــ علامات دلال بنات الذوات.. وقادين(*) الهوانم.. وساكنات الخدور في أعالي القصور.. وبحذائها الذي لم يلامسه غبار ولم يلامس الطرقات تسير كيفما شاءت فتجدها تقبع داخل خلية هذا الرجل.. لا تفارقها.. كأن خليته غرفة معيشتها.. وكأن كل خلية مِن خلايا بدنه صارت غرفة سكن لها وحدها.. وتتخيّر كل خلية لغرض ما يخصها.. ومتعلق بشؤون حياتها..
هي ليست حبيسة عند الرجل.. بل تريد فقط الاستحواذ علىٰ كل مشاعره وتُحَصِل كافة عواطفه وتملك كل وجدانه.. ثم تتجول بين الفراغات البينية لتلك الخلايا.. لتشعره أنها موجودة في كينونته؛ وتحسسه بالفعل بوجودها داخل كيانه؛ وليس فقط بجواره على منضدة أو في الطريق أو بالقرب منه سيراً على القدام أو إثناء تناول العشاء.. وأنها الوحيدة الواحدة المنفردة بهذه الخاصيّة -الاستحواذ علىٰ كينونته كرجل- في هذا الكون وليس فقط موجودة في حيزٍ ما مِن مكان علىٰ الأرض..
.. تلك المرأة تتدفق بسهولة مع كل نبضةٍ حين تخرج دفعات دمه مِن قلبه محملة بالأوكسجين.. ومِن فؤاده تحمل خالص الغذاء لتلك الخلايا فتصل إثناء طريقها إلىٰ خلايا مخه وجذور أعصابه فتوقظه دائماً.. تنبهه إنها تراه في سكناته وتراقبه في تجواله ورامَقْت حركاته بل وتسمع همساته.. وأنها موجودة إثناء استحمامه اليومي في صباحه الباكر تناوله شامبو الشعر فتدلك أصول شعره كأنها تريد الوصول لما تحت جمجمته.. لتفتش عن ماذا يفكر!.. وتفضح ماذا يخبأ عنها!.. ثم مِن بعد شامبو الشعر يأتي شامبو الجسم.. كطفل رضيع يأخذ حمامه الساخن اليومي في حوضه الصغير لتثبت أحقية تملكها كله: جسد.. بدن.. روح.. نفس.. وجدان.. مشاعر.. عواطف..
أحياناً تظن أن المرأة العاشقة «„ أُماً ”» لمعشوقها وليست أنثىٰ ترغب في رجولته وتحتمي تحت أبطه من عواصف الزمن وتستظل برمشه من لفحة شمس الظهيرة.. وتركب ساقه عند طول السفر..
كما تثبت وجودها إثناء اختياره القميص المناسب لخروجه مع تلك البدلة وإثناء اختيار وكيفية عقد رابطة عنقه.. تجد أصابعها تسابق يده.. وإثناء تناوله فطوره سواء في منزله أو في غرفة تناول الطعام في عمله التاسعة صباحاً.. تراقب مَن يقترب مِن مجلسه لتبادل كلمات لا مضمون لها ولا معنىٰ أو نكات كررت عدة مرات.. وهي تراقبه إثناء سيره في الطريق العام.. وتراقبه إثناء صعوده للمواصلات العامة والسفر من خلالها.. وإثناء دخوله لمصلحته الحكومية.. تراقب مَن يتوقف أمامها ثوان أكثر من اللازم لتحيتها ومِن ثم الحديث معها وليس في مجال العمل أو مشاكله.. وهي من خلال سكناها في خلاياه تعلم جيداً عدد معالق السكر في قهوته الصباحية؛ وكأنها تعد حبات سكره بلسانها.. ونسبة الدهون في طعامه.. وكأنها تحسب السعرات الحرارية في وجبته.. تفعل كل ذلك لأنها أخيراً وجدت الرجل الذي أنحنىٰ في أول لحظةِ تعارف معها ليضع قبلة الاحترام فوق ظهر يدها وأطال الإنحناء عمداً ممسكاً يدها بلطف ليربكها.. ماذا ستقول هي بعد ذلك.. وهو يحسن هذا الفن -فن الارباك الأول- ويحسن أن يُظهر لها أنه رجل وليس -فقط- ذكر تحركه قطرة من هرمون الذكورة فتخشاه علىٰ نفسها لأنها لم تطمئن له بعد.. المرأةُ تريد حالة مِن الاطمئنان أولاً.. كي تعلم أهي فريسة لذكر.. فتبتعد وتهرب.. أَمْ أنها امرأة توجت منذ لحظة فوق عرش قلب رجل أعجب بجمالها من النظرة الأولىٰ.. وما سيأتي بعد ذلك قد يكون ميسوراً أو عسيراً وفق قواعد لعبة الكر والفر بين رحل وامرأة وإن استغرق قليلا أو كثيرا مِن الوقت..
.. تلك المرأة هي شهيق رئته.. وهي إذا دخلت ليس لها زفير..
.. تلك المرأة هي بطعم قهوة الصباح علىٰ الريق -ولحسن حظها.. فرفيقي لا يدخن- قالها بابتسامة عريضة كأنها تعلوها سحائب النرجيلة حين يشدها صاحب المزاج العالي بطعم التفاح.. فهو بحق مشرقي المزاج وعاش بخياله في قصور الملوك!
.. يردد أسمها :«„ (**).M .CH”»؛ فتلك المرأة استحوذت علىٰ تفكيره منذ اللحظة الأولىٰ.. علىٰ عقله عند رؤيتها للوهلة الأولىٰ.. استحوذت علىٰ جوانب حياته فقد سكنت خلايا بدنه.. وهذا ما تريده المرأة العاقلة.. الاستحواذ علىٰ الرجل.. غريزة الأم بداخلها تصاحبها منذ نعومة أظافرها حين لعبت بعروستها في طفولتها فتعامل دميتها علىٰ أنها أمها.. يجب أن تسمع كلامها وتنفذ أوامرها وتستجيب لــ ندائها وتطيع ما تريده.. فإذا انتقلت إلىٰ مرحلة سنيّة متقدمة أعلىٰ وصادفت رجلا مِن طراز رفيقي.. أرادات أن تبقيه بين يديها وفي حضنها كــ لعبتها وتحت يدها كــ دميتها ووفق طريقة تربيتها كــ وليدها.. ووفق قواعد حضانتها كــ طفلها الأول.. أما ماعدا ذلك فهو مِن المكملات.. كــ طعامه وكيفية تحضيره له وكيفية تقديمه له وما يحب وما يتذوقه وما يرغب في شرابه أو وقت منامه وساعة استيقاظه وملابسه وجريدته المفضلة للقراءة والبرامج التلفزيونية التي يريد رؤيتها.. ومتىٰ تبدء نشرة الأخبار ليعرف ما يدور في العالم من حوله وأمثال ذلك.. كلها مكملات.. والهدف عند المرأة العاقلة أن تستحوذ علىٰ فؤاده وتسيطر علىٰ عقله وتمتلك قلبه وتُشغل ذهنه فتصير هي الأولىٰ والثانية والثالثة والرابعة وهي بقية الجواري بل كلهن وهي سيدة القصر بل هي كافة إماء القصر وكل إناث الحريملك!.. فهي المرأة الوحيدة الواحدة المنفردة في حياة رجل عشقها!.. لحظتها تقدم له كل ما يرغب وإن لم ترغب هي نفسها في هذا الشئ!
رفيقي يصفها بأنها امرأة تنعكس علىٰ شبكة عينه اليسرى فيغمضها خشية عليها من ريح فيفتح اليمنىٰ فيراها.. فلا يرىٰ في الكون امرأة غيرها.. بل لا توجد إناث فوق المعمورة.. يمشين بجواره أو يعملن معه؛ ويزعجها أن -رفيقي- هو الرجل الوحيد في مبنىٰ القسم الذي يعمل فيه بوزارته فالبقية كلهن إناث.. وهي عَلِمت بهذا فارادت أن تجعل نفسها في غيابها عنه كما في حضورها معه المرأة الوحيدة الواحدة المنفردة.. وكأنهن -نساء الدنيا- اختفين أو كأنهن صرن هي تلك المرأة..
وتدخل بين ثنايا منخره فلا يشم إلا طيب عطرها.. وأزكاه..
وتمكث طويلاً في تجويفات إذنه فلا يتردد علىٰ مسمعه إلا صدىٰ صوتها وإن كانت بعيدة عنه بآلاف الأميال.. وهو دائم السفر والترحال..
وهي علىٰ طرف لسانه فلا يتذوق إلا رحيق ريقها العذب.. سواء أطعمته أو شربته فأسكرته..
امرأةٌ مِن هذا الطراز نادرةُ الوجود بل تكاد توجد في قَصَص ألف ليلة وليلة.. أو خيال الصبي المراهق الذي ذهب إلىٰ سينما رويال بشارع فؤاد ثم طريق الحرية وأخيرا شارع جمال عبدالناصر ليرىٰ أفلام فرنسية الإخراج والتمثيل أو إيطالية للفرجة علىٰ أفلام الحب والمغامرات.. كلها خيال بل الدقة أنها أوهام.. يدفع المراهق وإن كان عمره ثمانين عاماً تذكرة الدخول للفرجة علىٰ أوهام مؤلف أو تخيلات مخرج أو حسن أداء ممثلة.. لكنها :«„ (*).M .CH”».. حقيقة وجودية!
-*-*
.. هكذا كان رفيقي يصفها لي.. وهو نبهني أن هناك فارق بين الوصف الحقيقي لامرأة تعيش داخل الرجل فيعشقها وبين الشعر الغزلي العفيف.. إذ أن الثاني يغلب عليه خيال الشاعر وإن كان عاشق.. ويسود المعلقة أو القصيدة تشبيهات الوهم أما الأول فحقيقة وجودية..
«„ (*).M .CH”»؛ استحوذت تماماً علىٰ كل مشاعره وتغلبت علىٰ كل مداخل عواطفه وتملكت مفاصل أحاسيسه فتَشبعت كينونته البدنية بها فتملكت علىٰ كيانه النفسي فملئت أركان وجدانه.. ولعل هذا يعود إلىٰ اللحظة التي أطلت فيها علىٰ حياته وجاءت دون أن تطرق باباً أو يفتح لها شباكاً..
.. فحين يكون الرجل يعد مشروعاً مستقبلياً له.. وقُبيل الإنتهاء منه -أو علىٰ وشك- خاصةً حين يسعىٰ ليتحصل علىٰ درجة علمية عالية تمكنه مِن إعتلاء درجة وظيفية أكبر ويمكث راغباً متعلما كطالب في «„ Akademie für Fortbildungen und Sonderausbildungen ”»؛ زمناً فلا يقاربه لتخصصه العالي شخص مثله ويعاني مِن مضايقات الآخرين كي لا يتمكن مِن الإنتهاء مِن هذه الدراسة التكميلية قبلهم.. في هذه اللحظات وعلىٰ وشك الحصول علىٰ تلك الدراسة الأكاديمية وجدها أمامه.. فتدخل إلىٰ حياته عنوة أو برفق وبــ إستئذان أو بدونه؛ وكما يقول المَثل الشعبي المِصري لا «„ آحم ”» ولا «„ دستور(***) ”»؛ حين وقع نظره عليها في المرة الأولىٰ صدفةً لم يتمكن مِن أن يرفع بصره عنها وسار خلفها مشدوهاً؛ نسيَّ كل شئ(!).. نَسىٰ إلىٰ أين كان يريد الذهاب!؟.. ونسيَّ ماذا كان سيفعل هناك!؟.. ولماذا سيكون هناك!؟.. فقط سار خلفها.. ويغلب علىٰ ظنه أنها انتبهت أن شخصاً غريباً سائراً خلفها ينظر إلىٰ قوامها.. يتلصص بنظرات مريبة قوامها.. كأنه يريد أن يسرق بعض مقاطع جسدها.. وهكذا هنَّ النساء.. يلاحظنَّ بسهولة فائقة أسرع مِن الصوت والبرق لصوص النظرات والحرامية الذين يأتون مِن الخلف.. فهذا يزعجهن.. ويعاقب على سوء فعلته..
فهو -رفيقي- لا يتكلم معها بل قد تسمع شهيقاً عالٍ كأنه يصعد لقمة جبل؛ ويصل إليها زفيره الحار كأنه قريب منها وهو خلفها بخطوات.. ولا تدري ماذا يريد بالفعل!؟.. والمرأة بطبعها حريصة علىٰ خصوصيتها؛ وبغريزتها تعمل علىٰ صيانة نفسها.. وتخشىٰ نظرات الغرباء المريبة..
هكذا وصف اللحظات الأولىٰ مع امرأة مِن طراز بنات الملوك وسليلات الأمراء..
ومع ذلك كله.. رَحَلَ عنها وتركها! .. وهذا ما سأبينه مع فنجان القهوة الذي يحضره رفيقي لي!

*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الخميس‏، 16‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الخميس‏، 23‏ أيلول‏، 2021م
-***-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواية
:" الرَجُلُ المَشْرَقِيُّ ".
ورقاتٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
Dr. MUHAMMAD ELRAMADY
«„ عندما — رحلتْ —“» [ ١ ]
*-*-*
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) قادين تعني :"امرأة" بالشركسية!
(**) اختصارا لأسمها الحقيقي :«„ Christina Maria ”».
(***) قصة مثل :«„ لا احم ولا دستور ”»، فيُروى أنه في عشرينات القرن الفائت، وبالتحديد حين أصدرت وزارة إسماعيل صدقي، في عهد الملك فؤاد، قرارًا بأن يتعطل العمل بدستور عام ألف وتسعمئة وثلاثة وعشرين، الأمر الذي فاقم من عناء وألم الشعب من فساد الملك وحكومته، وحدث في إحدى الليالي، وخلال مرور أحد الأشخاص في شوارع القاهرة، والذي كان يتألم أثر نوبة سعال، إذ صادف حينها وجود أحد عسكر الدورية الليلية، فكلما اقترب هذا الشخص المريض من العسكري، ازداد عليه السعال، وصار يقول: ” احم، احم”، فانزعج العسكري من هذا الأمر، فقال له: ” امشِ في حالك يا مواطن”، فما كان من المواطن إلا أن رد عليه قائلًا: “يعني لا احم ولا دستور”، فانتشرت المقولة بين الناس حتى صارت مثلًا يرددونه إلى يومنا هذا... وهو-المثل الشعبي- ليس له علاقة بالاستئذان أو السماح بالدخول!

« „ عبث ‟ »..
أو غياب الأيديولوجية عند التطبيق سياسياً!

الأيديولوجية.. أعتبرُها وجهَ نظرٍ في الحياة تَصلح أن تكونَ مبدأً أساسياً -أي : نظام حياة؛ وطريقة معينة في العيش؛ وطراز خاص من السلوك- لتعايش الإنسان مع كل ما يحيط به:
- أولاً : مع نفسِه في انسجام جسدي روحي نفسي من حيث الحصول علىٰ الإشباعات الضرورية؛ وتمكنه مِن الإشباعات المكملة لبقاءه منسجماً مع الآخرين دون قلق أو توتر أو حيرة؛ و
- ثانيا : مع غيره مِن بني البشر؛ ومع بقية الكائنات والمخلوقات المحسوسة والموجودة؛ وتلك الذي يعتقد بوجودها؛ ثم
- بناءً علىٰ حقيقةِ وجوده مخلوقاً فينبغي أن نحسن التعايش مع وجود خالق؛ وهذا ثالثاً.. سواء اطلق علىٰ هذا التعايش مع الخالق: عبادة -وهي متوفرة ومتاحة؛ يتم ممارستها عند الجميع بصور شتىٰ؛ يختار منها المرءُ ما يشاء.. أو حاكمية الخالق في العلاقات -وهنا تبدء الصعوبة وسيل مِن المشاكل-؛ وهذه -العلاقة الأخيرة بين الخالق والمخلوق من حيث الحاكمية- لم تتبق إلا عند المسلمين.. ونحن المسلمين جزءٌ مِن العالم؛ بل نحن نشكل خُمس سكانه؛ ولا نستطيع الانفصال عنه أو تجاهله؛ وما تقوم به كيانات ترتدي الوشاح الإسلامي مِن افعال وتصرفات بل واقوال تبتعد عن المفاهيم الإسلامية العامة.. فــ ما عاد التعزي ممكناً بأن أتباع مقاتلي القاعدة والدواعش ولا استخدم مصطلح مجاهديهما وأمثالهما- يشكلون إنشقاقات في الدين؛ وليسوا حجة علينا ولا على ديننا، إذ أن القاعدة خرقت فى الفقه الإسلامي خرقاً غير مسبوق وذلك بإطلاقها لأول مرة فى تاريخ الإسلام فتوى القتل بالجنسية والقتل بالديانة وتبني مسئولية المواطن عن سياسة دولته فنتبرأُ منهم قولاً وتنتهي المسألة ونستشهد بما قاله دونالد رامسفيلد؛ وزير الدفاع زمن بوش الابن؛ بعد تصرفنا تجاه هؤلاء؛ إذ ناضلنا طويلا دولاً ومؤسسات دينية ضد التطرف والإرهاب؛ وما كانت درجات التصديق عند الأصدقاء ومِن غيرهم عالية؛ إذ أن رامسفيلد؛ والذي تُوفي قبل شهور.. وجه إلينا وإلىٰ مواطنيه مَطْلبين :
- قال الغازي لأفغانستان والعراق مِن جهة إن الإسلام مخطوف وينبغي تحريره، و
- قال مِن جهةٍ ثانية إنه مِن الضروري شنّ حرب أفكار علىٰ المتطرفين باسم الدين، وعدم الاكتفاء بالصراع المسلح معهم..
.. أكملُ ما توقفت عنده.. فــ الأيديولوجية.. وهي مبدأٌ أساسيٌ في الحياة يبنىٰ عليه العديد مِن الأفكار الحياتية والمعيشية.. فتنبثق منها كتلة مِن المفاهيم المرتبطة بالسلوك الخاص والعام؛ فتتولد مجموعة مِن المقاييس إثناء القيام بالعمل أو القول مِن حيث الجواز أو المنع؛ وتسود في ذهن الإنسان سلسلة مِن القيم وحزمة مِن القناعات إثناء الممارسات الطبيعية للإنسان؛ والتي جميعُها الأصل فيها أنها توافق فطرة الإنسان -بصفته الآدمية وأصله البشري بغض الطرف عن مكان تواجده وزمن وجوده- فيعمل مِن خلال كتلة بشرية تحمل هذه الأيديولوجية -المبدأ الأساسي- علىٰ إرساء قواعدها وتفعيلها في منظومة عملية متكاملة بُعَيد ومباشرةً عند لُحَيظة التمكين في كافة مناحِ الحياة؛ وفي كل مفاصل المجتمع فتعالج ما عند الإنسان مِن مسائل تحيط به سواء أكانت متربطة برابط وثيق مع كينونته الآدمية؛ أو مشاعره وأحاسيسه ووجدانه؛ وسواء أكانت جسدية أو نفسية/ روحية أو مرتبطة بعلاقته بغيره من الإنسان؛ وإن لم يؤمن الآخر بمبدأه ولا يعتقد في صحة أيديولوجيته..
.. ومن فهمي لجزئيات هذا التعريف يصلح إسلام محمد بن عبدالله -عليه السلام- بشقيه: القرآن الكريم والسنة أن يكون مبدأً عالمياً موافقاً لفطرة الإنسان واحتياجاته الضرورية الملحة واحتياجاته الثانوية؛ كما ويمكنني القول أن بقية المبادئ الآخرىٰ -وأن كانت قاصرة أو عاجزة أو ناقصة في نظري- تصلح لبقاءها بجواره.. إذ تم التعايش بين تلك المبادئ بمفهوم الأيديولوجية الفكرية وليس بمفهوم الهيمنة العسكرية؛ والتناطح بآلة الحرب والدمار.. حين تضعف حسن القدرة علىٰ الحوار وتغيب أسس مناقشة موضوعية بما عند الآخر!.

ولغياب المفهوم الصحيح للإيديولوجية -المبدأ الأساسي لمجموعة الأفكار والمفاهيم والقيم والمقاييس والقناعات--؛ سواء عند الغرب أو عند الشرق! ترىٰ هذا العبث الذي يظهر علىٰ كف الزمان..
.. منذ أكثرَ مِما يزيد عن مائةِ عامٍ بدءَ يظهر علىٰ سطح الأحداث كياناً -ومَن يسير في فلكه- يحمل الفكر الرأسمالي الديموقراطي الحر؛ وعمل بصورة عبثية علىٰ انتشاره؛ وفي نفس الفترة الزمنية سقط وتهاوىٰ كيانٌ آخر كانت عاصمته :" سكود (منذ العام: 1299-1335) ثم بورصة (1335-1363) فــ أدرنة (1363–1453) وأخيراً إستانبول (1453–1922)؛ وهي كانت :" سلطنة وراثيَّة " بوشاح إسلامي..
.. اهتز العالم وقتذاك.. والمعضلة أن أحفادها -تلك السلطنة الوراثيَّة- وحتىٰ يومنا هذا ورثوا منها حالة الضعف الفقهي والهزال العلمي اللذين اصابها فهدمها..
.. ودليل يضاف لإثبات القول السابق.. ما حدث أمس [08. سبتمبر] في المملكة المغربية مِن سقوط مدوي وهزيمة مؤلمة لكيان ذي مرجعية إسلامية بدء تصاعدياً منذ عام 1997؛ فتمقعد علىٰ كرسي قيادة الوزارة لولاية ثانية بــ 125 مقعدا منذ عام 2016؛ ثم.. وبخسارة 113 مقعداً وحصوله -اليوم- علىٰ 12 فقط؛ وعاش قادة ذاك الكيان على إيقاع إنتكاسة كبيرة وهم يتابعون النتائج مِن مقرهم المركزي في حي الليون بالرباط.. وكانت التوقعات تشير لصعوبة في نتائج جيدة، بسبب مشكلات تنظيمية داخلية عانىٰ منها، وتأثر قاعدته الانتخابية المحافظة بسبب «التطبيع مع إسرائيل»، ومصادقة الحكومة التي يرأسها علىٰ قانون تقنين القنب الهندي، وأيضاً بسبب عدم وفائه بوعوده الانتخابية، خاصة في مجال التشغيل... .وهذا ما تعاني منه الطبقة المتوسطة في أي مجتمع...
. .. لنفس الأسباب -تقريباً- والمعاناة سقط شبيه هذا الكيان في كل مِن السودان ومصر فتونس (الشمال الأفريقي).. ويتبقىٰ لهم بصيص أمل في ليبيا إذ هناك تنفس صناعي للمجلس الأعلىٰ.. والذي انتهت صلاحيته منذ حين..
.. اضف كارثة التحرك علىٰ الأرض لتنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية(!) يتبين لي أن المشكلة ليست في الأيديولوجية -المبدأ الأساسي- بل في رجال يحملون هذه الأيديولوجية أو هذا المبدأ !.
...
فــ
هل يتمكن المتابع للأحداث قبيل الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتىٰ كتابة هذه السطور أن يصف الأحداث بــ الـ „ عبث ‟...
وهل يصح للمراقب للشأن العالمي أو الإقليمي أو المحلي أن يقول أن الأيديولوجية فُقدت عند التطبيق عملياً بإنزالها علىٰ الواقع المعاش سياسياً!؟
وهل يصلح القول بأن المنظمات العالمية والإقليمية والإنسانية أخفقت حين ارادت إصلاح ما أفسدته الممارسات لرجال السياسة!؟
أو دقة التعبير -تلزمني- أن أقول: أن الأيديولوجيات؛ والتي قامت علىٰ أساسها أمم ومنظمات وهيئات قد شاخت ويبس جوفها وتَلَيَّف كما يشيخ الإنسان، فتصل تلك الأمم والمنظمات إلىٰ سن الكِبر والعجز؛ ورجالها بدت عليهم أعراض الشيخوخة ومظاهر العَجز عن إدارة وتفعيل الأيديولوجية؛ وكل المحاولات اليائسة؛ والتي كان هدفها البحث عن الوسائل القادرة علىٰ تأخير ظهور معالم الهرم بأنها باءت بالفشل وأصيبت تلك الأيديولوجيات بأمراض مستعصية لم تمكنها مِن أن تقوم بوظائفها الحيوية لإسعاد الإنسان لحظة التطبيق وزمن التفعيل سياسياً !؟
.. أما أن -بالفعل- الدقة في التعبير -تلزمني حقاً وصدقاً- أن أقول : أن المشكلة ليست في الأيديولوجية؛ أو المبدأ الأساسي.. بل في رجال يحملونها؛ ويدعون فهمها؛ ويتكلمون بافكارها !؟..
.. فهؤلاء الرجال استبان عليهم سن العجز الذهني في فهم ايديولوجيتهم؛ والتي يدعون أنهم يتبعونها، وظهر عليهم الشيب الفهمي في إدراك العديد مِن ملفات هذه الإيديولوجية؛ أو أنهم تمقعدوا في كرسي لا يصلحون له -اصلاً، فأفسدوا وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً؛ وما زالوا يتمسكون بقيادة هذا الكيان الخاوي من ايديولوجية يتفوهون بها دون إستيعابها.. وهذ طامة آخرىٰ!
وليس كما يظن البعض لُغةً بأن الشيخ قد يعبّر به عمّا يكثر علمه لكثرة تجاربه ومعارفه؛ ولعل عنده قدراً مِن التجارب والمعارف؛ لكن افكار وقيم الأيديولوجية لا يتمكن مِن إنزالها علىٰ واقع معاش حالي.. وكأنه شيخ فاني يزداد كل يوم ضعفه فيقترب إلىٰ موته دماغياً وليس موت الأيديولوجية نفسها..
ولنأتي بأمثلة؛ اسعىٰ أن تكون متسلسلة زمنياً :
1.] حين تحدثت إيران~الخميني عن الثورة؛ تكلمت عن تصدير الثورة إلىٰ الخارج؛ ولا يوجد عندي سبب مقنع لحرب ضروس استمرت ثمان سنوات مع الجارة العراقية زمن صدام حسين. لِمَا بدأت وكيف انتهت!؟.. ثم أوجدت ذراعا لها في لبنان متمثلاً في حزب الله -بالطبع شيعي؛ ولا يوجد عند كاتب هذه السطور إشكال مع الفكر الفقهي الجعفري- ثم في اليمن ذراعاً -وايضاً شيعي- وتحدث رجالها فوق منابرها علىٰ أن طهران فاعلة وموجودة في عدة [4] عواصم عربية سنية؛ اللافت هنا أنهما الشيعة والسنة ينتمون إلىٰ ايديولوجية واحدة مع فارق في الفهم -الفقه لمسائل وإن كثرت- وهي-الجمهورية الإسلامية في إيران- منذ زمن في مأزق التدخل العسكري. ما يعني غياب الإيديولوجية لحظة تطبيق المبدأ.
2.] قبلها وبعدها: أمريكا... فتسمع حيناً أنها ترغب في تصدير النموذج الأمريكي للديموقراطية؛ والحرية؛ وحقوق المرأة وحقوق الإنسان.. فتجد حتىٰ كتابة هذه السطور فارقاً -داخل الولايات المتحدة نفسها- مازال كبيراً في كيفية تعامل مَن يحمل بشرة سمراء مِن إنسانٍ مثله يحمل بشرة بيضاء.. وكأن حقبة العبيد السود مازالت عالقة في ذهن راعي البقر؛ وأصحاب الإقطاعات الزراعية الكبيرة والتي تحتاج لأيدي عاملة رخيصة جداً.. ومثال صارخ ازعج الحلفاء قبل الأعداء: الخروج المخجل من بلاد الأفغان بعد عقدين مِن الزمان.. عشرون عاما كاملة ماذا يصنع كيان ديموقراطي وحر ليبرالي متحمس لمشروع «بناء الدول»... في دولة بحجم أفغانستان.... ورغم الجدل الدائر في الولايات المتحدة بشأن صواب قرار الرئيس بالانسحاب، بين ليبراليين متحمسين لمشروع «بناء الدول» وبين محافظين يرون أن مهمة الجيش الأميركي يجب ألا تتعدىٰ حماية أمن أميركا ومصالح مواطنيها، رغم ذلك، لا بد أن نتذكر أن قرار الغزو الأميركي لأفغانستان اتخذ كــ رد علىٰ هجمات 11 سبتمبر 2001، أي أن ذلك القرار لم يكن لإنقاذ أفغانستان من حكم «طالبان» الذي كان قد مضىٰ عليه خمس سنوات، ولا للضغط علىٰ نظامها لممارسة سلوك أكثر ليونة مع شعبه، بل كان للدفاع عن الأمن الأميركي ضد اعتداء أودي بحياة 3 آلاف ضحية، ودمر برجين عالميين كانا رمزين بارزين في مدينة نيويورك، علاوة علىٰ الهجوم علىٰ مقر القيادة العسكرية الأميركية في البنتاغون؛ وهجمة ثالثة -لم تفلح- على البيت الأبيض، كل ذلك عبر خطف طائرات ركاب مدنية وتحويلها لطائرات انتحارية..
.. ولو أذعن الملا عمر في ذلك الحين لمطالبة واشنطن بتسليم أسامة بن لادن وإغلاق معسكرات «القاعدة» لكانت «طالبان» بقيت في الحكم بموافقة أميركية وبغض طرف دولي، مثلما يحصل اليوم.. وكيف كان الباكستاني المولود بالكويت خالد شيخ محمد، مهندس هذه الهجمات الذي ما زال يحاكم في أميركا منذ سنين، ينسق مع النظام الإيراني، بل كانت هجمات 11 سبتمبر نفسها ما كانت لتتم لولا بصمات إيرانية في الخفاء، وهذا كلام خبراء مِن الـ«سي آي إيه»، وغيرهم، في فيلم وثائقي عرضته قناة «العربية» قبل فترة عن علاقة إيران بهجمات 11 سبتمبر.. فوق هذا، تبقىٰ الحجة الأخرىٰ التي يتمسك بها المدافعون عن ضرورة عدم التدخل في الشأن الأفغاني، باعتباره شأناً يخص أفغانستان وحكومتها وشعبها. وهو ما أكد عليه الرئيس عندما اتخذ قرار الانسحاب المتعجل، الذي يواجه انتقادات في أميركا من جمهوريين وديمقراطيين علىٰ السواء، عندما قال: " اختيار مَن يحكم أفغانستان يجب أن يكون مِن مسؤولية الشعب الأفغاني". ... يقول المدافعون عن حجة عدم التدخل: لقد بقيت أميركا 20 سنة في أفغانستان؛ أنفقت علىٰ الحكومة والجيش تريليونات الدولارات؛ ساعدت علىٰ تجهيز البنية التحتية؛ أتاحت فرص عيش وظروف رفاهية لم تكن معروفة من قبل؛ دخلت الموسيقىٰ والرقص إلىٰ البيوت والمسارح؛ اتسعت النشاطات الرياضية وشارك لاعبون في مباريات عالمية.. ثم خلال شهر واحد سقط كل شيء، انهارت المؤسسات وهرب الحكام واختفىٰ الجيش تاركاً أسلحته ومعداته وراءه لمقاتلي «طالبان».
ويقود هذا إلىٰ السؤال: إلىٰ أي مدى يستطيع التدخل العسكري الأجنبي أن يقيم نظاماً سياسياً قابلاً للبقاء إذا لم تكن التربة الداخلية صالحة لتقبل نبتة غريبة مِن هذا النوع؟ .
وكيف يبرر المشروع «الإمبريالي» هذه الوظيفة إذا كان مرفوضاً بحجة السيادة والقرار الوطني؟
لا يقتصر هذا السؤال علىٰ أفغانستان وحدها. ولنترك الأمثلة الأخرىٰ.. ولننظر إلىٰ لبنان. هذا بلد منهار، مفكك سياسياً وطائفياً واجتماعياً. بلغ الفقر فيه مستويات لم يعرفها إلا خلال مجاعة الحرب العالمية الأولىٰ. وتوصف أزمته الاقتصادية بأنها بين أسوأ ثلاث أزمات عالمية في العصر الحديث. جاءه رئيس من فرنسا يقترح حلاً للمساعدة علىٰ إنقاذه يقوم علىٰ منح السياسيين المسؤولين عن كارثته «إجازة» ستة أشهر لإتاحة الفرصة لفريق آخر لمحاولة علاج مختلف. برزت الاتهامات بعودة «الانتداب» وبمصلحة فرنسا في إعادة بناء المرفأ المدمر وبدخول لبنان في حملة ماكرون الرئاسية.
وماذا كانت النتيجة؟
انقضت سنة مِن المماحكات والصراعات علىٰ ما تبقىٰ مِن عظام الدولة بعدما انهار ما كان مِن جسدها، فيما الشعب منقسم بين مستسلم أو متواطئ مع سياسي مِن هنا أو مِن هناك، تبعاً لانتمائه الطائفي أو لمصلحته السياسية.
صرخة نساء أفغانستان محقة مثل أي صرخة إنسانية أخرىٰ. لكننا نعيش في عالم لا ينجح فيه دائماً تصدير الأنظمة، وتحكمه قواعد لا تسمح بالتضحية لتلبية هذه الصرخات.
وهذا ما سوف يشاهد في القريب العاجل!.
3.] فرنسا تعيد مرة ثانية مراجعة ملفات المتقاعدين مِن أصول جزائرية للتأكد مِن أحقيتهم في معاشاتهم والتي تصرفها الحكومة الفرنسية!
4.] بريطانيا وبعد سنين خرجت مِن الاتحاد الأوروبي؛ وكأنه عبؤ عليها
5. ] ؛ 6. ] فشلت فكرة إندماج الأجانب في المجتمع الأوروبي؛ كما صرح بذلك وزير ألماني وآخر نمساوي
وفي المنطقة العربية :
7.] ؛ 8.] ؛ 9.] لم تستطع الجامعة العربية ومنظمة التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي في حل الخلافات البينية بين دول أعضائها.. وحتىٰ هذه اللحظة..!

وهكذا..!
.. لذا فالقول بصحة النظرية شئ.. والتطبيق شئ آخر.. قول صحيح.. وصحة الأيديولوجية شئ.. والتطبيق علىٰ أرض الواقع -سياسياً- شئ آخر ..
والسؤال الآن فى ذكرى 11 سبتمبر: لماذا نترك التاريخ يعيد نفسه بدلا من أن نعيد نحن كتابته من جديد بالإيمان الصحيح العميق والعمل الصالح والفهم الدقيق وفق استراتيجية منبثقة من ايديولوجية نقتنع بها لا تفرض علينا.
ربما لا نستطيع أن نفعل شيئا جديدا، لكننا نستطيع أن نستفيد من تاريخ طويل للتجارب الفاشلة والأخطاء القاتلة...
-*-*-
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الأحد‏، 05‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الأحد‏، 12‏ أيلول‏، 2021م

مدخل عن شهر صَفَرَ

انفصل الإنسان عن زمانه الذي يعيشه؛ وغابت عنه هويته التي تحدده؛ فضاع منه الانتماء إلى كيانه فتبعثر وجوده فأصبح شبه إنسان..
محاولة -مني- إعادة التعريف بالهوية وصقل الانتماء كي يعيش الإنسان في زمنه الحقيقي!
ويستحسن قبل الحديث عن هذا الشهر نعود إلى سر تسميته بهذا الاسم !؟..
شهر صفر هو الشهر الثاني من الشهور القمرية بعد المحرم، ورُبَّما قالوا الصَّفَرَانِ؛ إذا ضُمَّ المحرمُ إليه.. ويستغرب المرء لمن يطالع لغة العرب الأقحاح إذ يقولون:" ولا يَلِيْقُ ذلك بصَفَري: أي لا يُعْجِبُني. ووَقَعَ في صَفَري: أي في رُوْعي وخَلَدي. و" لا يَلْتَاطُ بصَفَرِي ": أي لا يُوَافِقُ خُلُقي. وقيل: الصفرُ العَقْلُ ".[1].
" والصَّفَرُ العَقْلُ والعَقْدُ؛ والصَّفَرُ الرُّوع ولُبُّ والقَلْبِ يقال ما يَلْزَقُ ذلك بِصَفَرَى ".
نذهب إلى ابن فارس وموسوعته مقاييس اللُغة.. فنقرأ عنده :
" (صَفَرَ) الصَّادُ وَالْفَاءُ وَالرَّاءُ سِتَّةُ [ ٦ ] أَوْجُهٍ:
فَــ
«„ ١ ‟» الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: لَوْنٌ مِنَ الْأَلْوَانِ.
فـ الصُّفْرَةُ فِي الْأَلْوَانِ،[2] و صَفْرَاءُ:" مؤنَّث أَصْفَرُ " { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [3]
الصُّفْرَةُ: لونٌ من الألوان التي بين السّواد والبياض، وهي إلى السّواد أقرب، ولذلك قد يعبّر بها عن السّواد. وَالْأَصْفَرُ: عند العرب : الْأَسْوَدُ، فِي قَوْلِهِ:
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي * هُنَّ صُفْرٌ أَوْلَادُهَا كَالزَّبِيبِ[4]
- فالألوان الغامقة واللون الأصفر خاصة تثير في الإنسان صور البؤس والحزن. فاذا أرادوا أن يدعوا على شخص بسوء قالوا له: الله يصفْر لك وجهك. [5]

قال الحسن في قوله تعالى: { بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها } [البقرة/ 69] ، أي: سوداء، وقال بعضهم: لا يقال في السواد فاقع، وإنّما يقال فيها حالكة. [6] { إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ}. [7] .
وَبَنُو الْأَصْفَرِ: مُلُوكُ الرُّومِ؛ لِصُفْرَةٍ اعْتَرَتْ أَبَاهُمْ.
اصفرَّ الزَّرعُ: يبِس ورقُه وحان وقتُ حصاده "اصفرَّ القمحُ- {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} - {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } "[8]
وَ
«„ ٢ ‟» الْأَصْلُ الثَّانِي: الشَّيْءُ الْخَالِي. يُقَالُ هُوَ صِفْرٌ. وَيَقُولُونَ فِي الشَّتْمِ: مَا لَهُ صَفِرَ إِنَاؤُهُ، أَيْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ. وَقَوْلُهُمْ لِلَّذِي بِهِ جُنُونٌ: إِنَّهُ لَفِي صُفْرَةٍ وَصِفْرَةٍ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، إِذَا كَانَ فِي أَيَّامٍ يَزُولُ فِيهَا عَقْلُهُ. وَالْقِيَاسُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ خَالٍ بَيْنَ عَقْلِهِ.[9]. وعند الجوهري:" ويقال: إنَّه لفي صُفْرَةٍ للذي يعتريه الجنون، إذا كان في أَيامٍ يزول فيها عقلُه، لأنَّهم كانوا يمسحونه بشئ من الزعفران". [10]
وعند ابن الأثير :" وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «صِفْرُ ردائِها ومِلءُ كِسَائِها» أَيْ أَنَّهَا ضَامِرة البَطْن، فكأنَّ رِداءها صِفْر: أَيْ خالٍ. والرِّداء يَنْتَهي إِلَى البَطْن فَيَقَعُ عَلَيْهِ.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَصْفَرُ البُيوت مِنَ الخَيْر البَيْتُ الصِّفْر مِنْ كِتَابِ اللَّهِ« .
وعند : أساس البلاغة للزمخشري :" ويقال: نعوذ بالله من قرع الفناء، وصفر الإناء. وما أصغيت لك إناء، ولا أصفرت لك فناء. ". :" صفر الإناء : يعنون به هلاك المواشي ".
وهذا في المَعْذِرةِ يقول : لم آخُذْ إِبِلَكَ ومالَكَ فَيَبْقَى إناؤك مَكْبُوباً لا تَجِدُ لَبَناً تَحلُبُهُ فيه ويَبْقَى فناؤُك خالِياً مِسْلوباً لا تَجِدُ بَعِيراً يَبْرُك فيه ولا شاةً تَرْبِضُ هناك وصَفِرَتْ وِطابُه ماتَ.
قال امْرُؤُ القَيْسِ
وأَفْلَتَهُنَّ عِلباءٌ جَرِيضاً * ولو أدْرَكْتَهُ صَفِرَ الوِطَابِ
وهو مَثَلٌ معناه أنّ جِسْمَه خَلا من رُوحِه وقيل معناه أنّ الخَيْلَ لو أدْرَكَتْه قُتِلَ فَصَفِرَتْ وطَابُهُ التي كان يَقْرِي منها [11] .
وصَفَرٌ الشَّهرُ الذي بعد المَحَرَّمِ قال بعضُهمَ إنّما سُمِّيَ صَفراً لأنهم كانوا يَمْتارُونَ الطَّعامَ فيه من المواضِع .
وقال بعضُهم سُمِّي بذلك لإصْفارِ مكّةَ من أهْلِها إذا سافَرُوا .
ورُوِي عن رُؤْبَةَ أنه قال سَمَّوُا الشَّهَر صَفَراً لأنهم كانوا يَغْزُونَ فيه القَبائِلَ فيَتْرُكونَ من لَقُوا صِفْراً من المتاعِ وذلك أن صَفَراً بعد المُحَرَّمِ فقالوا صَفِرَ الناسُ مِنَّا صَفَراً
قال ثعلبٌ الناسُ كُلُّهُم يَصْرِفونَ[من حيث النحو] صَفَراً إلا أباعبيدةَ فإنه قال لا يَنْصِرِفُ فَقِيلَ له : لِمَ لا تَصْرِفُهُ لأن النحويِّين قد أجْمعُوا على صَرْفِه؛ وقالُوا لا يَمْنَعُ الحَرْفَ من الصَّرْفِ إلا عِلتَّانِ فأَخْبِرْنا بالعِلَّتَيْنِ فيه حتى نَتَّبِعَكَ، فقال : نَعَمْ العِلّتان المَعْرِفةُ والسّاعةُ.
قال أبوعُمَرَ أراد أن الأَزْمِنَةَ كُلَّها ساعاتٌ والسَّاعَاتُ مُؤَنَثَّةٌ.
وقولُ أبي ذُؤَيبٍ
أقامَتْ به كمُقامِ الحَنِيفِ * شَهْرَيْ جُمادَى وشَهْرَيْ صَفَرَا
أراد المحرّمَ وصَفراً ورَواهُ بعضُهم وشَهْرَ صَفَرَ على احْتِمالِ القَبْضِ في الجَزْءِ فإذا جَمَعُوه مع المُحَرَّمِ قالوا صَفَرانِ والجمعُ أَصفارٌ قال النابغةُ
لقد نَهَبْتُ بَنِي ذُبْيَانَ عن أُقُرٍ * وعن تَرَبُّعِهِم في كُلِّ أصفارِ [12]
صفَّر المكانَ: أفرغه ممّا كان فيه "صفَّرتِ السَّيِّدةُ البيتَ من المتاع".[13] .
وَ
«„ ٣ ‟» الثَّالِثُ: الصُّفْرُ: جَوْهَرٌ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ. يُقَالُ: إِنَّهُ النُّحَاسُ. وَقَدْ يُقَالُ: الصِّفْرُ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: النُّحَاسُ: الطَّبِيعَةُ وَالْأَصْلُ، وَالنُّحَاسُ هُوَ الصُّفْرُ الَّذِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْآنِيَةُ، فَقَالَ: " الصُّفْرُ "، بِضَمِّ الصَّادِ. قَالَ أَبُوعُبَيْدٍ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: الصِّفْرُ، بِكَسْرِ الصَّادِ.
ويمكن إضافة :" «أَنَّهُ [] صَاَلح أهَل خَيْبَر عَلَى الصَّفْرَاء والبيْضَاءِ والحَلْقَة» أَيْ عَلَى الذَهَبِ والفِضَةِ والدُّروع. "؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- «يَا صَفْرَاءُ اصْفَرِّي وَيَا بَيْضَاءُ إبْيَضِّي» يُريد الذَهَبَ والفِضَة. فلا يغتر بهما.
مختار الصحاح لــ الرازي :" وَأَهْلَكَ النِّسَاءَ (الْأَصْفَرَانِ) الذَّهَبُ وَالزَّعْفَرَانُ وَقِيلَ: الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ ".
صار في لون الذَّهب " {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَارًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ} [ق] [14]
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «اغْزُوا تَغْنَمُوا بَنات الأَصْفَر» يَعْني الرومَ، لِأَنَّ أبَاهم الأُول كَانَ أَصْفَر اللَّون. وَهُوَ رُوم بْنُ عيصو بن إسحاق بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
قال ابن قُتَيْبة : عِيصُو بن إسحاق بن إبراهيم هو أبو الرُّوم، وكان الرُّومُ أَصفَر في بياض شَدِيد الصُّفْرة، فلذلك يُقال للرُّوم: بَنُو الأَصفر. [15]؛ وعند الصاحب بن عباد :" وبَنُو الأصْفَرِ: مُلُوْكُ الروْم.

وقال غيره: هو رُومُ بنُ عِيصُو بن يعقوب بن إسحاق. وقيل: سُمُّوا بذلك لأَنّ جَيشًا من الحَبَش غَلَب عليهم، فَوَطِىءَ نِساءَهم فَوُلدِ لهم أولادٌ صُفْر، فسُمُّوا بنى الأَصْفَر.
بنو الأصفر: أصل هذا الاسم الذي يطلقه العرب على الروم وعلى النصارىٰ عامة مختلف فيه أشد الاختلاف. [16] ، ولعل ذهب لقول ابن سيده فهو القائل:" لا أَدْرِي لِمَ سُمُّوا بذلك" .
" تأريخ الصُفْر .. أي العصر المسيحي .. يريد به المؤلفون العرب بالأندلس العصر الأسباني ".[17]
وَ
«„ ٤ ‟» الْأَصْلُ الرَّابِعُ: صَوْتٌ. فَالصَّفِيرُ لِلطَّائِرِ. وَقَوْلُهُمْ: مَا بِهَا صَافِرٌ مِنْ هَذَا، أَيْ كَأَنَّهُ يُصَوِّتُ.
وقولهم في الشتم: " فلان مُصَفِّرُ اسْتِهِ "، وهو من الصَفيرِ لا من الصُفْرَةِ ، أي ضَرَّاطٌ.
وقد يتسع المعنىٰ : فَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ « قَالَ عُتْبَة بْنُ رَبِيعَةَ لِأَبِي جَهْلٍ: يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ » رمَاه بالأُبْنَةِ ، وأنَّه كَانَ يُزَعْفِر استَهُ. وَقِيلَ هِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ للمُتَنَعّم المُتْرَفِ الَّذِي لَمْ تُحَنّكُه التَجَارُب والشَّدائد.
وقِيْل أرادَ يَا مُضَرِّط نَفْسُه، مِنَ الصَّفِير، وَهُوَ الصَّوتُ بالفَمِ والشَّفَتَيِنِ، كأنَّه قَالَ: يَا ضَرَّاط. نَسَبه إِلَى الجُبْن والخَوَر . ". [18].
وجاءت رواية :" قولُ عُتْبَة بن رَبِيعة لأبِي جَهْلٍ سَيَعْلَمُ المُصَفِّرُ اسْتَه مَن المَقْتُولِ غداً ". [19]
وَ
«„ ٥ ‟» الْأَصْلُ الْخَامِسُ: زَمَانٌ. وَأَمَّا الزَّمَانُ فَصَفَرٌ: اسْمُ هَذَا الشَّهْرِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الصَّفَرَانِ شَهْرَانِ فِي السَّنَةِ، سُمِّيَ أَحَدُهُمَا فِي الْإِسْلَامِ الْمُحَرَّمَ.
وَ
«„ ٦ ‟» الْأَصْلُ السَّادِسُ: نَبْتٌ. فَالصَّفَارُ، وَهُوَ نَبْتٌ، يُقَالُ إِنَّهُ يَبِيسُ الْبُهْمَى، قَالَ:
فَبِتْنَا عُرَاةً لَدَى مُهْرِنَا ... نُنَزِّعُ مِنْ شَفَتَيْهِ الصَّفَارَا
وَالصَّفَرِيُّ، نَبَاتٌ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْخَرِيفِ. وَالصَّفَرِيُّ فِي النَّتَاجِ بَعْدَ الْيَقَظِيِّ.
ويصلح أن نضيف أنه يعود إلى ثلاثة معان :
«„ ١ ‟» المعنىٰ الْأَوَّلُ: داء في البطن يصفر منه الوجه، ولعله: صُفَيِّراء: اسم تطلقه العامة على الصَفَر وهو داء في البطن يصفر منه الوجه، وهو داء اليرقان.
ويمكن إضافة :" صفرا: زهري، مرض مختص بالأعضاء التناسلية ".[20]
و
«„ ٢ ‟» المعنىٰ الثَّانِي: الجوع، وخلو البطن من الطعام:" تقرأه عند أساس البلاغة للزمخشري . بيد أن صاحب : (النهاية في غريب الحديث والأثر؛ أبوالسعادات؛ ابن الأثير الجزري ) . يبين مسألة شرعية هامة؛ إذ يقول :" كَانَتِ العَرَب تزعُم أَنَّ فِي البَطْن حيَّةً يُقَالُ لَهَا الصَّفَر، تُصِيب الْإِنْسَانَ إِذَا جَاع وتُؤْذِيه، وأنَّها تُعْدِي، وَقَالَ أَبُوعُبَيْد :" الصفر: دَوَاب الْبَطن. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سَمِعت يُونُس يسْأَل رؤبة بن العجاج عَن الصفر فَقَالَ: هِيَ حَيَّة تكون فِي الْبَطن تصيب الْمَاشِيَة وَالنَّاس وَهِي أعدى من الجرب عِنْد الْعَرَب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأبْطل النَّبِي -عَلَيْهِ السَّلَام- أَنَّهَا تعدِي وَيُقَال: إِنَّهَا تشتد عَليّ الْإِنْسَان إِذا جَاع وتؤذيه قَالَ أعشي باهلة يرثي رجلا:
لَا يتأرَّى لما فِي القِدرِ يرقبه ... وَلَا يعَض على شُرَسُوِفه الصفر[21]
فأبطَل الإسلامُ ذَلِكَ
- فيفهم مما سبق:
- إما مسألة المرض
أو
- مسألة التأخير والنسئ
وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ".. قيل هو تَأخِيرُهم المُحَرَّمَ إلى صَفَرَز
فيتدخل الشرع الحنيف بقول رسول الهدىٰ والرحمة فيقول :" «لَا عَدْوَىٰ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَر» . ليبطل هذا الزعم الزائف؛ أما الفيروسات والطفليات والسالمونيلا؛ وهي جرثومة عصوية داخل المعدة فهذه مسألة آخرى؛ تبحث من خلال الطبيب المختص من خلال كشوفات علمية وتحاليل مخبرية!

«„ ٣ ‟» المعنىٰ الثَّالِثُ: الشهر الثاني من الشهور الهجرية. يذكر ابن الأثير في موسوعته :" وَقِيلَ أرادَ بِهِ النَّسِيء الَّذِي كَانُوا يَفْعلُونه فِي الجاهليَّة، وهو تأخيرُ المُحرَّم إلى صَفَر، ويجعَلُون صَفَر هو الشهرَ الحرامَ، فأبطَله. الإسلامُ ".
وأخيرا أعودُ لما بدأته فــ :" هو الشهر المعروف، زعموا أن فيه يكثر الدواهي والفتن فنفاه الشارع ".[22] .
تنبيه :
نفهم من ذلك أن إسلام النبي الرسول محمد [] جاء ليصحح عقائد كانت فاسدة عند العرب في جاهليتهم أو عند بقية الناس من حولهم؛ وجاء ليصحح مفاهيم وافكار ومقاييس وقيم .. وهذا ما يجب أن يكون اليوم .. مسألة تصحيح ما عند الناس؛ وهو دور السادة العلماء .
- وأعود مرة ثانية إلى
«„ ٢ ‟» المعنىٰ الثَّانِي: الجوع، والْحَدِيثُ «صَفْرَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خيرٌ مِنْ حُمْر النَّعَم» أَيْ جَوعَة..
كما نفهم فقهاً :" جواز التوضي من النحاس الأصفر بلا كراهة وإن أشبه الذهب بلونه، وكرهه بعض. ". [23] .
يتبقى ما استحدث في زمننا :"
- الخطر الأصفر: خطر الازدياد السكانيّ في آسيا كما يتصوَّره الغربُ
- الهَواء الأصفر: مرض الكوليرا . [24]
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
‏الأربعاء‏، 01‏ صفر‏، 1443هــ ~ ‏الأربعاء‏، 08‏ أيلول‏، 2021م
-*-*
أعد هذا الملف : د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــ الدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى

„» اللهُ جاءَ بِكِ .. «‟

في لحظاتٍ تحتاجُ الأرضُ الجرداء إلىٰ غيثٍ ينهمرُ عليها مِن أعالي السماء ليروي عطشها منذ حين من الزمان لتخرج خبأها المكنون فتنبت فتراها خضراء تسر الناظر وتطمئن السائر فتطعم الجائع وتسقي العطشان.. فيرقد قرير العين مسرورا.. هكذا كان حال رفيقي.. حين جاءت!..
في لحظاتٍ حين تحصَّل رفيقي علىٰ شهادته العلمية العليا مِن جامعة مرموقة عالمياً؛ ثم يتحصل علىٰ أفضل درجات التقدم العلمي والتكنولوجي في مجال تخصصه فيعلو في كادره الوظيفي.. هكذا كان حال رفيقي حين جاءت..
في لحظاتٍ حيت يسير -رفيقي- في طرقات مدينته العتيقة تحيّيه الناس بلقبه العلمي؛ ويستمع إلى كلمته أهلُ العلم التخصصي لضلوعه في حيثيات جزء من علم لم يسبقه إليه أحد؛ وينادىٰ عليه في صالات الإقلاع للطيران في المطارات العالمية بدرجته الأكاديمية.. هكذا كان حال رفيقي حين جاءت..
في لحظاتٍ تفتحت له زهرة حياة الدنيا فهو في عز شبابه وكامل قدراته العقلية والذهنية ولكن به خوار نفسي شديد وضعف روحي قاتل.. هي جاءت!
لحظةُ أن جاءت وطلت عليه مِن شباك الحياة بما فيها من نعيم عايشه كان يشعر ببرودةٍ في أطراف اصابعه.. ويحس بتجمد جليدي قطبي في أطراف اقدامه.. إذ أنه كان يشعر أنه بمفرده مع وجود هذا الحشد من الناس والنجاحات من حوله.. في تلك اللحظة.. جاءت!
والتناقض الذي لم يستطع أن يفك رموزه أنه كان كل عام خاصةً أيام ميلاده يذهب -بمفرده- إلىٰ رؤية الكعبة المشرفة ويتمسح بكسوتها -كما تفعل العامة- ويضع جبهته فوق جدرانها ويمكث يدعو ويلح في دعائه؛ لعل خالقه يستجيب له؛ فهو يريد أن يحسن العمل فيتقنه ويتفوق على اقرانه في عدة مجالات هو يهتم بها.. فهو يرغب أن يتشبه بجيل الأوائل: زمن عباس محمود العقاد و د. طه حسين.. ثم يقوم بزيارة مكة المكرمة وما حولها، ويصعد جبل النور ومِن غارٍ أعلىٰ الجبل يطل بناظره علىٰ الكعبة وكأنه بين السماء والأرض ويعود بروحه إلىٰ بدء دعوة خاتم الأنبياء.. فرفيقي يؤمن بمبادئها.. فيشحن جميع جوانبه الجسدية والفكرية والروحية والنفسيةبــ طاقات إيجابية قرآنية نورانية؛ وكأن عبق المكان وعبير الزمان يفتح عليه بآيات بعينها من وحي الرحمن يشعر حين يقرأها كأنها نزلت لتخصه فترفع من معنوياته وتزيد من صهر معدنه في بوتقة الإيمان فيزداد يقيناً بما هو عليه من عقيدة التوحيد؛ وخالص العبودية للواحد القهار الرحيم؛ وخضوعه للآِله الفرد الصمد.. ثم يأتي زيارةً للمسجد النبوي الشريف فيتسكع في شوراع وأزقة محيطه ظناً منه أن خطواته وهو حاف القدمين تلامس آثر خطوات سيدنا آخر المرسلين ومن معه من الصحابة الكرام.. فيملؤ جوانب صدره مِن عطر الزمان النبوي.. كأنه يريد أن يتعايش عهد النبوة فيستنشق هواء عزة الإسلام ويدثر برداء الافتخار لأنه آحد المسلمين؛ وكأنه يريد أن يرتدي قميص الصديق فالفاروق فقميص ذي النورين فباب مدينة العلم؛ فحين يخرج من المدينة المنورة يشعر كأن فوق كتفيه قد استعار بُردته -عليه السلام- خاصةً حين يتعمد زيارة مكتبة الحرمين: المكي ثم المدني..
ثم ينتقل من بلاد الحجاز إلى بلاد الأفرنج.. !
يعود ليجلس علىٰ مكتبه بين أوراقه العلمية وبين ملفات أبحاثه وإدارة إعماله فيشعر بحالة من الفراغ وكأن الإنسان مركب من شيئين متناقضين: روح وجسد.. روحٌ تتطلب سويعات حسن عبادة وخالص تقديس.. وجسد يريد أن تمتلئ معدته بطعام وشراب؛ ثم من بعد الإشباع عنده ميل ذكوري طبيعي لأنثىٰ تملؤ عليه حياته العاطفية
وهنا أقولُ: لقد كذبت رابعة العدوية باختلاقها نظرية „العشق الآلهي‟.. وهي الأنثىٰ التي تمرغت -كما ظهرت علىٰ الشاشة الفضية- في أوحال الإشباعات الجسدية ومارستها مع السيد الذي يقدر أن يدفع الأثمان في ليال السكر والغناء والعربدة..
وهي نظرية لا يمكن تحقيقها إلا في خيال مؤلف بارع؛ أو أبيات مجون شاعر.. فكانت -رابعة- تفتقر للحظات الصفا الروحي والنقاء الجسدي والإلتجاء إلى الله.. الخالق؛ إذ أن الإنسان مركب من جسد وروح بالقطع..
و -رابعة- عند اقترابها من نهاية النضج الأنثوي وأوشكت -أو تكاد- من دخولها سن اليأس الذي يصيب بنات آدم -لحكمة لا يعلمها إلا خالقها- أرادت أن تشبع رغبة آخرى كانت أهملتها.. علىٰ فرضية صدق رواية تدعي وجود امرأة تسمىٰ رابعة العدوية وليس من خيال مؤلف أو تأليف وتوليف شاعر..
النظرية الصوفية -وهي لها رواج دائم- تكاد تكون خاطئة في آحدىٰ جوانبها؛ إن لم تكن في اساسها.. إذ أن الإنسان ليس فقط جسد يحتاج لإشباعات متعددة؛ وبأي كيفية كانت كما وأنه ليس فقط روح ترغب في السمو إلىٰ الآِله.. وهنا تأتي لحظات القلق.. حين يصعب عند البعض التوفيق بين إشباعات الروح وإشباعات الجسد.. فكلمات رابعة العدوية والتي صيغت شعراً يُغنىٰ تشعرك أنها تخاطب ذكر وليس آِله.. و „الحب الآلهي‟.. أو „العشق الآِلهي‟ وليدان زمنهما؛ في عصر الرفاهية ويتكرر من حين إلى آخر.. فهما تعبيران أو مصطلحان لم يتحدث عنهما مصدرا الوحي: الذكر الحكيم والقرآن الكريم والفرقان المبين أو السنة المحمدية المصطفوية؛ وعليه فــ „» العشق الآلهي «‟ أو كثير من مفردات الصوفية إذ أن خير البشر وسيد ولد آدم في رحلته : »المعراج« حين سُئل : "هل رأيتَ ربك".. رد قائلا : „»رأيتُ نوراً«‟ اضف مفردات السلفية الحديثة ومفردات إسلام الفضائيات ومنابر الوعاظ؛ والإسلام السياسي والمعتدل والمعدل تحتاج إلىٰ إعادة تعريف جديد صحيح شامل جامع مانع..
لذا احتاج العابد المسلم المؤمن وفق الرؤية الإسلامية إلىٰ تعريف الآِله المعبود كي يحسن عبادته بيد أنه من خلال أقوال الآِله نفسه وليس تصور العابد الناسك لهذا الآِله؛ ومن هنا يأتي الخلط بين تصور إنساني ناقص وعاجز وقاصر وبين حقيقة المعبود.. لذا جاءت الأسماء الحسنىٰ في القرآن الكريم واصفة إياه تعالىٰ الذي يُعرف نفسَه بنفسِه؛ وليس العابد الناسك هو الذي يعرفه أو يصفه.. وهنا تصح المقولة التي تخبر عن تأثير الفلسفات الفرعونية والهندية والإغريقية واليونانية والفارسية وترجماتها في تشبيه الآِله أو وصف العلاقة معه.. أو كيفية العلاقة التعبدية أو المعيشية مع الآخر ومن ذلك فكرة التصوف الدخيلة علىٰ إسلام محمد بن عبدالله..
والذي أفسدَ إلىٰ حد ما المناخ التعبدي العام لذهن الإنسان منذ أزمان وعهود.. مَن ولد في الألف الثالث قبل الميلاد.. الآِله: „حورس‟ -وكان اسمه باللاتينية „» أكرست christ «‟ - الفرعوني مِن العذراء:" أيسيس-ماري" Isis-Meri.[إيزيس]. ومن ثم انتشرت الفكرة مع خطئها وفسادها في بقية اقطار الأرض من أهل الصين القدماء؛ والهندوس؛ والبوذيون؛ والروس القدماء؛ والكلدان؛ وسكان سوريا والقدس وبيت لحم قبل ميلاد المسيح؛ وسكان فريجيا؛ والإسكندنافيون؛ والأنجلوساكسون؛ والفرس القدماء؛ واليونانيون والروم.. ويصح القول بأن فكرة إنزال الآِله مِن علاه ووضعه في رحم ضيق؛ وحشره في أحشاء مظلمة لأنثىٰ-لعلها تصور إنساني لقرب الآِله من الإنسان؛ والذي أخرجته عذراء من رحمها ليعيش الآِله كأنه إنسان ثم تمكن الإنسان من الإمساك بالآله لتقترب قدرة الإنسان -بقدر الإمكان- لقدرة الآِله ثم سعىٰ الإنسان لمطاردته فتعذيبه لإثبات بقية قدر من القدرة عند الإنسان كما عند الآِله.. ثم طعنه ليتبين ضعفه -والمتابع في حياة الإنسان يظهر للعيان ضعف الإنسان من بعد قدرة- ثم أذله في مشهد درامي مؤثر -أحسنت الصناعة الفِلمية تصويره- تبين رغبة الإنسان في إثبات المذلة لآِله ثم تركته كما يحدث لإي إنسان أن يترك حتى يموت وحده.. ولكي تكتمل الصورة البشرية لتصور هذا الآِله رافق عمليه تعذيبه وانتهاء حياة الآله على الأرض وموته.. رافق تلك المشاهد -مذنب/عاص؛ وهذا عند البعض- صلب معه كي يتساوى آِله علوي مع إنسان عاص مذنب سفلي..
مشاهد / رؤية بشرية أفسدت الذوق الإنساني العام واقتربت بمشاهد آخرىٰ إلى الصوفية ذات الوشاح الإسلامي.. وحين أراد الله في المشهد الأول -الفراعنة ومن سار خلفهم ومن جاء من بعده-.. حين اراد الله تصحيح المشاهد والرؤية الصحيحة للآِله أرسل آخر رسله لتحقيق القول الأول منذ عهد أبي البشر آدم: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد } [١] { اللَّهُ الصَّمَد } [٢] { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد } [٣] { وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد } [الإخلاص: ١~ ٤]
.. ولأن طبيعة الإنسان ترغب في الأسهل والتملص من القيود ورفع التكاليف سواء الشرعية أو المدنية أو تخفيفها.. والإشكال جاء نتيجة احتكاك فلسفة بشرية تولدت في ذهن إنسان بافكار آِلهية ثم لُصق بها وصف إسلامية صوفية..
-***-
.. شردَ مني كثيراً رفيقي -اثناء ارتشافه قطرات مِن قهوته ونحن نجلس في شقة تطل علىٰ الشارع التجاري السياحي لعله الثاني في العاصمة الفييناوية؛ والشقة أجرتها آحدىٰ التجمعات العربية في الغرب- ..
.. شردَ -رفيقي- حين سرد هذه النظرة وهو يتكلم عنها..
.. وفي حقيقة الأمر لا تمل سماعاً لما يرويه أو يقوله رفيقي لي..
فقد كنتُ الوحيد الذي يطمئن له عند الكلام عما يدور في خلده أو بين جنبات صدره وهو -رفيقي- كان ملماً بشكل جيد بعدة علوم..
ولكن السر الأعظم لديه كان -حريمه-.. والشئ بالشئ يذكر..
فهو -رفيقي- كان يفتخر بمطبخ أمه؛ ثم مِن بعدها مطبخ خالته -الحاجة أمينة- وكانوا ينطقون اسمها فـ ينادونها بــ » آمنه « وهي -رحمها الله- كانت تحمل صفات ونعوت كاسمها تماماً..
وهو -رفيقي- إثناء غربته بمفرده دون امرأة أو زوجة لم يكن يحسن الطبخ..
يروي لي: بسبب دراسته في جامعة فيينا العتيقة أنه كان يتبضع يوم السبت فقط ويرتب في ثلاجته الصغيرة ما سوف يتناوله طعاماً على مدار أيام الإسبوع الذي يلي يوم شراء غذائه؛ فيقطع مثلا الفرخة لأجزاء يضعها متتالية واحدة خلف الآخرى: ورك.. صدر .. جناح في صف وبجواره صف آخر من قطع لحم الضأن أو البقر.. أقرب إلى ما كان يأكله في بيت أمه أو خالته.. وكان لا يروق له أن يتغذى خارج بيته في المطاعم..
وحين اقترب من المطبخ الأوروبي لم يعجبه سوى طبخ تلك المرأة الكرواتية والآخرى ذات الأصول من النمسا السفلى؛ وهي مقاطعة نمساوية مجاورة لولاية فيينا العاصمة..
وهنا جاء تساءل من طرفي: كم مِن النساء تزوجهن رفيقي !؟..
أو كم من النساء كن يطبخن لرفيقي .. ومتى !!؟..
أجلت السؤال لحين ننتهي من قصة المرأة الحالية أو التي بالفعل أنتهى حبه لها بشكل درامي كالأفلام المِصرية القديمة أو أنهى عمداً علاقته بها !
.. لا ينبغي أن ننسىٰ المرأة الإسكندرانية التي تزوجها في مطلع شبابه.. ولا يصح نسيان مطبخها.. وحلوياتها..
وكما يقول : هي التي صبرت على أحواله وتصرفاته حتى كتابة هذه السطور!
.. هي -ELLE- لم تكن تحسن سوى الشكوى لما اصابها من أمراض نفسية أو أعراض جسدية؛ ولكنها كانت تحسن تقديم وجبة حنان من خلال جسد معذب؛ وهي كان تتقن هذا الدور مع رفيقي؛ ولعل مشوار الحياة افهمها أنها ينبغي أن تحسن هذا الدور خاصة أن -رفيقي- رجل مشرقي!
الفراغ الجسدي.. والفراغ الروحي.. عند الكثير من البشر..
فهي لا تحسن الطهي ولا تحسن مضغه كي تشتهي ما تريد أن تتناوله.. إذ لديها حالة مرضية : إمساك مزمن تحتاج إلى دواء كي تحسن أفراغ ما في الأمعاء..
هي أرادت أن تكون عارضة أزياء لجمالها ورشاقة قوامها !..
لكن آحدهم -لماله- تمكن من اقتنائها كآحدىٰ لوحات المشاهير وكان يقدمها لضيوفه الأغنياء مثالا على اعتبارها تحفة نادرة.. فغابت الناحية الإنسانية بينهما.. وطمست المشاعر الآدمية بينهما.. أنقطعت حبال المودة..
-***-
ثم جاء الله بــ »رفيقي«..!
رأتْ منه أنه يقدر أن يحول المشاعر إلى لمسات إنسانية يهتز لها كيانها فيدق قلبها فينبض بالحياة وليس نبض مَن هو تحت ماكينة الإنعاش في غرفة العناية المركزة!
رأته وهو يحول المكنون في الوجدان إلى إحساس ظاهر يشعر به جسد الإنسان يسري كــ دم الإنسان في كافة أنحاء هذا الكائن!
ورأتْ فيه أنه يحول الفراغ ما بين الكلمات إلى اصابع تمسك بالحروف فتكون جملا تُقرأ بالعين المجردة وليس بأجهزة مكبرات الأشياء!
مؤلم للنفس والجسد معاً أن يتحول الإنسان إلى تمثال من الرخام وبواسطة وسائل التقنية الحديثة تظن أنه يتحرك!
ومؤلم أن يتحول الإنسان إلى أَلة في مصنع ينتج ما يحتاجه البشر!
ومؤلم أن يتحول الإنسان إلى وعاء يمتلئ بالكيماويات المصنعة بطعم المانجو أو التغليف من خلال التعليب في صفيح المعلبات هو الغذاء اليومي لإنسان فقدَ طعم الخضروات الطازجة أو نكهة الفواكة اليافعة.. أضف بعد ذلك حفظ الطعام في مبردات تحت درجة الصفر بــ 18 درجة في كل البيوت!
والظاهر أن الإنسان استطاع أن يحفظ في ثلاجات المنازل طعامه لمدد طويلة وأيضا حفظ مشاعره وعواطفه وأحاسيسه في دولاب الملابس القديمة!
هي -ELLE- كانت وعاء إما خارجي لوضع أثواب الموضة الجديدة فوقها.. أو امتلاء هذا الوعاء بقدر يبقي تدفق الدم في وريد..
لجمالها الظاهري المعاين للناظر.. لم تشعر بجمالها الداخلي الذي غاب عن جوانب روحها وجسدها!
رفيقي استطاع أن يشعرها بأنها ليست وعاء إما للتفريغ وإما للأحتواء!
أن يتعامل الرجل مع المرأة علىٰ أنها إنسان ترفعهما معا هذه المعاملة إلىٰ مصاف الملائكة!
أن يتعامل الذكر مع الأنثىٰ على أنها وعاء.. صارت بالوعة في مرحاض!.. سواء من خلال الطبخ والطهي وإعداد الطعام أو تفريغ شحنة ذكورية!
أفهمُ أن الوليد يحتاج أن يلتقم طرف ثدي لغذائه.. والحديث هنا عن وسيلة تغذية لكائن حي يريد أن يبقىٰ.. وليس الحديث عن ذكر.. فالحديث عن الإطعام والسقاء والغذاء وإشباع جوعة معدة فلا توجد هنا ذكورة أو أنوثة..
فالوليد الأنثىٰ مثل الوليد الذكر في عملية الإلقام والإشباع من ثدي سواء أمه الإنسان أو كان الثدي لحيوان!
يخطؤ من يفرق بين شقي الطفولة -طفل أنثىٰ وطفل ذكر- من حيث الاحتياجات فهما يحتاجا إلىٰ الحصول عليها؛ كما يحتاجا إلى رعاية كاملة؛ وسوء الرعاية أو التفريق بين الرعاية ينتج إنسانا اصابه مرض مزمن إما عضوي أو نفسي.. ومنذ طفولته.. وما نراها في المصحات والمشافي لدليل صدق لما أقوله!
هي --ELLE- جاءت إلى الدنيا وليدة رغم رغبة الوعاء الأول بيولوجياً -الأب- .. ورغبة من الوعاء الثاني بيولوجياً -الأم- ظناً أنها بتلك الصلة تقترب كثيراً من الأب؛ والذي رفضها منذ اللحظات الأولىٰ حين أخبرته المرأة الحامل بما يتكون فيتشكل في أحشائها.. لم يعترف بها حين وُلدت فلقبت باسم جدها من طرف أمها.. ومن هنا تبدء بدايات المتاعب النفسية وسلسلة المعاناة الجسدية..
طفلة لا ذنب لها جاءت إلىٰ الدنيا نتيجة صلة -ابتعدَ رفيقي عن تعبير ثمرة-.. علاقة لحظية بين أنثىٰ تريد إشباع جانب من احتياجاتها غير الضرورية.. ورجل يريد اثبات قدر ما من ذكوريته..
أخبرت -رفيقي- أنها لم تراه -الوالد- إلا مرة في طفولتها ثم المرة الثانية حين مات ولم يستطع أحد دفع مصاريف الجنازة وثمن الدفن!
وحين تم الرفض من قبل ذكر -الأب البيولوجي- تحيرت الأم والتي حملتها تسعة أشهر وشعرت بأوجاع الولادة وما يصاحبها من آَلام المخاض..
هي - ELLE- ولدت طفلة جميلة بريئة.. شقراء بيضاء.. ذات عيون زرقاء..
وهذا ما يرغب فيه رفيقي..
هو -رفيقي- ينبهني بأن الإنسان لا يقدر علىٰ الوصول إلىٰ أدنىٰ درجات الكمال؛ وهذا يعود لتركيبته الأصلية الآدمية وليس لعدم استطاعته.. فهو لا يملك مقومات الكمال ولا بدايات الاكتمال.. يولد ضعيفاً محتاج إلىٰ غيره بالضرورة.. وعاجز أن يقوم بصورة طبيعية للقيام بأدوار حياته.. وقاصر علىٰ أن يبقي علىٰ حياته بمفرده.. في جميع أطوار حياته يحتاج لمن يطعمه فينظفه رضيعا؛ ثم يحتاج لمن يعلمه ويهذبه فيؤدبه يافعا ثم يحتاج لمن يطببه شيخاً.. ثم يدفنه ميتاً..
والطامة الكبرى أنه يولد جاهل يحتاج إلى من يعلمه بعض أو جزء من العلوم.. ومن خلال العملية التعليمية إما أن يصبح إنساناً أو أنه يصير فقط كائناً حياً.. وهنا يكمن الفارق!
ماذا تفعل الأم! ..
تركتها لجدتها من طرف أمها.. تربت الحسناء البيضاء الشقراء في بيت جدتها .
هي - ELLE- استثمرت جانب جمالها دون أن تشعر به..
رفيقي نقلها من كينونتها كأنثىٰ تُشتهىٰ.. والتي بها حياة .. إلى إنسانة تشعر بحياتها وآدمية تحس بوجودها
بحكم البيئة التي تربت فيها والمناخ العام الذي نشأت فيه.. صارت نصرانية بحكم المولد والتربية والحياة المعاشة ولكن رفيقي شعر بغير ذلك.. فقط الجانب التديني المشاعري الكهنوتي؛ وهذا تلاحظه عند الكثيرين من أتباع الأديان!
مكان العبادة يقدم من خلال الطقوس والقداس كل ما يحتاجه المؤمن بفكرة خلاصه من العذاب لما يرتكبه الإنسان من ذنوب ومعاص وكبائر من خلال المخلص ابن الآله -الذي عُلق على الخشب وفارق الحياة على الصليب- الذي مات من أجل الإنسان.. وهي عقيدة المسيحية؛ وهي موضع نقاش عند أهل العلم وليس مع العامة.. فاراد رفيقي -وهو مسلم يعتمر كل عام- أن يظهر لها عدم معارضته لعقيدتها أو رفضه لإيمانها..
ذهب معها ذات مرة في نزهة لمدينة سالزبورج وإثناء التفرج على آحدى معالم المدينة وجد كنيسة تتبع الدومينيكان؛ فدخلها معها وعثر على غرفة مستقلة باسم العذراء البتول مريم فدخلها معها ووجد في مقدمة الغرفة كراسة يسجل فيها فيكتب الزائر خواطره.. فكتب معها في ورقة „»وثيقة«‟ عهد بينهما وكأنه كتبها بدمه وليس بحبر قلمه.. ثم وقع على الوثيقة ووقعت هي..
لاحظ رفيقي وبدى على ملامحها حالة من الرضا وايضا حالة من الاستغراب أن لم يكن ذهول المستغرب من تصرفه مع إسلامه الظاهر للعيان من خلال أحاديثه معها وإحسانه المقارنة أو المقاربة بين الأديان؛ وكأن هذا قدر من يسكن في بلاد الغرب ذات المسحة المسيحية أن يحسن علماً بشقيه: المقارنة والمقاربة بين الأديان وإلا ذاب في المجتمع دون أن يشعر... وعصف به من كل جانب..
هي - ELLE- كانت تظن أنه لا يصح أن يفعل ذلك
لم تبدِ هي كثيرا من الاهتمام وأكملا معاً زيارة بقية معالم وآثار المدينة العتيقة
... إشكالية رفيقي معها.. أنه لم يقدر بعد عدة سنوات أن يلعب دور المخلص من آلامها النفسية ومتاعبها الجسدية.. إذ أنها كانت توقظه مبكراً للغاية في الثالثة أو الرابعة قبل بزوغ الفجر لتخبره أنها تريد منه أن يحادثها لأنها أصابها قلق فلا تسطيع النوم.. وهو بالتالي يخبرها أنه يجب أن يأخذ قسطا جيدا من الراحة والنوم خلال سويعات الليل ليحسن أداء عمله وممارسة وظيفته فهو يحتاج لذهن صاف..
توقفت الحياة معها وغادر مدينة جراتس في قطار المساء مودعا إياها بلا عودة.. ولم تنفع سكوبات عيناها بكاءً وإلحاحها في البقاء معها فهي تريده رجلا بجوارها..
غادر رفيقي حياتها..
بيد أني سأعود لأكمل بعض جوانب تشرح هذا الرجل المشرقي حين يعيش في بلاد الغرب...
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)*
رواية :
الرجل المشرقي
ورقةٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات

الإثنين‏، 29‏ محرم‏، 1443هــ ~ ‏الإثنين‏، 06‏ أيلول‏، 2021م
-*-*
مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ؛ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بِــ الدِّيَارِ المِصْرَية الْمَحْمِيَّةِ - حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى-

شهرُ اللهِ المُحَرَّمِ.. مُحَرَّم الحَرَام[ (-*-) ]

:" نحن اليوم في شهر عظيم؛ شهر الله المحرم، شهر له حرمة، وفيه فضائل وأحكام ! ".
التَّمْهِيدُ :
1 . ] فإنَّ مِنْ شرفِ الشهر الأوَّل - المُحَرَّمُ - مِنْ شهور السَّنَة القمرية أَنْ نَسَبَه النبيُّ المصطفىٰ والرسول المجتبىٰ والمبعوث المحتبىٰ المرتضىٰ صلَّى الله عليه وسلَّم إلىٰ ربِّه -تعالى اسمه وتقدس سره-، ونَعَتَه بالشهر الحرام في قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «... شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ »[(1)]،
2 . ] و ينبغي التنبيهُ علىٰ خطأ شائعٍ في إطلاق لفظ «محرم» مجرّدًا عن الألف واللاَّم؛ ذلك لأنّ الصواب إطلاقه معرَّفًا، بأن يقال: «المُحرَّم»، لورود الأحاديث النبوية بها معرَّفة؛ ولأنَّ العرب لم تذكر هذا الشهر في مقالهم وأشعارهم إلاّ معرَّفًا بالألف واللام، دون بقية الشهور، فإطلاق تسميته إذًا سماعي وليس قياسًّيا. [(2)]
3 . ] :" احذر الجهل !..
الحديث عن هجرة سيّد الأنام؛ والكلام عن خروج سيد ولد آدم مِن مكةَ المكرمة إلى مدينته المنورة --صلّى الله عليه وسلّم-. برفقة صاحبه ووزيره الأول؛ وخليفته الأول ما أطيبه من حديث ! وإنّا-جميعاً- لنسعىٰ إلىٰ مثله السّعي الدائم الحثيث.. إذ هو حدث لا كسائر الأحداث .. إنّها بداية خروج النّاس من الأجداث..
ولكنْ لا بدّ أن نعلم أنّ الحديث عن الهجرة النبويّة في هذا الشّهر، إنّما يُشرع لأنّهم أرّخوا بشهر الله المحرّم ؟
لا لأنّ الهجرة النبويّة كانت بشهر محرّم !
فإنّ العلماءَ قاطبة مِن المؤرّخين كالطّبري وابن كثير، وأصحاب المغازي والسّير كابن هشام، وابن إسحاق، متّفقون علىٰ أنّ الهجرة كانت بشهر ربيع الأوّل.
وتوضيح ذلك:
أنّ الأنصار بايعوا رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- بيعة العقبة الثّانية في موسم الحجّ، أي: في شهر ذي الحجّة.
وأقام رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- بعدهم بمكّة بقيّة ذي الحجّة مِن تلك السنة والمحرّم وصفر، وخرج مهاجرا إلىٰ المدينة في شهر ربيع الأوّل(وترتيبه الشهر الثالث من السنة القمرية).[انظر " تاريخ الإمام الطّبريّ "].
ولكنّ الوهم سرىٰ علىٰ عقول أكثر المسلمين بسبب أنّ الصّحابة لمّا أرادوا التّأريخ اختاروا السّنة التي هاجر فيها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ولم يلتفتوا إلىٰ الشّهر الذي هاجر فيه، وإنّما اختاروا محرّما لأنّه منصرف النّاس مِن الحجّ - كما سبق بيانه -.
وهذا يدلّ علىٰ منزلة الهجرة في صدور المؤمنين، ومرتبتها في قلوب المسلمين. ".[(3)]
4 . ] :" احتضنت مكة عام 412م اجتماعا ضم سادة قبائل العرب لتوحيد أسماء الأشهر العربية، التي تعددت تسمياتها في شبه جزيرة العرب آنذاك.
وقد عقد الاجتماع في حياة „ كلاب بن مرة ‟ خامس جد للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.
ويعتمد التقويم العربي -الذي أصبح فيما بعد التقويم الهجري الإسلامي- علىٰ حركة القمر، ولذلك يصنف علىٰ أنه تقويم قمري.
اعتمد المسلمون التقويم العربي ليكون تقويم الدولة الإسلامية، ونظرا لاعتماده الهجرة النبوية الشريفة بداية له فقد سمي بالتقويم الهجري. وقد اعتمد بعد سنتين ونصف من خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، في ربيع الأول مِن عام 16 للهجرة، وكان يوم 1 محرم من عام 17 للهجرة بداية أول سنة هجرية بعد اعتماد التقويم الهجري. ".[(4)]
4 . 1 . ] :" بيد أن رياح التغيير هبت فــ:" بدأ التغيير علىٰ يد الخديوي إسماعيل[( ** )] حيث غير نمط حياة الإنسان المِصري: غَيَّر برنامجه اليومي، غَيَّر التقويم من الهجري إلىٰ الميلادي، غَيَّر الساعة من العربي إلىٰ الأفرنجي، غَيَّر الأزياء، غَيَّر نمط المعيشة .". [( *** )]
وربطاً بما سبق وبناءً علىٰ التغيير في نمط المعيشة كما يخبرنا د. علي جمعة؛ مفتي الديار المِصرية السابق.. غابت عن اذهان مسلمي هذا الزمان وما سبقه من عصور :
4 . 2 . ] [ مسألة الإظهار ]
فتجد أن الأمة الإسلامية قد اغفلت العديد من قضاياها ؛ ومنها قضية « „ الإظهار ‟ ».. أو نظرية « „ الإظهار ‟ ». و
كي أوضح الفكرة:
فالخالق المبدع المصور -جل جلاله- خلق جناح الفراشة بألوانه الزاهية للطيران؛ كما خلق -كذلك- جناح البعوضة والذبابة للطيران؛ فأظهر في المخلوق الأول حسن صنعته، وأظهر في المخلوق الثاني تمام إبداعه؛ فالدور الأساسي -حسب علمي- لهذا الجناح هو التمكين من الطيران؛ كذا الطيور باشكالها وأنواعها وأحجامها تستخدمه للطيران؛ وقد يساعدها في تلطيف الهواء وتهوية العش؛ فإذا نظرت إلىٰ الطاووس يزهو بشكله وألوان ريشه؛ تنبهتَ أن خلف هذا الإبداع خالق مِن عدم فأحسن خلقه علىٰ غير مثال سابق، وهذا تنبيه آلهي لوجود خالق مبدع مصور ليدلل -سبحانه وتعالى- عن طريق النظر والاستبصار ثم عن طريق متابعة المخلوقات .. يدلل علىٰ وجود خالق صانع مبدع مصور أوجد صناعته من عدم؛ ثم انظر إلىٰ البحار والأنهار والبحيرات وما تحوي في بطونها من أنواع هائلة من الأسماك.. على أختلاف أحجامها وألوانها وطعمها.. كما أنه -سبحانه- في المطعومات من الخضروات والفواكه.. والجميع يسقىٰ من ماء واحد ؛ بيد أننا نفضل بعضها علىٰ بعض من حيث الطعم والتذوق، فنبه القرآن الكريم والذكر الحكيم لهذه المسألة بقوله :{ ... وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون } [الرعد:4] .
كما نبه إلىٰ إختلاف الألوان فنطق القرآن العظيم يقول : { وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُون } [النحل:13] . وهذه إشارات وتنبيهات وعلامات وآيات ترشدنا وتبصرنا إلى قضية الخلق والإيجاد.. هذا من حيث الواقع المشاهد المحسوس؛ ثم يأتي الإخبار اليقيني بنص سماوي قرآني علىٰ لسان نبي ورسول ليؤكد ما يراه البشر.. وإن غفلوا.. ثم انظر إلىٰ البشر ؛ ففي شمال القارة الأوربية يختلفون عن وسطها أو جنوبها وانظر إلىٰ القارة الآسيوية أو الأفريقية فيثبت القرن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين هذه الجزئية بقوله.. استمع إليه : { وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين } [الروم:22].
وهذه المسألة؛ اقصد نظرية/قضية « „ الإظهار ‟ » غفلت عنها أمة الإسلام.. فلا يقومون بعرضها ومن ثم بلورتها بل غابت عن عموم المسلمين؛ وخاصة عن علمائها وأهل القرآن -إلا من رحم ربي-..
وعليه اقصد في هذه العجالة دون دقة التفصيل وحسن التبيان ووافر الشرح: يوجب علىٰ المسلمين -بوضعهم الحالي وقدراتهم الآنية- إظهار العقيدة الصحيحة السليمة.. بكافة الطرق والوسائل المتاحة -تراجع السيرة النبوية في العهد المكي؛ إصدار الموقع- وفي كافة الأوساط والمجالات.. سواء العالمية منها أو الإقليمية والداخلية وأيضاً إظهار الإيمان.. وإظهار أحكام الإسلام.. ومعالجاته لكافة القضايا وكل المسائل؛ وليس ما يشاهد أو يسمع من سوء تصرفات القلة مِن مَن يقال عنهم أنهم مِن عرب أو أعاجم المسلمين.. فيجب إعلاء كلمة الله -تعالى- قولا وفعلا وسلوكا وأخلاقا وتصرفات في السياسة الداخلية والسياسة الخارجية [هل تابعت جلسات إيران مع الغرب في فندق:" جراند أوتيل" في فيينا/النمسا بخصوص الملفات المتعلقة بإتفاق جديد]؛ وفي العلاقات بين الدول وفي العلاقات بين الأفراد.. فهل نحن نظهر أحكام الإسلام الحنيف في كافة المسائل والقضايا التي نتعرض لها بإجتهاد جديد صحيح!؟.. أم أننا نجعل العادات والتقاليد ومورث الأجداد هو المتحكم في العلاقات..
لذا فــ ينبغي للمسلمين أن يُظهِروا تعظيمَ هذا الشّهر شهرَ اللهِ المُحَرَّمِ بصيامه كلِّه، أو ما تيسّر منه، أو صيام التّاسع والعاشر. ومِن تعظيمه -هذا الشّهر-: الاجتهاد في كفِّ النّفس عن معاصي الله؛ لأنّها مِن ظلم النّفس الذي نهى الله تعالى عنه في كلّ الشّهور، خصوصًا الأشهر الحرم، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36] .
4 . 3 . ]:" تأصيل مسألة صيام يوم عاشوراء المبارك
ويَقَعُ في شهر الله المحرَّم يومٌ جليلُ القَدْر هو يومُ عاشوراءَ المبارَكُ، وحُرمتُه قديمةٌ؛ إذ فيه نجَّىٰ اللهُ تعالىٰ موسىٰ -عليه السلام- وبني إسرائيل مِنْ ظلمِ فرعونَ وجنودِه، وأغرقه اللهُ وقومَه؛ فَقَدْ وَرَدَ في الصحيحين مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: « „ مَا هَذَا اليَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ ‟ » فَقَالُوا: «هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَىٰ اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ؛ فَصَامَهُ مُوسَىٰ شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَنَحْنُ « أَحَقُّ » وَ « أَوْلَى » بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ»[(5)]
وروى أبو مُوسَى الأشعري -رضي الله عنه- قَالَ: "كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فَصُومُوهُ أَنْتُمْ"[(6)] .

4. 4 . ] تأصيل يوم عاشوراء المبارك.. حُرمتُه قديمةٌ
وكيف تعامل آخر الأنبياء ومتمم المبتعثين مع حدث لم يعايشه؛ ولكن أوحيَّ إليه! :
شُرِعَ صِيَامُ يومِ عاشورَاءَ، شُكرًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَىٰ نَجَاةِ مُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ-، مِن أَكبَرِ طَاغِيَةٍ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، حيثُ ذَكَرَ اللهُ، -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ العزيز والذكرِ الحكيم والفرقان المبين تِلكَ القصةَ، الَّتِي تُبَيِّنُ كيفَ اِنتَصَرَ الحقُّ عَلَىٰ البَاطِلِ، لتَبعَثَ فِي قُلُوبِ المؤمنينَ الثَّبَاتَ؛ وتقوي في أفئدتهم الأمل بالإنتصار ؛ فقوةُ البَاطِلِ لَا تُقَاوِمُ الحقَّ مهمَا بلَغَت؛ فهي مبنيةٌ علىٰ أَسَاسٍ فَاسِدٍ.
قدرة الله تعالىٰ ومشيئته:
لقد كانَ فرعونُ، يَستَضعِفُ بنِي إِسرائِيلَ، ويُقتِّلُ أبناءَهُم، ويَستَحيِيِ نساءَهُم، ولكنَّ مشيئةَ اللهِ نافذةٌ، وقدرتُهُ قاهرةٌ -وأمره هو الغالب-، فشاءَ اللهُ لمُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ-، أَن ينجُوَ مِن القَتلِ، خلافَ مواليدِ بنِي إسرائيلَ في تلكَ السَّنةِ، وأن يَتَرَبَّىٰ فِي بيتِ فِرعَونَ، تحرسُهُ عنايةُ اللهِ، حتَّىٰ كَبُرَ، وبَلَغَ أَشُدَّهُ، وبَعَثَهُ اللهُ برسالتِهِ إِلَىٰ فِرعَونَ وآتاهُ من الآياتِ مَا يدلُ عَلَىٰ صِدقِهِ، ولكنَّ فِرعَونَ كَمَا قالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى(21) ثُمَّ أَدبَرَ يَسعَى(22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى(24)﴾ [النازعات: 21- 24].
ولمَّا غَلَبَهُ -نبيُّ اللهِ ورسوله- مُوسَىٰ بالحُجَجِ، والبيِّنَاتِ، وكَشَفَهُ لقومِهِ؛ اِدَّعَىٰ هَذَا الطَّاغِيَةُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ سِحرٌ، وأنَّ عِندَهُ مِنَ السِّحرِ، والسَّحَرَةِ مَا يَنتَصِرُ بِهِ عَلَىٰ مَوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ-، فَجَمَعَ سَحَرَتَهُ مِن جَمِيعِ مَملَكَتِهِ، ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ(38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ(39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ(40)﴾ [الشعراء: 38- 40].
فَعَرضُوا مَا عِندَهُم مِنَ السِّحرِ، وعَرَضَ مُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ- مَا عِندَهُ مِنَ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ، فانتَصَرَ عَليهِم بِالحَقِّ، قالَ تَعَالىٰ: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ(119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(122)﴾ [الأعراف: 119- 122].
فلَجَأَ فِرعَونُ إِلَىٰ القوةِ والبطشِ، وهدَّدَ وتوعَّدَ، وقَتَلَ السَّحَرَةَ الذِينَ آمَنُوا باللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَأَوحَىٰ اللهُ إِلَى مُوسَى- عَلَيهِ السَّلَامُ- أن يَخرُجَ بالمؤمنِينَ، فِرارًا مِن هَذَا الطَّاغِيَةِ العنِيدِ، فانتَهَىٰ مُوسَىٰ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُؤمِنِينَ إِلَىٰ البَحرِ، فاستَنفَرَ فِرعونُ جُنُودَهُ، وقَومَهُ، وخَرَجَ فِي إِثرِهِم بِقُوَّتِهِ وعَتَادِهِ، يُريدُ قَتلَهُم، وإِبَادَتَهُم عَن آخِرِهِم.
وسَارَ فِي طَلَبِهِم، وَلَحِقَ بِهِم فِرعونُ وجُنُودُهُ، وهُنَاكَ تَزَايَدَ خَوفُ المُؤمِنِينَ؛ البَحرُ أَمَامَهُم، والعَدُو مِن خَلفِهِم، فَوِفقًا لِلمَعَايِيِرِ البَشَرِيَّةِ الأَمرُ مَحسُومٌ؛ فيَستَحِيلُ أَن يَنتَصِرَ مُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ- وأَصحَابُه علىٰ أَعتَىٰ قُوَّةٍ عَلَىٰ وَجهِ الأَرضِ جَمعًا وعَدداً وَعَتَادًا-وقتذاك-، وَهُم ضُعَفَاءُ مُستَضعَفُونَ، لَا قُوَّةَ مَعَهُم وَلَا عَتَادَ، فَأَنَّىٰ لِقَومٍ عُزَّلٍ أَن يُوَاجِهُوا أَقوَىٰ قوةٍ عَسكَرِيَّةٍ عَلَىٰ وَجهِ الأَرضِ-آنذاك-؛ فَضلًا عَلَىٰ أَن يَنتَصِرُوا عَلَيهَا؟! وهَذَا مَا أَيقَنَ بِهِ أَصحَابُ مُوسَىٰ، كَمَا قَالَ -تَعَالَىٰ- حَاكيًا عَنهُم: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61].
وَلَكِنَّ مُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ- أيقنَ بِالاِنتِصَارِ، وَرَفَضَ الاِنهِزِامَ؛ فَلَقَد نظر إلىٰ الأَمرَ بمنظارٍ آخَرَ؛ فلا يمكن أن ينهزمَ مَن وَعَدَهُ اللهُ بالنَّصرِ، إِنَّهُ التَّوَكُلُ عَلَىٰ اللهِ، والثِّقةُ فِي نَصرِهِ، وَذَكَّرَ قَومَهُ بِالحَقِيقَةِ، وَرَدَّ عَلَيهِم بالردِّ الحَازِمِ الحَاسِمِ برفضِ الانهزامِ وَالاِستِسلَامِ، كَمَا ذَكَرَ اللهُ عَنهُ بقَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
فَلَمَّا أَظهَرَ التَّوكُّلَ والثِّقَةَ بِنَصرِ اللهِ؛ مَا خَذَلَهُ اللهُ فأَمَرَهُ أَن يَضرِبَ بِعَصَاهُ البَحرَ؛ فَضَرَبَهُ، فَانفَتَحَ طُرُقًا يَابِسَةً، فَسَارَ مُوسَىٰ وقَومُهُ، لَا يَخَافُ دَرَكًا، وَلَا يَخشَىٰ، وَدَخَلَ فِرعونُ وجُنُودُهُ فِي إِثرِهِمُ، بِظَنِّهِم أنَّ الطُرَقَ الَّتِي اِنفَتَحَت فِي البَحرٍ لِلجَمِيعِ، دَافِعُهُمُ الخُيَلَاءُ والكِبرِيَاءُ، يَمكُرُونَ فَمَكَرَ اللهُ بِهِم، فَلَمَّا تَكَامَلَ قومُ مُوسَىٰ خَارِجَينَ مِنَ البَحرِ، وتَكَامَلَ قومُ فِرعونُ دَاخِلينَ فِيهِ، أَمَر َاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- البحرَ فانطَبَقَ عَلَيهِم، وأَغرَقَهُم أَجمَعِينَ، فَاِنتَصَرَ الحقُّ عَلَىٰ البَاطِلِ، وَأَعَزَّ اللهُ جُندَهُ، وصَدَقَ وَعدَهُ، حيثُ قَالَ لَهُم: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 129].
وتَحَقَّقَت إِرَادَةُ اللهِ الَّتِي أَخبَرَ عَنهَا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 6].
موقف آخر الأنبياء ومتمم المبتعثين وخاتم المرسلين مع هذا الحدث العظيم :
لَقَد حَصَلَ هَذَا الحَدَثُ العَظِيمُ فِي اليومِ العَاشِرِ مِن شَهرِ اللهِ المُحَرَّمِ، فهُوَ يومٌ لَهُ فَضَيلَةٌ عَظِيمَةٌ، صَامَهُ مُوسَىٰ -عَلَيهِ السَّلَامُ-، شُكرًا للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- علىٰ نَصرِهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَدِمَ المَدِينَةَ فَوَجَدَ اليَهُودَ صِيَامًا، يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «مَا هَذَا اليَومُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ، أَنجَىٰ اللهُ فِيهِ مُوسَىٰ وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَىٰ شُكرًا، فَنَحنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَىٰ بِمُوسَىٰ مِنكُم، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» [(7)].
وحي السماء يرافق تصرف آخر المرسلين ومتمم المرسلين والأنبياء:
حثَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- علىٰ صِيَامِهِ، وبَيَّنَ فَضلِهُ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ»[(8)]. وقَد عَزَمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، عَلَىٰ أَلَّا يَصُومَهُ مُفرَدًا؛ بَل يَضُمُ إِلَيهِ يَومًا آخَرَ، مُخَالَفَةً لِأَهلِ الكِتَابِ فِي صِيَامِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن اِبنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُمَا- قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- يَومَ عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَومٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «فَإِذَا كَانَ العَامُ المُقبِلُ إِن شَاءَ اللهُ صُمنَا اليَومَ التَّاسِعَ»[(9)] .
قَالَ: فَلَم يَأتِ العَامُ المُقبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وفي مسندِ الإِمَامِ أحمدَ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «صُومُوا يَومَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ اليَهُودَ، صُومُوا قَبلَهُ يَومًا، أَو بَعدَهُ يَومًا»[(10)] .
4. 5 . ] اما
مسألة « „ " خَالِفُوا " ‟ ». فــ هي آحدىٰ المسائل الشرعية العملية المتعلقة بالحياة اليومية لاتباع المنهج المحمَّدي؛ ومَن يسير وفق نمط الحياة المصطفوية؛ ويتقيد بطراز النظرة المبدئية الخاصة للشريعة الخاتمة كما ارادها مَن أرسله ومَن ابتعثه -تعالى ذكره وجل قدره- استمع إليه وهو يقول: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ } وموضع الشاهد من النص الكريم قوله: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} [المائدة:48]
فالمسألة ليست مخالفة بل هي تشريع جديد ومنهجية خاصة بالرسالة المحمدية؛ وطريقة معينة في الحياة وطراز خاص من العيش.. فمن طرفهم -اليهود ومن بعدهم النصارى- ردوا عليه بقولهم „ إِنَّهُ يَومٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ ‟ وعللوا صيامه في شريعتهم إذ „ قَالُوا: هَذَا يَومٌ عَظِيمٌ، أَنجَىٰ اللهُ فِيهِ مُوسَىٰ وَقَومَهُ، وَغَرَّقَ فِرعَونَ وَقَومَهُ، فَصَامَهُ مُوسَىٰ شُكرًا، فَنَحنُ نَصُومُهُ ‟ فكان رده عليهم . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «فَنَحنُ أَحَقُّ وَأَولَىٰ بِمُوسَىٰ مِنكُم، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ». ،.فعندهم „ صَامَهُ مُوسَىٰ شُكرًا، فَنَحنُ -اليهود- نَصُومُهُ ‟ ..وعندنا : „ صُومُوا يَومَ عَاشُورَاءَ، صُومُوا قَبلَهُ يَومًا، أَو بَعدَهُ يَومًا ‟ فالتكليف المحمدي النبوي لأمته بَيَّنَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَضلِهُ، فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ»،
وهنا يجب النظر إلى اقواله عليه السلام نظرة تشريعية منهجية وطريقة خاصة من العيش وطراز خاص في الحياة استمع إلى قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: «فَنَحنُ ». وهذا حكم شرعي في باب العقيدة والإيمان إذ نطق القرآن يقول : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ } وهذه الفقرة الأولى { وَالْمُؤْمِنُونَ } هذه الفقرة الثانية { كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ } وهنا موضع الاستشهاد { وَرُسُلِهِ } { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } [البقرة:285]
فرسول رب العالمين ؛ الأولين منهم والآخرين يخبرنا في باب العقيدة والإيمان الإيمان بجميع رسله(-****-)؛ وهذا ما تميزت به رسالة إسلام محمد خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين وهذا -هو نفسه- ما غاب عند اليهود والنصارى؛ مع التنبيه بإنه مذكور في كتبهم الحالية { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ .. } [الأنعام:20]
وأوضح آية بخصوص هذه المسألة ما نطق به القرآن : { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين } [الصف:6]
".وهذه آحدى الاخفاقات المتعلقة بقضية الإظهار إذ لم تتمكن عدة ملايين تتعدى الــ .30 مليونا أن تقوم بإظهار أحكام الشرع الحنيف في القارة الأوربية والأمريكتين وكندا واستراليا...
والأَجرُ المُتَرَتِّبُ عَلَى الصِّيامِ، هُوَ صَومُ اليومِ العَاشِرِ، فَمَن صَامَهُ كَفَّرَ اللهُ عَنهُ خَطَايَا سَنَةٍ كَامِلَةٍ، ومَن صَامَ مَعَهُ يَومًا قَبلَهُ، أَو بَعدَهُ؛ نَالَ مَعَ أَجرِ التَّكفِيرِ أَجرَ المُخَالَفَةِ، فَليُصَم يَومَ التَّاسِعِ، معَ صِيامِ اليومِ العاشِرِ، وإِن لَم يَستَطِع فَصِيَامُ يومِ العَاشِرِ وَحدَهُ، مُحَصَّلٌ بِهِ الأَجرُ بِإِذنِ اللهِ.
-*-
في نهاية مقالتي هذه ومن خلال الموقع أرسل للجميع تهنئة قلبية حارة وتمنيات بالتوفيق والنجاح ودوام الصحة لعام هجري جديد سعيد! ....
مُحَمَّدٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[( * )] وهو أولُ شهورِ السنة الهجرية ومِن الأشهر الحرم: سُمِّي المحرّم لأن العرب قبل الإسلام -زمن الجاهلية- كانوا يحرّمون القتال فيه. والْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَرْبَعَةٌ : ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ - أَيْ مُتَتَابِعَةٌ -، وَوَاحِدٌ فَرْدٌ ، فَالسَّرْدُ : ذُو الْقَعْدَةِ؛ وَذُو الْحِجَّةِ؛ وَالْمُحَرَّمُ ، وَالْفَرْدُ : رَجَبٌ . وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } قَوْلُهُ : { مِنْهَا }، يُرِيدُ الْكَثِيرَ ، ثُمَّ قَالَ : { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } لَمَّا كَانَتْ قَلِيلَةً .
وَالْمُحَرَّمُ : شَهْرُ اللَّهِ ، سَمَّتْهُ الْعَرَبُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَحِلُّونَ فِيهِ الْقِتَالَ ، وَأُضِيفَ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَىٰ- إِعْظَامًا لَهُ كَمَا قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ ، وَ
قِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ؛ قَالَ ابنُ سِيدَهْ :" وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ " . وقال الْجَوْهَرِيُّ: " مِنَ الشُّهُورِ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ كَانَتِ الْعَرَبُ لَا تَسْتَحِلُّ فِيهَا الْقِتَالَ ، إِلَّا حَيَّانِ خَثْعَمٌ وَطَيِّءٌ ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَسْتَحِلَّانِ الشُّهُورَ ، وَكَانَ الَّذِينَ يَنْسِئُونَ الشُّهُورَ أَيَّامَ الْمَوَاسِمِ يَقُولُونَ : حَرَّمْنَا عَلَيْكُمُ الْقِتَالَ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ إِلَّا دِمَاءَ الْمُحِلِّينَ ، فَكَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَحِلُّ دِمَاءَهُمْ خَاصَّةً فِي هَذِهِ الشُّهُورِ " [ انظر : لسان العرب؛ حرف الحاء]
والمعلومُ: أنه لا يُضيفُ اللهُ إليه إلَّا خواصَّ مخلوقاتِه علىٰ سبيل التشريف والتفضيل، قال السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ: «سُئِلْتُ: لمَ خُصَّ المحرَّمُ بقولهم: «شهرُ الله» ـ تَبارَك وتعالى ـ دون سائر الشهور، مع أنَّ فيها ما يُساويهِ في الفضل أو يزيد عليه كرمضان؟
و وَجَدْتُ-الحديث للإمام السيوطي- ما يُجابُ به: « أنَّ هذا الاسْمَ إسلاميٌّ دون سائر الشهور؛ فإنَّ أسماءَها كُلَّها علىٰ ما كانَتْ عليه في الجاهلية، وكان اسْمُ «المحرَّم» في الجاهلية: «صفرَ الأوَّل»، والذي بعده: «صفر الثاني»، فلمَّا جاء الإسلامُ سمَّاهُ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ «المحرَّمَ»؛ فأُضيفَ إلى الله -عزَّوجلَّ- بهذا الاعتبار، وهذه فائدةٌ لطيفةٌ رأيتُها في «الجمهرة».» (انظر: «الديباج شرح صحيح مسلم بنِ الحجَّاج» للسيوطي (٣/ ٢٥١)، «ويُكْرَهُ أَنْ يُسمَّى المحرَّمُ صفرًا؛ لأنَّ ذلك مِنْ عادة الجاهلية» كما ذَكَرَ النوويُّ ـ رحمه الله ـ، ولعلَّ مِنْ عادتهم أنهم يُطْلِقون على شهرَيِ المحرَّمِ وصفرٍ لفظَ «الصفرين» مِنْ باب التغليب، لا لكون المحرَّم اسْمًا جديدًا حادثًا، ثم يضيف لنا بكر أبوزيد ـ رحمه الله ـ: «إنَّ اسْمَ «شهر المحرَّم» كان في الجاهلية يُسمَّى: «صَفَرَ الأوَّلَ» وأنَّ تسميته محرَّمًا مِنِ اصطلاح الإسلام، وقد ذَهَبَ إلى هذا بعضُ أئمَّة اللغة، وأحسب أنه اشتباهٌ؛ لأنَّ تغيير الأسماء في الأمور العامَّة يُدْخِلُ علىٰ الناس تلبيسًا لا يقصده الشارعُ؛ ألا ترى أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا خَطَب حَجَّةَ الوداع فقال: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قال الراوي (الصحابيُّ نُفَيْعُ بنُ الحارث رضي الله عنه): «فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ»، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ؟» قُلْنَا: «بَلَى»، قَالَ: «..فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ …»، ثمَّ ذَكَرَ أثناءَ الخُطبة الأَشْهُرَ الحُرُم فقال: «ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ»؛ فلو كان اسْمُ المحرَّمِ اسْمًا جديدًا لوضَّحه للحاضرين الواردين مِنَ الآفاق القاصية، علىٰ أنَّ حادِثًا مِثْلَ هذا لو حَدَثَ لتناقَلَه الناسُ، وإنما كانوا يُطْلِقُون عليه وصفرَ لَفْظَ «الصفرين» تغليبًا» بتصرُّفٍ [انظر : «معجم المناهي اللفظية» لبكر بن عبدالله أبوزيد (٣٤١ ـ ٣٤٢).].
[( ** )] مولده: 31 ديسمبر 1830القاهرة، مِصر، الدولة العثمانية~ وفاته: 2مارس 1895 (64 سنة) إسطنبول، الدولة العثمانية
والجدير بالذكر أن:" والده أرسله وهو في سن الرابعة عشر إلىٰ فيينا عاصمة النمسا، لكى يعالج بها من إصابته برمد صديدي، وأيضاً لاستكمال تعليمه، وقد بقي في فيينا لمدة عامين ".
[( *** )] ينبغي أن لا يفهم من هذا الاستشهاد بما فعله خديوي مِصر إسماعيل أن كاتب هذه السطور أو الموقع يعارض التقدم العلمي أو يمنع من الأخذ بأسباب المدنية؛ بل على العكس تماماً؛ إذ ينبغي التعامل مع مستجدات العلوم ومخرجات المعامل البحثية العلمية في كافة المجالات بما يفيد البشرية ويحمي الإنسانية وينفعها؛ كما ينبغي أن أنبه أن المسلم يجب عليه المشاركة في إنتاج ثمرات هذه البحوث العلمية؛ فلا يصح أن نصبح أما حقل تجارب أو مستخدمي ما ينتجه الآخر!
[( **** )] هناك علاقةٌ بين هذه الأمةِ وبينَ رسلِ الله -تعالىٰ-، وهي الإيمانُ بهم كــ ركنٍ من أركانِ الإيمانِ؛ وأساس متين من أسس العقيدة الإسلامية التي لا يقومُ دينُ العبدِ إلا به بالتصديقِ الجازمِ بأن اللهَ -عزَّ وجلَّ- بعثَ في كلِ أمةٍ رسولاً يدعوهم إلىٰ عبادةِ اللهِ وحدَه، والكفرِ بما يُعبدُ من دونِه، وأنهم جميعًا مُرسلونَ صادقونَ، وقد بلَّغوا جميعَ ما أرسلَهم اللهُ به، منهم مَنْ أعلَمَنا اللهُ باسمِه، ومنهم مَنْ استأثرَ اللهُ بعلمِه كما قالَ -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
ولكن هناك علاقةٌ أخرىٰ قديمةٌ بينَ الأنبياءِ وهذه الأمةِ، بدأتْ هذه العلاقةُ لمّا أخذَ اللهُ -تعالى- الميثاقَ عليهم أنه لو بُعثَ نبيُنا -عليه الصلاةُ والسلامُ- وهم أحياءٌ لأصبحوا من هذه الأمةِ، أتباعًا له، مؤمنينَ به، ناصرينَ له، وايضا أتباعهم .. كما قالَ -تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ .. قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي .. قَالُوا أَقْرَرْنَا .. قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].
قالَ عليُ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عمِه عبدُاللهِ بنُ عباس -رضيَ اللهُ عنهم- „ ما بعثَ اللهُ نبيًا من الأنبياءِ إلا أخذَ عليه الميثاقَ، لئن بَعَث محمدًا وهو حَيٌّ ليؤمننَ به ولينصرنَه، وأمَرَه أن يأخذَ الميثاقَ على أمتِه: لئن بُعثَ محمدٌ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- وهم أحياءٌ ليؤمِنُنَّ به ولينصرُنَّه ‟..
وكما قالَ -عليه الصلاةُ والسلامُ-« „ لو كانَ أخي موسىٰ حيًّا ما وسعَه إلا اتباعي ‟ »..
* ] : ولنا علاقةٌ خاصةٌ بأبينا آدمَ -عليه السلامُ-، فهو يضحكُ ويبكي بسببِ أبنائِه ونحنُ منهم، كما جاء في حديثِ المعراجِ: " قَالَ: فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ -أي جماعاتٌ-، قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. قَالَ: فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابْنِ الصَّالِحِ. قَالَ: قُلْتُ: „ يَا جِبْرِيلُ: مَنْ هَذَا؟! ‟ ؛ قَالَ: " هَذَا آدَمُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ -أي أرواحُ- بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى".
* ] : ولنا علاقةٌ خاصةٌ بنوحٍ -عليه السلامُ-، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-« „ يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟! فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟! فَيَقُولُونَ: لا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟! فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَىٰ النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
وقد يقولُ قائلٌ: كيفَ نشهدُ على ما لم نحضرُ؟!
فنقولُ: إن المؤمنَ قد يشكُ في رؤيةِ عينيه ولا يشكُ فيما ذكرَ اللهُ تعالى في كتابِه، فالمؤمنُ الحقُ عندما يتلو كتابَ ربه، فكأنه في ذلك الزمانِ، يرى نوحًا -عليه السلامُ- وهو يسيرُ في قومِه ويقولُ لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59].
فلما دعاهم لَيْلاً وَنَهَارًا، سرًّا وجهارًا: ﴿قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70].
كأننا نسمعُ قومَه وهو ﴿يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38].
كأننا نرى أَبْوَابَ السَّمَاءِ فُتحتْ بِمَاء مُّنْهَمِرٍ، وفُجرتِ الأرضُ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، كأننا نشاهدُ السفينةَ ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِين(44)﴾ [هود: 42-44].
سنشهدُ بهذا وبكلِ ما وردَ في كتابِ اللهِ تعالى، بل وسنشهدُ لرسلِ اللهِ جميعًا كما قالَ رسولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-: « „ يجيءُ النبيُ ومعه الرجلانِ، ويجيءُ النبيُ ومعه الثلاثةُ، وأكثرُ من ذلك وأقلُ، فيُقالُ لهُ: هل بلغتَ قومَك؟! فيقولُ: نعم، فيُدعىٰ قومُه، فيُقالُ: هل بلغَكم؟! فيقولون: لا، فيُقالُ: من يشهدُ لك؟! فيقولُ: محمدٌ وأمتُه، فتُدعىٰ أمةُ محمدٍ، فيقالُ: هل بلغَ هذا؟! فيقولون: نعم، فيقولُ: وما علمُكم بذلك؟! فيقولون: أخبرَنا نبيُنا بذلك أن الرسلَ قد بلغوا فصدقناه ‟ »... وهنا تظهر قضية الإظهار؛ والتي بحثتها في بداية مقالتي هذه؛ وهي تحتاج إلى مراجعة وتبسيط!.
* ] :.وأما علاقَتُنا بخليلِ اللهِ إبراهيمَ -عليه السلامُ-، فلا ننسىٰ دعوتَه المباركةَ أن يبعثَ اللهُ تعالى لنا هذا النبيَّ الكريمَ حينَ قالَ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 129]، ولم ينسكُم لما لقيَ نبينا -عليه الصلاةُ والسلامُ- في الإسراءِ كما قالَ: « „ لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: „ يَا مُحَمَّدُ: أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ -أي أرضٌ لا زرعَ فيها-، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَر ‟ ».
وأما عيسى ابنُ مريمَ -عليه السلامُ- فسيكونُ فردًا من أفرادِ هذه الأمةِ، كما أخبرَنا نبيُنا -صلى اللهُ عليه وسلمَ- أنه سينزلُ عندَ المنارةِ البيضاءِ شرقي دمشقَ بسوريا، وقد أُقيمت صلاةُ الصبحِ وتقدمَ المهديُ ليصليَ بالناسِ، وما أن يرى نبيَّ اللهِ عيسى -عليه السلام- حتى يتأخرَ ليقدمَه للإمامةِ ويقولُ: „ تعالَ صلِّ لنا ‟ ؛ فيقولُ „ لا إن بعضَكم على بعضٍ أمراءُ ‟ تكرمةُ اللهِ هذه الأمةَ، ثم يقتلُ الدجالَ ويكسرُ الصليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويدعو الناسَ إلى الإسلامِ، ويُهلكُ اللهُ في زمانِه المللَ كلَها إلا الإسلامَ، فيمكثُ أربعينَ سنةٍ، ثم يتوفىٰ ويصلي عليه المسلمون. ".
* ] : وأما كليمُ اللهِ موسىٰ فله مع هذِه الأمةِ فضلٌ لا يمكنُ أن ننساه، كما جاء في حديثِ المعراجِ أن النبيَّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- قال« „ ثم فُرِضَتْ عليَّ الصلوات، خمسين صلاةً كل يوم"، تخيلوا -يا عبادَ اللهِ- لو أننا نصلي خمسينَ صلاةٍ فرضًا في كلِ يومٍ، هذا يعني أنك تصلي في كلِ ساعةٍ صلاتينِ تقريبًا، ثم قالَ -عليه الصلاةُ والسلامُ-: "فرجعتُ فمررتُ علىٰ موسىٰ فقالَ: بما أمرتَ؟! قالَ: أمرتُ بخمسينَ صلاةٍ كلَ يومٍ، قالَ: إنَّ أُمتَك لا تستطيعُ خمسينَ صلاةٍ كلَّ يومٍ، وإِنِّي واللهِ قد جربتُ الناسَ قبلَك وعالجتُ بني إسرائيلَ أَشدَّ المعالجةِ، فارجعْ إلى ربِّك فاسألُه التخفيفَ لأُمَّتِك، فرجعتُ فوضعَ عنِّي عشرًا، فرجعتُ إلى موسى فقالَ مثلَه، فرجعتُ فوضع عني عشرًا، فرجعتُ إلى موسى فقالَ مثلَه، فرجعتُ فوضع عنِّي عشرًا، فرجعت إلى موسى فقالَ مثلَه، فرجعتُ فَأُمِرْتُ بعشرِ صلواتٍ كُلَّ يومٍ، فرجعتُ فقالَ مثلَه، فرجعتُ فأُمِرْتُ بخمسِ صلواتٍ كُلَّ يومٍ. فرجعتُ إلى موسى فقال: بما أُمرتَ؟! قلتُ: أُمرتُ بخمسِ صلواتٍ كلَّ يومٍ، قالَ: إنَّ أمتَك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَ يومٍ، وإِنِّي قد جربتُ الناسَ قبلَك وعالجتُ بني إسرائيلَ أَشدَّ المعالجةِ، فارجع إلى ربِك فاسألُه التخفيفَ لأُمَّتِكَ، قالَ: سألتُ ربِّي حتى استحييتُ ولكني أرضى وأسلمُ، قال: فلما تجاوزتُ ناداني منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخفَّفْتُ عن عبادي ‟ ».. فجزاه اللهُ عن هذه الأمةِ خيرَ الجزاء.
فردوا -عبادَ اللهِ- هذا الجميلَ، وصوموا ذلك اليومَ الذي نجاه اللهُ تعالى ومن معه شكرًا للهِ تعالى كما جاءَ في حديثِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-
وهذا ما يدعوني إلى القول بحتمية إظهار أحكام الإسلام بشكل ملفت للنظر ؛ وبالطريقة التي يفهمها أهل الغرب ؛ وبلغتهم الأم التي يستخدمونها في حياتهم اليومية ؛ مع استثمار الأحداث والمواقف حسب الحاجة ؛ فالنص القرآني يتكلم عن مراحل بعينها استمع له حين يقول: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِـ« „ الْحِكْمَةِ ‟ » وَ « „ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ‟ » وَ « „ جَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ‟ » إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين } [النحل:125]
-*-
[(١)] أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٦٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة -رضي الله عنه-.]
[(5)] أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صيامِ يومِ عاشوراء (٢٠٠٤)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٣٠)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.)]
[(6)] رواه مسلم.
الأحاديث من [07)] إلى [(10)] تجدها في صحيح الإمام مُسلِمٍ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
‏الجمعة‏، 05‏ محرم‏، 1443هــ ~* ‏الجمعة‏، 13‏ آب‏، 2021 م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

الهجرة النبوية الشريفة!

حين يتم البعد عن طريقته [صلى الله عليه وآله وسلم] المثلىٰ -عمداً أو جهلاً- وترك سنته العطرة -تساهلاً-.. أو تغيباً قصداً.. صار ومنذ حين التناطح بأقوال فارغة المضمون والتراشق بمقالات خالية من التحقيق والتدقيق:
- هل يجوز الاحتفال بمولده
أو
- يصح الاحتفال بمناسبة هجرته؛
أو
- التهنئة بقدوم العام الهجري ثم جاء الميلادي الجديد..
و
الأصل ينبغي الاهتمام بنشر سنته العطرة ويجب تبيان طريقته المثلى؛ باعتبارها أحكام شرعية عملية يومية؛ وأيضا شرح وتوضيح مع عرض تفسير وتأويل آيات القرآن المجيد؛ وخاصةً آيات الأحكام الشرعية العملية المتعلقة بافعال العباد..
وانظر ماذا يحدث مِن حولك .. كــ حال لبنان [كانت : سويسرا الشرق/العرب] أو سوريا فالعراق؛ ثم غَرِّب فتابع حال ليبيا فتونس [كانت الخضراء الزهراء] فالجزائر؛ ثم أتجه جنوباً إلىٰ اليمن [الذي كنا ندرسه بأنه:" السعيد"] ثم أعبر البحر الأحمر فتضع قدمك علىٰ أرض السودان [في بداية الستينات من القرن الماضي قيل أنها : سلة العالم العربي الغذائية] فأثيوبيا ثم ارحل إلى بلاد الأفغان وجارتها إيران [سنَّة/شيعة] تجد غياباً تاماً لهدي الـحــبــيب -عليه السلام- وتعطيل لأحكام كتابه المجيد.. هذا حال جزء من بلاد المسلمين؛ لا أقول بلاد الإسلام! مع ملاحظة علم دولة كُتب عليه „الله أكبر‟ .. وآخرىٰ ترفع „اسم الجلالة‟ فوق علمها؛ مع مسميات„ شعارات ‟ فارغة مِن المضمون؛ كما كنا نسمع „الإسلام هو الحل‟ أو „التنمية .. والعدالة.. والنهضة..‟
مع أني أتبنىٰ الرأي الذي يقول لا يصح اعتبار الهجرة النبوية الشريفة مِن مكة المكرمة إلىٰ [يثرب] المدينة المنورة -والتي طيَّب الله -تعالىٰ- ثراها بمرقده [] وبجواريه صاحبيه [رضي الله تعالى عنهما].. لا يصح أن تعتبر أنها: « „ ذكرىٰ ‟ ».. يعاد تذكرها قرب إنتهاء الساعات الآخيرة من شهر ذي الحجة؛ كما لا يجوز اعتبارها: « „ مناسبة ‟ ». تأتي في العام مرة؛ وخطبة الجمعة التي قبلها يعلو آحدهم منبراً مذكراً ومتحدثا عنها.. إذ أن الحديث ومنذ سنوات عن الهجرة خرج مِن مضمونها وبعيد عن هدفها..
الهجرة النبوية الشريفة -علىٰ صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وكامل التنعيم وعظيم الإكرام- الهجرة النبوية هي مفصل حيوي يربط بإحكام شديد متين قوي بين العهد المكي بما فيه؛ وبين العهد المدني بما جرىٰ فيه.. والمهم: ما سبقها بثلاث سنوات من أحداث جسام عظام [راجع ما نشره الكاتب علىٰ موقعنا: „ آستروعرب نيوز‟؛ تحت عنوان عريض : « „ السيرة النبوية ‟ ».]
فالهجرةُ النبويّة هي أمرٌ آلهي لنبيه وتكليفٌ سماوي لمصطفاه []؛ فهي حكم شرعي كبقية الأحكام الشرعية العملية المنزلة بواسطة الوحي عن طريق أمين السماء المَلٰك جبريل -عليه السلام- والمستنبطة مِن الكتاب الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين أو مأخوذة مِن طريقته العملية وسنته النبوية -عليه السلام- ..تلك الأحكام الشرعية العلمية المتعلقة بالحياة اليومية لمَن آمن بالله رباً واحداً وبرسوله محمدا بن عبدالله خاتما للأنبياء وآخرا للمرسلين ومتمما للمبتعثين؛ وبكتابه الكريم.. وهذه المبادئ الأساسية والتي تبنى عليه بقية أسس العقيدة وأركان الإيمان والإسلام؛ فتبعد صاحبها عن الجحيم وتوفقه لدخول الجنة!
إذاً المسألة المبحوثة ليس جواز الاحتفال بالهجرة من عدمها!
فقد خرَّج البخاري، وابن حبان في صحيحيهما وتابعهما بقية أهل العلم في حديث عائشة؛ أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وأمها وأختها وأخيها- في شأن الهجرة مطولا؛ وما نستشهد به أن: « „ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ قَدْ : « أُرِيتُ » دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ ‟ ». وَهُمَا الْحَرَّتَانِ..[ (الحَرَّة: الأرض السوداء)، نقلا عن دار الافتاء المصرية]
فقوله -عليه السلام-: « „ أُرِيتُ ‟ ». دلالة واضحة علىٰ الوحي الذي يأتيه؛ هذا أولاً ..
ثم قوله : « „ رَأَيْتُ ‟ ».
و ثانيًا صفة المكان : « „ دَارَ هِجْرَتِكُمْ رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ ‟ ».
فهذا هو الإخبار الأول كما جاء في صحيح البخاري؛ ثم نتابع ما قالته الصديقة بنت الصديق -رضي الله تعالى عنهما- إذ تقول : « „ فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَجَعَ إِلَىٰ الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ‟ » ؛
ثم تكمل وفق رواية البخاري فتقول: « „ وَتَجَهَّزَ أَبُوبَكْرٍ مُهَاجِرًا ‟ ». وهنا نجد المحاورة بين النبي المصطفى والرسول المجتبى والحبـــيب المرتضى وبين وزيره الأول الصديق.. أستمع إليه ... فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ عَلَى رِسْلِكَ ‟ ». أي تمهل واصبر..
فيخبره : « „ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي ‟ ».
فيتساءل الوزير الأول الصديق.. أستمع إليه: « „ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ ‟ ».
فيأتي الجواب يقيناً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « „ نَعَمْ ‟ ».
وأما الرواية عند ابن حبان في صحيحه أذكرها لتوضح المسألة ..
فــ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا -، قَالَتِ: « „ اسْتَأْذَنَ أَبُوبَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « اصْبِرْ » ، فَقَالُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « إِنِّي لَأَرْجُو » ، فَانْتَظَرَهُ أَبُوبَكْرٍ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا، فَنَادَاهُ، فَقَالَ لَهُ: « „ اخْرُجْ مَنْ عِنْدَكَ ‟ » ، فَقَالَ أَبُوبَكْرٍ: إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: « „ أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ ‟ ». ، فَقَالَ: « „ يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةَ ‟ »، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ الصُّحْبَةُ (*)‟ ».
وأما رواية ابن هشام فتقرأ : فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « „ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ ‟ ». وهنا تجد لفظة صريحة إذ يقول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : « „ وَالْهِجْرَةِ ‟ ». قَالَتْ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : « „ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ‟ »، قَالَ : « „ الصُّحْبَةَ ‟ »..
وهنا وضح تماماً الخطاب التكليفي لنبي الهدى والرحمة من العلي القدير -سبحانه وتعالى-؛ وهذا يوجب علىٰ أمته -افراداً وتكتلات- أن تلتزم هديه بفهم تشريعي واستنارة فقهية ووعي منهجي..
والمسألة تحتاج لمزيد شرح فسيكون من بعد إذنه -تعالى- وحسن توفيقه في بحوث السيرة النبوية.

* (يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
(*) وقد علق الألباني في كتابه المسمى:"التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان "... بقوله :" صحيح ورمز بـ: "خ" ـ[مختصر البخاري].
الخميس‏، 26‏ ذو الحجة‏، 1442هــ ~* 05‏ أغسطس، 2021 م
(د.مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

الشخصيّةُ الآدميّةُ

«تَضْطَلِعُ العائلة المسلمة في الغرب بِحِمْلِين -وَهِيَّ ضَعيفُة البِنْيَةِ؛ عديمةُ السندِ- في تربية أبنائها: الأول حِمل التربية وفق المعتقد؛ وحِمل الحفاظ على الهوية خوفا من الذوبان؛ وهو الحِمل الثاني».
-*-
الشخصية الآدمية تبنىٰ كما يبنىٰ المنزل الذي سوف يأويك مِن شمس الصيف وشْتَدِّ حَرِّهِ وقَيظِه.. كما يقيك بردَ وصقيعَ الشتاءِ وزمهريره؛ ويحميك-البيت- من شدة العواصف وهبوبها وعصف الرياح وزمجرتها؛ فــ الشخصية الآدمية كالبيت.. يظلك.. فتجد له اساساً متيناً في باطن الأرض لا يُرىٰ؛ ثم يقام عليه فيرتفع البناء ويسمو البنيان ويظل ثابتاً.. لثبات أساسه وقوة أعمدته.. وبناءً علىٰ هذا المثال وبساطته.. أتكلم عن تلك الشخصية البشرية .. ذلٰكَ الكيان الآدمي.. هذا الإنسان.. أنتَ.. أنتِ.. هو.. هي.. وأنا.. بغض النظر عن لون بشرته أو وصرف الطرف عن لون شعره أو نعومته أو تجعده.. وبغض النظر عن مسقط رأسه فوق هذه المعمورة.. وبالتالي جنسيته وهويته وانتماءه وعقيدته.. وإن كنتُ أعترف بوجود عوامل إيجابية وآخرىٰ سلبية أو مؤثرات فاعلة في الشخصية مباشرةً أو غير مباشرةٍ.. المحصلة: فــ إما أن تكون ذات شأن في الدنيا - مع تدنيها ودونيتها وتقلبها وقرب فنائها وآكيد زوالها - وإما أن تكون أمعة(*) تحسن إذا أحسن الناس.. وتسئ إذا اساؤا.. فلا يسمع لكَ رأي ولا تستشار في قضية.. كالقشة في مهب الريح أو كزبد البحر..
لذا فقد :" اهْتَمَّ النَّبيُّ * بِبِناءِ الشَّخْصيَّةِ المُسْلِمةِ علىٰ التَّمَيُّزِ واسْتِخْدامِ العَقْلِ والحِكمةِ، وعدَمِ التَّقليدِ الأعمَىٰ، وعَدَمِ اتِّباعِ كلِّ ناعِقٍ، أو السَّيْرِ خَلْفَ النَّاسِ دُون رَوِيَّةٍ. وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ- ناصِحًا للمُسْلِمينَ ومنبهاً: « „ لا تَكُونوا إمَّعَةً ‟ ».. والإمَّعَةُ هو: الشَّخصُ الذي يُقَلِّدُ النَّاسَ بِدُون وَعْيٍ ولا رَأْيٍ؛ فَيَكونُ في مَجامِعِ الأُمورِ معَ مَتْبوعِه، : « „ تَقُولونَ: إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ ‟ »، أي: إليْنا، أو إلى غَيرِنا، « „ أَحْسَنَّا ‟ »؛ جَزاءً لهم، أو تَبَعًا لهم في إحْسانِهم؛ « „ وإنْ ظَلَموا ‟ »؛ بأنْ ظَلَمونا أو ظَلَموا غَيرَنا، فكذلك نَحْنُ : « „ ظَلَمْنا ‟ » النَّاسَ على وَفْقِ أعْمالِ مَن نُقَلِّدُهم، ومعْنىٰ هذا: أنَّهم : „ مُقَلِّدونَ ‟ للنَّاسِ في إحْسانِهم وظُلْمِهم، ويَقْتَفون أَثَرَهم، والمُقَلِّدُ والتَّابِعُ لغَيرِه يَكونُ بِلا شَخْصيَّةٍ ولا رَأْيٍ، ولا يَقومُ رَأْيُه علىٰ التَّصْديقِ والاعْتِقادِ، بل هو كالنَّاعِقِ يَهيمُ بِكلِّ صَيْحةٍ، ويَسْمَعُ كلَّ ناعِقٍ، ويَطيرُ وَراءَ كُلِّ هَيْعةٍ، وهذا خَطَرٌ علىٰ المُقَلِّدِ نَفْسِه، وخَطَرٌ علىٰ المُجْتَمَعِ؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلىٰ إفْراغِه مِن: „ التَّفْكيرِ ‟ » و: „ التَّعَقُّلِ ‟ في الأُمورِ. ولذلك قالَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ-: « „ ولكنْ وَطِّنوا أَنفُسَكم ‟ » بِالعَزْمِ الجازِمِ علىٰ الفِعْلِ الحَسَنِ وحَمْلِها-النفس- عليْه أيًّا كان فِعلُ الناسِ، فـ: « „ إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أنْ تُحْسِنُوا ‟ » فأَوْجِبوا علىٰ أَنفُسِكم الإحْسانَ، « „ وإنْ أَساؤُوا فلا تَظْلِموا ‟ »، وإنْ ظَلَمَكم النَّاسُ أو ظلَموا غَيرَكم فلا تَتَّبِعوهم، ولا تَظْلِموا مِثْلَهم؛ لأنَّ عَدَمَ الظُّلْمِ -وهو مَقْدورٌ عليْه- إحْسانٌ، ويَكونُ ذلك الخُلُقُ الجَميلُ هو بمَنزِلةِ الوَطَنِ للنَّفْسِ حتىٰ تَعْتادَه، ويكونَ مُصاحِبًا لها.
وفي الحديثِ: إشْعارٌ بِالنَّهْيِ عن التَّقْليدِ المُجَرَّدِ في الأخْلاقِ الذَّميمَةِ، فَضْلًا عن الاعْتِقاداتِ والعِباداتِ. و
فيه: أنَّ اللهَ-عز وجل- يُحِبُّ الإحْسانَ، وكذا رَسولُه -صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ-؛ ولذلك أَوْصىٰ النَّبيُّ صلَّىٰ اللهُ عليْه وسلَّمَ به علىٰ كلِّ الأحْوالِ. ".
ويصح لي ويحق أن اقول أن تربية الأولاد-صبيان وصبايا- في بلاد الغرب تستلزم القيام بدورين .. دور الأم الحاضنة والأب الراعي والدور الثاني تصحيح المفاهيم الخاطئة والمعتقدات الفاسدة .
.. والشخصية الإنسانية تتشكل مِن شقين:
- الأول منهما طريقة فهمك للحياة وكيفية استيعاب المعلومات من مصادرها الأصلية والصحيحة؛ وإدراكك العميق لمغزى الحياة وكنه آدميتك.. وهذه المعلومات؛ منها ما هو خاص وفق مجموعة من القيم والمقاييس وكتلة من الأفكار والقناعات تبنى جميعها على مبدأ الإسلام وأسسه.. ومنها ما هو عام يستفاد من علوم حديثة ومن ثقافة الآخرين.. مع إسترجاع هذا القدر الهائل من المعلومات والتي تحصلت عليها من خلال المناخ الذي تعيش فيه أو البيئة التي تربيت فيها أو تلك العالية الغالية أمك أو هذا الشامخ أبيك أو معلمك ومدرسك ثم المجتمع الصغير الذي نشأت فيه ثم المجتمع الكبير والأوسع.. أقول استرجاع هذه المعلومات والتي خزنت في الخلايا المخية.. تسترجعها وقت الحاجة إليها وفي زمن الحاجة إليها وبناء رأي صواب عليها.. أو ما يطلق عليه العملية العقلية؛ بمعنىٰ طريقة التفكير.. فالحديث ليس فقط عن المخ كجهاز عضوي ضروري للإنسان بل الحديث عن جزء منه أي العقل والإدراك والفهم والاستيعاب أو العملية الفقهية -ليس بالمفهوم الضيق بل الواسع؛ بمعنى فهم جميع المسائل وإدراكها وليس فقط الحديث عن الفقه الشرعي أو الديني أو الكهنوتي-...
أما الشق الثاني من بناء الشخصية الآدمية فهو:
- النفسية أي ما تحب وتكره.. وما ترغب وتترك.. ومشاعر الغضب وأحاسيس الفرح.. وما اتميل إليه وما تبتعد عنه وما تأنفه أو تعفه.. وما تستلذ به وما يؤلمك ..
إذاً ... العقلية الآدمية والنفسية البشرية -معاً- تبنىٰ بناءً منذ نعومة الأظافر؛ وثوان الرضاعة الأولىٰ من حنان أم ولحظات رعاية أب.. يجاورها -إن وجدت- ما حباه الله لبضع من الناس من قدرات.. إما عقلية أو نفسية أو جسدية/بدنية؛ وقد تسمىٰ المواهب..
وقد اُبتليت الأمة الإسلامية كغيرها مِن الشعوب والقبائل والأمم بأن مصدر المعلومة ومصدر التعليم بل ومصدر التثقيف ليس بيدها ولا تتحكم فيه.. أنظر إلىٰ الإعلام.. - كمثال - مَن اليوم يتحكم فيه!؛ صار هناك قوىٰ عالمية تتحكم في المال والتجارة والصناعة والعلم.. وتسمح بتسريب معلومة ما أو نشر خبر بعينه.. ومن السذاجة الطفولية أن يتكلم بعض أهل الدين؛ ولا أقول رجال الدين؛ مِن السذاجة أن يقول آحدهم بأن مسلماً هناك في أوربا أو في الأمريكيتن أو كندا أو الصين أو روسيا صنع كذا في مختبر علمي أو قدم كذا.. فهذا المسلم صناعة غربية أو شرقية وليس صناعة محلية عربية كانت أو إسلامية.. وإن تلقىٰ بذور العلم في بلدان „العالم الثالث‟-وفق تقسيم المارشال شارل ديجول ؛ أو التقسيم الألطف وفق الأم المتحدة „دول نامية‟- إذ أن الإسلام كنظام حياة خاص.. وطريقة عيش بعينها ونمط خاص مِن الوجود اُستبعد مِن الحياة العامة منذ عهد مصطفى كمال- أبو الأتراك - أتاتورك؛ وألغي من المجتمع.. وبقىٰ فقط حبيساً في الحياة الخاصة أو في بعض المصليات بما يتناسب مع المناسبات أو قلة من المساجد بما يتفق مع الأحداث وندرة في الجوامع بما يتأتىٰ من شعائر كموسم رمضان أو الحج أو الهجرة أو عاشوراء أو المولد.. وإن بدءات تظهر علامات غياب الإسلام كنظام في الحياة الخاصة للأفراد نتيجة ما أطلق عليه الغزو الفكري أو منصات التواصل الإجتماعي وكلها ليست صناعة عربية بل غربية بأمتياز -وإن كان كاتب هذه السطور وموقع آسترو عرب نيوز ينطلقان من دول الغرب ويعيشان في دول الغرب؛ ولعل هذه المساحة الحرة من التفكير ما تمكنا معا من استثمارها لولا أننا نعيش في الغرب- وهذه يعود إلىٰ طريقة التربية التي تراد للمسلمين ولغيرهم أيضا..
وابسط مثال اقدمه لأثبت ما اقوله هو ذاك اللقاح ضد كوفيد 19.. ففي مِصر يوجد لقاح صيني وليس عربيا وفي الخليج يوجد لقاح أمريكي/بريطاني؛ وليس عربيا أو إسلاميا؛ فصارت صحة الشعوب العربية/الإسلامية بأيدي غيرها من مراكز القرار وصناع الدواء..
مسألة تربية الأجيال تقع على عاتق الأم التي حبلت فأرضعت فربت والأب - الأسرة - ومِن ثم المعلم - نظام التعليم الإلزامي- ويشاركهما وسائل الإعلام والترفية.. والأمة الإسلامية ليس لديها إستقلالية في أتخاذ قرار أو تسيير أعمال.. لذا فتجد - إلا من رحم ربي - تتربى الفتاة -الطفلة- على ما يقدم إليها من خلال تلك الوسائل المتاحة من حضانة وتربية وتعليم وتثقيف وترفية.. حتىٰ عروستها والتي تلعب بها صناعة غربية فغارت الدولة(!) الإسلامية بجمهوريتها الإيرانية فصنعت لعبة للطفلة اسمتها :"ليلى".. فتجد تلك المرأة العربية/المسلمة المهوسة بنموذج غربي؛ وهذا لا يعني إنني ضد النموذج الغربي؛ فلكل قوم هاد؛ لكن اعتراضي أن يكون هذا النموذج هو الوحيد الأوحد المفضل والذي يقدم..
ومن هنا أردت أن أكمل قراءتي الشخصية في مسألة بدأت أنشرها على الموقع في منتصف مايو -2018 أفرنجي- حول عنوان: « خديجة بنت خويلد .. المرأة العصرية .. المرأة النموذجية ».. أبحاث تمهيدية لمستقبل أمة غائبة !.
وقد تألمتُ مرة ثانية إذ كتبتُ وقتها :" مستقبل أمة: „ غائبة !‟.. :" أبحاث تمهيدية !". وكنتُ أظن أنني متشائم للغاية .. فغيرت في قراري نفسي؛ وفي مكنون قلبي العنوان العريض إلى:" أبحاث تمهيدية لمستقبل أمة زاهرة ذات حضارة !". وبدأت أكتب اللاحق من بحوث على اساس العنوان الجديد؛ إذ لا يوجد مستقبل حقيقي إلا بعد فهم صحيح لماضي تلك الأمة.. وبالطبع يقيناً مع المراجعة والتدقيق والتحقيق والنقد البناء لما كتبه السادة العلماء كلٌ في مجاله دون اساءة إلى أحد أو تجريح..
وما يغلب على فهمي أن البداية يجب أن تكون من خلال الحاضنة الأولىٰ للمستقبل وراعيته التي تبنيه علىٰ اساس متين.. وهذه الراعية هي طفلة جيل ٢١.. وهذا لآن اليونيسيف قد أصدرت تقريرا ترجح فيه أنه سيزيد عدد سكان المعمورة في عام ٢٠٢١ بــ بتقدير ١٤٠ مليون طفل؛ عالمياً كانت الهند الأعلىٰ مواليد في اليوم الأول من هذا العام الجديد؛ وكانت مصر الأعلى مواليد عربياً..
لذا أجد الفرصة مناسبة يجب استثمارها لأكتب عن نموذج المرأة الحاضنة الراعية لطفلة ولدت منذ اسبوع!! ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) :" هذا الحديث روي من حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أن النبي [] قال : « „ لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ‟ ».[ رواه الترمذي (2007) بإسناد ضعيف.] . و
قد ضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" غير أنه صححه من قول عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- . و
لا شك أن المعنى الذي تضمنه الحديث صحيح ، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحسن اعتقاداته وأقواله وأعماله ، سواء أحسن الناس أم أساؤوا . قال ابن عثيمين : „ الواجب على المسلم أن يعتز بدينه ويفتخر به ، وأن يقتصر على ما حده الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الدين القيم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ، والذي ينبغي للمسلم أيضا ألا يكون إمَّعَةً يتبع كلَّ ناعق ، بل ينبغي أن يُكَوِّن شخصيته بمقتضى شريعة الله تعالى حتى يكون متبوعا لا تابعا ، وحتى يكون أسوة لا متأسيا ، لأن شريعة الله - والحمد لله - كاملة من جميع الوجوه كما قال الله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً } [المائدة/3] ‟ .انتهى . "مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (2/301) . ".
ولمزيد إيضاح لهذه الجزئية من البحث :
« معنى إمعة في اللغة».
يطلق لفظ : „ الإمع ‟ أو : „ الإمعة ‟ في اللغة علىٰ الإنسان الذي يتبع الناس دون أن يكون له رأي، فيكون لسان مقاله لكل شخص يتبعه أنا معك، وقد زيدت: „ التاء ‟ في كلمة إمعة لتكون دلالة على المبالغة في الاتباع، والإمعة هو إنسان متردد لا يثبت على شيء، وقد جاء لفظ الإمعة في الحديث النبوي الشريف حينما قال عليه الصلاة والسلام: (اغد عالما أو متعلما ولا تكونن أمّعة). "[1][2] "
[1] رواه ابن القيم، في أعلام الموقعين عن رب العالمين ، عن زر بن حبيش، [ج: (2)؛ ص: (160)، والحديث صحيح .
[2] "تعريف ومعنى أمعة في معجم المعاني الجامع "، المعاني لكل رسم معنى، اطّلع عليه بتاريخ 2018-9-17. بتصرّف.
.. أضف:" أسباب تجعل من الإنسان إمعة
لا شك بأنّ الإنسان يكون إمعة بتوافر عدة أسباب تجعله كذلك، ومن بين تلك الأسباب:
- ضعف الثقة في الله، و
- التربية الخاطئة للأبناء، فبدلاً من تربية الأجيال علىٰ الثقة بالله وأنه وحده من يضر وينفع، تربى الأجيال على التقليد والاتباع، ومن بين الأسباب التي تصنع الإمعة:
- اتباع الأمم التي حذَّر منها النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك:
- عدم وجود القدوة والأسوة الحسنة للناس، وقدوة المسلمين الأولى بلا شك هو رسول الله عليه الصلاة والسلام. [1]
[1] د. هشام السيد عطية (2013-3-28)، "خطر الإمعة علىٰ المجتمع "، شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 2018-9-17. بتصرّف. ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

" التَّعْرِيفِ عَشِيَّة عَرَفَة بِالْأَمْصَارِ "

[ 1 . ] : " لَا بَأْس بِــ " التَّعْرِيفِ(*) " عَشِيَّة عَرَفَة بِالْأَمْصَارِ (**) بِمُقَدَّمِ الْعِيد !
خاصةً لمَن يعيش في الغرب عموماً!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الاجتماع في المساجد للدعاء وذكر الله يوم عرفة...
(**) أي ِ: بغير عرفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والجيل الثاني والثالث من ابناء التجمعات الإسلامية لا يشعرون بالأعياد الإسلامية وقد يتعذر حضورهم صلاة الجمع !!
فهل إلى ما ذهبتُ إليه مِن سند !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إليك الجواب!
[ 1. ] اختلف العلماء هل هذا الفضل للدعاء يوم عرفة خاص بمَن كان في عرفة أم يشمل باقي البقاع ،
و
[ 1. 1. ] الأرجح أنه عام ، لمن وقف على عرفة أو مَن حضر المساجد في هذا اليوم !
و
[ 1 . 2. ] أن الفضل لليوم ، ولا شك أن من كان على عرفة فقد جمع بين فضل المكان وفضل الزمان .
فهل من ضوء نستنير به لهذا القول !؟..
نعم نقرأ عند :
[ 1. 3. ] الباجي -رحمه الله- في " المنتقى شرح الموطأ ": قوله : « „ أفضل الدعاء يوم عرفة ‟ » ؛ يعني : أكثر الذكر بركة وأعظمه ثوابا وأقربه إجابة ، ويحتمل أن يريد به الحاج خاصة ؛ لأن معنى دعاء يوم عرفة في حقه يصح ، وبه يختص ، وإن وصف اليوم في الجملة بيوم عرفة فإنه يوصف بفعل الحاج فيه ، والله أعلم " انتهى .
[ 1 . 4. ] وقد ثبت عن بعض السلف الصالح أنهم أجازوا " التعريف " وهو الاجتماع في المساجد للدعاء وذكر الله يوم عرفة ، وممن فعله:
[ 1. 4. 1. ] ابن عباس رضي الله عنهما ،
و
[ 1 . 4 . 2. ] وعمرو بن حريث .
و
[ 1. 4 . 3. ] أجازه الإمام أحمد بن حنبل...
مع دقة القول : إنه لم يكن يفعله هو -رضي الله تعالى عنه- . ".
[ 2 . ] :" تأصيل بحث :« لَا بَأْس بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّة عَرَفَة بِالْأَمْصَارِ بِمُقَدَّمِ الْعِيد ».
قال ابن قدامة - رحمه الله - قَالَ الْقَاضِي : وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ [( أي ِ: بغير عرفة ) ، ] . وَ
قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْت أَبَا عَبْدِاللَّهِ عَنْ التَّعْرِيفِ فِي الْأَمْصَارِ ، يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ ، قَالَ : أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ ، قَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .
وَ
رَوَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالْبَصْرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَ
قَالَ أَحْمَدُ : أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ . انتهى . " . وَ
قَالَ الْحَسَنُ ، وَبَكْرٌ ، وَثَابِتٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ : كَانُوا يَشْهَدُونَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ .
قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ لِلَّهِ . فَــ
قِيلَ لَهُ : تَفْعَلُهُ أَنْتَ ؟
قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا . وَ
رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ حَضَرَ مَعَ النَّاسِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ . ".
.. هذا والله تعالى أعلم ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1.] المبدع في شرح المقنع » ؛ كتاب الصلاة » ؛ باب صلاة العيدين » ؛ التكبير في ليلتي العيدين وبعد الصلاة].[ ابن مفلح - أبوإسحاق برهان الدين بن محمد بن عبدالله الحنبلي المكتب الإسلامي؛ سنة النشر:1421هـ / 2000م ] .
2.] الفروع » ؛ كتاب الصلاة » ؛ باب صلاة العيدين » ؛ فصل التكبير في أول أيام العيدين ] [ ابن مفلح - محمد بن مفلح بن محمد المقدسي؛ عالم الكتب- سنة النشر: 1405هـ/1985م رقم الطبعة: ط4 .
3. ] شرح منتهى الإرادات » ؛ كتاب الصلاة » ؛ باب أحكام صلاة العيد] . [ البهوتي - منصور بن يونس البهوتي ؛ عالم الكتب ].
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)!.
‏السبت‏، 08‏ ذو الحجة‏، 1442هــ ~ ‏السبت‏، 17‏ تموز‏، 2021 م
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة

ِ

ذئاب بشرية

الطفلة المغتصبة والمقتولة !

جريمةٌ نكراء بكافة المقاييس؛ وحادثةٌ شنعاء في عُرف البشرية المعذبة من قِبل قلة مِن افرادها! ونكوسٌ آدمي في مناخ يدعي المدنية الحديثة بعودةٍ لشرعة الغاب وتوحش لمَن يملك ناب! ودماءٌ -حمراء مازالت تغلي قطراتها غضباً موضع الوأد وحنقاً على مَن لم يحمها من الوغد- دماءٌ بريئة طاهرة صاحبتها لم تصل بعد إلى سن النضج وزمن التكليف ولم تَبلغ مَبلغ النساء الحيض فيتفاعل ويتعامل هرمون الأنوثة مع بدنها الطري الغض؛ كي تدرك بوعي ما يدور حولها أو تعي ما سيحدث بها؛ سُفكت دماءُها بجوار مجرىٰ نهر الدانوب الأزرق؛ والّذي تغسل عاصمة دولة الآلب؛ وولاياتها الأولى قدميها صباح مساء على حافته المتدفقة تغسل الحجر من الغبار قبل أن تروي البشر الظمآن العطشان؛ فتلقي-فيينا- بشعرها الذهبي خلف ظهرها بعد تمشيطه مبللة خصلات جدائلها بماءه العذب.. وفي ظلمة الليل البهيم فتكت ذئاب بشرية بطفولتها وهتكت قطعان الضباع ببشريتها فقطع الوريد للوريد.. ثم أُلقي جثمان القتيلة ملفوفاً بسجادة قذرة داست عليها مخالب ذئب بشري علىٰ قارعة الطريق للتخلص مِن آثار الجريمة وستر الفضيحة تحت شجرة مثمرة.. روتها مياه المُزن الطاهرة.. فما كان مِن رابع الذئاب-أصغرهم سناً- إلا أنه أتصل بالأسعاف.. ظناً منه أن الضحية-التي افترست- في حالة غيبوبة أو مازالت متأثرة تحت المخدر؛ أو أنهكت قواها فلم تستطع الحراك من كثرة المناوبة عليها اغتصاباً لطفولتها وتمزيقاً لأحشاءها!

ففي مساء السبت 26. Juni وُجد جثمان لقتيلة مكومة داخل ممشاة اقدام مدرجة بدمائها بآحدىٰ أحياء العاصمة النمساوية -in Wien-Donaustadt- وقد لفظت أنفاسها الآخيرة!
والقضية-قتل النساء- ذات جوانب عدة -متشابكة أو منفصلة بعضها عن بعض-.... منها : السياسي والإجتماعي والديني والقانوني وحقوق الإنسان؛ وإشباع مظهر من مظاهر الغريزة..
ونبدء بعرض الصورة العامة بما تتناقله وسائل الإعلام وفقا لمصدر أمني سعودي فإن شحنات مِن الفواكة والخضروات من دولة لبنان تحوي مخدرات تقدر بملايين الدولارات؛ في إشارة خفية إلى أن وراء هذه الشحنات أصابع لـ حزب الله اللبناني الشيعي؛ الموالي لنظام الملالي في جمهورية إيران الإسلامية؛ وقد أعترف علنا نصرالله-المسؤول الأول في الحزب- بأن مأكل ومشرب وسلاح حزب الله من إيران؛ وأن له-حزب الله- صفقات من هذا النوع في دول أمريكا اللاتينية؛ مع تبيض أموال ومساندة من حزب الرئيس اللبناني وصهره المسيحي.. وبالنظر لما يحدث في لبنان نلقي نظرة إلىٰ ما جرىٰ ويحدث في أفغانستان؛ ومنذ عدة سنوات وخاصةً جماعة طالبان-طلبة الشريعة- بأن تمويل الجماعة والصرف عليها يأتي مِن خلال زراعة وتجارة المخدرات؛ ثم نعود لنلقي نظرة علىٰ من يجاور لبنان في الولاء والانتماء لنظام الملالي الشيعي في الجمهورية الإيرانية الإسلامية فنجد مليشيات في العراق وسوريا واليمن.. فيكون التواجد الشيعي الإيراني بصورته الحالية في خمس عواصم عربية؛ الخامسة ما يحدث في عواصم دول الخليج الست!
ملاحظة: لا يُفهم من تحليل كاتب هذه السطور ولا يقصد توجيه اصابع الإتهام للطائفة الشيعية برمتها؛ بل ما قلته يطفح على السطح من تتبع الأحداث ومجريات الأمور!
إذاً فطالبان الأفغانية تزرع وتتاجر في المخدرات كمورد مالي لشراء العداد والصرف على الأجناد.. وفقا لما يتصدر المشهد من أخبار!

والذئاب البشرية الأربعة؛ وإن جاؤوا إلى الغرب على أعتبارات حقوق الإنسان واللجوء السياسي؛ إلا أن آحدهم له سوابق إجرامية عدة من حيث السرقة والإتجار في المخدرات وصدرت عليه أحكام بالعقوبة والسجن.. والأصل أن يرحل؛ ولكن لوجود إجراءات إدارية في وزارة الداخلية النمساوية ووزارة العدل تم ابقاؤه لسنوات دون ترحيله لبلد المنشأ- بلاد الأفغان-
وهنا يأتي العراك السياسي بين طرفي الإئتلاف الوزاري-الحكومي الحاكم الحالي وتوجيه أصابع الإتهام لوزيرة العدل -Dr. Alma Zadić, Geb.: 24.05.1984, Tuzla (Bosnien und Herzegowina- حزب الخضر؛ والتي أثقلت بملفات التجاوز في وزارتها ومن سبقها ممن تولى الوزارة والأصابع الآخرى توجه لوزير الداخلية - Karl Nehammer, Geb.: 18.10.1972, Wien, ÖVP, die Neue Volkspartei- الحالي؛ مما ينذر بسقوط هذا الإئتلاف الحاكم!
فننتقل مِن الوضع العام الدولي مِن تجارة المخدرات إلىٰ الوضع الداخلي في جمهورية النمسا الإتحادية؛ ثم ننتقل إلىٰ ملف آخر وهو القانون النمساوي الحالي المعمول به سواء المتعلق بالجرائم بغض الطرف عن نوعها: قتل.. الآتجار في المخدرات أو البشر أو السرقة؛ وضرورة تعديله أو تغيير بعض بنوده؛ وخاصة المتعلقة بالأجانب أو مَن تحصل علىٰ حق اللجوء للبقاء في النمسا
مداخلة: أصحاب البشرة السمراء أو الداكنة أو القمحية ينظر إليهم بعد كل جريمة أو حادثة تحصل بغض الطرف عن موقعها ومكانها وحيثياتها وظروفها.. ينظر إليهم نظرة ارتياب وريبة وشك؛ وبالطبع لا يحمل هولاء شارة تفيد أنه يحمل الجنسية الغربية أو أنه يحمل شهادة أكاديمية أو أنه تلقى تعليماً عاليا في دول الاتحاد الأوروبي أو كندا أو أمريكا..أو أنه حسن السير والسلوك.. لكن يكفي لون بشرته وشكل هندامه أو غرابة عطره..
المداخلة الثانية بخصوص القانون : لايوجد توافق أو إنسجام بين المادة القانونية المعمول بها وبين فهم المواطن العادي أو إدراكه لصياغة المادة القانونية؛ أضف أن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقرءة تظهر جانب بعينه من شخصية الوافد الفاعل فيتم الحديث عن محمد أو مصطفى-الفاعل- أو الحديث عن افغاني أو مِصري أو سوري-الفاعل- مما يعطي أنطباعاً عاماً سيئاً عند المواطن الغربي الأصيل صاحب البشرة البيضاء عن صاحب البشرة الداكنة أو القمحية أو السمراء أو صاحب دين بعينه من خلاله اسم الفاعل؛ ثم حالة من عدم الرضا بصفة عامة عند الغربيين أن من يتحصل على حق اللجوء تصرف له أموال للمعيشة والسكن من أموال دافعي الضرائب؛ وهذا القادم من بلاد الحرب وموطن الكرب لم يقدم شيئا ما لهذا البلد المضيف!!
الظاهر أن هناك مشاكل عصيّة على الحل: كالحالة السورية؛ العراقية؛ اليمنية؛ الليبية؛ الأفغانية؛ والنووي الإيراني وتدخل ما تبقى من النظام الخميني في دول الجوار! ومسألة هجرة غير شرعية لأهل الجنوب إلى الشمال.. الاتجار في المخدرات والبشر
إذاً هناك العديد من القضايا الشائكة مما يجعل أحزاب اليمين المتطرف الغربية تصطاد في الماء العكر فتعمم حالة فردية على الجميع وفقا لقاعدة مغلوطة أن السيئة تعم والحسنة تخص.
الجانب الإجتماعي : وزير ألماني ووزير نمساوي صرحا بأن برنامج الإندماج فشل فشلا ذريعاً.. مما ترتب على ذلك أن اموال وجهود الوزارات المعنية ذهبت أدراج الرياح دون فائدة ولم تحقق الهدف المنشود والمرجو؛ فلا مردود لها!
وتبين أن تعريف الاندماج لم يتم التوافق عليه؛ بل يراد من طرف واحد؛ اي من طرف الوافد؛ وما زال الكثير من الغربيين يحمل في ذهنية مفهوم : Gastarbeiter -العمال المضيفون-
الحالة الإجتماعية : بعض الأمهات وقليل من الأباء إما يعطي الحرية الكاملة لأبنته أو ابنه دون حساب أو مراجعة، أو البعض يضيق إلىٰ درجة الخنق؛ الحالة والتي نحن بصدد عرضها -وليس بحثها-؛ الأم سمحت لطفلتها بمغادرة بيت الأسرة لقضاء بعض الوقت من زميلاتها.. فقد أنتقلت العائلة للسكنىٰ في Tulln [المسافة بينها وبين فيينا تقدر بــ 43,7) (km] منذ ما يقترب من عامين؛ فهل أخطأت الأم بسماحها لطفلتها بمغادرة المسكن الجديد لبعض الساعات لتذهب في زيارة زميلاتها!
اعتقد أنه لا يصح تحمل هذا الجانب أكثر مما يحتمل؛ وقد جرىٰ نقاش بين بعض اساتذة الإجتماع في السماح من عدمه؛ وجاء رد أننا نعيش في بلد نسبة حالة الأمان فيه مرتفعة؛ فلسنا في بلد حروب أو أزمات؛ لكن الواقع المعاش الخارجي فيه ما فيه من الفساد والإنحلال!
مظهر من مظاهر الغريزة: الإنسان بصفته الأصلية يحتاج إلى أدنى حالة من إشباع حاجاته العضوية؛ وإن لم يشبعها اشرف على الهلاك: كالتنفس والطعام والشراب وإخراج الفضلات.. كما ويستلزم هدؤه إشباع آحدىٰ مظاهر غريزة البقاء أو النوع أو التملك؛ وليس بالضرورة إشباعها؛ فعدم الإشباع يترتب عليه قلق نفسي وتوتر عصبي ليس أكثر.. بيد أن فتح ابواب بيوت الدعارة وأماكن الإشباع المحرم بكافة صوره أوقع افراد من المجتمع في تخبط وحيرة.. فما هي حدود المسموح والمباح وما هي حدود الحرام وما هو مفهوم الرذيلة والخطيئة وما هي قيم الأخلاق الحميدة!!
هناك -في كل المجتمعات- مَن يتصيد فريسته.. يكفي كونها أنثىٰ أو من يصلح لقضاء شبقه واشباع وطره بغض الطرف عن السن أو النوع -ذكر أنثى- أو التجاوب والانسجام والموافقة؛ وهذا يظهر في أماكن أبعد ما تكون عن أن يتصور المرء أن يحدث بها اغتصاب لأنثى بالغة أو طفل لا يدرك ما يحدث له!
آحدهم-لاجئ- تصيد فريسته وعزم بقية افراد القطيع الضائع عليها!
إشكال عند الطرفين : الصورة النمطية عن الآخر هي التي تسود المشهد العام؛ سواء الصورة النمطية عن غير المسلمين عند المسلمين أو الصورة النمطية عن المسلمين عند غير المسلمين.. والأحداث في التاريخ المعاصر تثبت صحة ما ذهبت إليه..
راعي المعبد الديني: قد يؤجج الصراع بين الطرفين السابقين أو يهمل تماماً الواقع المعاش خارج معبده الديني فيحكي عما هو معروف ومسموع وممل ليل نهار؛ فإما الحديث عن المخلص من كل الذنوب والخطايا والمعاصي بالفصل التام عن الحياة؛ وهذا فريق.. أو الحديث عن الحور العين بعد الموت؛ لمن يقتل غير المسلمين فيقتل.. وكلاهما يخطئ العرض..
يفهم من السابق ويدرك أن عدة أطراف وجهات ومؤسسات ووزارات وتجمعات ومنتديات تشارك بقصد ونية مبيتة في تأجيج الصراع أو بجهل وعدم تحسسها المسؤولية الملقاة على عاتقها في علاج ناجع لواقع مؤلم...
لا يصح بل لا يجوز أن تمر هذه الفاجعة بعد حين من الزمان دون إعادة مراجعة ونظر ووضع خطة مستقبلية؛ إذ إن تلك الفاجعات السابقات تكررت ومرت في إنتظار الفاجعة الجديدة القادمة!
اقتراح: ينبغي أو يصلح للقاضي المدني في دولة تفصل الدين عن الحياة أو تفصله عن المجتمع-دولة عضو الاتحاد الأورُبي- اقول : يصلح له أن يستعين بالقانون الجزائي -الحدود- في شريعة الفاعل الجاني-الغاصب-القاتل؛ فيطبق عليه أقصى عقوبة توجد في ابجدية شريعة بلاد الأفغان..

وبالقطع للحديث بقية.. فالقضية في بدايتها!
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
‏السبت‏، 17‏ تموز‏، 2021 م ~ ‏السبت‏، 08‏ ذو الحجة‏، 1442هــ
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

بلدان الغد

 طفل اليوم هو رجل الغد؛ وأب المستقبل.. وطفلة اليوم هي المستقبل كله«.. فهناك بلدان تضع شعوبها دوماً علىٰ عتبة الغد.
» تراجعت نسبة المواليد في الولايات المتحدة خلال السنوات الست الماضية بنسبة عالية وخاصة في زمن وباء كورونا « [دراسة أمريكية : يونيو 2021م]
نحن جميعاً نقف على أعتاب عطلة.. أم اجازة.. أو راحة صيفية!؛ أم الحديث عن استجمام.. أم مواصلة دراسة والاعداد للمستوى التالي وزيادة تثقف.. وتنمية هوايات مع صقل مهارات فتعزيز قدرات!..
البعض يفضل استثمارها وآخرون يقصرونها على الترفيه...
قد يتساءل آحدهم راحة مِن أي شئ!
في الدول الغربية تختلف تواريخ العطلة الصيفية حسب الولايات والمحافظات، والراحة تستمر تسعة أسابيع في جميع أنحاء البلاد (جمهورية النمسا الاتحادية)، تنتهي المدرسة عادة في أوائل يوليو ( هذا العام : 02.07.2021م) وتبدأ في أوائل سبتمبر (06.09.2021م ). ويتم تقسيم الإجازات السنوية إلى عطلات شتوية (حوالي أسبوعين : عطلة عيد الميلاد) ، وعطلة عيد الفصح (حوالي أسبوعين تقريبًا)، وعطلة صيفية (حوالي تسعة أسابيع)، وعطلات الخريف (حوالي أسبوع)؛ اضف بعض المناسبات القومية الوطنية والدينية المسيحية؛ ويسمح للطالب المسلم في عيد الفطر والأضحى التغيب عن الدراسة؛ دون المدرس؛ ويصفي التدريس في العام الواحد على ما يقترب من 35 إسبوعاً.. اضف أثناء الراحة الصيفية توجد أنشطة متعددة وتشارك الجامعة في ذلك. فتركز معسكرات التقنية على التعليم التكنولوجي؛ فتعمل هذه المعسكرات الصيفية علىٰ تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين في مجالات مثل :
- تصميم الألعاب، و
- إنشاء الألعاب ثلاثية الأبعاد، و
- تصميم الويب، و
- التصميم الجرافيكي، و
- بناء الروبوتات، و
- لغات البرمجة؛ تقام هذه المعسكرات الصيفية عادة في حرم الجامعات. فهي تركز على التكنولوجيا كوسيلة للوصول إلىٰ طلاب المستقبل، وتوفير التوعية لخدمة المجتمع!
في مصر، تستمر العطلة الصيفية من بداية أو منتصف شهر يونيو حتى منتصف سبتمبر (3 أشهر / 14 أسبوعًا) في المدارس الحكومية ، على الرغم من اختلاف طولها قليلاً حسب العمر.
في معظم المدارس الخاصة، تمتد العطلة الصيفية من منتصف أو نهاية يونيو إلى بداية سبتمبر (2.5 شهر / 10 أسابيع).. هذا العام بدأت في أبريل.
-*
تمهيد :
الأجهزة الحيوية في جسم الإنسان كالدماغ والقلب والرئتين والمعدة وجهاز المناعة -على سبيل المثال لا الحصر- تعمل بصفة منتظمة ودائمة طوال حياة الكائن الحي؛ وتبطؤ مِن نشاطها إثناء فترة الراحة أو النعاس والنوم؛ ويزداد نشاطها عند المجهود العضلي أو الذهني؛ ولكنها لا تتوقف (لا تتعطل) عن العمل؛ طالما أن هذا الإنسان يعيش؛ ومن صفات الكائن الحي البشري أنه يحتاج لمعلومات دائمة حديثة تتناسب مع عمره وعصره مرتبطة بوجوده؛ وكينونته وأصل خلقته وتكوين اعضائه؛ وكذا عن محيطه وبيئته كي يتمكن مِن استمراره في الحياة، ويستمد هذه المعلومات مِن الآخرين الذين سبقوه؛ مع تجارب سلفت اكتسبها أو مِن ملاحظة الكائنات الآخرى والتي تعيش معه في نفس البيئة أو المناخ؛ أو بواسطة التحصيل العلمي بمفهومه الواسع سواء الديني بغض الطرف عن مسمى الدين -سماوي أو وضعي؛ أو يُقنع العقل ويدركه الذهن فتطمئن النفس فيهدأ الوجدان وتستريح الروح؛ كما أنه يخاطب البدن؛ أو التسليم والإذعان- أو المدني التجريبي فيتحصل على معلومات تصله من خلال وسائط شتىٰ كالأسرة والمجتمع بمكوناته المتعددة أو نشرات الأخبار ومراكز الأبحاث..
والطفل منذ صغره يبدء في تحسس جسده وأعضائه ويقارن بينه وبين غيره؛ فإذا كان ذكرا يقارن نفسه بالأنثى؛ وبعد حين يقارن نفسه ببقية المخلوقات؛ ويسعىٰ لاكتشاف ما غمض عنده؛ وتفحص بعض أعضاءه الظاهرة؛ ومن هنا تكثر أسئلة الأطفال عن جميع الأشياء؛ وفي سن مبكرة؛ وقد يخسر ثقة الوالدين أو رجل الدين بمفهومه الكهنوتي إذا كانت الإجابة خاطئة أو مغايرة للواقع المشاهد -إذا علم فيما بعد دقة وصحة الإجابة عن سؤاله مِن طرف آخر- وتزداد الفجوة بين الطفل ومَن هم في محيطه الضيق -الأسرة أو بيت الآله حسب كل دين- إذا كان السؤال مخجل ويستحِ أحد الوالدين أو راعي البيت الديني الكهنوتي مِن الإجابة؛ فيبحث عن مصدر آخر ليعطيه إجابة.. قد لا تقنعه أو تسكته.. فيبدء من جديد في البحث.. ولعل التقدم العلمي والتكنولوجيا الحالية كانت نتيجة ومحصلة العديد مِن الأسئلة والاستفسارات؛ وعدم مواكبة التقدم العلمي يوقع الكثير في إجابات مضللة أو خاطئة!
ما يهمنا قوله في هذا الصدد أنه إثناءالنوم أو اليقظة تعمل الأجهزة داخل الجسم فلا ترتاح...
ومِن هذا المدخل أو التمهيد اريد التحدث عن الراحة الصيفية؛ وخاصةً لطلبة المدارس؛ المستوىٰ الإلزامي؛ والملاحظ أن الكثير مِن العائلات ونحن مازلنا في وسط جائحة كوفيد 19 ستغادر دول الغرب في طريقها لقضاء عطلة صيفية في بلد المنشأ -للوالدين- وهنا يتبادر للذهن العديد من الأسئلة:
1.] كيف سيُعد الطفل خاصةً المستوىٰ الابتدائي والاعدادي.. إذ أن ما فوق هذا التعليم الألزامي لا يرغب الإبنــ(ــة) في الذهاب لبلد المنشأ ويرغب في البقاء في الوطن البديل(!)
2.] هل أعدت الأسرة برنامج كامل؛ ترفيهي تثقيفي تعليمي إجتماعي رياضي ذهني وبدني!
3.] بعض مِن ابناء الجيل الأول (الأباء والأمهات) يتحدثون بسلبية عن بلد المنشأ؛ خاصةً مَن لديهم حسابات خاصة مع النظام الحاكم أو خصومة أو مَن لديهم مشاكل مع أحد افراد الأسرة؛ سواء مسائل الميراث؛ وقضايا تقسيم التركة؛ أو طمع أحد الأفراد في الآخر مع ملاحظة تحصيل مال مَن في الغرب لمواجهة تكاليف المعيشة (تحويلات بنكية) أو للدواء...إلخ
4.] يترتب علىٰ السابق مقارنة -غير عادلة- بين الخدمات العامة (كـ التطبيب التعليم الأمن والمواصلات) وامتيازات خاصة (كــ المساعدات المالية للسكن أو الإنجاب أو البطالة) التي تقدم مِن آحدىٰ دول الاتحاد الأوروبي لمن يعيش علىٰ أراضيه؛ حتىٰ وإن كان لاجئاً، وبين دولة عضو في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي
5.] لعدم توفر عامل المساواة في المقارنة يترتب عليه حالة من الضيق والزجر.
ينبغي بل يجب علىٰ الوالدين إظهار الوجه الحضاري لبلد المنشأ؛ خاصةً وأنها تتميز بقدر هائل مِن الاثار النادرة والأماكن ذات الطابع الحضاري؛ فهي -مِصر- تملك 1/3 أو (2/3) آثار العالم: سواء الفرعونية أو الإسلامية!؛ لغزارتها ووفرتها علىٰ جميع أرض مِصر.
كاتب هذه السطور قد عرض فكرة أن طلاب المستوىٰ الإعدادي والثانوي القادمين من الغرب يقدمون خدمة تعليمية/تثقيفية/توعوية لمن يريد أتقان أو إحسان التحدث باللغة الإلمانية/الإنجليزية/الفرنسية/الإيطالية.. من طلاب مِصر؛ أو معرفة تفصيلية عن دول الغرب؛ وعليه تقوم وزارة التربية والتعليم والسياحة وهيئة الطيران والوزارات المعنية بترتيب هذا المحاضرات خلال معسكرات الراحة الصيفية؛ مع برنامج ترفيهي/تثقيفي يصلح أن يكون تحت مسمى "اعرف مِصر".
والظاهر أن المسألة ليست في الأفكار التي تطرح سواء مِن داخل الصندوق(!) أو خارجه بقدر أن المسألة في كيفية تشغيل وتفعيل مثل هذه الأفكار
هل ينظر إلىٰ الإجازة علىٰ أنها مجرد فراغ؛ فـ يحيل كل الإيجابية التي وضعت الإجازة لأجلها إلىٰ سلبية مضاعفة؛ وعليه ينبغي التعامل مع الراحة الصيفية بأنها فرصتك الذهبية النادرة أو الوحيدة المتاحة لاجتياز درب وعر إلىٰ ضفة سهلة؛
إذن نحن مقبلون علىٰ فراغ زمني طويل (تسعة أسابيع)، انتظره الشباب والأطفال بصبر على صبر، والإشكال أن بعضهم لا يدرون لماذا يرغبون في هذا الفراغ؟
يسمّىٰ هذا الفراغ بالعطلة نسبة إلىٰ بقاء العامل بلا عمل، ويسمىٰ كذلك بالإجازة بمعنىٰ الرخصة، وهي في المجمل استراحة أو محطة أو لعلها فاصلة قصيرة للطلبة بين مستويين غالباً، وبين فاصل جزئي من الروتين الوظيفي والعملي أحياناً.
حقيقة الأمر أن الإجازة استراحة تأتي لهدف :
- تجديد الهمة، و
- التخفف مِن الضغط،
- مع الاسترخاء والاستجمام،
- وشحن النفس والروح بطاقة إيجابية، لكن النظر إليها علىٰ أنها فراغ - مجرد فراغ - يمكن أن يحيل كل الإيجابية التي وضعت الإجازة لأجلها إلىٰ سلبية مضاعفة، فيعود بعدها الإنسان بنفس قاتمة وهمة فاترة وروح منكسرة فيكون أكثر ضعفاً.
ما الذي يمكن أن يجعلها سلبية؟
الكثير مِن العوامل والأسباب التي تجعل الشابــ(ــة) لا ينتبه إلىٰ أن الإجازة مثل انعدامها، فالحكم في الأمر أن ذلك كله يدخل ضمن وقت وعمر الإنسان، وهو محاسب علىٰ كل ثانية منه، وتنظيم الوقت واستثماره هو الكفيل الأول لمضاعفة إيجابية الإنسان وجدوىٰ ما يفعله. وأغلب أسباب انقلاب الإيجابي إلىٰ سلبي مقعّر ومضاعف هو أحد الأسباب التالية:
1.] ضياع الهدف:
ويتساوىٰ في ذلك عدم وجوده مع تحديده بشكل خاطئ؛ لأن ذلك يعني تضييع الوقت في تجربة ما لا يفيد، وصرف المزيد مِن الجهد وربما المال في غير مكانه، حتىٰ إذا اكتشف الإنسان خطأه كان الأوان قد فات.
2.] الفوضى:
ترك الأمور تجري بلا خطة واضحة يتم ترتيب الأولويات والأوقات فيها هو باب واسع للكسل والسلبية والفشل المحقق ، وذلك يجعل الإنسان عرضة لكل ما هو مستجد وطارئ وغير محسوب، فتتعدد أمامه الالتزامات وتغيم الرؤية بشكل يمكنه أن يعكّر عليه تفكيره فتمر أيامه كأنه لم يخطط لشيء.
3.] التركيز على جانب واحد:
وحينما يكون الترفيه هو أكثر ما يفكر الإنسان بممارسته، فيبقىٰ بينه وبين الجدوىٰ مسافات طويلة  .
إذن ما الذي يجب أن نفعله؟
بما أن الإنسانَ مركبٌ من روح وجسد؛ نفس وبدن.. فيجب مراعاة غذاء الروح بالتوازي مع غذاء الجسد:
1. ] اجعل لروحك الجزء الأكبر مِن الاهتمام عبر المتاح من بحوث العقيدة الصحيحة وتقوية الإيمان والتي تبنى عليهما -العقيدة والإيمان- وجه النظر في الحياة؛ ومنها العبادات بكافة إشكالها.. فــ عوّد نفسك علىٰ قراءة القرآن.. وحفظه. مع إدراك كامل لمعاني وفهم ما تقرأه. فطريقة الببغاء في الحفظ اثبتت فشلها منذ ردح من الزمان
2. ] تقرّب مِن أهل الوالدين ومجتمعك اللصيق بشكل أكبر، عش اهتماماتهم، وطموحاتهم، ساعدهم وساندهم وخفف من همومهم ومشاكلهم.
3. ] نظّم رحلات قصيرة وبرامج تثقيفية علىٰ المستوىٰ العائلي وعلىٰ مستوىٰ الأصدقاء والزملاء، تتقارب فيها النفوس والعقول وتجدد الطاقة.
4. ] غذّ عقلك بساعتين قراءة يومية -صباحاً وعصراً- للكتب في أي مجال تحبه، أو الاستماع لما تريد التزود به من ثقافات ومحاضرات وكتب صوتية، أو شاهد برامج مفيدة عبر الإنترنت والتلفاز.
5. ] واظب علىٰ حفظ شيء يهمك من آيات القرآن وكيف عرضها وحلها؛ كــ موضوعات حيوية حياتية وقضايا إنسانية؛ وايضاً الأذكار في كافة المناسبات، أو بعض المأثورات والأقوال المفيدة والجمل الريادية.
6. ] تواصل مع جيرانك ومعارفك الذين لم تتواصل معهم منذ زمن، وفتش عن نقاط تعيد التواصل لما كان عليه سابقاً.
7. ] سافر إن استطعت السفر، لمناطق الآثار؛ ففي السفر عشرات الفوائد، وهو باب للنجاح والتقدم والتغيير.
8. ] الغالب أننا نتحدث اللهجة العامية في البيت؛ ونغفل اللغة العربية الفصحى (لغة القرآن الكريم والحديث الشريف)؛ وهذه فرصة جيدة لتعلمها من خلال النحو والبلاغة وعلم البيان على ايدي أهل العلم وليس المرتزقة(!).
9. ] اكتشف موهبة لديك واعمل علىٰ تنميتها، أو طوّر موهبة موجودة لديك واشتهرت بها، فكل شيء أصبح متاحاً عبر الإنترنت.
10. ] طوّر نفسك عبر دورات تدريبية تخص مجال دراستك المستقبلية واهتمامك، لكي تتفوق حتىٰ علىٰ نفسك في الفترة القادمة.
11. ] شارك في الفعاليات التي يقيمها المجتمع والتعرف مِن خلالها علىٰ كل ما يخص بلاد -المنشأ- أو المكان الذي تعيش فيه-الوطن البديل-.
12. ] تطوّع أو شارك في مؤسسة أو نادٍ أو جمعية خيرية في المجال الذي تحبه وتختاره بما يزيد رصيدك المعرفي وحتى الروحي والإنساني. (مراعاة الإجراءات الوقائية ضد فيروس كورونا)
13.] شارك في أحد المخيمات والمراكز الصيفية التي تتيح تنمية القدرات الفردية الخاصة سواء كان المخيّم عاماً أم متخصصاً.
14. ] رفّه عن نفسك ومن حولك بأساليب وطرق تناسبك وتشعرك بالاسترخاء ، كالرحلات، التسوّق، اللعب، السياحة والتعرف على آثار ومعالم البلد.
15. ] إذا تيسر: نظّم زيارات خيرية للأيتام، للأسر الفقيرة، للمرضى في المشافي، للمقابر، للأسر المكلومة؛ مع ملاحظة التقييد الكامل بالإجراءات الوقائية فنحن ما زلنا في وسط جائحة كورونا .

.. وهو ما نسميه تقسيم وترتيب الوقت أو ساعات النهار والليل!
كما أضيف :
نصائح لعطلة صيفية ممتعة وصحية :
١. ] شجعوا أطفالكم على زيارة أصدقائهم في الحارة أو في الحي المجاور بدل من محادثاتهم هاتفيا.
٢. ] ألحقوا أطفالكم ببرامج تطوعية مفيدة خارج إطار المنزل.
٣. ] اطفئوا اجهزة الحاسوب والآيباد والاجهزة الالكترونية، واطلبوا من أطفالكم اللعب مع الأصدقاء خارجا.
٤. ] ألحقوا أطفالكم بدورات رياضية مثل السباحة، ألعاب كرة القدم، وغيرها من الرياضات المفيدة .
٥. ] على الأطفال ان يتحركوا وان يمارسوا الفعاليات الجسمانية، فــ نصف ساعة يومياً من الحركة والجهد الجسماني مرغوبة لصحة أطفالكم.
٦. ] مارسوا نوعا من انواع الرياضة المحبب عليكم مع أطفالكم.
اما بالنسبة لأتباع نظام غذائي صحي خلال العطلة الصيفية :
١. ] اطلبوا من أطفالكم مشاركتكم في عملية تحضير الطعام من البداية وحتى تجهيز المائدة. والمقصد شاركوهم في شراء الخضروات والفواكه والحاجيات في الدكان حتى المرحلة النهائية من ترتيب سفرة الطعام وتقديمه.
هذه المشاركة تقحم الطفل وتشاركه بمكونات صحنه وبنوعية وصحة المركبات التي يتناولها، وتعطيه مفهوما واضحا اكثر عن عملية تحضير الطعام البيتي وأهميته، كما وتحركه جسمانيا أيضاً.
٢.] شجعوا أطفالكم على النوم باكرا، فالسهرات تشجع تناول الطعام وأحيانا يتمادى الأطفال بتناول النقارش والمسليات الدهنية التي تسبب السمنة. من المهم ان ينام طفلك من ٨ حتى ٩ ساعات ليلية .
٣. ] حضروا لأطفالكم المسليات الصحية مثل الفشار المخفف الدهن، والمحضر بالبيت وانتبهوا بان لا تشتروا الفشار الجاهز لانه يحوي على نسب هائلة من الدهنيات. قطعوا الخضروات مثل الجزر، الخيار، الكولورابي، والفواكه بطريقة مشهية وقدموها بطريقة مبدعة لارغاب طفلك بتناولها. مع الابتعاد عن المشروبات الغازية (انظر ماذا فعل رونالدو؛ لعب الكرة مع زجاجة كوكاكولا؛ مع الابتعاد عن الوجبات السريعة)
٤. ] قطعوا البطيخ والشمام البارد لطفلك وشاركوه تناولها.
٥. ] حاولوا ان تحافظوا على نمط غذائي سليم، واحرصوا على ان يتناول الأطفال ثلاث وجبات: الفطور، الغذاء، والعشاء ونوعوا بتحضيرها. ".
اتمنىٰ -كاتب هذه السطور- والموقع راحة صيفية ممتعة مع الأخذ في الاعتبار تحصيل المعلومة الصحية الوقائية من مصادرها الأصلية؛ وليس نقلا من افواه الآخرين ؛ مع الحيطة الزائدة باستخدام الإجراءات الصحية والوقائية للحماية من المتحور "دلتا" ويُعرف أيضا باسم B.1.167.2، وهو واحد من ثلاثة سلالات فرعية معروفة لـB.1.167. وكشفت البيانات أن لقاحات فايزر وأسترازينيكا قللت من دخول المستشفى بنسبة تقارب الـ90 بالمئة وخفضت نسبة حدوث التهابات والمضاعفات بنسبة 17 بالمئة.
يسعدني مشاركتم بالأفكار والنقاش!

(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
الأربعاء‏، 30 يونيو ‏، 2021 م ~ ‏21‏ ذو القعدة‏، 1442هــ
(د.مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

الندية مع فارق التفوق!

[ ولا ينبغي سماع محاضرة أخلاقية في مسألة حقوق الإنسان ]
في اللحظة التي تشهد مناطق عدة في العالم صراعات عنيفة دامية؛ ونشهد أماكن توترات مقلقة ونرى غياب الشفافية في العديد من المباحث والقضايا وسوء معاملة إنسان لابن جلدته.. في نفس تلك اللحظة يجتمع الزعيم الروسي مع نظيره الرئيس الأمريكي علىٰ أرض محايدة؛ والذي وصفه الآخير بأنه „ قاتل‟؛ فرد عليه الأول بأنه ينبغي أن „ يهتم بصحته ‟ في وصف لكلا الجانبين بأن العلاقات بينهما في الحضيض، وليس لديهما -في العاصمة الروسية (موسكو) أو الأمريكية (واشنطن)- تمثيل دبلوماسي على مستوى السفراء حاليا، كما يخضع كبار المسؤولين الروس لعقوبات أمريكية لأسباب عدة، بيد أن الولايات المتحدة تنطلق بواسطة رئيسها وتقف خلفه تحالفات ‟ G7 „ والــ „ ناتو ‟ وتواجدت بجواره رئيسة المفوضية الأورُبية؛ ويمكن القول بأن العالم الغربي الديموقراطي الحر يقف خلف الرئيس الأمريكي أمام مقابلة „ القيصر ‟ الروسي؛ إذ توجد إلى حد ما جبهة موحدة من ‟ G7 „، و الــ „ ناتو ‟ فلم يكن اللقاء صدفة أو مصادفة أن يرتب هكذا فيحدث بعد هذا الحشد من اللقاءات والتأييد والوقوف خلف أمريكا بعودتها مرة ثانية للحلبة العالمية وإدارة الصراع ؛ فالمقصود ولو بأدنى قدر مصارعة الصين ومحاولة احتواء روسيا؛ ومن يقف بجوار أو خلف بوتين دول مهزوزة أو وجه إليها أصابع اتهام كــ الصين.
ومن المسائل الشائكة (أو وفق المسمى الأمريكي „ الخطوط الحمر ‟ ) التي سوف تبحث على طاولة النقاش :
1..] مسألة الديموقراطية المجروحة في كلٍ من أمريكا وروسيا
وما يسعى بوتين إلى اكتسابه هو رضا الشأن الداخلي عند شعبه لسوء الوضع الاقتصادي والإجتماعي
وفي استطلاع للرأي ابدى بايدن تقدما ملحوظاً لنيل رضا الشارع عن أداءه مقارنة بسلفه
بوتين قد جمع فاحضر خلفه وفدا روسيا موسعاً؛ للتفاوض حول قضايا مادية وليس احتواء روسيا؛ إذ هناك ملفات عدة ولكل منها مَنْ يحملها؛ فالوفد الروسي ذو تشكيله تحمل قضايا؛ إذ أن كل شخصية في الوفد تحمل ملفاً خاصاً:
1.] وزير يحمل الملف الروسي : سفير موسكو للعلاقات الدبلوماسية
2.] مساعد الرئيس : يحمل ملف أوكرانيا.
3.] نائب وزير الخارجية : ملف النووي الإيراني والملف السوري
4.] رئيس الأركان: يحمل ملف التسلح والصراع التكنولوجي
ومن الملفات التي لا ترغب الإدارة الروسية طرحها أو مباحثتها :
1.] قضية بيلاروسيا؛ فرئيسها ومنذ 1994 قابعا على كرسي الحكم وممسكا به وبتزوير إنتخابات
2.] قضية أوكرانيا
3.] التعاون الروسي لــ إيران (النووي)
4.] التواجد على أرض سوريا (دول الممانعة)
5.] الحرب السيبرانية
6.] تطور الأسلحة البعيدة والمتوسطة المدى
7.] التواجد في البحيرة المتوسطية (ليبيا)
8.] كوريا الشمالية
9.] أفغانستان
10.] القطب الشمالي المتجمد وذوابانه مما يجعل روسيا تستغل الذوبان لأغراض عسكرية وأقتصادية
لذا فقد قدمت أمريكا على حرب نفسية ضد الزعيم الروسي؛ بفضح مثل ما قامت به إدارته من تسميم معارض أو أعتقال آخر.. وتوجيه أصبع الاتهام بــ الهجمات الإلكترونية على المنشأت الحيوية الأمريكية، مما جعل بايدن يريد أن يضع خطوطا حمرا أمام بوتين؛ وتوقعات بمطالب أكثر صرامة؛ والإدارة الأمريكية ترى روسيا دولة عدائية من خلال تحركاتها ضد الولايات المتحدة!..
وما يزعج إدارة بوتين :
1.] حماية أمريكا للمعارضين في الخارج
2.] دعمها لمعارضي الداخل..
3.] طلب أمريكا إطلاق صراح اثنين من الأمريكان محجوزين في روسيا
إذ يعمل بوتين على إزالة المعارضة من أمامه خاصا لإنتخابات سبتمبر القادم لـ يحصل حزب روسيا الموحدة على الأغلبية المطلقة
فهل سيستجيب „ القيصر ‟ الروسي!؟
ما شُوهد اليوم [منتصف نهار الأربعاء: 16 يونيو 2021م من جنيف] من خلال قنوات التلفاز :
- اريحية بايدن في جلوسه أمام بوتين؛ و
- حالة من القلق (التوتر) بادية على بوتين أمام بايدن
فهل يمكننا التحدث عن استقرار مع كل المخالفات!؟
وهل يمكن بناء ثقة بينهما!؟
العالم كله ينتظر ما سوف تسفر عنه اللقاءات؛ فنحن في يومنا الأول!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
‏الأربعاء‏، 16‏ يونيو‏، 2021 م ~ ‏الأربعاء‏، 07‏ ذو القعدة‏، 1442هــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
(د.مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

خريطة الإسلام
„die neue Islam-Landkarte‟

„أحياناً أتمنىٰ أن يكون هناك مجلس أو مركز عربي للشؤون الخارجية علىٰ نمط ذلك الأميركي في نيويورك حيث يطلق لأفكار وخيالات المتخصصين العنان دونما تمييز، ليس فقط عن أحوال أميركا، وإنما العالم كله ‟. (د. عبدالمنعم سعيد؛ نظام عالمي جديد مرة أخرى؛ الأربعاء - 7 شوال 1442 هـ - 19 مايو 2021 م ـ الشرق الأوسط؛ العدد [15513] )
.. وبناءً على مقولة د. سعيد؛ كم كنتُ أتمنىٰ أن توجد دراسات للمجتمعات الأورُبية وسياسة دولها وتوجهات أحزابها؛ وتغيير وتبدل مزاج شعوبها .. أو ما أطلق عليه علم „الاستغراب‟ تتولىٰ الإشراف عليها الهيئة الإسلامية المعتمدة من قِبل الدولة؛ خاصةً بما يتعلق بالنظرة إلىٰ التجمعات ذات الصبغة الإسلامية في بلاد الغرب..
..ومن تتبع الأحداث ومجريات الأمور.. يمكنني القول بأن يوجد إخفاق لكل من :
المنظمات الإقليمية كــ
- مجلس التعاون لدول الخليج العربية (6 دول؛ تأسس في 25 مايو 1981م بالاجتماع المنعقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي)؛
أو
- الجامعة العربية (22 دولة؛ نشأت عام 1945م)؛
أو
- مجلس التعاون الإسلامي (57 دولة؛ أُنشئت منظمة التعاون الإسلامي بقرار صادر عن القمة التاريخية التي عُقدت في الرباط بالمملكة المغربية في 25 من سبتمبر 1969 ردًا علىٰ جريمة إحراق المسجد الأقصىٰ)
.. تلك المنظمات (مجموع تلك المنظمات الإقليمية: 85 دولة) في المنطقة العربية أو الأماكن التي يقطنها مسلمون ؛ لا تقوم فعليا برعاية شؤون شعوبها أو مَن هاجر منهم إلى دول الغرب والأمريكيتين أو كندا وأستراليا..
.. وقد نشأت „اتحادات‟ أخرىٰ، في المنطقة العربية تضم كل منها دولتين أو أكثر، ابتداء مِن أوائل الخمسينات في القرن العشرين إلىٰ أوائل القرن الواحد والعشرين، وكلها للأسف كانت فاشلة[(1)]؛ ما عدا واحدتين:
- الأولىٰ عندما توحدت طرابلس الغرب وبرقه وفزّان باسم المملكة الليبية المتحدة عام م1951، في عهد الملك إدريس السنوسي، و
- الثانية عندما توحدت إمارات الساحل الخليجي تحت اسم الإمارات العربية المتحدة[(2)]..
.. يجاور هذه المنظمات-الجامعةالعربية؛ مجلس التعاون الخليجي؛ منظمة التعاون الإسلامي- يجاورها الهيئات العالمية كــ
- الأمم المتحدة بكافة مؤسساتها العاملة والفاعلة (193 دولة + الكرسي الرسولي [الفاتيكان] وفلسطين بصفتهما مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة)؛ ومن المضحك المبكي أن: „مجلس الأمن‟ التابع لها يتحمل المسؤولية الرئيسية عن صون:
أ . ] السلم؛ و
ب . ] الأمن الدوليين. ولدىٰ مجلس الأمن 15 عضوا،
وأيضاً
- الإتحاد الأورُبي (27 دولة؛ تأسس بناءً علىٰ اتفاقية معروفة باسم معاهدة „ماستريخت” الموقعة عام 1991م، ولكن العديد من أفكاره موجودة منذ خمسينات القرن الماضي.)- ومعهما -المنظمات الإقليمية والهيئات العالمية-
- منظمات حقوق الإنسان..
بل واضف :
- الثورات-إيران؛ مثلاً- و
- الأحزاب والتكتلات ذات الوشاح الإسلامي والتي تمكنت لبرهة مِن الوقت مِن الظهور؛ ومن ثم الوصول إلىٰ كرسي الحكم كـ- جماعة إخوان في مِصر؛ السودان؛ تونس؛ حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة؛ دولة إسلامية في العراق والشام (إعلامياً : داعش)..
اقول (الرمادي): أخفق هؤلاء جميعاً-بالصفة الحزبية أو التكتلية أو الجمعية وقت اعتلاء كرسي الحكم- في نصرة المستضعف وإواء المقهور؛ ومنع الغالب مِن بطشه بالمغلوب علىٰ أمره؛ كما وفشلت في إظهار الصبغة الإسلامية الصحيحة من خلال إحسان تطبيق أحكام الدين الحنيف وتفعيل إنسانية وشمولية سنة رسول الله الكريم؛ والأحداث المتتالية والمتسارعة في عدة بقاع مِن الأرض ومنذ ما يقترب مِن 100 عام- أقول (الرمادي): أحدد عام 1924م-تثبت صحة ودقة ما ذهبت إليه مِن القول!
.. والإشكال لا يعود لكثرتها أو أعدادها أو تنوعها بل يعود لـ :
- الأساس الفكري؛ و
- المبدأ الأساسي و
- المنطلق الاستراتيجي و
- الكيفية العملية والتي بنيت عليه هذه المنظمات والهيئات كيانها!
.. والتخبط الظاهر في عدة مناطق وكيفية معالجة المسائل وحل المشاكل يؤكد هذا!
-*-
- إعادة نظر
„عَوْدٌ عَلَىٰ بَدْءٍ‟:
إنَّ انتشارَ الإسلامِ نتيجة هذه الشدَّة مِن أهل مكة-في بدايات الدعوة الإسلامية وبدايات الرسالة المحمدية؛ وزمن العهد المكي- ليس أمرًا عجيبًا؛ إنَّما هو سُنَّةٌ مطَّردة! ولو بحثنا في أصول التجمعات المسلمة في أورُبا وأميركا -علىٰ سبيل المثال وليس الحصر- في زماننا المعاصر، فسنجد أنَّ السبب الرئيسِ في تكوينها هو حالة التضييق الشديدة التي تعرَّض لها أهل الإسلام في مِصر، وليبيا، وتونس، وسوريا، والمغرب، وغيرها مِن البلاد العربيَّة؛ وبلاد آخرىٰ يقطنها مسلمون، وذلك في الفترة مِن الخمسينيَّات إلىٰ الثمانينيَّات مِن القرن العشرين الميلادي؛ فقد أدَّىٰ هذا التضييق إلىٰ خروج أعدادٍ منهم إلىٰ معظم بلاد أورُبا وأميركا، أضف سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والملاحقات الأمنية والقبضة الحديدية الاستخباراتية.. والتهجير القسري..
فتكوَّنت ما نراه اليوم مِن تلك التجمعات[(3)]المسلمة الكبرىٰ.. ثم حصول الكثير منهم علىٰ جنسية تلك الدول الغربية؛ والتزاوج فتوالد الجيل الثاني والثالث.. كما وأُنْشِئت الهيئات الإسلامية والممثلة شرعياً لهم؛ والمعتمدة مِن قِبل الدولة الأورُبية؛ أو مع مَن تخاطبهم حكومات الدول الغربية، ووجدت المراكز الإسلاميَّة بتمويل مالي مِن الخارج(!) ودعم لوجستي(!) مِن بعض الدول-ما اثار حفيظة بعض الحكومات في الغرب-؛ وفُتح العديد مِن المساجد وانتشرت المصليات الأهلية؛ تحت مسميات:" إتحادات عربية/غربية" أو "ثقافية"، وبالتوازي كثرت المؤسَّسات الاقتصاديَّة والتي يملكها مسلمون؛ وفُتح العديد مِن المحلات التجارية كالبقالة واللحوم والفاكهة والخضروات، بل والعيادات الطبية والصيدليات والورش الصناعية والفنية، وصار للمسلمين مراكز دعويَّة تخبر(!) عن أحكام الدين، وتدعو غير المسلمين(!)؛ بل وتُساعد المسلمين في بلدان إسلاميَّة بصورةٍ أو بأخرىٰ.. بل وتجد اليوم-في الغرب- المعلم والمهندس والمحام والطبيب والصيدلي والفني-المتخرج من مدارسهم وجامعاتهم ومعاهدهم-؛ ولهم مكاتبهم أو عياداتهم أو صيدليتهم أو ورشهم داخل النسيج الاجتماعي والمهني في المجتمع الغربي؛ ويلاحظ بصفة عامة أن المسلمين في بلاد الغرب يعيشون في أمانٍ-إلىٰ حدٍ كبير جداً؛ ماعدا بعض التصرفات الطائشة والحاقدة- في كنفهم، ومع أنَّهم كانوا يُعانون مِن :
- آلام الغربة، و
- متاعب البيئة الجديدة و
- طبيعة المناخ العام، و
- مسائل الوسط الإجتماعي و
- مشاكل الوضع الاقتصادي والسياسي؛ وبعض
- المشكلات السياسيَّة العابرة؛ ومازالوا يعانون مِن
- النظرة النمطية التقليدية الخاطئة للمسلم من خلال وسائل الإعلام وخاصة ضد المسلمات؛ لكن بشكلٍ عامٍّ يعيش المسلمون مطمئِنِّين، و«بخير دار»(!)؛ مِن حيث الرعاية الصحية والتعليمية والعلمية والمهنية وكافة رعاية شؤونهم، وينبغي أن نعترف-ولو ضمنياً دون التصريح العلني- بــ هذا الوضع الآمِن الجديد الذي يُسعد المهاجرين بتواجدهم في الغرب، وهي سعادةٌ حقيقيَّةٌ لن يشعر بها إلَّا مَنْ هُدِّد في رزقه وأَمْنه وصحته؛ ولقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه عُبَيْدُاللهِ بْنُ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ -رضي الله عنه-»: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ.. مُعَافًى فِي جَسَدِهِ .. عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ .. فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا « [(4)] وهؤلاء.. المهاجرون ... حقَّقُوا الثلاثة [الآمِن .. والمُعَافاة فِي الجَسَدِ .. وقُوتُ اليَوْمِ] بفضل الله-سبحانه وتعالى-، فيالسعادتهم![(5)].
كما يجب أن نعترف بوجود بعض التجاوزات والتي تؤدي إلىٰ التعسف أو العنف وأحياناً تصل إلىٰ القتل وإزهاق الأرواح(!).
أضف : أنَّ أخبار وأحوال بلاد المنشأ-وهم يعيشون في الوطن البديل- لم تنقطع قطُّ عنهم؛ بل تأتي إليهم "مباشر" من خلال قنوات الاتصال؛ فنجدهم يُتابعون الأحداث، ويتفاعلون معها، ولهم في كثيرٍ من الأحيان ردُّ فعلٍ يُناسب الحدث.. وواضحٌ أنَّ وجود المهاجرين في الغرب؛ أو مَن يحملون جنسية غربية منهم لم يكن يُسعدهم وحدهم؛ بل كان يُسعد أهليهم كذلك؛ لأنَّه مِن جانبٍ : كانوا يطمئنُّون عليهم-دون أذًى أو ألم-، ومن جانبٍ آخر-قد لا يفطن إليه الكثير- : يطمئنُّ المرء علىٰ وجود منطلقات جديدةٍ للمسلمين تُحافظ علىٰ بقائهم، فهم يُمَثِّلون مخزونًا استراتيجيًّا مهمًّا يُطمئِنُّ إليه بشكلٍ عامٍّ [(5)] .- انظر أحداث غزة الأخيرة بدءً مِن 25 رمضان 1442 وحتىٰ إلىٰ ما بعد عيد الفطر- ؛ ولا ينبغي أن نغفل الرعاية المالية والمعنوية بصفة عامة لأهل وذوي هؤلاء [انظر حال دولة لبنان؛ والتحويلات البنكية]...
.. والمراقب الواعي يرىٰ بوضوح تحرك إيجابي مرموق وتواجد حي مؤثر لــ أبناء-الشباب والشابات- التجمعات الإسلامية مِن الجيل الثاني والثالث؛ ونحن علىٰ مشارف الجيل الرابع في كافة المجالات العلمية والتخصصية؛ الاقتصادية والتجارية.. فيخبرنا هذا التحرك بمستقل زاهر؛ وهذا التواجد المؤثر والحي ينبئ عن تغيير جذري في البنية الأساسية للمجتمع الغربي.. وهذا ما تثبته الكثير من الدراسات الميدانية..
-*-
ولنحدد مثالاً!
.. تضارب الحكومات المتعاقبة مِن بعد عهد المستشار „Dr. Bruno Kreisky‟ (SPÖ) في اتخاذ قرار سياسي صائب والتأرجح بين الفعل ونقيضه؛ واعتماد قانون يعارض الدستور الأساسي للبلاد؛ يرافق هذا تناوب أحزاب يمينية تتمقعد بالقرب مِن كرسي المستشارية؛ هذا.. اربك المشهد السياسي العام للدولة؛ واليوم -أول يونيو 2021م- وبناءً علىٰ الوضع-الإجتماعي والشعبوي والسياسي والاقتصادي؛ وعدم القدرة على السيطرة على وباء (SARS-CoV-2) - الحالي بشقيه السلبي والإيجابي فقد أخبرتْ السيدة وزيرة الاندماج „Susanne Raab‟ (ÖVP) فأعلنتْ عن بحث استقصائي يوم الخميس 27 مايو 2021م عن خريطة تبين تواجد ما يزيد عن (623) تجمع إسلامي سياسي -اتحادات.. جمعيات إسلامية ذات الصبغة السياسية؛ وفق تقسيم الوزيرة- „die neue Islam-Landkarte‟ علىٰ الأرض النمساوية مع تعريف دقيق لكل منها وتحليل؛ وبينت الخارطة وفق هذا البحث الاستقصائي ما يزيد عن (230) اتحادا في العاصمة فيينا؛ و(86) في ولاية النمسا السفلى؛ ومقاطعة النمسا العليا (78)[(6)]، مما دعىٰ عمدة ولاية فيينا-العاصمة- : „Dr. Michael Ludwig‟» (SPÖ) أن يقول : ما حدث هو :„ تفريق سلبي تجاه الأديان؛ وأن هذه الخارطة لا تعمل علىٰ الإندماج بل تسعىٰ إلىٰ انشطار المجتمع الواحد وتقسيمه‟.. وتوالت ردود الفعل الغاضبة من النمساويين المتنفذين أنفسهم؛ وما زاد الأمر تعقيدا أمام أجهزة دول القارة العجوز؛ وحالة عدم رضا مِن كثيرين من سكانها: نزوح الآلاف مِن مناطق الصراع الدموي والتدمير والتهجير.. مما نشَّط الأحزاب اليمينية تجاه المهاجرين؛ ومما زاد الأمر تعقيدا استطلاع غربي للرأي، يبين الخلفية الذهنية للغربيين؛ نُشرت نتائجه في ديسمبر 2016م، كشف أن هناك فجوة شاسعة بين معتقدات الشعوب الغربية والحقائق علىٰ أرض الواقع بشأن أعداد المسلمين في بلادهم، التي غالباً ما تميزت بــ : „المبالغة” .. فقد أظهر الاستطلاع الذي أجراه معهد :„إبسوس موري”، وشمل أكثر مِن 27 ألف (27,000) شخص في نحو 40 دولة غربية بين (22 سبتمبر و6 نوفمبر 2016م)، أن غالبية الأورُبيين تبالغ في تقدير نسبة المسلمين في دولهم، وكذلك في تقدير مقدار وحجم نمو هذه التجمعات الإسلامية.
وأشار الاستطلاع إلىٰ أن ذلك يعود في الأساس إلىٰ ميل الشعوب بشكل عام إلىٰ المبالغة في تقدير أسباب القلق لديهم، بالإضافة إلىٰ :„التشاؤم حيال مسألتي السعادة والتسامح”. ومن الأمثلة علىٰ ذلك أن :
- الأستراليين أجابوا علىٰ سؤال بشأن نسبة المسلمين في بلادهم حاليا بأنها تصل إلىٰ „12.5%”، في حين أن النسبة الحقيقة تصل إلى„2.4%” فقط، وقالوا إن هذه النسبة ستصل إلى „21%” عام م2020، بينما تشير التوقعات المبنية علىٰ الأرقام الحقيقية إلىٰ أنها لن تتجاوز „3%” .
.. إذاً .. الشعوب الغربية تبالغ بتقدير نسبة المسلمين المتواجدون بالفعل على أرضي أورُبية؛
.. فيا ترى ما هو الدافع أو الباعث أو اي معلومات خاطئة سُربت أو نُشرت خلال وسائل الإعلام أو السياسيين المناهضين لتواجد عربي/افريقي/أسيوي على أرض القارة العجوز الأورُبية..

كما وأن قضية سوء معاملة أصحاب البشرة السمراء في أمريكا ليس ببعيد عن الضفة الشرقية للمحيط الأطلسي!
وإليك البيان بالأرقام من الاستطلاع:
فــ الفرنسيون والبلجيكيون والألمان والبريطانيون يبالغون بخصوص هذه المسألة -تواجد المسلمون- وتوقعات نموهم في المستقبل، وفقا لما ذكرته صحيفة "غارديان" البريطانية.
- وكان الفرنسيون الأكثر مبالغة في تقديرهم لعدد المسلمين في بلادهم حالياً ومستقبلاً، إذ يعتقدون أن نسبة المسلمين في فرنسا تصل إلىٰ „31%”، في حين أنها لم تتجاوز „7.5%” عام 2010، أي بمعدل مسلم واحد بين كل 13 فرنسي.
كذلك توقع الفرنسيون أن تصل نسبة المسلمين في بلادهم عام 2020 إلىٰ أكثر من „40%”، بينما هي لن تتجاوز „8.3%” بحسبت توقعات دراسة أجراها معهد :„بيو” للأبحاث.
- والأمر نفسه ينطبق على الإيطاليين والألمان والبلجيكيين، حيث لا تتجاوز نسبة المسلمين الحقيقية في بلادهم :
„%3.7” في إيطاليا؛ و
„5%” في ألمانيا؛ و
„7 %” في بلجيكا.".[(7)]
..والوضع الحالي-خاصة في جمهورية النمسا- قد أخذ شكلًا جديدًا متميِّزًا، يجدر بنا أن نقف معه وندرسه بعناية؛ خاصة بعد :
- انخراط شباب -يحمل الجنسية النمساوية- البعض منهم من أصول عربية في صفوف „داعش‟.. ثم
- أحداث بداية نوفمبر الماضي الدامية، و
- القبض وملاحقة افراد من جماعة إخوان وحماس.. و
- القبض علىٰ تنظيم يميني يخزن أسلحة؛ ثم
- دخول تنظيمان تركيان :
„Milli Görüs‟
،„ATIB‟ على خط المواجهة وأضف
:„die Grauen Wölfe‟..
هذا.. مما يستلزم مِن الهيئة الإسلامية المعتمدة أمام الدولة والحكومة-أولاً- والواعيين المخلصين مِن المسلمين-ثانياً- من اتخاذ إجراءات إيجابية فاعلة؛ ووضع خطة شاملة مستقبلية ووقائية ودعوية ترتقي لما يجري في أروقة السياسة؛ خاصةً مِن تجمعات اليمين المتطرف؛ وأحزابه الشعبوية! .

يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ
‏الأربعاء‏، 22‏ شوال‏، 1442هــ~02 يونيو 2021م
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
[(1)] تقرأ في كتاب عن : „ تاريخ اليمن في عهد الإمام أحمد ”؛ الذي ما أن سمع عن „ اتحاد الجمهورية العربية المتحدة بين مِصر وسوريا ”، وفي نفس الوقت م1958 قيام „ الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن ”، حتىٰ تحمس وأراد أن يُدخل اليمنَ في أحدهما، فسأل (عرّاف) القصر أيهما أرجح(!!؟)، فقال له العرّاف: „ إن نجم جمال عبدالناصر يعلو علىٰ كل النجوم ”، لهذا أرسل للرئيس جمال البرقية التالية:“ بالله لا تنفضوا قبل أن تضمونا إليكم، وأرسلت (الولد) البدر - علىٰ حد تعبيره - إلىٰ القاهرة يحمل بقية التفاصيل„ ”.
وقرأ عبدالناصر البرقية ثم ناولها لشكري القوتلي، فقال شكري: „ خير، خير ضمه إلينا ”. وتحدث القوتلي في ذلك الوقت قائلاً: „ إنه بصرف النظر عن مسائل النجوم والعرافين، فإنه يرى قبول عرض الإمام للأسباب التالية ...
أولاً: أنها خطوة وحدوية لا يجب التردد فيها،
ثانياً: أنها ستفتح طريقاً للحضارة حتىٰ تدخل اليمن،
وثالثاً: أنها تخفف من الضغط علىٰ العناصر الوطنية في اليمن.
وفشلت الوحدتان فشلاً ذريعاً، حين انهارت „ الوحدة الهاشمية ” في نفس السنة عندما قام انقلاب عبدالكريم قاسم، وانهارت „ الجمهورية العربية المتحدة ” عام 1961م بسبب أن عبدالناصر بعث صديقه المشير عبدالحكيم عامر ليكون الحاكم الآمر الناهي وحده علىٰ سوريا، من هنا حصل الانفصال، وكان أول من ندم على مساهمته في هذه الوحدة الفاشلة هو شكري القوتلي نفسه. وبما أن الإمام أحمد يقرض الشعر، فقد قال في هذا الصدد قصيدة هجائية، أقتطع لكم بعضاً من أبياتها التي يقول فيها:
ما لي أراكم تملؤون الأرضا * قولاً يفيض حسداً وبغضا
وتفعمون الجو بالشتائم * وتصفعون جبهة المكارم
وتصرخون من فم المذياع * بكل صوت ناشز الإيقاع
نسيتمُ عدونا المشتركا * وصرتمُ بعضاً لبعض شركا
شننتمُ الحروب فيما بينكم * ودستم العهد الذي يصونكم
[(2)] جريدة الشرق الأوسط؛ الثلاثاء - 20 شوال 1442 هـ - 01 يونيو 2021 م ـ العدد: (15526).
[(3)] أولاً: لا اتفق مع مَن يطلق على المسلمين في الغرب وأميركا وكندا واستراليا لفظة :
„جالية”
أو
„اقلية” !..
وهي مسألة تحتاج لتسليط الضوء عليها من الناحية اللُغوية والقانونية والتشريعية!!
العدد الدقيق للمسلمين-حاليا- في أورُبا غير معروف. والأرقام متضاربة وأذكرها :
بيد أن الإسلام دخل أورُبا من خلال أجزاء مِن الجزر والسواحل الأوروبية الواقعة علىٰ البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع [أي منذ سنة670 بعد الميلاد]، ووفقًا لمركز الأرشيف الألماني للإسلام معهد (دي)، يبلغ عدد المسلمين في أوروبا حوالي 53 مليون (5.2%)، يشمل الرقم كل من روسيا والقسم الأورُبي لتركيا. ويبلغ عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي حوالي 16 مليون (3.2%).
In Europa leben gegenwürtig knapp 53 Millionen Muslime; http://www.islamicpopulation.com/europe_islam.html
and
كتاب حقائق العالم 2007 نسخة محفوظة 24 يونيو 2018 على موقع واي باك مشين.
وفقًا لآخر إحصائية من عام 2010، قام بها معهد "بيو" وصل عدد المسلمين في كل أوروبا، عدا تركيا، إلى 44 مليون نسمة، أي ما يُشكل حوالي 6% من إجمالي سكان أوروبا.
مركز بيو للأبحاث،
The Future of the Global Muslim Population, January 2011,
نسخة محفوظة 9 فبراير 2011 على موقع واي باك مشين., نسخة محفوظة 23 يوليو 2013 على موقع واي باك مشين.
يشكل الإسلام ثاني أكبر دين في العالم. وفقا لدراسة أجريت في عام 2015، يبلغ تعداد المسلمين 1.8 مليار شخص ويشكلون حوالي 24.1% من سكان العالم.
"Why Muslims are the world's fastest-growing religious group". Pew Research Centre. April 2017.
مؤرشف من الأصل في 14 مايو 2019. اطلع عليه بتاريخ 24 أبريل 2017.
ستضيف أوروبا الغربية العديد من المهاجرين المسلمين في المجتمعات حيث يعتبر الإسلام هو ثاني أكبر ديانة بعد المسيحية، حيث يمثل 6% من مجموع السكان أو نحو 24 مليون نسمة.
التحول إلى الإسلام والجاليات المهاجرة الإسلامية توجد في كل جزء تقريبا من العالم.
1- عدد المسلمون في أمريكا 8 ملايين والنسبة تتزايد بدرجة كبيرة .
2- عدد المسلمون في قارة أورُبا 30 مليون مسلم ، في فرنسا فقط 5 مليون ويتوقع أن يتزايد العدد في فرنسا فيصبح 20 مليون بحلول عام 2050 .
3- قال الباحث الروسي د. "بيلو" توقعه أن عدد المسلمين في بلدان أوربا الغربية والولايات المتحدة سيتزايد بشكل كبير جداً .
4- عدد المسلمون في روسيا 13 مليون شخص في عام 2002 أي بنسبة (9%) من السكان ، وفي دراسة أنه في عام 2050 احتمال سيصل نسبة المسلمين 50% .
5- في المانيا عدد المسلمين 1.7 مليون مسلم واحتمال يصل العدد إلى 5 مليون خلال العشر السنوات القادمة .
6 - النمسا : تقدير عام م2016 (نسبة المسلمين 6.9 % ).
[(4)] انظر : الترمذي: كتاب الزهد، باب في التوكل على الله (2346)، وقال: حديث حسن. وابن ماجه (4141)، وابن حبان (671)، والطبراني: المعجم الأوسط (1828)، وحسنه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة (2317).
[(5)] د. راغب السرجاني .
[(6)] [oe24, NR.697, Freitag,28. Mai 2021]
[(7)] معهد إبسوس موري. ديسمبر 2016م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
(د.مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

خاطرة جمعة 18 رمضان

نقف اليوم مع الترجمة العملية والتطبيق الفعلي والسلوك النبوي والخُلق المحمدي لنصوص القرآن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين في حادثة نادرة حدثت منذ 1440 عاما : إذ نطق النص القرآني يقول { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم } [القلم:4]
والنص يقول إنك؛ يا محمد فوق خلق؛ وليس صاحب خلق ؛ وهذه الآية تحتاج لترجمة فعلية يظهرها لنا ويترجمها لفعل في لحظة من أصعب اللحظات فهو صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة المهداة فاستمع إليه سبحانه وهو يقول : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين } [الأنبياء:107]
لم يقل النص الكريم رحمة للمسلمين أو للمؤمنين أو للعرب أو لقريش بل للعالمين والعالمون جمع عالم فالإنسان والنبات والحيوان والجماد كلها مخلوقات وهو عليه السلام أرسل رحمة للجميع؛ لذا بأمة محمد مسؤولة عن نظافة وحماية البيئة وفقاً لهذه الآية الكريمة!
ننتقل بحضراتكم من فيينا -من خلال قراءتكم لموقع آستروعربنيوز- إلى القرب من بئر بدر؛ نحن الأن في العهد المدني؛ في السنة الثانية من الهجرة الشريفة المنيفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وكامل الرحمات ومزيد من التنعيم والتكريم والتشريف وعلى صاحبه في الهجرة الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه وعن زوجته أم رومان وأبنتيه وأبنه عبدالرحمن في سنةٍ توافق السنة 623 م [ووفق حساب آخر مارس624 م] من الميلاد العجيب.. نحن في صبيحة يوم الجمعة في شهر رمضان والناس صيام؛ بالتمام منذ 1440 عاماً.
حديثنا اليوم في الجمعة 18 من رمضان لعام 1442 حول :
1.] وَقْعَةُ بَدْرٍ
1. 1. ] يَوْمَ الْجُمُعَةِ
1. 2. ] صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ .
نضيف أنفسنا مع : (ابْنِ غَزِيَّةَ .. وَضَرْبُ الرَّسُولِ لَهُ فِي بَطْنِهِ بِالْقَدَحِ (اي سهم).
وانظر حب سَوَاد بن غزية الكبير لرسول الله؛ وقارن بين حبك أنت للنبي.. نحن نقف أمام الصحابي الجليل : سَوَادُ بْنُ غَزِيَّةَ بْنِ وَهْبِ من بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، وقيل: حليفٌ لهم، من بْنِي بَلِيّ من قُضَاعة.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي حِبَّانُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" كان صلى الله عليه وسلم في بدرٍ يعدِّل الصُّفوف، ويقوم بتسويتها؛ لكي تكون مستقيمةً، متراصةً؛ وبيده سَهْمٌ لا ريش له، يُعَدِّل به الصَّف "
الرجل الأول في الكيان الجديد في المدينة المنورة- والتي طيَّب الله تعالى ثراها بمرقده وبجواريه الصديق والفاروق-والقائد الأعلى للمسلمين ماذا يفعل:.
« 1 » عَدَّلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي :
« 2 » . يَدِهِ :[قِدْحٌ ] سهم يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَــ"
« 3 » مَرَّ بِــ: « „ سَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ ‟ » ، حَلِيفِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَهُوَ مُسْتَنْتِلٌ مِنْ الصَّفِّ :". مُستَنْتِلٌ (متقدم) :".- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مُسْتَنْصِلٌ مِنْ الصَّفِّ- فَــ:
« 4 » طُعِنَ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وَ:
« 5 » قَالَ: “اسْتَوِ يَا سَوَّادُ” فَــ:
« 6 » قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: „ أَوْجَعْتنِي ‟ . وَ
قَدْ : « 6 . 1 » : „ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ ‟، قَالَ سَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ : „ فَأَقِدْنِي‟ [ مكِّنِّي من القصاص لنفسي ].
واراد سواد شيئا؛ أضمره في نفسه ولم يبينه! فــ
قَالَ :„ يا رسولَ اللهِ، إنك طَعَنْتَنِي وليس عليّ قَمِيصٌ‟ فَــ: « 7 » كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: “اسْتَقِدْ“، (أي: اقتص)
قَالَ: فَـ :
« 8 » . اعْتَنَقَهُ فَــ :.
« 9 » قَبَّلَ بَطْنَهُ: فَــ [مرغ وجهه في بطن النبي صلى الله عليه وسلم؟ ]
« 10 » قَالَ رَسُولَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ : « مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَّادُ » . ؟
« 11 » قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى ؛ „ فَلَمْ آمَنِ الْقَتْلَ » . فَــ „ أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ ‟. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْرِ، « وَقَالَ لَهُ خَيْرًا » . ُثمَّ عَدَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصُّفُوفَ، وَرَجَعَ إِلَى الْعَرِيشِ، وَدَخَلَهُ، وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ . [حسَّنه الألباني. فلم يتردَّد النبي صلى الله عليه وسلم في إعطاء سواد رضي الله عنه حقه في القصاص حين طالب به، مع أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يقصِد إيذاءه وإيجاعه، ليَضرب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً رائعاً للعدل والقود من النفس. ]
-*-
1.] وَعَنِ ( 1 ) ابْنِ عَبَّاسٍ وَ ( 2 ) عَبْدِاللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ؛ ( 3 ) وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ؛ ( 4 ) وَعَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، (5) وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( 6 ) وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ( 7 ) وَكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ( 8 ) وَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ( 9) وَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ( بألفاظ متقاربة ): «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْتَقَىٰ الْمِنْبَرَ، فَأَمَّنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ
قَالَ: « „ تَدْرُونَ لِمَ أَمَّنْتُ؟ ” ».
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
قَالَ: " جَاءَنِي جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ:
1.] " إِنَّهُ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ دَخَلَ النَّارَ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْحَقَهُ، قُلْتُ: آمِينَ. وَ
2.] " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا دَخَلَ النَّارَ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْحَقَهُ، قُلْتُ: آمِينَ. وَ
3.] "؛ وجاء برواية :" " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، ". مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ دَخَلَ النَّارَ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَأَسْحَقَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ» ".
2.] وجاء برواية :" وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ(1) + [وَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ(2)] قَالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمِنْبَرَ فَقَالَ: " آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ ". فَلَمَّا نَزَلَ قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ. وَرَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ. وَرَجُلٌ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» ".
[التخريج: (1) رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ؛ (2) [رَوَاهُ الْبَزَّارُ هَكَذَا، وَفِيهِ جَارِيَةُ بْنُ هَرِمٍ الْفُقَيْمِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ].
أما الرواية الثانية: " وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: " آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ ". ثُمَّ قَالَ: " مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُولُوا: آمِينَ. وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُولُوا: آمِينَ. وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ؛ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُولُوا: آمِينَ»
[رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُمْ].
والتطبيق العملي:
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضَرَب بسوط ظلماً، اقتُصَّ منه يوم القيامة) [رواه الطبراني وصححه الألباني. ]
انظر مَن ظلمتَ!؟
انظر مَن اخذت منه حقاً
انظر من هضمت له أرثا !؟
انظر مَن أخذت منه مالا!؟.
لا يوجد في دين محمد بن عبدالله :
« „ الجمعة اليتيمة ” » .
أو
« „ جمعة الوداع ” » .
يوجد الاجتهاد في العبادة لــ: « „ العشر الأواخر ” »
ويوجد : « „ زكاة الفطر ” »

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
‏الخميس‏، 25‏ رمضان‏، 1442هــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

خاطرة رمضان الأولىٰ

لعل بناء نفسية وعقلية وأخلاق العابد الساجد أفضل عند الله -تعالى- في سماه وتقدست اسماه- من بناء الحيطان وزخرفة المساجد...فـــالحمد لله الذي خلقنا مِن نسل من سجدت له الملآئكة تكريماً لعلمه وتقديراً لعقله؛ والحمد لله على نعمة الخلق والتنشأة والتكوين والإيجاد؛ والحمد لله على نعمة العقل والفهم والاستيعاب والإدراك؛ والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان؛ ثم الحمد لله الذي جعلنا من المسلمين الموحدين المؤمنين، ونشهد أن الذي قال: { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:184] القائل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد فلم تكن له صاحبة لم يكن له ولد ، ونشهد أن الذي نزل في حقه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون} [البقرة:186] الذي نزل في حقه هذه الاية الكريمة الشريفة هو خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين محمد بن عبدالله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
أَمام التكاليف الشرعية والأوامر الآلهية والقيام بعمل أو تصرف وفق الشرع الحنيف قد يرىٰ البعض فيه مشقة إنسانية يخاطب الخالق الرازق في محكم كتابه بقوله " { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }
ولم يخاطب الذين "أسلموا"..
ثم يخاطبهم بالأمر التكليفي وبمناسبة شهر الصيام والقيام بقوله تعالى { كُتِبَ عَلَيْكُمُ } أي فرض عليكم ؛ فالتكليف جاء مِن مَن خلق الإنسان -سبحانه وتعالى- فيحدد هو -سبحانه- نوع الكليف أي { الصِّيَامُ } بمعنى : أن مَن بلغ سن التكليف مِن الذكور والأناث -بغض النظر عن سن أعمارهم : أي تسع سنين أو أكثر أو أقل- عليهم الإمساك والامتناع عن الطعام والشراب والمجامعة؛ وهذا الامتناع والإمساك مِن الفجر الصادق إلى غروب شمس هذا النهار؛ وهذا التكليف من قِبل خالق الإنسان؛ وهو سبحانه أعلم به ..
ولكي يخفف على المؤمنين هذا التكليف وتلك المشقة ينبه -مَن سما في علاه وتقدست اسماه- أن الصيام ليس فقط مسألة شرعية تخصكم يا من أمنتم بالله الواحد الأحد؛ إذ أن الإيمان أو التصديق الجازم المطابق للواقع عن دليل؛ والدليل إما عقلي وإما نقلي؛ أي أننا نؤمن إيماناً جازما يقينا بأن للحياة وللكون والإنسان واجد واجب الوجود أوجدها من عدم؛ وإنه هو-سبحانه- ليس كالإنسان أو كالحياة أو الكون؛ هنا ينبه هذا الخالق -سبحانه- بأنه كتب وفرض الصيام { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } [البقرة:183] . سواء مَن كان قبلنا مباشرة النصارى أتباع السيد الجليل المعجزة في الخلق والإيجاد عيسى أبن مريم-عليهما السلام- أو أيضا مَن سبقهم أتباع موسى بن عمران وأخيه هارون بن عمران أو مَن سبق دون من أمم نزل في حقهم كتاب؛ وأرسل اللخ الخالق سبحانه لهم رسول أو نبي!.
وهذه هو التخفيف الأول لتلك المشقة التي قد يراها البعض في الإمتناع طوال النهار عن الشراب والطعام بعد أن كان مباحا ومسموحا في كل وقت وفي كل حين...
وبما أن القرآن الكريم والذكر الحكيم والفرقان المبين يخاطب فئة خاصة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } بدليل التنبيه الواضح في قوله تعالى : { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } ‎﴿الحجرات: ١٧﴾‏، ولم يقل أن هداكم للإسلام؛ وإن كان بعض السادة العلماء لا يفرقون بينهما .
لذا نجد أن التكاليف يسبقها خطاب قرآني بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‎﴿البقرة: ١٥٣﴾‏.
أو قوله :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ‎﴿البقرة: ١٧٨﴾‏.
وكقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‎} ﴿البقرة: ٢٥٤﴾‏ .
وكقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }‎﴿البقرة: ٢٦٤﴾‏
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } ‎﴿البقرة: ٢٦٧﴾‏
ثم يبين سبحانه محصلة الإيمان بقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }‎﴿البقرة: ٢٧٧﴾‏ .
ثم يكمل القرآن الخطاب لتخفيف تلك المشقة في التكليف فيقول في التنبيه:
٢ . ] الثاني : { أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ } فسبحانه يبلغنا من قبل أن نبدء فريضة الصوم بأنه معدود الأيام وترى أن اليوم الجمعة هو اليوم الرابع :
وأما التنبيه :
٣ . ] فقوله تعالى : { وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون } [البقرة:184]
وهنا يأتي الربط المحكم بين العبادة الصرفة لوجهه الكريم وبين العلم؛ ونتفاجأ بان عالم ياباني وآخر أمريكي وثالث ألماني؛ وهم جميعا ليسوا من المسلمين يقدموا صورة صيام الإسلام لمرضاهم كنوع من العلاج؛ فالصيام يرفع درجة حصانة الجسم الأدمي وهو ما يسمى في الطب الحديث جهاز المناعة فيرسل إشارات للقضاء على الخلايا الميتة أو المريضة أو الضعيفة.. ثم يأتي
٤ . ] التنبيه الرابع ؛ فينزل الخطاب السماوي الآلهي الرباني على قلوب المؤمنين فيخبرهم بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة لا يحتمل أي تفسير أو تأويل سوى ما جاء في النص القرآني فينطق القرآن يقول :{ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ }.. فنحن نمتنع عن الطعام ونتوقف عن الشراب ونؤخر لمن تبقى له فسحة من الوقت الاقتراب من النساء بعد كل هذا الامتناع والإمساك يأتي النص الصريح : { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ }.. والمعنى لمن يتدبره أكتمل ووضح مراد الله -تعالى- وليس رغبته أو تمنياته و النص صريح بقوله تعالى : { يُرِيدُ اللّهُ }.. ولكي لا يكون هناك أدنى شك أو تساؤل أكمل المعنى -سبحانه وتعالى- وهنا يخاطب النفس البشرية والتركيبة الأصلية الآدمية والذهنية الفهمية الإدراكية الاستيعابية الإنسانية فيكمل فيقول-جل جلاله-. { وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } . لذا اقول بأن إسلام خاتم الأنبياء وآخر المرسلين ومتمم المبتعثين جاء لمخاطبة الإنسان بغض الطرف عن زمانه وبيئته ومعاشه ولون بشرته فهو -الوحي السماوي- خطاب رب.. مالك.. خالق.. رحيم.. رؤوف للإنسان بصفته البشرية وطبيعته الآدمية!
وتتبقى في بداية الشهر الفضيل مسألتان:
1.] الأولى : قبيل صلاة التراويح كصلاة تطوع؛ وكنافلة بعد آداء صلاة العشاء لم يرد نص نبوي سُني يقول:" قوموا لصلاتكم ".. أو " صلاة القيام اثابكم الله" ؛ بل الذي جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الكسوف: "الصلاة جامعة"؛ وفي خلافة الصديق؛ الوزير الأول والخليفة الأول للنبي لم ترد هذه الكلمة؛ وفي صدر خلافة الفاروق؛ الوزير الثاني والخليفة الثاني لم ترد ايضا هذه العبارة التي نسمعها؛ وعليه فلا أذان أو إقامة أو أي قول يسبق هذه الصلاة .. والأصل التمسك بسنته والسير على هديه!
هذه واحدة!
أما الثانية: لوحظ أن البعض يسهر الليل بطوله ويصلي الفجر ثم ينام فتضيع عليه صلاة الظهر والعصر وهما فرض؛ ويجتهد في حضور صلاة القيام -التراويح –وهي نافلة.
والثالثة المكملة للثانية وهي أشد وطئة من اختها فالبعض لا يصلي في بقية ايام العام ويحضر صلاة التراويح.. لذا وجب التنبيه!

5 رمضان 1442 هـ ~ 17 أبريل 2021م.

المغردون..
أو
مَن يقف فوق الصفيح!

.."تتفنّن شدائد النوازل والأزمات؛ وعظائم النوائب والملمّات.. أيّما تفنُّن في إظهار أسوأ ما في البشر؛ وأفضل ما فيهم سواءً بسواءٍ -كأفراد وجماعات وأمم بأكملها، بل وعلىٰ مستوىٰ الإنسانية نفسها، حسب نطاق الأزمة أو حجم المُلِمَّة؛ وهي بذلك تكشف النقاب عن التمايز الشديد في السلوك- فالبعض نبيل وأصيل، والبعض خسيس وغثيث لا خير يرجىٰ منه، والبعض بين هذا وذاك؛ مما يطرح سؤالاً مطْلقاً بلهجة حادة ليست معهودة في الأوقات العادية: أياً كان الحال، مَنْ نحن علىٰ وجه الدقة والضبط، كما نرىٰ أنفسنا، كجنس بشري؟".« فبعضُ الناس „ يهرفون بما لا يعرفون ‟.»..
-**-
.. ضاقت عليه الإمبراطورية الإيرانية بما رحبت.. فكان النفي إلىٰ النَّجف الأشرف(!)، فرحل إلىٰ العراق؛ وظنَّ أنه ملجأ أمن مع كثرة طوائفه وقومياته وعشائره؛ وتقلب أهله؛ فلم يقبله عراق صدام.. ففتحت فرنسا - الضاحية الباريسية „ نوفل لوشاتو ‟- ذراعيها له.. ونشط في مدينة النور -باريس- تحت سمع وبصر كافة الأجهزة المعنية بتحركات الأجانب علىٰ أراضيها وخاصةً ”الإسلاميين؛ أو المتأسلمين“؛ وسخرت له وسائل نقل كلماته، ومنها -فرنسا- منبع العلمانية والــ لا دينية وأصل فكرة فصل الكنيسة عن الدولة.. أو الدين عن الحياة المدنية أو أن هناك رجال دينيون وآخرون زمنيون.. وعلىٰ متن طائرة الخطوط الفرنسية عاد آية الله خميني بعد إعادة تلميعه[(1)] بعد أن طرد شاهنشاه -شرطي الخليج التابع للغرب- ومحاولات خروجه من الوصاية الغربية وإدخال إصلاحات دستورية بعضاً منها رفضها رجال الدين الشيعي؛ وكما يقول عن نفسه :"طردتني القوات الأمريكية كما يلقىٰ الفأر الميت مِن المصيدة".. فلم يجد له ملجأً يؤويه؛ فرحب به سادات مِصر لأواصر النسب؛ ولأسباب إنسانية!
يصلح عام 1979م -في العصر الحديث- أن تؤرخ بدءً منه حقبة زمنية جديدة للإسلاميين؛ أو ما أطلق عليه الغرب: „ الإسلام السياسي‟ فرقاً عنه عن إسلام المناسبات وإسلام المواسم وإسلام الشعائر والإسلام الصوفي أو بلفظة أكثر حدة الإسلام: „ الكهنوتي ‟، أو في علم المصطلح الكنائسي إسلام: „ المعابد ‟، فقد فتح قيام دولة دينية(!) شيعية شهية الإخوان للوصول للحكم -فعلا- في المنطقة السُنيّة وما زالت شهيته وإن تلاحقت عليها عدة ضربات موجعة في الرأس؛ خاصة في فيينا ومداهمة العديد مِن أماكن عبادة مصلياتهم؛ ومنازلهم.. ووضع حسابات بنكية تتعدىٰ المائة تحت المراقبة والمراجعة.. وليس آخراً فمِن الضربات الموجعة ما استحدثه نظام الحكم العلماني في تركيا مع رموزهم علىٰ أراضيه من مراعاة ميثاق شرف مهنة البث المتلفز بعد سبع سنوات سمان أو ما فعله نظام الإمارة في قطر.. وصدق مَن قال: "لا يصح للمعارضة أن تغادر أرض منشأها؛ فتخسر المنشأ والدولة المضيفة وكذا نشاطها وتخسر قوة المعارضة بين أبنائها؛ ولاثبات صحة هذه المقولة انظر: القضية الفلسطينية؛ وفلسطينيو الشتات؛ ومن بعدها السورية تثبت صحة هذه المقولة"..
كما -وقتها [1979م]- تجدد الأمل عند حزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة؛ وهما -الإخوان والتحريريون عملتان مختلفتان مِن حيث السبيكة والصقل والإصدار-.. ثم جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فجنحت سفينة الأولىٰ عن مسارها وغرست في رمال التشرذم والإنقسام؛ فمالَ مَن لا يفهم ألاعيب السياسة العالمية والإقليمية والمحلية ولم يدرك مدىٰ توغل الدولة العميقة في نفوس وجيوب الناس؛ مالَ إلىٰ التحصن بقلاع مِن رمال.. كي يحسن التعامل معهما -ألاعيب السياسة والدولة العميقة- وفشل سريعاً كما فشل مشروع تصدير الثورة بزعامة آية الله خُميني؛ فبُحث عن أذرع له في كل مِن لبنان واليمن ومنطقة الخليج وأفريقيا.. وفشل مَن اصطف خلفهم أو حاول مغازلة العامة مِن الشعوب بأمنيات إسلامية لا تسمن ولا تغني من جوع بدءً مِن الصحوة وانتهاءً بالقنوات الفضائية ومنصات التواصل الإجتماعي للتنفيس.. مروراً بسودان.. فغزة فمِصر فتونس ومِن قبلهم الجزائر ويجاور هذا الأخفاق حركات العنف والقتل كـ: „ القاعدة ‟ -برعاية خليجية وسلاح غربي- وأختها الصغرىٰ „ الدولة الإسلامية في العراق والشام ‟ -اسماً إعلامياً: داعش- بإنشاء أمريكي ضد العدو الأحمر؛ وسكوت عربي! إن لم يكن تمويل.. وتزايد الزخم في استقطاب شباب لا هدف له؛ مع استقطاب أرحام خاوية تنجب جيلا لا يعلم ما يقول!.. هذا بالنسبة للسفينة الأولىٰ ومَن حاول شدها مِن مستنقعها..
وتجمدت المياه تحت السفينة الثانية-التحريريين- فتوقف سيل الدماء في عروق أعضاءها؛ وفتحت كوة للجميع من خلال الفضاء الافتراضي والشبكة العنكبوتية..
ولعل يكون في نهاية النفق المظلم بصيص ضوء فجر جديد..
والسلفية حاولت وضع قدم تحت أضواء القنوات الفضائية فبدأت ثم انتهت كأنها لم تكن!

..أعجبَ الكثير بــ „ الإسلامي ‟ [(2)].. فــ أنه يقول بأعلىٰ صوته أنه يملك الحقيقة كاملة.. ويدعي أنه يملك حلولا لكل المشاكل ويتعدىٰ كل الصعاب وترتفع حنجرته بالقول: „ الإسلام هو الحل ‟ وأن بيده العصا السحرية لفك معضلات العالم ومصائب الناس..
والمصيبة الكبرىٰ بالنظر إلىٰ الواقع المشهود في عدة مواقع ووقائع ومراجعة العديد مِن الأقاليم والمناطق ومنذ عدة سنوات يثبت تماماً عكس ما يقوله „ الإسلامي ‟،.. والأماكن التي يسكنها مسلمون بها نكبات متلاحقات؛ وهم يريدون الهجرة منها إلىٰ دول الغرب؛ بما في الغرب مِن تناقضات ومخالفات بيّنة عند الإسلاميين أنفسهم؛ ومن يحسن قراءة الواقع يحسن المكوث بين أظهر الغربيين أو البقاء بين العرب والمسلمين.. ومع ذلك يلتجؤون إليه ويريدون الأحتماء بقوانينه ودساتيره.. وفضاء حرية التعبير والرأي وما يسميه الغرب „ حقوق الإنسان ‟، وهذه معضلة آخرىٰ وهي الأزدواجية بين الأفكار النظرية والتصورات الذهنية لشكل كيان إسلامي ثبت على الورق وبين الأفكار والمفاهيم والقيّم في الغرب وبالتالي في الحكم علىٰ الشئ نفسه أو الشعب أو الدولة أو الحكومة..
.. ويعجب البعض مِن ذلك „ الملحد ‟.(3)] لآنه يدعي أنه استحوذ علىٰ الحقيقة كاملة وتوصل إليها وينقض بشدة الإسلامي وبعنف المسيحي، وانه تمكن مِن بلورة الحقيقة التي توصل إليها ويسعىٰ إلىٰ إخراجها في ثوبها القشيب.. وهو ليس إلا مجرد بوق تسمع صوتاً ويصلك ضجيجاً ولا ترىٰ دقيقاً أو تلمس طحيناً..
.. والمتابع لهما -الإسلامي والملحد- يتألم حين يكيل كل منهما للآخر السباب واللعان والبوار والخسران.. وإلقاء اللائمة علىٰ الآخر.. والتفتيش عن نواقص ومعايب ونشر الفضائح والمثالب؛ بل والشماتة حين المرض أو بعد الموت دون أن يتم بينهما -الملحد والإسلامي- لقاء عقلاني فكري هادئ يتقابلان وكل منهما يدلو بدلوه في بحثه ليثبت آحدهما صحة ما ذهب إليه ويدحض الرأي الآخر بل وينسفه؛ ومِن الفساد والإفساد : الخطاب المنفرد أو ما يسمىٰ بــ المونولوج..
.. ويعجب الكثير بمَن يدعو إلىٰ „ حرية التعبير ‟، و „ إبداء الرأي ‟، ويدعو إلى „ الحرية الشخصية ‟، و„ حرية العقيدة ‟، ثم تجده ينسف رأي الآخر ويمنعه مِن حرية التعبير بل هناك فريق يتطاول بشتىٰ صور إبداء الرأي التعسفي والتعبير المسئ فيجرح شعور الآدمي ويرسم صورة نمطية سيئة عن الآخر لا يريد أن يغيرها عنه أو يصححها بعد الإثبات عن خطئها أو فسادها.. فينتقل الرأي بحريته إلىٰ الاستهزاء والسخرية والتهكم! وتنتقل حرية التعبير إلىٰ القذف والشتم والإهانة.. فيكون رد الفعل إسالة الدماء علىٰ طريق المشاة!.. وتكون حرية العقيدة والحرية الشخصية خروج عن المألوف والعادات والتقاليد والعرف!
ونقف أمام مَن يتمسك برأيه ويلازم علىٰ حرية تعبيره إلىٰ أن يتم إثبات عدم صحة ما يقول؛ فيتراجع عن مقولته.. ففي يوم الخميس الماضي وإثناء سفر آحدهم بقطار نفق المدينة وقبيل جلوسه في مقعد رباعي خال مِن الركاب وفي مقابله وعلىٰ الصف الثاني مِن المقاعد وبجوار شباك نفس قاطرة المترو توجه راكب في مقتبل عمره بالحديث إلىٰ الراكب الجديد القادم علىٰ التو من رصيف الانتظار؛ ولكنه لم يحسن سماع بداية حديث الشاب فقد كان صوته هادئاً؛ فسأله الراكب الجديد :"عن ماذا يتكلم!؟"، فقال الشاب له:"إنكَ ترتدي كمامة خطأ في مركبة عمومية حيث أن المطلوب كمامة: „ FFP2 ‟، فقال له :"ما أرتديها هي كمامة: „ 3FFP ‟ وهي أفضل مِما ترتديه أنتَ!"، فرد:" أنك لا تفكر إلا في نفسك -فقط- ولا يهمك الآخرين".. فقال له -وبدء يعلو صوته قليلاً- :" كمامتي أغلىٰ ثمناً بكثير مما أنتَ تلبسها؛ وهي أفضل!".. ثم اردف قائلاً:" ما فوق أنفك وفمك صناعة صينية؛ وما علىٰ وجهي صناعة أورُبية"..
والملاحظ هنا أن الراكب الجديد خشي أن يكون ما عند الشاب هي تلك الحساسية ضد الأجانب..
ثم ما كان من الشاب إلا أنه فتح القسم العلوي مِن شباك قاطرة مترو الأنفاق.. ليتجدد هواء القاطرة فلا يَعلق في هواءها الفيروس المرافق لنا في حياتنا ومنذ اكتشافه.. ثم بعد دقائق ما كان منه إلا أنه اشار إلىٰ الراكب الجديد بأن يقرأ ما علىٰ صفحة محموله ليؤكد صحة ما يقوله؛ غير أن حامل „ FFP3 ‟ تمسكت بما عنده مِن معلومة؛ وجلسَ علىٰ مقعده لا يريد تغييره؛ والشاب النمساوي لا يريد النزول وكان هادئاً في حديثه أو نقاشه؛ وكان الراكب الجديد منفعلاً في حديثه وكلامه؛ وقد شعرنا نحن بقية الركاب أنه اصابه إحساس إن الشاب يريد أن يصحح له فقط لسمرة بشرته..
انتهى المشهد!
أما بقية المشهد :
فما كان مني إلا أنني ذهبت إلىٰ الصفحة الرسمية للحكومة النمساوية فوجدت أنه مسموح عدة أنواع مِن الكمامات منها ما حمله الراكب ذو البشرة الداكنة: „ 3FFP ‟ وكما وجدت أيضا عدة أنواع آخرىٰ مسموح بها؛ ثم تحدثت مع آحد ابناء الجيل الثاني من التجمع العربي فقال:" ما حمله علىٰ أنفه وفمه يطلق عليها: „ كمامة الأناني ‟ في المصطلح الشائع عند الناس.. ثم تحدثتُ مع زميل لي نمساوي في المؤسسة التي أعمل بها فقال لي :"كمامته تحميه مما يدخل مِن الخارج مع الهواء أما إذا كان يحمل الفيروس فإنه يخرجه زفيراً مِن خلال فلتر الكمامة"؛ وأردف قائلاً :" لا يصح أن يلبسها في المستشفىٰ مثلاً"..
وهنا تذكرت محادثة تمت منذ عدة أسابيع وإثناء زيارتي لطبيبي الخاص؛ فقد قالت مساعدة الطبيب لشخص لا أعرفه: "لطفاً.. أخلع هذه وألبس: „ 2FFP ‟"، فقال لها:" ليس عندي منها ما ألبسه"، فقامت وأحضرت مِن الداخل كمامة وقالت بهدوء:" هنا يرتدي الجميع: „ 2FFP ‟".. وهذا دون أن توضح أو تعطي تفصيل..
فهذا مثال آخر علىٰ أن قد يكون إثنان يحملان وجهة نظر مغايرة ولكن ما ذهب إليه كل منهما صحيحة.
ولكن يثير انتباهي ما يتداوله السادة المغردون حين يرد بعضهم علىٰ بعض أو يعلقون علىٰ خبر ما أو حدث ما والخلط الذي يحدث في بعض المسائل بين أمور لا علاقة بعضها ببعض.. وأحياناً كثيرة تصفية حسابات!
مما جعل „ اليونيسيف ‟ مع „ تيك توك ‟يقوما معاً بعرض مبادرة بعدم التنمر على وسائط الاتصال الاجتماعي بين المغردين بعضهم مع بعض!!
يحدث أحياناً كثيرة نقاس في موضوعات متعلقة بتصرفات الآخرين وخاصة ما له علاقة مِن قريب أو بعيد بمسألة الدين وخاصة دين الإسلام.. وكثير مِن تصرفات أتباعه ومَن لا يملك الحجة أو الدليل مِن أهل الإسلام وغالبيتهم مِن العامة يقع في أخطاء كما أن مَن لا يعلم الكثير الكثير عن دين الآخر يقع أيضا في أخطاء إثناءالحوار أو النقاش
اعتاد الإنسان ومنذ بدء الخليقة علىٰ الوقوف أمام الآخر علىٰ شريحة مِن صفيح.. غالباً ما يكون الصفيح دافئاً.. ثم يتحول إلىٰ صفيح ساخن.. ثم فجأة يصير مشتعلاً.. ملتهباً.. وهذا التسلسل يعود لنسبة الجهل عند المتحدث؛ أو المحاور مع توفر الحصول علىٰ معلومات كافية.. وإن كانت أحياناً متناقضة كما ظهر بوضوح خلال العام الفائت بخصوص جائحة -وباء- تاج الفيروسات المستجد -Covid-19- ("سارز كوف 2") [(4)].
والبعض -وهذا من باب الإملاء- يريدون منك أن تغير رأيك بالقوة وتقول ما يريد هو أن يسمعه! وهذا ما يدعوني للقول بأن “الأزمة تتألّف تحديداً مِن حقيقة أنّ القديم يموت؛ والجديد غير قادر علىٰ أن يولد، وفي هذه الفترة الفاصلة تظهر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعراض المَرَضيَّة“.[(5)].
-**-
‏الخميس‏، 19‏ شعبان‏، 1442 ‏الخميس‏، 19‏ شعبان‏، 1442هــ ~ 31 مارس 2021م
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(1)] يراجع قراءة كتاب : “الخميني في فرنسا.. الأكاذيب الكبرىٰ والحقائق الموثقة حول قصة حياته وحادثة الثَّورة”، لـ:"هوشنك نهاوندي".
[(2)] „ Islamist ‟ مصطلح يقسم المسلمون لفئة وينطوي تحته أنهم فئات؛ أخترعه الغرب ليقوم باستخدامه للتفريق بين المسلم العادي كــالصوفي أو النمطي أو مسلم المناسبات والشعائر؛ ومسلم يسعىٰ لتفعيل الإسلام في الحياة الدنيا؛ وقد ابتلعه الكثير مِن الصحافيين وسار متداولا بين مَن يتكلم في المحافل الدولية والقاعات الأكاديمية؛ مثله مثل مصطلح: „ Fundamentalist ‟
[(2)] تم استضافة آحدهم عام 2017م علىٰ آحدىٰ القنوات الفضائية؛ وادعىٰ في مداخلة مع مقدم البرنامج أن عددهم يصل إلىٰ 10 ملايين في دولة الأزهر والكنيسة المرقسية؛ في حين تحدث الأزهر أنهم يزيدون عن 800 فرداً؛ ثم تقرأ أنهم يقتربون من 3 ملايين .
[(3)] أطلع المسؤولون الصينيون، دبلوماسيين يوم الجمعة [26/03/2021]، على ما توصلت إليه أبحاث جارية حول أصول كوفيد-19، قبل صدور تقرير متوقع من منظمة الصحة العالمية بعد طول انتظار.
وبدت عملية الإحاطة الدبلوماسية وكأنها محاولة من جانب الصين للتعبير عن رأيها في التقرير، الذي تداخل مع خلاف دبلوماسي، حسب ما أفادت "أسوشيتد برس". وقال مسؤول بوزارة الخارجية الصينية يدعى يانغ تاو "هدفنا هو إظهار انفتاحنا وشفافيتنا، لقد حاربت الصين الجائحة بشفافية وليس لديها ما تخفيه". ويستند التقرير، الذي تأجل مرارا، إلى نتائج زيارة قام بها فريق من الخبراء الدوليين من منظمة الصحة العالمية، في وقت سابق من العام الجاري إلى مدينة ووهان بوسط الصين، حيث تم تسجيل حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد للمرة الأولى أواخر عام 2019. وعمل الخبراء مع نظرائهم الصينيين، وعلى الجانبين الاتفاق على التقرير النهائي، لكن من غير الواضح متى سيعلن. وقال عضو الفريق الصيني ونائب مدير المركز الصيني للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، فنغ تسي جيان، إن الخبراء ناقشوا أربع طرق محتملة وصل بها الفيروس إلى ووهان.
وتلك الطرق هي: "أن خفاشا يحمل الفيروس أصاب إنسانا بالعدوى، أو أن خفاشا أصاب حيوانا من الثدييات كان وسيطا في نقل العدوى للإنسان، أو شحنات من الأطعمة الباردة أو المجمدة، أو مختبر لأبحاث الفيروسات في ووهان". وأجرى الخبراء تصويتا على الفرضيات بعد مناقشة متعمقة، وخلصوا إلى أن أحد المسارين الحيوانيين أو أن السلسلة الباردة كانت على الأرجح طريقة انتقال العدوى. وقال فنغ إن التسرب في المختبر كان مستبعدا للغاية. ونقلت محطة "سي سي تي في" التلفزيونية الرسمية عن تصريحاته أن مبعوثين من خمسين دولة، إضافة إلى جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي حضروا الإحاطة في وزارة الخارجية. وقالت الوزارة في تصريح نشرته عبر الإنترنت بشأن الإحاطة إن "الصين تعارض بشدة محاولات دول معينة لتسييس قضية تعقب المنشأ وتوجيه اتهامات لا أساس لها ومحاسبة الصين". من ناحية أخرى، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا تشون ينغ: "أود أن أؤكد أن تعقب الفيروس هو مسألة علمية يجب أن يدرسها العلماء من خلال التعاون". وأوضحت للصحفيين أن الخبراء ما زالوا يناقشون فحوى التقرير وترجمته، وأنها لا تعرف متى سيصدر. ".
كما وقد " أعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن المنظمة لا تزال تدرس جميع روايات ظهور فيروس كورونا المستجد، مشيرا إلى أن مصدره لم يتم الكشف عنه حتى الآن. وفي تعليقه على صدور تقرير من 40 صفحة أعدته بعثة الخبراء الدوليين التي زارت الصين مؤخرا للبحث عن مصدر عدوى كورونا، ونشر على موقع المنظمة يوم الثلاثاء [30/03/2021]، قال غيبريسوس إن "جميع الفرضيات لا تزال مطروحة علىٰ الطاولة". وأضاف أن التقرير هو "بداية الطريق لا نهايته، إذ أننا لم نكشف بعد عن مصدر هذا الفيروس وعلينا المضي قدما في طريق العلم".
وأكد غيبريسوس إلى أن عملية الكشف عن مصدر الفيروس "تتطلب وقتا"، مشيرا إلى أن منظمته مسؤولة أمام العالم عن كشفه، "كي نستطيع اتخاذ خطوات مشتركة للتقليل من خطر تكرار ما حدث".
ولفت غيبريسويس إلى أن "بعثة علمية واحدة لا يمكن أبدا أن تعطي جوابا على كل الأسئلة".
[(4] مقولة أدلىٰ بها الشيوعي الإيطالي، “أنطونيو غرامشي” (Antonio Gramsci) قبل حوالي مئة سنة؛ حيث كتبها في أوائل عشرينيات القرن الماضي.
(د. مُحَمَّدٌ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

ما بعد الجائحة !

أوشكت.. أو تكاد جائحة -وباء- تاج الفيروسات المستجد -Covid-19- ("سارز كوف 2") علىٰ أن تتحول إلىٰ نزلة موسمية[(*)]؛ وعليه ستعود الحياة أفضل مما كانت بفضل التقدم العلمي وارتقاء التكنولوجيا الحديثة.. وإيجاد لقاح دون أعراض جانبية مزعجة، وهذا يتطلب مِن الأنسان في كافة مناحِ الحياة الاستعداد الجيد بل الممتاز لما سيأتي..
.. ومن هذه الأمور الهامة «وضع» المسلمين و«حالهم» في القارة الأوروبية؛ والحفاظ علىٰ مكتسباتهم وتغيّر الصورة النمطية عنهم وإحسان أداء دورهم في كافة المجالات؛ خاصة ونحن على وشك قدوم الجيل الرابع مع القيام بواجباتهم كاملة سواء مَن يحمل جنسية دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وبالتالي تنازل عن طيب خاطر عن جنسيته الأم، أو لجأ فتحصل علىٰ أوراق ثبوتية تمكنه مِن البقاء والإقامة والعمل والاستفادة من الخدمات التي تقدم؛ وأخص بالذكر «وضع» المسلمين في جمهورية النمسا عضو الاتحاد الأوروبي..
.. فقد رحبت الدوائر الحكومية بالوافد المسلم ذي الانتماءات الموالية لتنظيم يرتدي العباءة الإسلامية أو جماعة يكسوها الوشاح الإسلامي حمايةً له من بطش نظم دكتاتورية وايضاً أمثاله مِن عدة تيارات واتجاهات آخرىٰ.. وهذا يعود إلىٰ نهاية الستينات مِن القرن الفائت؛ والترحيب تم مِن دول ذات سمعة استعمارية أمبريالية كالإمبراطورية البريطانية التي غابت عنها شمسها؛ أو الفرنسية؛ والأخيرة ما زالت تفكر في كيفية إصلاح ما أفسده أهل لبنان في بلد فيروز؛ كما بدأت تفكر في تقديم اعتذار رسمي حكومي لما أحدثته في الجزائر؛ وهذا يحتاج بعض الوقت أو كثير من الضغط..
ثم بمرور الوقت تغيّرت الكثير مِن المعطيات علىٰ الأرض الأوروبية وايضاً علىٰ الساحة الإسلامية.. فبُدء منذ زمن يسير أستقبال لاجئين شباب بل صارت دول الشمال قبلتهم؛ وخاصةً وأن الكثير يتحدث عن القارة العجوز؛ والتي تريد أن تجدد شبابها؛ فجاء إشكال أن بعض الأحزاب التي تسعىٰ لكسب ود الطبقة البسيطة مِن الشعب أن خالفت وجهة نظر الحكومة وسياستها؛ سواء في ألمانيا أو النمسا ؛ إيطاليا.. وظهر علىٰ السطح شباب قومي أوروبي -وايضا في أمريكا- يشعر بعلو قامته فقط للون بشرته البيضاء -ليس أكثر- مما دعىٰ قوات الأمن التابعة للداخلية النمساوية -وأيضا الأمريكية- بالقبض علىٰ أمثال هؤلاء.. وكأن الجميع -مَن يعيش في الغرب- يقف علىٰ صفيح ساخن وبمرور الوقت وتجدد الأحداث وزيادة المواقف وتعقيدات الحياة يزداد الصفيح تحت الأقدام سخونة.. ثم عصفت جائحة بالعالم -اقتصادياً؛ علمياً؛ طبياً؛ تعليمياً؛ إجتماعياً- وزادت-الجائحة- من صعوبة الحياة بجوار ما يوجد -اصلاً- من قبل من مشاكل وصعوبات وتعقيدات.. والمنظور أنها ستستمر لأعوام حتىٰ تستقر الأمور:
.. لذا فلابد مِن مبادرة تُعد الأن بدراسة حكيمة للواقع الحالي المعاش ورصد القدرات التي نملكها والامكانيات المتاحة؛ خاصة ونحن نملك قوة بشرية شبابية هائلة من الناحية العلمية أو القدرات مع ملاحظة وجود العديد مِن الهيئات والمؤسسات والاتحادات والمنظمات الرعوية؛ إما بصفة عامة أو رعاية شؤون خاصة أو لفئة معينة مِن مَن يتواجد علىٰ الأرض الأورُبية..
منها علىٰ سبيل المثال وليس الحصر:
1 . ] IGGÖ - Islamische Glaubensgemeinschaft in Österreich وقد أُنشأت في النمسا عام 1979م بناءً علىٰ تفعيل قرار إمبراطوري صدر في أغسطس 1912م؛ وهي تعتبر الممثل الشرعي للمسلمين أمام الدولة الحكومة بوزاراتها السيادية والخدمية، والأصل أن يقف خلفها الآلاف من الأعضاء المسجلين.. ثم فَتَّ في عضد التجمع الإسلامي تحت خيمة واحدة الوهن والضعف والانكسار والتقسيم؛ والبحث عن المصالح وتنفيذ أجندات خارجية؛ وكأنه عن عمد غُيّبت الهيئة الإسلامية -IGGÖ- عن عدة مشاهد أو تراجعت هي عن متابعة عدة أحداث ولعل هذه الظواهر -إفتعال إنشاء وخلق وتكوين هيئات موازية ومؤسسات وتجمعات وتنظيمات- بدأت منذ مطلع الثمانينات مِن القرن الماضي؛ وبدء الشجار الفعلي والمناكفات بين تيار وآخر بعد إنتهاء حج عام 1990م [أغسطس] مصلىٰ الصحابة وقبل هذا المسمى كان اسم المصلىٰ :"اتحاد الطلبة المسلمين".. أوجده عنصر مِن جماعة الإخوان؛ فرع مِصر.. ثم توالت الإنشطارات والإنقسامات.. والحي السابع كان مسرح لكل تلك العمليات -Lindengasse- وهذا ما تجده اليوم [مارس 2021م]؛ فاليوم تجد العديد من المنظمات (التجمعات) تحت عباء إسلامية أو ما تسمى بالمصليات الأهلية:
Islamische Alevitische Glaubensgemeinschaft (IAGÖ/ALEVI) wurde 2013 eine weitere Religionsgemeinschaft offiziell anerkannt.
2 . ] وأنشأت الهيئة العَلوية عام 2013م لتناطحها
وقبلها رافقها العديد من إنشاء:
3 . ] التجمعات أو تكوين المنظمات ذات الوشاح الإسلامي.
4 . ] وفتحت المصليات الأهلية ذات الصبغة المذهبية أو وفق الهوية أو تبعاً للإنتماء لدولة بعينها أو ايديولوجية
و
5 . ] في عام 2005م وجد المجلس التنسيقي للهيئات والجمعيات والمصليات.
أضف إلىٰ هذا كله وجود :
6 . ] الاتحادات والتجمعات ذات الميول القومية أو الوطنية أو الأيديولوجية؛ أو
7 . ] المنظمات التي تدعي رعاية شؤون المرأة وتتابع حالات تعثر الحياة الزوجية أو الطلاق؛ أو
7 . 1 . ] منظمة شبابية(!؟)
8.] مؤسسة إغاثية كالهلال الذهبي[(1)] -مثلاً: أنشأه الدكاترة : محمد فريد سليمان؛ ومحمد سليم، وعاطف الشهاوي رحمهم الله تعالى جميعاً؛ وتولىٰ أمانته الرمادي- أو
8. 1.] مؤسسات إغاثية : فلسطينية؛ عراقية؛ سورية. ثم وجد:
9.] كيان تعليمي تربوي أكاديمي،
10.] هيئة/مؤسسة دولية لحوار الأديان ثم أغلقت!. يرافق الجميع منصات تحمل :
11.] رسالة إعلامية كوسائل اتصال إعلامية(!؟)؛ ولكي تكتمل الدائرة وجد ايضاً :
12.] مَن يمارس الدجل الديني بين السذج(!؟)
ثم أنتقل إلىٰ مجال آخر له أرتباط وثيق بالهيئة وأعني:
13.] العيادات الطبية علىٰ مختلف تخصصاتها والمستشفيات والصيدليات.. كذا أيضا مكاتب الهندسة والمحاماة والأشغال بأنواعها ومحلات الصياغة؛
14.] الخدمات السوقية : كالبقال واللحام وأشباههما؛ وأخيرا وليس آخراً :
15.] البعثات الدبلوماسية المعتمدة سواء علىٰ مستوىٰ سفير لدولته أو قنصل عام أو ملحق ثقافي أو تجاري..
..هذا التواجد الحي بين كل ما سبق ذكره وتنظيمه والتفاعل معه يعود لصلاحيات الهيئة -IGGÖ- والدور المنوط بها؛ فهي المخولة -رسمياً- للقيام بهذا الدور والإضطلاع بأعباءه..
.. الظاهر للعيان أنه علىٰ الساحة؛ سواء الإسلامية أو القومية/الوطنية أو الخدمية -لأعضاء بلد المنشأ- توجد جميع بالفعل كافة الطوائف والجماعات والتكتلات والأحزاب والتنظيمات والهيئات والمؤسسات..
فاختلط الحابل بالنابل.. ولم تتحقق الأهداف التي مِن أجلها وجدت أو خلقت أو أفتعل إنشائها لتلك الهيئات أو المؤسسات أو الجمعيات والاتحادات.
وبحث عناصر الاخفاق واسباب الفشل يحتاج لدراسة معمقة سواء مِن حيث الدستور الأساسي -إن وجد لتلك المؤسسات والتجمعات دستور أو قانون ملزم- أو مِن حيث صلاحية أو فاعلية ودرجة وعي القائمين عليها وما أكثرهم.. أو قدراتهم -أي الهيكل الإداري؛ إن وجدت إنتخابات-!
كما وأن عرض الزوايا المضيئة في مسيرة الهيئة-IGGÖ- يجب أن تنير الطريق أمام الأجيال القادمة؛ وهذا لما اراه مِن مرور ما يزيد عن نصف قرن [أكثر مِن خمسين] عاماً علىٰ التواجد الحي والمؤثر لمسلمين بعد الحرب العالمية الثانية؛ بدءً من تواجد عمال أتراك لأعادة بناء أوروبا الحديثة الحالية وفقاً لمشروع "مارشال" الأمريكي.. فقد كان صرح البناء على أكتافهم.. وهذه السنون وتلك الأعوام ينبغي بل يجب أن تُؤَرخ كتاريخ حديث لهذا التواجد المشرق الإسلامي علىٰ أرض القارة الأوروبية.. لاستشراف المستقبل والعمل علىٰ تحسينه؛ إذ أن ما يقرب مِن مليون مسلم متواجد الأن في النمسا؛ والقدرة الإنجابية والخصوبة لديهم عالية!؛ اضف ما يقترب من خمسة ملايين في ألمانيا ومثلهم في فرنسا
.. لا يستطيع المرء أن يُحمل -IGGÖ- مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المسلمين أو حالهم الراهن ونحن في الربع الأول مِن العام 2021م.. وإن كان لها -IGGÖ- الضلع الأكبر في رعاية شؤونهم وهي تحمل عمود الخيمة كغطاء شرعي لهم.. إلا انه يجاورها العديد من المؤسسات ويرافقها انتماءات آخرىٰ وتنافسها هويات متعددة وتمنعها ولاءات لا تستطيع التحكم فيها؛ وتواد اشباه رجال في موضع المسؤولية.. وإن كان ينبغي بل يجب المحاولة.
الدستور الأساسي النمساوي -كمثال في أوروبا- يعطي الحق لأي شخص في إنشاء كيان ما تحت أي مسمىٰ علىٰ الأراضي النمساوية.
الواقع الحالي المعاش:
ما قام به شاب مسلم في بداية نوفمبر م2019 وقتل [4] أشخاص لا يعرفهم كما جرح ما يقترب من [25] شخصاً؛ ثم ما قامت به جماعة من الشباب المسلمين في الخامس من الشهر الحالي -مارس2021م- باقتحام آحد مساجد الحي العشرين- واحتجاز رهائن لمدة ثلاث ساعات...
وهذا ما ظهر علىٰ سطح الأحداث؛ وما خُفي كان أعظم- وقبل تلك الحادثتين الشاب الذي حرق جواز سفره في تركيا ثم قُتل تخرج من مصلىٰ الصحابة بالحي السابع؛ والشابة زوجته تشير معلومات غير موثقه أن لها علاقة بمسجد الهداية وهناك [17] شاباً تغيبوا عن بيوتهم.. ويظن أنهم انضموا للتنظيم الإرهابي المختصر إعلاميا داعش..
.. هذا وأمور آخرىٰ -وكأن محدثكم في فمه ماء- تُلزم الهيئة الإسلامية المعتمدة -IGGÖ-؛ وهي علىٰ أعلىٰ قمة التجمع الإسلامي.. كما يلزم السادة أئمة المساجد؛ وهم مَن يباشرون العمل مع المصلين.. أن تقوم بدورها المنوط بها يشاركها السادة ائمة المساجد..
.. إذن على قمة التجمع الإسلامي -IGGÖ- كهيئة رسمية معتمدة من قبل الحكومة.. وهذه القمة والقاعدة -أئمة المساجد؛ وخطباء المنابر- وهم مَن يمارس الخطاب الديني بأنواعه واشكاله يتعاونا معا في إيجاد مبادرة لتصحيح الوضع!.
و التصور المبدئي:
1.] رسم صورة كاملة عن تواجد المسلمين -مِن الناحية التعبدية وآداء الشعائر والقيام بالمناسك.. فــ منذ زمن يزيد عن خمسين عاماً كانت هناك غرفة صغيرة -مصلىٰ- في بيت الطلبة أفروآسيوي؛ بالحي التاسع؛ والبيت يتبع الكنيسة.. مصلىٰ واحد ثم توالت ففتحت المصليات وعلىٰ أختلاف توجهاتها وانتماءتها وهويتها ومذاهبها.. إذ أن الأصل في الهيئة الإسلامية-IGGÖ- أنها الغطاء الشرعي لكل مَن ينتمي إلىٰ الإسلام بعباءته الفضفاضة وفسطاطه الواسع الكبير..
وبالطبع التعاون والمشاركة مع الهيئات الآخرىٰ الرسمية التي اعتمدتها الدولة النمساوية
2.] رصد[(2)] المصليات والأحزاب والتجمعات والجماعات العاملة علىٰ الساحة: سواء أكانت صوفية أو سلفية أو جهادية أو ايديولوجية..
والأصل أن عامل اللُغة لا يعتبر عائقا في التواصل والتعاون والمشاركة..
3.] رصد الاتحادات القومية والوطنية والنسوية؛
4.] رصد الاتحادات المهنية ؛
5.] لعل الشاغل الأول للدولة النمساوية وحكوماتها المتعاقبة هو مراقبة مع رصد المصليات وما يقدم خلال الخطاب الجماهيري يوم الجمعة.. وهذا أحيانا كثير خارج السيطرة؛ وهذه الجزيئة تعود للبنية الفكرية لهذا الخطيب أو ذاك الإمام.. أما مدرسو الدين الإسلامي في المدارس الحكومية الرسمية فلهم منهاج تربوي تعليمي موضوع من جهة الهيئة وتراجعه إدارة المدرسة يسيرون عليه ويدرسونه؛ الإشكال في مدارس المصليات والمدارس الأهلية.
ومن هنا تأتي ضرورة الإهتمام البالغ بأئمة المساجد -الحاليين والذين يقدمون خطبة جمعة بغض الطرف عن انتماءتهم وهويتهم وتمويلهم المالي- والإهتمام بمدرسات ومدرسين اللغة العربية أو ما يطلق عليه المدرسة القرآنية..
لذا فلنبدء بهم علىٰ ما هم عليه من حال(!)
[ 1 . ] الجزء الأول «أئمة المساجد»..

ويليه الجزء الثاني!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(*)] فيروس "سارس-كوف-2" .. تشير دراسة نشرتها دورية (Frontiers in Public Health)، "الثلاثاء"، 15 سبتمبر 2020، إلىٰ أن مرض "كوفيد-19" الناتج عن فيروس "سارس-كوف-2" سيتحول أيضًا إلىٰ مرض موسمي في الدول ذات المناخ المعتدل، وذلك بعد بلوغ مرحلة مناعة القطيع.
وحتىٰ ذلك الحين، فإن "كوفيد-19" سينتشر عبر الفصول المختلفة مِن العام، وهو ما يؤكد ضرورة اتباع الإجراءات الاحترازية للحفاظ علىٰ الصحة العامة، من أجل السيطرة علىٰ انتشار الفيروس.
من جهته، يحذر "حسن زاراكت" -الأستاذ المساعد في قسم علم الفيروسات بالجامعة الأمريكية ببيروت، والمشرف على الدراسة- من أن "كوفيد-19 لا يزال موجودًا، وسيتسبب في موجات أخرىٰ على مدار العام حتىٰ نصل إلىٰ مناعة القطيع".
يقول "زاراكت" في تصريحات لـه: "يجب أن يتعلم الناس كيفية التعايش مع المرض من خلال ممارسة أفضل الإجراءات الاحترازية الممكنة، المتضمنة : ارتداء أقنعة الوجه ؛ والتباعد الجسدي ؛ ونظافة اليدين ؛ وتفادي التجمعات.
يقول "هادي ياسين" -الأستاذ المساعد بقسم الأمراض المُعدية بجامعة قطر، والباحث المشارك في الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: بقاء الفيروس في الهواء وعلىٰ الأسطح واحتمال تعرُّض الأشخاص للعدوىٰ وسلوكيات البشر مثل التزاحم في الأماكن المغلقة، يختلف عبر المواسم بسبب تغيُّر درجات الحرارة ومعدلات الرطوبة. وهذه العوامل تؤثر في انتقال فيروسات الجهاز التنفسي في أوقات مختلفة من العام.
ولكن بالمقارنة بفيروسات الجهاز التنفسي الأخرىٰ كالإنفلونزا، يتسم "كوفيد-19" بمعدل مرتفع في الانتشار، علىٰ الأقل عند سريانه داخل المجتمعات دون اكتساب مناعة القطيع.
يقول "زاراكت": معنى ذلك أن العوامل التي تتحكم في موسمية الفيروسات ليس بإمكانها حتىٰ الآن وقف انتشار "كوفيد-19" في شهور الصيف، بخلاف ما يحدث بالنسبة للإنفلونزا وفيروسات الجهاز التنفسي الأخرىٰ. وبمجرد تحقُّق مناعة القطيع من خلال العدوىٰ الطبيعية والتطعيمات، يُفترض أن ينخفض بشدة معدل انتقال المرض ليصبح متأثرًا بالعوامل الموسمية. وقد سبق لبعض فيروسات كورونا التي ظهرت حديثًا مثل فيروس كورونا البشري المعروف بـ(NL63)، وفيروس كورونا البشري المعروف بـ(HKU1)، أن أصبحت موسميةً مثل الإنفلونزا.
توضح الدراسة أنه "بالرغم من الكم الهائل من الأبحاث التي أُجريت حول كوفيد-19، إلا أن هناك جوانب غامضة تحيط به، وسيتبين في المستقبل صدق توقعات الدراسة من عدمه بأن يتحول إلىٰ فيروس موسمي مثل فيروسات كورونا الأخرىٰ".
يقول "ياسين": "إن أعلىٰ معدلات الإصابة بكوفيد-19 للفرد علىٰ مستوى العالم تم تسجيلها في دول الخليج، بصرف النظر عن موسم الصيف الساخن. ورغم أن ذلك يرجع -إلىٰ حدٍّ كبير- إلىٰ سرعة تكاثر الفيروس في الأماكن المغلقة، إلا أنه يؤكد الحاجة إلىٰ تدابير رقابية صارمة حتىٰ تتحقق مناعة القطيع".
بدوره، يقول "زاراكت" في تصريحاته: " توقعاتنا تربط بين زيادة مناعة السكان وتراجُع معدل انتشار الفيروس، ليصبح انتقاله مشروطًا بالعوامل البيئية التي تحد منه في الشهور الحارة والرطبة. وفى المقابل، سيمثل الشتاء بيئةً جيدةً لانتشاره، ويعتمد الوصول إلىٰ مناعة القطيع علىٰ انتشار اللقاح، الذي سيختلف من بلدٍ إلىٰ آخر وفق النسبة المئوية للسكان الذين سيحصلون عليه، أو وفق انتشار الفيروس.
يُذكر أن منظمة الصحة العالمية قد أطلقت مبادرة "كوفاكس"، وهي مبادرة عالمية ترمي إلىٰ العمل مع مصنِّعي اللقاحات من أجل تمكين البلدان في مختلِف أنحاء العالم من الحصول علىٰ لقاحات مأمونة وفعالة بشكل منصف بمجرد ترخيصها واعتمادها؛ إذ تتوافر لمبادرة "كوفاكس" حاليًّا أكبر محفظة من اللقاحات المضادة لمرض كوفيد-19 وأكثرها تنوعًا في العالم، من ضمنها تسعة لقاحات مرشحة وتسعة لقاحات أخرىٰ في طور التقييم، بالتزامن مع محادثات جارية مع منتجي لقاحات رئيسيين آخرين، وتستهدف المبادرة توزيع جرعات اللقاح علىٰ نحو 20% من سكان العالم بنهاية عام 2021. [هبه حسين؛ 15 سبتمبر 2020م]
[(1)] قد أحتاج لتوثيق هذا الملف بعض الوثائق مِن مكتب الدكتور الوالد / محمدفريد سليمان - تغمده الله تعالىٰ برحمته وعظيم رضوانه- مِن السيدة الأخت الحاجة أرملة المغفور له بإذن ربه!
[(2)] ليس المقصود مراقبة حركاتها بل قصد الكاتب استخدام طرق علمية لمعرفتها وتأريخها وإحصاء عددها وكتابتها في السِّجلّ الخاص بها ومعرفة مواقعها ومَن هم أعضاء إدارتها وعدد الرواد لها وتهيئتها وإعدادها لتقوم بواجبها الذي وجدت مِن أجله وفق دستورها الأساسي؛ ومساعدتها في تحقيق أهدافها؛ وبناءً علىٰ ما سبق نوجد مركز لتوثيق تلك المعلومات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ 5 ] محاولة لفهم واقع التجمع العربي/الإسلامي في الغرب؛ النمسا مثالاً! ورقة بحثية أولية؛ مِن باب الدراسة حسب ما توفر عندي مِن معلومات!
„»محاولة إعادة بناء الخارطة الفكرية؛ يلازمها القيام بعملية نقد للذات جذرية‟ . «
ورقةٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
17 مارس 2021م
الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.

رواية : الرجل المشرقي(*)

(*) ما أقُصُه مِن خلال كتابتي لهذه الرواية - آحدىٰ ورقات كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات - يمتزج فيها الخيال بالواقع؛ ويتعانق فيه الرجاء بالمفقود ويختلط فيه الوهم بالحقيقة وتتبعثر حولها أحلام تحقق منها الشئ النزير وعند الاستيقاظ من غفلة النوم وسرد الأحلام يضيع منها الكثير الكثير. بيد أن هذه الرواية تبقى صحيحة -في أحداثها ومواقفها وجزئياتها- علىٰ ذمة ما رواه لي رفيقي؛ فقد روىٰ لي في عدة جلسات إثناء سفرنا معا أو ساعات تجوالنا أو وقت تناول غذاءنا أو إثناء مذاكرتنا. فهي - روايته- تحمل بين طياتها تأريخ لفئة من جيل ولد في الخمسينات من القرن الفائت في الدقيقة الآخيرة من الحكم المَلكي للعائلة العلوية ذات الجذور الألبانية وتدحرج إلىٰ مرحلة الطفولة في الستينات ووعىٰ علىٰ الدنيا زمن حكم الزعيم جمال عبدالناصر حين ولج هذا الجيل لمرحلة الشباب.. ثم تعاقب عليه حكم رجال الجيش مرورا برجل العلم والإيمان ثم برجل كانت نهايته مؤلمة حين طُرد مِن منصب حاكم البلاد والعباد؛ واللافت للنظر أن في هذا الإسبوع - منتصف مارس 2021م- يرفع الاتحاد الأوروبي منع عائلته من السفر وبعض رموز حكمه.. ثم التعايش بصورة ما مع الصحوة الإسلامية.. إيجابا مع حزب أو نفورا من جماعة ولعل تلك الازدواجية متعددة الأطراف ومتنوعة المشارب بين خليط غير متجانس أوجد أمامنا هذا النموذج من جيل قارب على الانقراض أو كاد..
ما أكتبه روايةً ويصدر مني.. فاسطره بقلمي.. محاولةً مِن كاتب يسردها مِن خلال روايةٍ قصصية -معايشة- يمزج فيها الواقع المنظور والمعاش في الغرب؛ خاصة جمهورية النمسا والتي يرويها الدانوب الأزرق، فتزهر.. ثم تمطر السماء فينبت العشب فوق الجبال ويكسو اللون الأخضر الزاهي التلال.. هذه محاولة مِن الكاتب يمزج واقع غربي ويخالطه مع تلك الحقائق الواقعة علىٰ أرض يخترقها النيل الفضي منذ آلاف السنين فتظل البقعة الصفراء كما هي لم تتلاشَ بعد أو تنقص..
محاولة الكاتب -هذه- يمزج فيها بين الحقيقة وبين الوهم أو بين الخيال وبين الواقع في علاج قضية التواجد العربي/الإسلامي في الغرب الديموقراطي والذي يعلوه سحابة تدين نصراني؛ ومسحة كهنوتية تريح البعض وتزعج آخرين..
يحلو للكاتب ويروق له استحضار نموذج : ﴿ „»الشَاب الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ «‟﴾ ظناً منه.. أنه المؤهل الوحيد لهذا الدور.. وفي نفس اللحظة لا يقلل مِن محاولات الآخرين.. أو من شأنهم.. ونجاحاتهم ..
ولعل إنتماء رفيق الكاتب وهويته وكينونته وسنوات طفولته الأُولىٰ وزمن صباه ومطلع شبابه فوق ثغر الإكسندر المقدوني؛ ومهندسه [دينو قراطيس] .. ثم بعد سنوات لا تحصىٰ [تمَّ لعمرو بن العاص الاستيلاء علىٰ مصر بسقوط الإسكندريَّة في يده سنة 21 هـ المُوافقة لِسنة 642م.] .. ذلك الثغر المطل علىٰ بحيرة متوسطية.. شاطئُها الجنوبي يغسل شَعر القارة الأفريقية صباحَ مساء والآخر ينعش القارة الأوربية شتاءً وصيفاً.. لعل كل هذا وروافد آخرىٰ شاركت دون قصد في تكوين شخصية بطل هذه الرواية..
أرجو أن أعالج قضيته من خلال نسيج روائي هادف وليس مقالات جافة وبحوث مملة!..

أحداث هذه الرواية وقعت بالفعل وامتزجت دموع رفيقي بدموع ﴿«‟ELLE„»﴾ واسمها الحقيقي : ﴿«‟Elfriede „»﴾ : واختلطت دماؤه بدمائها في مشهد درامي لم تسجله عدستي بل حفظته عدسة قرنية عين رفيقي حين صممت أن تجرح اصبعها بدبوس شعرها الذهبي وايضا طرف اصبعه لتختلط الدماء ببعضها البعض فتصير له أبد الأبدين ويصبح لها زمن الدهرين -الدنيا والآخرة- ولن استبق الأحداث .. بل نبدء معاً في السماع!
--*- *-
الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ؛ ثم الْمِصْرِيُّ؛ مُحَمَّدُ الرَّمَادِيُّ؛ ﴿ نَزِيلُ فيَّنا ﴾
-**-
حُرِّرَ في يوم السبت : ٣٠ رجب ١٤٤٢ من هجرة سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين الْهِجْرِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ ~ الموافق 13 مِن شهر مارس عام ٢٠٢١ من الميلاد العجيب للسيد المسيح ابن مريم العذراء البتول -عليهما السلام-.
*
آحدىٰ ورقات كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
-*-*-*-*-
﴿„». «‟ELLE * «‟Elfriede „»﴾
** ** ** **
المشهد الأول: [ ١ . ] « „ المرأةِ الأفرنجيّة ‟ »
..
هي : ﴿« „ Elfriede ‟ » ﴾ تحسنُ بجدارةٍ لا نظير لها بين بنات جنسها وبين بنات حواء وفق التاريخ المقروء عبر الأعصار ومرور الدهور.. تحسن دور المرأة الأفرنجيّة.. ولا شبيه لها بين نساء العرب مرورا بعصر جاهليتهم أو زمن الجواري والمغنيات أو عصر زوجات الخلفاء القادمات من بلاد الفرنجة وملكات القصور أو بين نساء العجم حين يطوف الرجل بين وديان بلاد الهند والسند أو ما وراء سور الصين العظيم أو بين نساء الغرب في عصور الإمبراطوريات أو العصر الحديث وفق ما يشاهده المرء علىٰ الشاشة الفضية أو ما سجله التاريخ المكتوب أو المسموع أو المشاهد..
كانت : ﴿«‟Elfriede „»﴾ تحسنُ بجدارةٍ منقطعة النظير أنْ تلعبَ دورَ المرأةِ الأفرنجية قِبَالَهُ.. ومنذ اللحظة الأولىٰ حين رأها تسير في صالة المطعم الكبير خارجة منها.. وعلىٰ عجل..
.. فهي افرنجيةٌ في مشيتها.. وفي حركتها.. وفي التفاتتها.. وحين تسعىٰ لتمر بين مقعد وآخر؛ فقد كانت جالسة علىٰ طاولة في بداية صالة الطعام وهو تقريباً في منتصفها.. ورمقها مِن خلال نظراتها المنبعثة من خلف قصة شعر ذهبية سُدلت علىٰ جبهتها -عفواً ودون قصد- وكأنها تنظر من علو لرعيتها.. هي إمبراطورية مِن العصر الحديث.. حين انتهىٰ عصر الإمبراطوريات القديم واندثر عصر ملكات ذاك الزمان وساسة العباد والمتحكمات في البلاد.. وغاب عن النظر أميرات القصور في خدورهن.. وغابت نساء الطبقة العليا في مجتمعات الغرب أو الشرق.. بملابسهن الزاهية وتسريحات شعورهن.. وطيب عطورهن ومسحات تجميل سماوية فوق خدود وردية.. كهبة الإله لآحدىٰ مخلوقاته رضا منه!
رفيقي يقصُ عليَّ.. وبعد أن تعارف عليها.. يقول : كانت افرنجيّة عند قدومها بخطوات ثابتة لمقابلته.. تعلوها ابتسامة فرح اللقاء وتغمرها بشاشة سعادة لمس اليد في تحية الصباح أو بعد الظهيرة.. أو عند أنتظاره قليلاً في محطة القطارات؛ والتي لم يجرؤ قطار أن يتأخر لحيظة عند دخوله محطته ورفيقي يقف على رصيف الانتظار.. أو محطة مترو الأنفاق والتي يسارع عطرها سرعة المترو لتخبره أنها قادمة.. أو الأوتوبيس وكأنه يسير بقوة نبض قلبها وليس بالمازوت أو الغاز حماية للبيئةوحفظا للبشرية.. تأتيه كي تصاحبه سفراً مِن مدينته إلىٰ مدينتها.. فهي لا تريد أن يضيع الوقت في زحمة الانتظار..
وكانت أفرنجيّة عند وقوفها أمامه.. وكأنها ترغب أن ينتبه لفستانها.. والذي ارتده ليعجبه.. أو ينظر بتمعن لقوامها الممشوق ليحسن التغزل في جمالها.. أو شنطة يدها.. وقد خبأت شيئا ما لتقدمه له لتحلية فمه.. أو حتى جوربها وتناسقه مع لون هندامها ولون حذائها.. أو .. عند تحيتها له سواء بإمائة رأس أو جذع أو لمسة يد أو ذراع أو همسة كمذاق العسل فوق آحدىٰ أذنيه.. أو .. عند السير بجواره متأبطة ذراعه تصطدم به فتهز كتفه بكتفها عمدا خلال المسير أو لتعلو خطوتها فوق رصيف شارع أو الهبوط إلىٰ درج قطار.. أو.. عند الجلوس بجواره علىٰ طاولة في مقهىٰ من أرقىٰ مقاهي فيينا الشهيرة أو المقهىٰ العتيق في مدينة سالزبورج أو مدينة جراتس ..
.. كانت أفرنجيّة عند الحديث معه.. وعند إلقاء كلماتها عند أذنه بإنحنائها لتسمعه هو فقط عذب الحروف التي غمستها في رحيق عسل شفتيها أو أمررتها فوق شهد مخلوط بكلماتها.. وكيفية نطق حروف مقاطع جملها خاصة حين تستعين بلفظة فرنسية .. أو عند جلوسها في زاوية مقهىٰ أو مطعم تخبره عن تاريخ هذا المطعم أو المقهىٰ.. وحين تستعرض أمامه فستاناً جديداً ابتاعته تواً : وكيف هو مناسب تماماً لقوامها.. ولرشاقتها.. وكيف هو قطعة مِن جسدها وجُسِّم فوق لحمها كطبقة اصلية من جلدها.. فالناظر -وهي تُعجب بنظرات غيره: سواء مِن أمثالها مِن النساء أو الرجال- الناظر لا يجد قطعة دهن زائدة أو شريحة سمن في جسدها الرشيق وقوامها الفارغ؛ وإن كان هنا وهناك توجد معامل تصليح الجسد أو ما يسمىٰ التجميل الصناعي يحشىٰ بدهون في مناطق بعينها كالأرداف أو البطون.. أو الصناعة الصينية كقطعة ملابس بلاستيكية تُدَوِر مقعدة النساء أو تكبر صدورهن..
.. كانت أفرنجيّة حتىٰ في ارتداء حذاء لها سواء كانت الدنيا في فصل الصيف أو الشتاء أو الخريف أو الربيع..
.. هي أفرنجيّة.. هي إمبراطورية بذاتها.. إمبراطورة خلعت تاج المُلك وتقبعت تاج الحسن والجمال والدلال.. وعلىٰ رأسها تاج مِن الذهب المصفىٰ الخالص.. شعرها الذهبي..
.. هي نشأت في وسط الجمهوريّة النمساويّة.. وهي كما كانت لها مجد ومُلك .. إمبراطورية وملكية!
.. رفيقي أُعجب بها منذ اللحظة الأولىٰ التي قابلها منفردة في صالة المطعم الكبير.. ولعله لاحظ قليلاً مِن علامات الحزن تعلو جبهتها أو شحوب في مقاطع وجهها.. أو فوق خديها..
.. وأَرجعَ -رفيقي- هذا ولعله يعود إلىٰ وعثاء السفر وطول المسافة وقلة وقت النوم والراحة..
.. رفيقي أراد محادثتها.. وبسرعة وبعجلة ملفتة لمن حوله انهىٰ تناول طعامه.. وصحنه ما زال فيه الكثير مِن بقايا الطعام.. وقام مسرعا ليتقدم ناحية الباب الكبير كي يبدء في محادثتها أو إلقاء التحية عليها .. فلم يجدها..
.. أختفت عن عينيه آخر امبراطورة تعيش معه في الزمن الحديث وآخر ملكة من ملكات القصور.. وأميرات الخدور .. وكانت الوجبة التي تناولها وجبة عشاء...
فأين يا تُرىٰ ذهبت الملكة!؟..
وأين يا ترىٰ قادت قدميها عيني إمبراطورية آخر الزمان!
..
.. ورفيقي حين يعجب بامرأة فهو كالصياد لا يطيق صبراً حتىٰ يقع صيده في شبكته.. فيستريح قلبه وتهدأ نفسه وتقر عينه سرورا وفرحاً..
.. إنه -رفيقي- آدم الصغير.. اعتاد كاسلافه من أمثاله علىٰ نوبات الكر واعتاد كجدوده علىٰ حالات الفر فهو يحسن غَزْل الشباك وإحكام المصيدة وإحسان القبض علىٰ الصيد والتحكم في قيده كي لا يفر منه صيده الثمين!.
.. حكىٰ -رفيقي- لنفسه بصوت شبه مسموع وهو يقف في بهو المطعم الكبير حائراً .. يقول: " لعل صيدي يستريح مِن عناء سفره ".. و -كما ظن هو- عنده محاولة في فطور صباح الغد!.. وكأنه يمني نفسه بأن ما زال كل شئ علىٰ ما يرام وأن الصيد لم يفلت مِن يده بَعد!
.. هكذا عقلية الرجل ومنذ نعومة أظافره!
.. يلعب بالحصان الخشب حيناً.. أو المصنوع من السكر أحياناً ويلهو به وكأنه في مخيلته الصغيرة يمتطيه ويعدو به عبر الوديان ويخوض به البحار والأنهار فيعلو به هضبة ويهبط به واد.. وإن كان حلوىٰ موسم المَوُلِد وفق التقاليد والأعراف الفاطمية علىٰ أرض الكنانة المِصرية.. فإذا اقترب زمن الموسم مِن الإنتهاء حلىٰ فمه بقطع مِن حصانه فيلتهمها.. ثم يعود للعبِهِ.. فكان عنده سيف يضعه في غمده ويدعي أنه يحمي عشيرته وأهل حَيّهِ.. وكان عنده سيارة -في زمنه- كانت الألعاب مِن الخشب قبل صناعة البلاستيك وقبل الغزو الصيني لأسواق العالم..
.. وهكذا ترىٰ أن الصبي الصغير يتدرب علىٰ الفروسية والمحاربة بالسيف.. ثم يستقل سيارته ليغادر بها إلىٰ مدينة قريبة مِن مدينته.. إنه آدم الصغير!
.. إذن هي امرأة أفرنجيّة في هندامها ومشيتها وتلفتها وحديثها ومداعبتها له ودلالها.. ولكنه لا يعلم لها اسماً.. ولا يعلم لها رقمَ غرفةٍ.. وإن سهل عليه معرفة رقم الغرفة إذ غالباً توضع علىٰ طاولة تناول الطعام رقم غرفة النزيل ليحسن معرفة مكان مقعده.. ولكن الوقت مبكر ولعلها ستمكث بضعة أيام مثله..
.. كانت هذه الحادثة نهاية نهار يوم السبت.. وهو مازال لم يضع أغراضه في موضعها من دولاب الملابس أو أحذيته سواء للخروج أو الرياضية في مكانها..
في صباح اليوم التالي.. وكأنه نسيَّ صيده فذهب إلىٰ صالة تناول طعام فطوره دون أن ينتبه.. ثم انتهىٰ من الفطور وذهب لغرفته وارتدىٰ ملابس الخروج واراد ان يتعرف علىٰ معالم المدينة الصغيرة التي حلَّ بها ضيفاً لعدة إيام أو زائراً وقد تطول زيارته.. وإثناء سيره وجد كنيسة قديمة.. وكاد يبدء القُداس الصباحي فاراد التعرف علىٰ ما يفعلونه ورؤيتها مِن داخلها.. مِن باب حب الاستطلاع ومعرفة ما عند الآخر مِن ثقافة وعادات وعرف وتقاليد بل أيضاً .. ودين.. وبمجرد أن وضع اقدامه علىٰ مدخل الكنيسة العتيقة وكأن نور السماء بزغ من زاوية يسار الداخل.. فاشاع في المكان بهجة كــ فرحة أعياد الميلاد.. فإذا بها -الأفرنجيّة- تجلس في المقاعد الخلفية.. فما كان منه إلا أنه تقدم وجلس في المقعد الطويل خلفها مباشرة.. إذ أن بجوارها لا يوجد مكان خال.. انتهىٰ القُداس وكان مِن التقليد الكنائيسي المتبع أن يسلم الجار علىٰ جيرانه في مقعده قائلا لهم :
«‟ Friede sei mit dir „.»
وبالرغم من أن رفيقي يحسن لغة منطقة الألب إلا وكأنه لم يسمع بهذه الجملة مِن قبل.. حيَّت -الأفرنجيّة- رفيقتها عن يمينها ثم يسارها ثم استدارت للخلف فوجدته في انتظارها ليسمع لأول مرة صوتها وهي تنشده القول :
„.». السَّلامُ عليكَ(*) «.‟

رفيقي -في حقيقة أمره ومنذ أن وعىٰ علىٰ الدنيا يحسن لعب دور الفتىٰ المشرقي.. سواء في مدينته.. مسقط رأسه المطلة علىٰ البحيرة المتوسطية البيضاء.. أو حين يغادرها إلىٰ بقعة آخرىٰ.. كأنه مبعوث مدينته ورسول بلدته .. ومن ثم فهو الرجل المشرقي هنا أو هناك!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لعله.. فَهَمَ متأخراً لما اسمعته ذات مرة :
" Back To Black"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يليه : المشهد الثاني: [ ٢ ] „»المرأةِ الأفرنجيّة «‟
ورقةٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
مُحَمَّدُالرَّمَادِيُّ
الثلاثاء : ٣٠ رجب ١٤٤٢ هـ ~ 13 مارس 2021 م

إسراء ومعراج ١٤٤٢

أذِّكرىٰ يصلح تذكرها(!؟) .. أم مناسبة يصح الاحتفاء بها(!؟).. أم إعجاز لرسول الهدى والرحمة.. مع التنبيه أن ليس في القضية مِن خلال أحداثها تحدي للبشر.. أم نصوص قرآنية رحمانية تتلىٰ وتقرأ فتفهم فتطبق.. ونصوص نبوية سنية تُثبت قضية الإسراء والتي بأحداثها تبين بوضوح إمامة سيد المرسلين.. وخاتم الأنبياء.. ومتمم المبتعثين لجميع السادة المرسلين على مر الأزمان والسنين.. وتُثبت قضية المعراج؛ فــ بعروجه نتبين القدرة الآلهية حين اراد سبحانه أن يكرم نبيه ثم يكرم أتباعه حين تم تبليغه بصلوات خمسين في اليوم والليلة في بداية التشريع وقبل النسخ إلىٰ خمس!!
لـكقبة أحوال المسلمين -اليوم- ودراسة شؤونهم وتصرفاتهم وأعمالهم فيما بينهم أو مع مَن ليسوا منهم؛ ومعرفة ما آلت إليه أمة تعدادها يزيد عن مليار و 700 مليون إنسان علىٰ وجه المعمورة .. ونحن في بداية النصف الثاني من العام الهجري ١٤٤٢ وقرب إنتهاء الربع الأول من عام 2021 الميلادي.. عند مراقبة ودراسة ومعرفة أحوالهم كأمةٍ نجد أنها فقدت تعريف الأمة وتلاشىٰ مفهوم الكيان الواحد فصارت أمم متفرقة وشيع ومذاهب يحارب بعضها بعضا؛ فيقتل اليمني اليمني ويذبح السوري السوري ويذهب مرتزق تحت شارة تركية ليفجر ليبي؛ بل إن صاحب القضية تحولوا إلى أصحاب منافع كحال القضية الفلسطينية.. وهكذا.. وإن بقى الكل-اسماً- تحت خيمة الإسلام كمسمى وفسطاطه.. ثم.. لا يتبقىٰ أمام افراد هذه الأمة ممزقة الأشلاء إلا : المناسبات الدينية والمواسم الكهنوتية وذِكريات السلف الصالح والتغني بأمجادهم والعودة إلىٰ ماض ولىٰ ومضىٰ لسنا لنا فيه أي دور سلبي أو إيجابي سوىٰ اجتراره.. وانتظار موسم جديد يهل علينا يليه مناسبة.. أو ذِّكرىٰ تعقبها ذِّكرىٰ.. وياليتنا تمثلنا بالآية الكريمة التي تقول :" فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴿ق: ٤٥﴾؛ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴿الأعلى: ٩﴾؛ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ﴿الغاشية: ٢١﴾".. ثم ونحن إثناء جائحة فيروس -وما زالت جاثمة علىٰ الصدور والعقول- أذلت العالم أجمع.. مر شهر الصيام في العام المنصرم ومرت مناسك الحج والعمرة كما تعلمون جيداً وترون.. ويوشك أن يكون رمضان لهذا العام [١٤٤٢] شبيه بأخيه اليتيم السابق.. ولعل مناسك الحج والعمرة ستكون أشبه بمناسك عام الحزن الفائت.. ولا يشك عاقل أو يتردد فاهم لما يجري علىٰ الساحة التي كانت تسمىٰ « عربية » فصارت منطقة الشرق الأوسط أو الساحة التي كانت تسمىٰ « إسلامية » مِن منطلق مفهوم الكيان التنفيذي لمجموعة المبادئ وكتلة القيم وحزمة المقاييس والقناعات الإسلامية فتحولت إلىٰ كيانات كرتونية لا تملك لـ أمرها نفعاً ولا ضراً...
.. بعد ثلاثة ايام ستهل علىٰ أمة ضاعت هويتها وفقدت أنتمائها .. وقامت تقلد غيرها من الأمم والشعوب..
.. اقول ستهل مناسبة.. ذِّكرىٰ الإسراء والمعراج.. فيسارع البعض في أحياء تذكارها كأننا نسيناها أو تناسيناها !..
-*-*-*-*
التَّذكِيرُ الحَثِيث بأنَّه لا يصِحُّ في تحديد تاريخ حادِثة الإسْراء والمِعراج أثرٌ ولا حديث[*]
-*-*-*-*-*
حقيقةً فقد شاع عند كثير مِن المسلمين ــ جمعهم الله -تعالىٰ- علىٰ كلمة التوحيد والعمل بمقتضاها؛ وسدَّدهم -سبحانه- إلىٰ مراضيه ونوال غفرانه ــ: « أنَّ حادثة “الإسْراء والمِعراج” كانت في السابع والعشرين مِن شهر رجب ».. وهذا الاعتقاد(!) لا يُثبِته حديث نبويٌّ صحيح، ولا يُقوِّيه أثرٌ عن أحدٍ مِن أصحاب النَّبي [ﷺ] -رضي الله عنهم أجمعين-، ولا اتَّفق عليه أهل التأريخ والسِّيَر -يرحمهم الله-، ولا ذهب إليه أكثرهم.
فما حقيقة الإسراء والمعراج!
لم يَثبت في تحديد زمَن وقوع حادثة “الإسراء والمعراج” حديث عن النبي [ﷺ].
[1.] اعتاد بعض الناس أن يحتفلوا بموسم يأتي مرةً في العام؛ كبقية المواسم والمناسبات والذِّكريات؛ وهذا في نهار يوم السابع والعشرين من رجب وليلته، وذلك احتفاء بإسرائه ومعراجه [ﷺ] ، جاعلين ذلك مناسبةً لإقامة حفلات الذِكر والدعاء في كل عام مع صنع الأطعمة المختلفة لهذه الذِّكرىٰ.
[2.] ثبتت قضية بشقيها : الإسراء والمعراج وشهرتها في محكم الكتاب الكريم والذِّكر الحكيم والفرقان المبين وشرحت في نصوص السنَّة النبوية المحمدية.. وهذا جانب أساسي في القضية إلا أن هناك جانب آخر منها وهو تحديد وقت واقعة الإسراء وحادثة المعراج باليوم أو الشهر أو السَنَة، هذا الجزء مِن القضية مما اختلف فيه أهل العلم والسِّيَر!..
الكلام عن هذه الحادثة العظيمة، والمعجزة الباهرة، في ثلاثة مباحِث:
المَبْحَث الأوَّل / عن زمَن وقوع حادثة “الإسْراء والمِعراج”، وأنَّه لم يَثبت فيه حديث نبويّ!.
بعض كلام أهل العلم في تأكيد عدم ثبوت ذلك.
1 . ] قال الإمام أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية الحرَّاني الدمشقي المولود سَنة (661هـ) ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “زاد المعاد” (1/ 54): « لم يَقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يُقطع به».اهـ
2 . ] قال العلامة الشريف محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المولود سَنة (1099هـ) ــ رحمه الله ــ في كتابه “التنوير شرح الجامع الصغير” (9/ 303 ــ رقم:7710): « هي ليلة مُعيَّنة، لم يَرد بتعيينها سُنَّة صحيحة».اهـ
3 . ] قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز النَّجدي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (1330هـ) كما في “مجموع فتاويه” (1/ 183): « وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب، ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي [ﷺ] عند أهل العلم بالحديث».اهـ

فـ هل حدث الإسراء والمعراج قبل مبعثه [ﷺ]، أم بعده؟
وكمدخل للإجابة نجد أنه قد اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ في تحديد زمَن وقوعها اختلافـًا كثيرًا.
فــ
قيل:
[ 1 . ] قبل المبعث وهو شاذ [(1)].
وذهب الأكثر إلى أنه
[ 2. ] بعد المبعث، ثم اختلفوا في وقته. فقيل:
[ 2 . 1. ] قبل الهجرة بسنة، وكان [ أ . ] ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، وبه قال النووي [(2)].
[ 2. 2 . ] قال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ويقال كان [ ب . ] في رجب، وقيل [ ج . ] كان في رمضان [(3)].
[ 2 . 3 . ] قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، وكان [ ج . ] في السابع عشر من رمضان [(4)].
[ 2 . 4 . ] قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر [(5)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(1)] فتح الباري (7/203) .
[(2)] شرح صحيح مسلم؛ للنووي (2/209) ، وتفسير ابن كثير (3/22).
[(3)] تفسير البغوي (3/92) .
[(4)] الطبقات الكبرى لابن سعد (1/213) ، وعيون الأثر لابن سيد الناس (1/147) .
[(5)] أوجز السيّر لخير البشر لابن فارس (5) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ 2. 5 . ] قبلها بستة أشهر.
[ 2. 6 . ] قبلها بسنة وشهرين أي [هـ .] في المحرم.
[ 2. 7 . ] قبلها بثمانية أشهر.
[ 2. 8 . ] قبلها بسنة وخمس أشهر، فعلى هذا يكون في [د .] شوال أو في [ ج . ] رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن [ أ .] ربيع الأول 1.
[ 2. 9 . ] ومن الناس من يزعم أن الإسراء والمعراج كان أول جمعة من [ ب . ] رجب ليلة الرغائب التي أحدث فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك [(2)].
وبناءً على ما تقدم من أقوال العلماء فليلة الإسراء والمعراج لم تكن معلومة ولا دليل لمن قال بتحديدها.

أقول(الرمادي): بتتبع الشهور نجد أن القول الأول أنها كانت في شهر :
[ أ .] ربيع الأول؛ وأقسمه إلىٰ ثلاثة أقوال..
الأول منهم:
أنَّها كانت في الثاني عشر مِن شهر ربيع الأوَّل.
حيث قال الحافظ ابن كثير الدمشقي الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (701 هـ) في كتابه “”البداية والنهاية” (3/ 108): وقال أبوبكر بن أبي شيبة:« حدثنا عثمان، عن سعيد بن مِيناء، عن جابر وابن عباس، قالا: « „ وُلد رسول الله [ﷺ] عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر مِن ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات ” » . فيه انقطاع ».اهـ .
والمُنقطع مِن أنواع الحديث الضعيف.
وقال ــ رحمه الله ــ في موضع آخَر (2/ 242):« ورواه ابن أبي شيبة في “مصنفه” عن عفان، عن سعيد بن مِيناء، عن جابر وابن عباس أنَّهما قالا: « „ ولد رسول الله [ﷺ] عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر مِن شهر ربيع الأول، وفيه بُعث، وفيه عُرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات ” ».اهـ
وبالبحث لم تجد هذا الأثر في عِدَّة نُسخ مِن “مصنف ابن أبي شيبة”، ولا تجده في “مسنده”. وقد جاء في الإسناد الأوَّل: “عن عثمان”. وفي الإسناد الثاني: “عن عفان”. وهو الصواب.
وهذا الإسناد مُنقطع كما ذكر الحافظ ابن كثير ــ رحمه الله ــ عقبه؛ لأنَّ عفَّان بن مسلم لم يُدرك التابعي سعيد بن مِيناء.
وقال الحافظ الجوزقاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأباطيل والمناكير والصِّحاح والمشاهير” (1/ 126-127ــ رقم:122):« أخبرنا أبوالفضل محمد بن طاهر بن علي الحافظ، أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد قال: حدثنا عيسى بن علي بن علي بن عيسى إملاء قال: حدثنا أبوالقاسم عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي قال: حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة قال: حدثنا عفان، عن سَليم بن حيَّان، عن سعيد بن مِيناء عن جابر بن عبدالله الأنصاري وعبدالله بن عباس أنَّهما قالا: « „ ولد رسول الله [ﷺ] يوم الفيل، يوم الاثنين الثاني عشر مِن شهر ربيع الأوَّل، وفيه بُعث، وفيه عُرج إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات [ﷺ] ” ».

الثاني منهم:
في ليلة سبع وعشرين مِن شهر ربيع الأوَّل.
وبه قال الإمام المُحدِّث الفقيه اللُّغوي المؤرخ أبو إسحاق الحربي، وأبو الخطَّاب ابن دحية مِن المالكية، والنَّووي مِن الشافعية في أحد أقواله الثلاثة، والقاضي زين الدين ابن المنير الإسكندري المالكي.
فقال أبو الخطَّاب الأندلسي المالكي الشهير بابن دحية الكلبي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (546هـ) في كتابه “الابتهاج في أحاديث المعراج” (ص: 6-7):« وكان الإسراء برسول الله [ﷺ] ليلة سبع وعشرين مِن شهر ربيع الأوَّل، قاله الإمام العالم أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي ».اهـ
أما الثالث من القول الأول: أنَّها كانت في ليلة سبع عشرة مِن شهر ربيع الأوَّل.
ونَسب ابن سيَّد الناس اليَعمري الأندلسي الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (671هـ) في كتابه “عيون الأثر” (1/ 148) هذا القول إلى: عائشة، وأمِّ سلمة، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، مِن الصحابة.
ثُمَّ قال: وهذا هو المشهور.اهـ
وقال شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السَّخاوي المِصري الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (831هـ) كما في كتاب “الأجوبة المرْضية فيما سُئل السَّخاوي عنه مِن الأحاديث النبوية” (2/ 445 ــ سؤال رقم:112):« قد اختُلِف في ليلة الإسراء، فقيل: لسبع عشرة خلت مِن ربيع الأوَّل قبل الهجرة بسَنة، وقيل: ليلة سبع وعشرين مِن ربيع الآخِر، وقيل: ليلة السبت لسبع عشرة خلَت مِن رمضان قبل الهجرة بسَنة ونصف، وقيل غير ذلك، والأوَّل هو المشهور، فقد رُوي عن عائشة، وأمِّ سلمة، وأمِّ هانئ، وابن عمر، وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ.
وقال الحافظ ابن سعد ــ رحمه الله ــ في كتابه “الطبقات الكبرىٰ” (1/ 166):« أخبرنا محمد بن عمرو الأسلمي، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه. قال: وحدثني موسى بن يعقوب الزَّمْعِيّ، عن أبيه، عن جدِّه عن أمِّ سلمة. قال موسى: وحدثني أبو الأسود، عن عائشة. قال محمد بن عمر: وحدثني إسحاق بن حازم، عن وهْب بن كَيْسان، عن أبي مُرَّة مولى عَقيل، عن أمِّ هانىء ابنة أبي طالب. وحدثني عبدالله بن جعفر، عن زكريا بن عمرو، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس. وغيرهم قد حدثني، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: « „ أُسْرِي برسول الله [ﷺ] ليلة سبع عشرة مِن شهر ربيع الأوَّل قبل الهجرة بسَنة، مِن شِعب أبي طالب إلى بيت المقدس… ” ». وإسناده ضعيف جدًا؛ لأنَّه مِن طريق محمد بن عمر بن واقد الواقدي.
وقد قال عنه علي ابن المَدِيني والبخاري ومسلم والنسائي: « متروك الحديث ».
وقال أحمد بن حنبل:« كذاب».
وقال الذهبي:« مجمعٌ على تركه».

ويضاف لهذا القول بــ : أنَّها كانت في شهر ربيع الآخِر.
وبه قال القاضي عياض مِن المالكية، والنَّووي مِن الشافعية في أحد أقواله الثلاثة.

وقول آخر أنها في شهر :
[ ب. ] رجب ؛ ونُسِب هذا القول إلىٰ بعض القُصاص، وبه قال ابن الجوزي؛ وعبدالغني المقدسي مِن الحنابلة، والنَّووي مِن الشافعية في أحد أقواله الثلاثة، وابن خلكان.
وقد ردَّ أو نفى صحة حديث فيه غير واحد من أهل العلم.
ومِمَّن تكلم عنه هؤلاء:
أولًا ــ الفقيه المُحدِّث أبو الخطَّاب الأندلسي المالكي الشهير بابن دحية الكلبي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (546هـ) في كتابه “أداء ما وجب مِن بيان وضْع الوضَّاعِين في رجب” (ص:110) إذ قال: « وذَكَر بعض القُصَّاص أنَّ الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والتجريح عين الكذب».اهـ
وقال في كتابه “الابتهاج في أحاديث المعراج” (ص:9): « وقيل: كان الإسراء في رجب، وفي إسناده رجال معروفون بالكذب». اهـ
وقد نَقل كلامه أيضًا: شهاب الدين أبو شامة المقدسي الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (599هـ) في كتابه “الباعث على إنكار البدع والحوادث” (ص:232)، وابن حجر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (773هـ) في كتابه “تبيين العَجب بما ورد في شهر رجب” (ص:23).
ولم يتعقَّبانه بشيء.
ثانيًا ــ الفقيه علي بن إبراهيم ابن العطَّار الشافعي الدمشقي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (654هـ) في كتابه “حكم صوم رجب وشعبان وما الصواب فيه عند أهل العلم والعِرفان وما أُحدِث فيهما وما يلزمه مِن البدع التي يتعيَّن إزالتها على أهل الإيمان” (ص:34) إذ قال: « وقد ذكر بعضهم أنَّ المِعراج والإسراء كان فيه، ولم يَثبت ذلك».اهـ
ثالثًا ــ الحافظ أبو الفداء إسماعيل ابن كثير القرشي الدمشقي الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (701 هـ) في كتابه “البداية والنهاية” (3/ 108) إذ قال: « وقد أورَد حديثًا لا يصح سَنده، ذكرناه في”فضائل شهر رجب” أنَّ الإسراء كان ليلة السابع والعشرين مِن رجب، والله أعلم ».
ومِن الناس مَن يزعم أنَّ الإسراء كان أول ليلة جمعة مِن شهر رجب، وهى ليلة الرغائب التي أُحدِثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لذلك.اهـ
رابعًا ــ الحافظ أبو الفرج زين الدين عبدالرحمن ابن رجب الحنبلي البغدادي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (737هـ) في كتابه “لطائف المعارف” (ص:177) إذ قال:« ورُوي بإسنادٍ لا يصحّ عن القاسم بن محمد أنَّ الإسراء بالنبي [ﷺ] كان في سابع وعشرين مِن رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربي، وغيره ».اهـ
خامسًا ــ عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز النَّجدي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (1330هـ) كما في “مجموع فتاويه” (4/ 282) إذ قال:« أمَّا ليلة الإسراء والمعراج فالصحيح مِن أقوال أهل العلم أنَّها لا تُعرف، وما ورد في تعيينها مِن الأحاديث فكلها أحاديث ضعيفة لا تصح عن النبي [ﷺ]، ومَن قال:" إنَّها ليلة سبع وعشرين مِن رجب " فقد غلط، لأنَّه ليس معه حُجَّة شرعية تؤيد ذلك».اهـ
وقال أيضًا (1/ 192):« الصحيح مِن أقوال العلماء أنَّها لا تُعرف، وقول مِن قال:" أنَّها ليلة سبع وعشرين مِن رجب"، قولٌ باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة ».اهـ
وقال أيضًا (1/ 183):« وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمِعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب، ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي [ﷺ] عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها ».اهـ
سادسًا ــ محمد بن صالح العثيمين النَّجدي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (1347هـ) كما في “مجموع فتاويه ورسائله” (22/ 280) إذ قال:« يَظن بعض الناس أنَّ الإسراء والمِعراج كان في رجب، في ليلة سبعة وعشرين، وهذا غلط، ولم يصحّ فيه أثَر عن السَّلف أبدًا، حتىٰ إنَّ ابن حزم ــ رحمه الله ــ حكَى الإجماع علىٰ أنَّ الإسراء والمِعراج كان في ربيع الأوَّل، ولكن الخلاف موجود، فلا إجماع، وأهل التاريخ اختلفوا في هذا علىٰ نحو عشرة أقوال، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ: “كلُّ الأحاديث في ذلك ضعيفة منقطعة مختلفة لا يُعوَّل عليها” ».
إذن ليس المِعراج في رجب، وأقرَب ما يكون أنَّه في ربيع.اهـ
وقال أيضًا (20/ 69):« يظنون أنَّها ليلة الإسراء والمِعراج، والواقع أنَّ ذلك لم يَثبت مِن الناحية التاريخية، فلم يَثبت أنَّ النبي [ﷺ] أُسرِي به في تلك الليلة، بل إنَّ الذي يظهر أنَّ المعراج كان في ربيع الأول ».اهـ
وقال أيضًا (22/ 274):« وأمَّا الإسراء والمِعراج الذي اشتهر عند كثير من الناس أو أكثرهم أنَّه في رجب، وفي ليلة السابع والعشرين مِنه، فهذا لا صِحة له إطلاقًا، وأحسن وأظهر الأقوال أنَّ الإسراء والمِعراج كان في ربيع الأوَّل ».اهـ
وقال أيضًا كما في كتاب “نور علىٰ الدرب” (1/ 576):« ثُمَّ إنَّنا نقول أيضًا: إنَّ ليلة المِعراج لم يَثبت مِن حيث التاريخ في أيِّ ليلة هي، بل إنَّ أقرب الأقوال في ذلك ــ على ما في هذا مِن النَّظر ــ أنَّها في ربيع الأوَّل، وليست في رجب، كما هو مشهور عند الناس اليوم، فإذن لم تصحّ ليلة المِعراج التي يزعُم الناس أنَّها ليلة المعراج، وهي ليلة السابع والعشرين مِن شهر رجب، لم تصحّ تاريخيًّا، كما أنَّها لم تصحّ شرعًا ».اهـ

وقول ثالث أنها في شهر :
[ ج. ] رمضان ؛ أنَّها كانت في ليلة السبت لسبع عشرة خلت مِن شهر رمضان.
حيث قال الحافظ ابن سعد ــ رحمه الله ــ في كتابه “الطبقات الكبرى” (1/ 1/ 142-143): أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي بكر بن عبد الله بن سَبْرَة وغيره مِن رجاله، قالوا: « „ كان رسول الله[ﷺ] يسأل ربه أنْ يُريه الجنة والنار، فلما كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت مِن شهر رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا ورسول الله[ﷺ] نائم في بيته ظهرًا أتاه جبريل وميكائيل فقال: انطلق… ” » .. وإسناده ضعيف جدًا، لأنه مِن طريق محمد بن عمر بن واقد الواقدي. وقد قال عنه علي ابن المَدِيني والبخاري ومسلم والنسائي:« متروك الحديث ».
وقال أحمد بن حنبل:« كذاب ».
وقال الذهبي: « مُجمع على تركه ».

أنَّها كانت في ليلة تسع وعشرين مِن شهر رمضان.
وأشار إليه جمال الدين القاسمي الشّامي ــ رحمه الله ــ في تفسيره “محاسن التأويل” (6/ 431).

وقول رابع أنَّها كانت في شهر :
[د .] شوال. وبه قال المَاوردي مِن الشافعية.

أنَّها كانت في شهر ذِي القَعْدة.
وأشار إليه الحافظ ابن كثير الدمشقي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البداية والنهاية” (2/ 107).

تنبيه مع استدراك:
تبين لي -والحمد لله تعالى على حسن توفيقه وعنايته وهدايته- بعد التحقيق والتدقيق أن الأقوال المتعلقة بالشهور ليست أربعة بل إن مجموعها تسع:
[ 1 . ] القول الأول: أنَّها كانت في الثاني عشر مِن شهر ربيع الأوَّل.
[ 2 . ] القول الثاني: أنَّها كانت في ليلة سبع عشرة مِن شهر ربيع الأوَّل.
[ 3 . ] القول الثالث: أنَّها كانت في ليلة سبع وعشرين مِن شهر ربيع الأوَّل.
[ 4 . ] القول الرابع: أنَّها كانت في شهر ربيع الآخِر.
[ 5 . ] القول الخامس: أنَّها كانت في شهر رجب.
[ 6 .] القول السادس: أنَّها كانت في ليلة السبت لسبع عشرة خلت مِن شهر رمضان.
[ 7 . ] القول السابع: أنَّها كانت في ليلة تسع وعشرين مِن شهر رمضان.
[ 8 .] القول الثامن: أنَّها كانت في شهر شوال.
[ 9 .] القول التاسع: أنَّها كانت في شهر ذِي القَعْدة.

والصحيح أنه لا دليل صحيحاً على التحديد، كما هو مذهب المحققين من العلماء؛ قال ابن كثير :" والحديث الذي جاء فيه أن الإسراء والمعراج كان ليلة السابع والعشرين من [ب . ] رجب لا يصح ".[(3)].
وقال أبو شامة: " ذَكَر القُصَّاص أن الإسراء كان في رجب وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب". [(4)].
وإلىٰ ذلك يشير ابن القيم في شأن ليلة الإسراء نقلاً عن شيخِه ابن تيمية:" لا يُعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة علىٰ غيرها، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يُعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء مِن أعظم فضائله [ﷺ] ". ثم قال: "لم يقم دليل معلوم علىٰ شهرها، ولا علىٰ عشرها- أي في العشرة أيام التي وقعت فيها -، ولا علىٰ عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص تلك الليلة بقيام ولا غيره)[(5)].
________________________________________
[(1)] انظر: البداية والنهاية (3/107) ، والسيرة الحلبية (1/398) ، والرحيق المختوم للمباركفوري (134) .
[(2)] البداية والنهاية (3/107) .
[(3)] المصدر السابق.
[(4)] أبو شامة؛ شهاب الدين أبو شامة المقدسي الشافعي ــ رحمه الله ــ المولود سنة (599هـ) في كتابه “الباعث على إنكار البدع والحوادث” (ص:232).
[(5)] ابن القيم ؛ زاد المعاد : ج: (1) ؛ ص: (57/58) ، ط. الرسالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المَبْحَث الثاني: صفة الاحتفال بِذِكْرى حادثة “الإسْراء والمِعراج” في شهر رجب أو غيره مِن الشهور.وحكمه:
يكون الاحتفال بالإسراء والمعراج بأحياء ليلة السابع والعشرين من رجب وصوم يومها، كما نصّ علىٰ ذلك الغزالي، وقال:" إن يومها وليلتها مِن الليالي الفاضلة التي يستحب أحياؤها". [(1)].
ومستندهم في ذلك ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: " مَن صلىٰ ليلة سبع وعشرين مِن رجب اثنتي عشر ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغ مِن صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال "سبحان الله"، و"الحمد لله"، و"لا إله إلا الله"، و"الله أكبر"، و"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" أربع مرات، ثم أصبح صائماً حط الله عنه ذنوبه ستين [60] سنة.
وهذا الأثر موضوع علىٰ ابن عباس كما ذكر ذلك ابن حجر وغيره [(2)].
ومِن صور الاحتفال بها الاجتماع في المساجد وإيقاد المصابيح والشموع فيها علىٰ خلاف العادة واجتماع الناس في داخلها حلقات كل حلقة لها كبير.. ومن مظاهر الاحتفال بهذه الليلة قراءة قصة الإسراء والمعراج المنسوبة إلى ابن عباس رضي الله عنهما والتي كلها أباطيل وأضاليل ولم يصح منها إلا أحرف قليلة، وغير ذلك من القصص المختلقة التي يدعون فيها إلى تفضيل هذه الليلة [(3)]. حتى وصل بالبعض تفضيلها على ليلة القدر [(4)].
كما أن من مظاهر الاحتفال بها أن ترسم صورة البراق على هيئة فرس له جناحان ووجهه وجه امرأة جميلة [(5)].
________________________________________
[(1)] إحياء علوم الدين (1/426) ، وانظر مفاهيم يجب أن تصحح لمحمد علوي المالكي (222) .
[(2)] انظر: تبيين العجب لابن حجر (46-47) ، حيث أورده ضمن الأحاديث الموضوعة وعزاه إلىٰ موضوعات ابن الجوزي ولم أجده. وأورد أحاديث أخرىٰ في السابع والعشرين من رجب، وقال: إنها منكرة موضوعة (58-60) ، وقال العراقي في حاشية إحياء علوم الدين (1/426) ، وحديث الصلاة المأثورة في ليلة السابع والعشرين من رجب منكر. وانظر: تنزيه الشريعة للكناني (2/90) .
[(3)] انظر: السنن والمبتدعات للشقيري (143) ، والإبداع ومضار الابتداع لعلي محفوظ (272) ، ومنكرات الأفراح وأثاره السيئة على الفرد والأمة (86) .
[(4)] انظر: الإسراء والمعراج لموسى محمد الأسود (50) .
[(5)] تحذير المسلمين من الابتداع لأحمد بن حجر آل طامي (282) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[المطلب الثالث: الأدلة على بدعيتها:]
لا شك أن الإسراء والمعراج من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة الدالة على صدق نبوته [ﷺ] وعظم منزلته عند ربه جل وعلا، كما أنها من الدلائل علىٰ قدرته عز وجل وعلوه علىٰ خلقه. قال تعالى: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [(1)].
وقد جاءت الأخبار الصحيحة وتواترت عنه [ﷺ] أنه عرج به إلى السماء ورأى من آيات ربه ما رأى وهي من أكبر معجزاته [ﷺ].
ولكن ذلك لا يبرر الاحتفال بالإسراء والمعراج، فقد مكث [ﷺ] بعد هذه المعجزة ولم يثبت أنه احتفل بها، أو أمر بذلك، ولم يفعلها أحد من صحابته ولا تابعيهم من السلف الصالح الذين هم أحرص الناس على اتباع سنته [ﷺ] فضلاً على أنه لم يثبت في تخصيص شهر رجب بعبادة خاصة، كما تقدم بيانه.
فالاحتفال بهذه الليلة وجعلها موسماً يقام كل عام بدعة محدثة تضاهي المواسم الشرعية.
وذلك أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها الرسول [ﷺ] بقوله: « إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ” ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[(1)] سورة الإسراء، آية (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وغير ذلك مِن الأحاديث الواردة في النهي عن البدع والمحدثات في الدين.
فتخصيص يوم السابع والعشرين وليلته بعبادة أو احتفال لا دليل عليه، ولا أفضلية لتلك الليلة على سائرها من الليالي حتى تختص بها.
وأخيراً وليس آخراً.. هذه الحادثة العظيمة، والآية الكبيرة، والمعجزة الظاهرة، والحُجَّة الباهرة، قد جاء إثباتها في القرآن المجيد، وتكاثرت بها نصوص السُّنَّة النَّبوية، واتَّفق العلماء علىٰ حصولها.
ومع هذا كله لم يأتِ في الاحتفال بذكراها خبر ولا أثر، ولا قول ولا فعل، لا عن النبي [ﷺ] ، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، ولا عن أحد مِن التابعين، ولا عن أحد مِن أتباع التابعين، ولا عن أحد مِن أئمة المذاهب الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ولا عن أحد مِن أئمة أهل السُّنَّة والحديث في زمنهم.
وعليه فَعَمَلٌ تَرْكُه وعَدَم فِعْلِه قد وَسِع النبي [ﷺ] ووَسِع خلفاءه الراشدين المهديين ــ رضي الله عنهم ــ، ووسِع جميع الصحابة، ووسِع التابعين لهم، ووسِع مَن تبعهم، ووسِع أئمة المذاهب الأربعة، ووسِع أئمة أهل السُّنَّة والحديث في زمانهم.
أفلا يسعنا نحن أيضًا ما وَسِعهم، فنتركه كما تركوه، ولا نفعله كما لم يفعلوه.
بلى والله إنَّه ليَسَعنا، وإنَّا لهم لمُحِبُّون، وبِهم إنْ شاء الله مقتدون، وعلى طريقهم سائرون.
وهذا الترك والهجر للاحتفال مِن هؤلاء القوم الأكابر الأجلاء يكفي كل مؤمن بالله، ومُحِبٍّ لرسوله ومُعظِّمٍ ومُوقِّر، في أنْ لا يكون مِن المحتفلين بهذه الذِّكْرَىٰ، ولا مِن الداعين إلى الاحتفال بها، ولا مِن المبارِكين به، ولا مِن الداعِمين بمال وطعام وشراب لأهله.

إذ لو كان هذا الاحتفال مِن الخير والهُدىٰ، والرُّشد والصلاح، والتُّقىٰ والبِرّ، لَـمَا تركه أشدُّ الناس تعظيمًا وانقيادًا ومحبَّة للنبي [ﷺ]، وأرغبَهم في الخير، وأحرَصهم علىٰ الإكثار منه، وأسرَعهم إلىٰ فِعل الطاعات، وأقواهم فيها، ألا وهم أهل القرون الثلاثة الأولىٰ المُفضَّلة، وعلىٰ رأسهم الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.
ومَن لم يسعه ما وسع النبي [ﷺ] وأصحابه ومَن بعدهم مِن التَّرْك والهجْر فلا يلومنَّ إلا نفسه، فإنَّه لا يسير إلا علىٰ طريق هلكة، ولا يمشي إلا في سبيل غواية وابتداع، ولا يَجني إلاّ الإثم والمَذمَّة والخُسران، وقد صحَّ عن رسول الله [ﷺ] أنَّه كان يقول في خُطبه: « „ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ” ». [رواه الإمام مسلم (68)].
وصحَّ عنه [ﷺ] أنَّه قال: « „ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ” » .[رواه الإمام مسلم (1718)].
ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم: أنَّ من أحدَث في دين الله -تعالىٰ- عبادة أو تقرَّب إلىٰ الله بعمل ليس عليه أمْر الرسول[ﷺ]، وهو دينه وشرعه وسُنَّته وهديه ومنهجه وطريقته، فإنَّ هذا العمل وهذا الإحداث مردود علىٰ صاحبه، وباطل غير مُعتدٍّ به، ولا مقبول منه.
ولا ريب أنَّ الاحتفال بهذه الذِّكْرىٰ لم يكن عليه أمْر الرسول [ﷺ]، ولم يكن مِن هديه، وإنَّما أُحْدِث بعده بمئات السِّنين، فيكون حكمه بنصِّ الحديث المتقدِّم هو: الذمُّ والردُّ لا المدح والقبول. ".
هذا آخر ما تيسر جمعه، والله سبحانه وتعالى من وراء القصد .. ومنه الهداية وعليه التوكل ونستعين به ونستغفره ونتوب إليه
... اللهم اجعل في قلوبنا نوراً نهتدي به إليك، وتولنا بحسن رعايتك حتىٰ نتوكل عليك، وارزقناحلاوة ذكرك والتذلل بين يديك،. واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، واللهَ أسألُ أن يجمع هذه الأمة علىٰ كلمةٍ سواء، وأن يبرم لها أمر رُشدٍ يُعَزُّ فيه أهل الطاعة، ويُذَلُّ فيه أهل المعصية، ويُؤْمَرُ فيه بالمعروف، ويُنْهَىٰ فيه عن المنكر، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. وآله وصحبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[*] عنوان مقال لــ عبدالقادر بن محمد بن عبدالرحمن الجنيد.
‏الإثنين‏، 25‏ رجب‏، 1442 هــ
-**-
(د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

 

المرأةِ الأفرنجية

المشهد الأول: [ ١ ] „»المرأةِ الأفرنجية «‟
.. كانت تحسنُ بجدارةٍ لا نظير لها بين بنات جنسها وبين بنات حواء وفق التاريخ المقروء عبر الدهور والأعصار.. ولا شبيه لها بين نساء العرب مرورا بعصر جاهليتهم أو عصر الجواري والمغنيات أو عصر زوجات الخلفاء وملكات القصور أو بين نساء العجم حين يطوف الرجل بين بلاد الهند والسند أو ما وراء سور الصين العظيم أو بين نساء الغرب في العصر الحديث وفق ما يشاهده المرء علىٰ الشاشة الفضية أو ما سجله التاريخ المكتوب أو المسموع أو المشاهد.. كانت تحسنُ بجدارةٍ أنْ تلعبَ دورَ المرأةِ الأفرنجية قِبَالَهُ.. ومنذ اللحظة الأولىٰ حين رأها تسير في صالة المطعم الكبير خارجة منها.. وعلىٰ عجل..
.. فهي افرنجيةٌ في مشيتها.. وفي حركتها.. وفي التفاتتها.. وحين تمر بين مقعد وآخر ؛ فقد كانت جالسة علىٰ طاولة في بداية صالة الطعام وهو تقريباً في منتصفها.. ورمقها مِن خلال نظراتها المنبعثة من خلف قصة شعر ذهبية سدلت علىٰ جبهتها وكأنها تنظر من علو لرعيتها.. هي إمبراطورية من العصر الحديث.. حين انتهى عصر الإمبراطوريات القديم واندثر عصر ملكات الزمان وساسة العباد والمتحكمات في البلاد.. وغاب عن النظر أميرات القصور في خدورهن.. وغابت نساء الطبقة العليا في مجتمعات الغرب أو الشرق.. بملابسهن وتسريحات شعورهن.. وطيب عطورهن ومسحات تجميل سماوية فوق خدود وردية..
.. وبعد أن تعارف عليها كانت افرنجية عند قدومها بخطوات ثابتة لمقابلته.. أو عند أنتظاره قليلاً في محطة القطارات أو محطة المترو أو الأوتوبيس.. كي تصاحبة سفراً من مدينته إلى مدينتها.. وكانت أفرنجية عند وقوفها أمامه.. وكأنها ترغب أن ينتبه لفستانها أو قوامها أو شن\ة يدها أو حتى جوربها وحذائها.. أو .. عند تحيتها له سواء بإمائة رأس أو جذع أو لمسة يد أو ذراع أو همسة كمذاق العسل فوق آحدىٰ أذنية.. أو .. عند السير بجواره متأبطة ذراعه تهز كتفه بكتفها عمدا خلال المسير أو لتعلو خطوتها فوق رصيف شارع أو الهبوط إلىٰ درج قطار.. أو.. عند الجلوس بجواره علىٰ طاولة في مقهىٰ من أرقىٰ مقاهي فيينا الشهيرة أو المقهىٰ العتيق في مدينة سالزبورج أو مدينة جراتس ..
.. كانت أفرنجية عند الحديث معه.. وعند إلقاء كلماتها عند أذنه بإنحنائها لتسمعه هو فقط عذب الحروف التي غمستها في رحيق عسل شفتيها أو أمررتها فوق شهد مخلوط بكلماتها.. وكيفية نطق حروف مقاطع جملها خاصة حين تستعين بلفظة فرنسية .. أو عند جلوسها في زاوية مقهىٰ أو مطعم تخبره عن تاريخ هذا المطعم أو المقهىٰ.. وحين تستعرض أمامه فستاناً جديداً ابتاعته تواً : وكيف هو مناسب تماماً لقوامها.. ولرشاقتها.. وكيف هو قطعة من جسدها ولحمها وجلدها فالناظر -وهي تُعجب بنظرات غيره: سواء مِن أمثالها من النساء أو الرجال- الناظر لا يجد قطعة دهن زائدة أو شريحة سمن في جسدها الرشيق وقوامها الفارغ؛ وإن كان في معامل تصليح الجسد أو ما يسمىٰ التجميل الصناعي يحشىٰ بدهون في مناطق بعينها كالأرداف أو البطون.. أو الصناعة الصينية كقطعة ملابس بلاستيكية تُدَوِر مقعدة النساء أو تكبر صدروهن..
.. كانت أفرنجية حتىٰ في ارتداء حذاء لها سواء كانت الدنيا في فصل الصيف أو الشتاء أو الخريف أو الربيع..
.. هي أفرنجية.. هي إمبراطورية خلعت تاج المُلك وتقبعت تاج الحسن والجمال والدلال.. وعلىٰ رأسها تاج من الذهب المصفىٰ الخالص.. شعرها الذهبي..
.. هي نشأت في وسط الجمهورية النمساوية..
.. رفيقي أُعجب بها منذ اللحظة الأولىٰ التي قابلها منفردة في صالة المطعم الكبير.. ولعله لاحظ قليلاً من علامات الحزن تعلو جبهتها أو شحوب في مقاطع وجهها.. أو فوق خديها..
.. وأَرجعَ -رفيقي- هذا ولعله يعود إلىٰ وعثاء السفر وطول المسافة وقلة وقت النوم والراحة..
.. رفيقي أراد محادثتها.. وبسرعة وبعجلة ملفتة لمن حوله انهىٰ تناول طعامه وصحنه ما زال فيه الكثير من بقايا الطعام.. وقام مسرعا ليتقدم ناحية الباب الكبير كي يبدء في محادثتها أو إلقاء التحية عليها .. فلم يجدها..
.. أختفت عن عينيه آخر امبراطورة تعيش معه في الزمن الحديث وآخر ملكة من ملكات القصور.. وأميرات الخدور .. وكانت الوجبة التي تناولها وجبة عشاء...
فاين يا تُرى ذهبت الملكة!؟..
وأين يا ترى قادت قدميها عيناها!
..
.. ورفيقي حين يعجب بامرأة فهو كالصياد لا يطيق صبراً حتىٰ يقع صيده في شبكته.. فيستريح قلبه وتهدأ نفسه وتقر عينه سرورا وفرحاً..
.. إنه -رفيقي- آدم الصغير.. اعتاد كاسلافه علىٰ نوبات الكر واعتاد كجدوده على حالات الفر فهو يحسن غزل الشباك وإحكام المصيدة والصيد والقيد كي لا يفر منه صيده الثمين!.
.. حكىٰ -رفيقي- لنفسه بصوت شبه مسموع وهو يقف في بهو المطعم الكبير حائراً .. يقول: لعل صيدي يستريح من عناء سفره -كما ظن هو- وعنده محاولة في فطور صباح الغد!.. وكأنه يمني نفسه بأن ما زال كل شئ علىٰ ما يرام وأن الصيد لم يفلت من يده بَعد!
.. هكذا عقلية الرجل ومنذ نعومة أظافره!
.. يلعب بالحصان الخشب حيناً.. أو المصنوع من السكر أحياناً ويلهو به وكأنه في مخيلته الصغيرة يمتطيه ويعدو به عبر الوديان ويخوض به البحار والأنهار فيعلو به هضبة ويهبط به واد.. وإن كان حلوىٰ موسم المَوُلِد وفق التقاليد والأعراف الفاطمية علىٰ أرض الكنانة المِصرية.. فإذا اقترب زمن الموسم مِن الإنتهاء حلىٰ فمه بقطع من حصانه فيلتهمها.. ثم يعود للعبِهِ.. فكان عنده سيف يضعه في غمده ويدعي أنه يحمي عشيرته وأهل حَيّهِ.. وكان عنده سيارة -في زمنه- كانت الألعاب من الخشب قبل صناعة البلاستيك وقبل الغزو الصيني لأسواق العالم..
.. وهكذا ترىٰ أن الصبي الصغير يتدرب علىٰ الفروسية والمحاربة بالسيف.. ثم يستقل سيارته ليغادر بها إلىٰ مدينة قريبة من مدينته..
.. إذاً هي امرأة أفرنجية في هندامها ومشيتها وتلفتها.. ولكنه لا يعلم لها اسماً.. ولا يعلم لها رقمَ غرفةٍ.. وإن سهل عليه معرفة رقم الغرفة إذ غالباً توضع علىٰ طاولة تناول الطعام رقم غرفة النزيل ليحسن معرفة مكان مقعده.. ولكن الوقت مبكر ولعلها ستمكث بضعة أيام مثله..
.. كانت هذه الحادثة نهاية يوم السبت.. وهو مازال لم يضع أغراضه في موضعها من دولاب الملابس أو أحذيته سواء للخروج أو الرياضية في مكانها..
في صباح اليوم التالي.. وكأنه نسيَّ صيده فذهب إلىٰ صالة تناول طعام فطوره دون أن ينتبه.. ثم انتهىٰ من الفطور وذهب لغرفته وارتدىٰ ملابس الخروخ واراد ان يتعرف علىٰ معالم المدينة الصغيرة التي حلَّ بها ضيفاً لعدة إيام أو زائراً وقد تطول زيارته.. وإثناء سيره وجد كنيسة قديمة.. وكاد يبدء القُداس الصباحي فاراد التعرف علىٰ ما يفعلونه ورؤيتها من داخلها.. من باب حب الاستطلاع ومعرفة ما عند الآخر من ثقافة وعادات ودين.. وبمجرد أن وضع اقدامه علىٰ مدخلها وكأن نور السماء بزغ من زاوية يسار الداخل.. فإذا بها -الأفرنجية- تجلس في المقاعد الخلفية.. فما كان منه إلا أنه تقدم وجلس في المقعد الطويل خلفها مباشرة.. إذ أن بجوارها لا يوجد مكان خال.. انتهىٰ القُداس وكان من التقليد الكنائيسي المتبع أن يسلم الجار علىٰ جيرانه في مقعده قائلا لهم :
«‟ Friede sei mit dir „.»
وبالرغم من أن رفيقي يحسن لغة منطقة الألب إلا وكأنه لم يسمع بهذه الجملة من قبل.. حيَّت -الأفرنجية- رفيقتها عن يمينها ثم يسارها ثم استدارت للخلف فوجدته في انتظارها ليسمع لأول مرة صوتها وهي تنشده القول :
„.». السَّلامُ عليكَ(*) «.‟

رفيقي -في حقيقة أمره ومنذ أن وعىٰ علىٰ الدنيا يحسن لعب دور الفتىٰ المشرقي.. سواء في مدينته.. مسقط رأسه المطلة علىٰ البحيرة المتوسطية البيضاء.. أو حين يغادرها إلىٰ بقعة آخرىٰ.. كأنه مبعوث مدينته ورسول بلدته .. ومن ثم فهو الرجل المشرقي هنا أو هناك!...
-**-
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لعله.. فَهَمَ متأخراً لما اسمعته ذات مرة :
" Back To Black"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورقةٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
د. الْفَخْرُ؛ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ؛ ثم الْمِصْرِيُّ؛ ﴿ نَزِيلُ فيَّنا ﴾ مُحَمَّدُ فَخْرُالدينِ الرَّمَادِيُّ؛ مِن ثَغْرِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ؛ بِـمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ -حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَىٰ-
Dr. MUHAMMAD ELRAMADY
الثلاثاء : ٥ رجب ١٤٤٢ هـ ~ 16 فبراير 2021 م

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الشهر السابع [ ٧ ] ﴾ رجب:

فلكياً سيبدء شهر رجب يوم السبت 13 مِن فبراير الحالي (2021م)
. ١ .: رجب :
- سُمِّي رجبًا لأنه مِن الأشهر الحرم؛ و
- كانت „العرب ترجب رماحها‟. فيه ..
أي:„ تنزع النصل من الرمح وتكف الناس عن القتال‟.
و
قيل: رجب أي:„التوقف عن القتال‟.:
. ٢ .:فضل التهنئة بشهر رجب:
يرددُ جهلةُ منصات التواصل الإجتماعي ما نصه :
„.»مَن يُبارك الأحباب بهذا الشهر [أي: رجب] يحرم عليه النار. «‟ [حديث باطل؛ غير صحيح][(1)].
. ٣ .:ما يقال عند دخول الشهر:
[ الـدعـاء ] " وكان صلىٰ الله عليه وآله وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ „ ».اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ. «‟
تخريج الحديث :
. ٣ . ١: حديث ضعيف، حديث غير صحيح.. ولا حجة فيه، ولا حجة في تخصيصه بشيء ". [(2)].
. ٤ .قال المناوي في : [فيض القدير (5/131)] : قال ابن رجب [الحنبلي] :" فيه دليل ندب الدعاء بالبقاء إلىٰ الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها؛ فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا .[ا.هـ].
و قال أحمد البنا في : [بلوغ الأماني (9/231)] :" دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبركة في هذه الأشهر الثلاثة يدل علىٰ فضلها. وفي تخصيص رمضان بالدعاء منفرداً؛ وعدم عطفه علىٰ رجب وشعبان دلالة علىٰ زيادة فضله. [ ا.هـ.][(3)] .
. ٤ . ١ .:أقول: ولعل ما نقله المناوي عن ابن رجب الحنبلي؛ وايضا ما قاله أحمد البنا جعل دار الافتاء المِصرية تقول:" ... إلا أنه لا مانع شرعًا مِن التهنئة بمناسبة حلول شهر رجب من غير نسبة هذا الكلام : أي „»مَن يُبارك الأحباب بهذا الشهر [رجب] يحرم عليه النار « ‟. إلىٰ حضرة سيدنا النبي -صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ-، فقد كان -صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: » اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ« .
أقول: لعل هذا من باب :" الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال!؟.".
‏الثلاثاء: 09‏ فبراير 2021 ~ ‏27‏ جمادىٰ الثانية‏، 1442 هــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
[(1)] دار الإفتاء المِصرية عبر صفحتها الرسمية علىٰ موقع التواصل الاجتماعى “فيس بوك”.
[(2)] تخريج الحديث للشيخ / عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.
ثم بمراجعة المصادر وجدتُ:
كلام أهل العلم على الحديث؛ فقد :
[1. ] قال البيهقي في شعب الإيمان (3/375) : تفرد به زياد النميري وعنه زائدة بن أبي الرقاد؛ قال البخاري :" زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري : منكر الحديث" .
[2. ] وقال النووي في الأذكار ( ص 274) :" وروينا في حلية الأولياء بإسناد فيه ضعف" .
[3. ] وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (3/96) عند ترجمة زائدة وذكر الحديث : أيضا ضعيف .
[4. ] وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/165) : رواه البزار وفيه زائدة بن أبي الرقاد؛ قال البخاري:" منكر الحديث وجهله جماعة".
[5. ] وقال أيضا (3/140) : "رواه البزار والطبراني في الأسط ، وفيه زائدة بن أبي الرقاد وفيه كلام وقد وثق" .
[6. ] وقال ابن علان في الفتوحات الربانية (4/335) نقلا عن الحافظ ابن حجر : قال الحافظ : "حديث غريب أخرجه البزار وأخرجه أبو نعيم".
[7. ] وقال أحمد البنا في بلوغ الأماني (9/231) : " وفي حديث الباب زياد النميري أيضا ضعيف " ، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للبيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر ، وأشار إلى ضعفه ، وله طرق أخرى يقوي بعضها بعضا .
والغريب : أنه ... لم يذكر ما هي هذه الطرق ؟؟؟
والحديث ليس له إلا طريق زائدة فقط .
[8. ] وقال أحمد شاكر في تخريجه للمسند (4/100-101 ح 2346) :" إسناده ضعيف".
[9. ] وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط في تخريجه لمسند الإمام أحمد (4/180 ح 2346) :" إسناده ضعيف".
[10. ] وقال ناصرالدين الألباني في تخريجه للمشكاة (1/432 ح 1369) : وعزاه في الجامع الصغير للبيهقي في " الشعب " ، وتعقبه المناوي بقوله : " وظاهر صنيع المصنف أن مخرجه رواه وأقره ، وليس كذلك ، بل عقبه البيهقي بما نصه :" ... ونقل كلام البيهقي الذي ذكرناه آنفا" .
[12. ] وقال الدكتور عامر حسن صبري في زوائد عبدالله بن أحمد بن حنبل في المسند (ص198) :" إسناده ضعيف" .
[(3)] بحث للشيخ / عبدالله زقيل.
**
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ(
د. مُحَمَّدٌفَخْرُالدِّينِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ

 اتكلم عربي

:" أم مَصرية حاصلة على تعليم عال قالت لحمادة : روح للـ Kuche عشان تاخد إلــ Essen عشان تروح الــ Schule."
Die Kuche, das Essen, die Schule:
وليس فقط إِلــ
التَّمْهِيدُ لمسألةِ :« „ الهَم المِصري ”» .
* .] اعترفُ أنني توقفتُ عن اتمام مقالي هذا ثلاث مرات متتاليات متلاحقات؛ وهذا نادرا ما يحدث لي؛ وليس بسبب إنشغالي بأمر آخر؛ ولا يوجد عندي ما يبرر هذا التوقف فيقتنع به عقلي فتهدأ نفسي ويطمئن قلبي.. فاستريح.. فإما أتركه أو انتهي من صياغته وإرسله للموقع كي ينشر.. ولعلها حالة نفسية خفية عن التبيان.. ووسوسة مِن الرجيم الشيطان؛ وأعوذ بالله من وسوسة شياطين الإنس والجن وأن يحضرون فهو -سبحانه وتعالى- الرحمن الرحيم؛ وبالاستعاذة به تهرب شياطين الجن وتفر شياطين الإنس.. وللخالق المبدع المصور في خلقه شؤون.. لا يخبرها إلا الأولياء المطلعون.. ولا أدري على وجه اليقين ما دفعني للتوقف عن اتمامه مع توفر ما اراه مناسبا مِن مراجع ومصادر تكفي للانتهاء مِن كتابته كمسودة ومِن ثم مراجعته كي تحدث عندي حالة رضا فابعثه؛ ولعل ما يتبقي عندي مِن دافع شبه مجهول يدفعني لكتابته يقوى حيناً فابدءُ.. ثم أحياناً تنتابني هواجس غير مفهومة البتة فتوقفني.. لعل منها :
- حساسية الموضوع عند البعض منا.. ومنها أنه
- تم بالفعل أنقسامات عدة في النسيج الــ(ــمِــ)ــصري وتشتت الوحدة الوطنية.. زادت منذ ما يقترب مِن سبعين عاما؛ ثم بدءً مِن 2011م ازدادت الهوة وتعمقت الفجوة؛ ووجدت حالة كره من (مَــ)ـصري لمِصري لاختلاف الهوية والانتماء والولاء والبراء ومصدر التمويل المالي والرَّدْفِ [التابع] الثقافي والرِّدْفان: العقائدي والفقهي فترتب عليها متفرقة أو مجتمعة حالة عداء؛ وبمرور الأحداث كان يجب أن يكون هناك رد فعل عنيف ليس باللفظ والكلمة لكن طفح علىٰ المشهد العنف المادي والارهاب النفسي والجسدي مِن طرفي صراع: أجهزة قمعية -سواء رسمية أو حزبية- واشخاص وقع عليهم المنع والعنف؛ خاصة ومن تسيَّد المشهد -ومِن هنا البداية- جهلاء فيما يتحدثون فيقلدون مَن هم تحت التراب منذ مئات السنين أو جهلاء مثلهم؛ فيملكون أميّة في المسألة التي عنها يتكلمون؛ فلا يجد مخاطبهم معهم سبيلا للمجادلة أو النقاش.. إذ أن الولاء والانتماء علا فوق اسطح الأدمغة.. والتمويل المالي والعقائدي والفقهي عبأت به الفهوم.. دون مراجعة؛ وهذا تلاحظه -في الخارج- في المنتديات الــ(ــمَــ)ــصرية والتي يتجمع فيها الــ(ــمَــ)ــصريون والتي تحولت ومنذ سنوات عدة مضت إلىٰ مقهىٰ للعب الشدة والطاولة ومشاهدة مباريات كرة القدم -فقط- وشذرات مِن ثقافة ما مما جعل مَن يمتطي قيادة تلك التجمعات/المنتديات مَن لا يصلح لدور قيادي أو إداري.. وقد جرىٰ في آحدىٰ اللقاءات أن سأل مسؤول دولة الجهازَ الإداري لمنتدىٰ مَصري في الخارج بسؤال : علىٰ أي أساس يتم اختيار أو ترشح طاقم الإدارة..
أيملكون قدرات !؟..
فكانت الإجابة مخجلة!.. نحن نعلمها مِن واقع الحال وما آلت إليه الأحوال.. أو خُلقت -المنتديات- تحت سطح الأرض على صورة :« „.غُرز ”» لشد الشيشة وتقديم لوازمها؛ ثم.. ومن لزوم ما يلزم فُتحت في تلك الأماكن مصلىٰ؛ كما حدث في الحي السادس عشر؛ والحي العاشر والحي السابع عشر والحي الثامن.. لتجمع مجموعة متناسقة فيما بينها من حيث الاهتمام والرغبة؛ قابل ذلك وبشهية مفتوحة فُتح العديد مِن المصليات يُدبر أمرها مَن لا يصلح -والنية لا يعلمها إلا الخالق؛ وطُلب منا أن لا نفتش عن النوايا- ثم تجرأ العديد لتقديم وجبة إسبوعية مِن الوعظ والإرشاد؛ والفتوىٰ والإفتاء والتكفير للخصم مع التقسيم لفريقين فهذا من الفلول.. وآخر هم أبناء الله في الأرض الصالحين..
*. ] غالباً مَن يعارضك في القول أو الرؤية دون قراءة صحيحة لما تكتب وفهم لما بين السطور أو سماع بتدبر ما تقوله مِن معان.. مَن يعارضك يهاجمك هجوماً شرساً فإما الكاتب أو المتكلم مِن مخيم العسكر(!).. وهذا ملعون إلىٰ يوم الدين؛ وخالد مخلد في الجحيم وليس له في الدنيا أي تباشير راحة أو ملامح نعيم؛ وعليه زخات الغضب الآلهي ولعنات الملآئكة أجمعين وتتلبسته مِن كل حدب وصوب وتعبث به الشياطين؛ وإما موال لحكومة مِن أتباع وبقايا الفلول وهذا عليه كسابقه غضب البشر ويرجم بالحجر.. وما حادثة الــ(مِــ)ــصري الذي تحصل على جائزة نوبل للأدب ببعيدة عنا؛ بغض النظر عن مَن يحسن القراءة ويفهم رموز الرواية أو آمي يسمع من خلال قراءة الآخرين وفتوىٰ السادة المرشدين..
*.] أعترفُ لمن يريد أن يكمل المتابعة أو يرغب في أن يطلع علىٰ مقالي هذا؛ وقبل قراءته -أعترفُ- أنني أنزعجتُ لما صرحت به وزيرة شؤون الهجرة في الحكومة الــــ(ـــمِـــ)ـــصرية الحالية بمجرد قراءتي لكلمتين:
« „.الشباب الـــ(ـمَــ)ــصري في الخارج لا يجيد العربية ”» . و
هذا الانزعاج يعود -لعله- لأسباب ذكورية بحتة بحكم التربية الناصرية؛ وبحكم التنشأة لما آثرت به الملكية المِصرية في عدة عقود متلاحقة مِن بداية الحكم الجمهوري في المجتمع المِصري؛ ويرادف ذلك عُقد نفسية تراكمية مِن خلال النظام المِصري الحاكم زمن رجل دولة العلم والإيمان؛ وتجارب عملية مع جهات حكومية تعاملت معها رغماً عني؛ منذ بدأت أعي أن أقضي بعض مصالحي التي تخصني شخصياً دون الرجوع إلى أبي -رحمه الله تعالى- أو من خلال معارفه؛ وإنني ابن فلان؛ وأعرف الأستاذ علان.. أو بناءً على حصة الكوسة التي تميزت بها عائلتي ونصيب المنافع مقابل المصالح؛ وبدءً مِن تعيني في كفر الدوار ومقابلتي الأولى مع مديري الذي سوف أتعامل معه.. وهو جالس أمام مكتبه يشد النرجيلة.. يعبث بين اصابع رجله بيده التي سوف اصافحه بها.. مروراً بأحد قناصلة مِصر في الخارج [وزارة الداخلية؛ فرع المخابرات] آحدهم في معاملة خاصة وقت أن كانت القنصلية في الحي الثامن الفييناوي قبل إنتقالها إلى الحي التاسع عشر.. ثم مع آخر في معاملة متعلقة بوالدتي وقت أن كانت قعيدة الفراش ملازمة الكرسي المتحرك لكبر سنها ولا تقدر على أستخراج الرقم القومي أو شهادة ميلاد مميكنة كما تنص اللوائح دون إيجاد حل لمواطنة مِصرية تقيم في الخارج؛ لا يمكنها بأي حال العودة لبلدها الأم والتي لم ترد أن تتنازل عن جنسيتها الأصلية من أجل حفنة من [ € ].. يقابل ذلك ما كتبه بخط يده رئيس جمهورية النمسا د. هاينز فيشر (Heinz Fischer) .. مبلغاً الوالدة بخطاب رسمي منه بأنها طالما دخلت النمسا بأوراق ثبوتية صحيحة وسليمة فليس هناك إشكال في بقاءها على أرض النمسا دون إمكانها تجديد جواز سفرها المِصري الذي انتهت صلاحيته.. ثم مَن جاء إلى غرفة معاشها ليجدد لها إقامتها مع جهاز أخذ البصمات دون زيادة تكلفة أو دفع مصاريف إضافية.. كما أعترف أن انزعاجي -هذا- ليس لأسباب موضوعية منطقية.. بل كل ما حدث لي هو تزاحمات لا شعورية في بؤرة الــــ(لا) شعور لتجارب سابقة قديمة ما زالت عالقة في الــ (لا) وعي يعاد استحلابها وقت الضيق ومحاولة إيجاد مخرج تنفيسي لما يعانيه المرء من احباطات متتالية أو متفرقة مع استحضار إجراءات قانونية عقيمة دون تدخل المعاملة الإنسانية لكل حالة على حدة وهذا ما لاحظته هنا في بلاد الغرب وما افتقدته في بلاد العرب.. ويجب أن أسجل اعجابي الشديد بصاحب الكريزما.. والشخصية العربية الفذة الطاغية على النفوس فأحبته والمؤثرة في العقول العربية اثناء وجوده ومن بعده.. الرئيس الخالد :« „.عبدالناصر ”»؛ وللأسف الذين نادوا بالــناصرية لم ينادوا بفكر أساسي تركه أو مبدئي ابتدعه؛ فمَن جاء مِن بعده لم يأصله أو يبلوره.. بل شعاراتهم جوفاء.. ولكني إعجبتُ بشخصية رجل عاش.. فملأ حيز الزمان وتربع على المكان.. ثم مات فهلك؛ كما اسجل كرهي الشديد لمن جاء مِن بعده؛ خاصةً رجل دول العلم والإيمان؛ ويليه أقل كرهاً صاحب المقولة الشهيرة :"خليهم يتسلوا" فطبلت على دماغه ودماغ وريثه في حكم مِصر.. وسقطت الأقنعة.. ثم ومنذ إسبوع تستطيع ورثته أن تفرج عن أمواله في البنوك الغربية.. وسيقدم للمحاكمة من تعدى على العائلة ؛ كما صرح الابن الأكبر.. كما اسجل حزني الأشد ولوعتي ومصيبتي على صاحب السَّنة اليتيمة التعيسة؛ إذ أعطوا الحلق لــلِــ بلا ودان؛ وفقا للمثل الشعبي..
*.] ثم عدتُ -بعد ثوان- مِن تلك الهلوثات لرشدي- بعد أن خطت يميني ما سلف- وأفقت مِن سذاجة تصرف طفولي برئ وتعقلت الأمور؛ فوجدها -وزيرة الهجرة الــ(ــمَــ)ــصرية- تقوم بوظيفتها؛ ويغلب علىٰ الظن أن ما قامت به تم دون دراسة ميدانية لواقع المِصريين ( وكما قالت :" الجيل الثاني والثالث؛ وكما ذكرت الجيل الرابع")..
اتذكر أن زمان كانت هناك رحلة على نفقة الدولة المِصرية لأبناء الجيل الثاني لزيارة معالم سياحية مع طيران ذهاب وعودة وإقامة؛ ولم تثمر هذه الرحلات لما خطط لها.. ثم انقلب الذين استفادوا مِن تلك الرحلات بعد تلك السنة اليتيمة التعيسة ذات السمعة السيئة.. انقلبوا إلىٰ منتفعين لمن يدفع أو معارضين للدولة وليس إلىٰ معارضين لنظام؛ وهنا فارق بين كيان دولة؛ وطبيعة نظامها.. ومفردات في مفاصل حكمها.. ومَن يراقب الفضاء الألكتروني ومنصات التواصل الإجتماعي وقنوات فضائية مملوكة للغير يجد ما يربو على خمس قنوات فضائية تخصص برنامج عن ما يحدث في مِصر من السلبيات.. دون غيرها!
*.] السابق؛ كله جزء من أجزاء مما يعانية الجيل الأول المغترب؛ وليس له علاقة من قريب أو بعيد مع الجيل الثاني من ابناء التجمع المِصري في الخارج؛ ؛ ولا استخدم واتحفظ على مصطلح :" الجالية أو الجاليات"؛ إذ أن الجالية جاءت من الجلاء وهو الخروج بالطرد؛ وهناك عيد الجلاء في مصر وسوريا وهو يوم طرد المستعمر" وأن الجيل الثاني أو الثالث له مشاغل آخرى وهموم غير هَم الجيل الأول.. مع ملاحظة أن حديثي عن الذين يعيشون في الغرب؛ وليس دول خليجية أو آسيوية؛ إذ أن لكل منطقة خصوصياتها؛ الجيل الثاني يسمع حكاوي وأحاديث من الجيل الأول عن مسائل تخص الجيل الأول في بلده الأم؛ فيحب أو يكره.. وقد يتخذ موقف ما ضد أو مع.. وهنا أعود فنركز أن كل منطقة في البلد الأم لها خصوصياتها؛ فابن المدينة يختلف عن ابن الريف؛ وهذا مما يعقد مسألة البحث.. وينبغي أن نبدء بما قالته وزيرة شئون الهجرة أن نحدد أو نعرف مَن هو الجيل الثاني من ابناء المِصريين في الخارج.
*.] الجيل الثاني من أبناء المصريين في الخارج : هــ(ــو)(ـي) مَن ولد(ت) علىٰ أرض غير مِصرية -بغض الطرف الأن عن أبويِّهِ مِصرييِّن أو طرف مِصري وآخر أجنبي- ونشأ وتربى وترعرع في البلد البديل من صغره في الروضة.. وتحصل على دراسة إلزامية وفق نظم التعليم هناك؛ وتلقى فكرا وحزمة من المبادئ وكتلة من القيم ومجموعة من المقاييس والمفاهيم تخالف وتغاير الجيل الأول.. وعليه نبني كيفية التعامل مع هذا الجيل؛ ويصعب الأمر مع الجيل الثالث؛ أي أبناء هذا الجيل الثاني..
*.] إشكالي الحقيقي أننا نتحدث دائماً عن قضية الــ :
« „ الهَم ”» المِصري؛
ولعل المثل الشعبي القائل :« „ رضينا بالهَم والهَم موش راضي بينا ”» . يجعل المرء يهدأ قليلاً والقضية عندي أننا لم نستطع بعد أن نحدد ما المقصود بالــ :« „.ــهَم ”»..
*.] أتذكر في عيد العمال في شهر مايو في بداية التسعينات كان يلقي مَن نجا مِن عملية قتل/اغتيال رجل العلم والإيمان في خطاب له أن ألح أحد العمال علىٰ العلاوة وكان الناجي -النائب الأول للمقتول/المغدور به في احتفال مع ابناءه من جيشه أو ما يسميه البعض الشهيد-.. يتحدث -النائب الذي نجا من الاغتيال وصار رئيسا للجمهورية- عن المرأة الألمانية وقدرتها علىٰ الانجاب أو بتعبير أدق يتحدث عن رغبتها أن يكون عندها ولد أو ولدين.. وكفاية.. فلما ألح آحد العمال علىٰ مسألة العلاوة نبه الرئيس المِصري سائله بأن زيادة المواليد في الدولة المِصرية هي مشكلة عدم قدرتها أن تقوم بدورها في دفع العلاوة.. فسأله العامل :"طيب نعمل آيه ياريس!؟".. فكانت الإجابة العفوية :
« „ بطلوا شقاوة يا أخي! ”» .
وهذا مما يؤلمني كثيرا عدم وضع خطة استراتيجية قصيرة أو متوسطة أو طويلة المدى.. هناك نقص في كافة المعلومات وفقر في الحلول؛ ومناداة البعض بحل مِن خارج الصندوق يدل بوضوح عندي علىٰ فقر في الخلايا الدماغية النشطة في التفكير والتي تقوم بجمع كافة المعلومات عن المسألة الواحدة والاستفادة منها ثم تحليلها واعطاء حكم في المسألة بعد توفر المعطيات الكاملة في المسألة الواحدة.. وهو ما يسمى بعملية التفكير المنتجة؛ فبدلا من جعل عدد السكان نعمة يستفاد منهم.. مع اتساع رقعة الأرض الصفراء اعتبرت نقمة لابد من منعها؛ و
اللفظة السوقية :« „ شقاوة ”» . قصد مسؤول على مستوى رئيس دولة تتصدر قائمة الدول العربية عدم اقتراب الزوج مِن زوجته أو ما نسميه تنظيم الولادة أو منع الحمل .
*.] :" اعتذر مِن القارئــ(ــة) الكريمــ(ــة) لهذه الإطالة؛ لكن ما دمنا في إغلاق جبري والعمل من منازلهم فــ :"خلينا نتسلىٰ"
الدول الأوروبية
وصل عدد المِصريين المقيمين بالدول الأوروبية نحو 1.25 مليون شخص بنسبة 44.8% منهم :
- في أيطاليا 560 الف شخص، و
- في فرنسا 365 ألف شخص، و
- المانيا 77 ألف شخص، و
- انجلتر 5% أي 62.5 ألف شخص؛ و
- في النمسا ما يزيد عن 30,000 شخص(تقدير من عندي)..
الإشكال أن هؤلاء مَن سجلوا أنفسهم في القنصلية؛ وهذا الأرقام ليس دقيقة بل هي افتراضية؛ فالذي يموت مثلا لا ترفع عمال(!) القنصلية اسمه مِن النسبة؛ ومَن يولد ولا يحمل الجنسية الجديدة قد لا يضاف للتعداد..
*.] ومن غير الدقة أن يتحدث وزير مسؤول [وزارة الهجرة] فيعلن عن :
« „ التعداد الفعلي ”»
ثم يستخدم لفظة :
« „ يُقَدَر ”» عدد الــ(ــمَــ)ــصريين بالخارج بــــ :« „ نحو ”» : « 14 » مليون.[12 فبراير 2019م].
*.] وفي تصريح آخر لنفس المسؤول:
« „ يُقَدَر ”» العدد ما :« „ بين ”» :« „ 13 ”» و :« „ 14 ”» مليون..
*. ] هنا الحديث عن مليون أو يزيد مع عملية :" تقدير بين.. وبين"..
*. ] ثم تزداد المسألة تعقيداً.. إذ يعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، خلال احتفالية "إعلان نتائج تعداد سكان مصر لعام 2017"، أن إجمالي عدد المصريين المقيمين في الخارج حتىٰ نهاية عام 2016، بلغ 9 ملايين و470 ألفًا و674 مصريًا، لافتا إلى استحواذ المنطقة العربية على النسبة الأكبر، يتواجد بها 65% من إجمالي المصريين المقيمين بالخارج بنحو 6.2 مليون مصري.
واتساءل: أي سياسة لوزارة (مَــ)ــصرية ستوضع إذا كان التقدير أو الفارق يصل إلى مليون إنسان (مَــ)ــصري في الخارج.. في تقدير الوزير..
*.] ويتبين هنا أن الفارق في التعداد وفق الوزيرة المسؤولة ليس مليونا واحدا بل أربعة ملايين في تصريح لها وخمس ملايين في تصريح آخر لنفس المسؤولة .. ففي تعداد الاحصاء يترواح ما بين 4 أربعة و5 خمس ملايين إنسان.. وهؤلاء بشر وليسوا :"ليمون".. وهذا ما يزعج القارئ أو السامع؛ ضبابية في المعلومات الأولية عن مسألة المهاجرين أو المهجرين؛ يفهم من ذلك انه لا يوجد تعاون وثيق بين وزارات دولة واحدة في مجال واحد بعينة؛ أقصد وزارة الخارجية والداخلية والهجرة.
*.] سواء أكان الرقم الرسمي وفق جهاز التعبئة والاحصاء 9 ملايين وزيادة- يقارب تعداد سكان النمسا- أو 13 مليونا أو 14 مليونا حسب تقدير الوزيرة المسؤولة عن ملف المغتربين؛ فالحديث هنا عن دولة بأكمالها مبعثر تعدادها خارج الدولة؛ فهل يعقل أن يتم نشاط دولة فقط لمائة من الشباب أبناء الجيل الثاني.. ومما يستنتجه المتابع أن مَن حضر تلك المؤتمرات أو المعسكرات هم ابناء المحتسبين!
*.] مصطلح: « „ المغتربون المِصريون ” »؛ التعبير غير دقيق فكثير منهم تحصل على جنسية البلد الذي هاجر/سافر إليها وبالتالي فهو ليس بغريب أو مغترب؛ بل هو/هي/هم مواطنون في بلاد الغرب؛ ثم يضاف من أصول مِصرية!
« „ موضوع المقال ”» . تعليم اللغة العربية :
[وفق ما صرحت به وزيرة الهجرة بمناسبة: اليوم العالمي للغة العربية وبداية إستراتيجية تحقيق مبادرة "اتكلم عربي" بالتعاون مع اليونسكو: 2/12/2020م]
فقد أكدت السفيرة نبيلة مكرم عبيد عبدالشهيد وزيرة الدولة الهجرة وشئون المصريين بالخارج، أن احتفالية اليوم العالمي للغة العربية ستكون بداية إستراتيجية تحقيق المبادرة الرئاسية " اتكلم عربي " بالتعاون بين "الهجرة (الوزارة) واليونسكو "؛ والجدير بالذكر أن:" المبادرة الرئاسية " اتكلم عربي "، تنفذها وزارة الهجرة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة ". أضف لحسن التنسيق والعمل وزارة الخارجية والداخلية.. هذا " اتكلم عربي "، في نشاط أو تكلم (مَــ)ــصري في نشاط آخر.. أم هما شئ واحد.. الحقيقة أن اللهجة العامية هي السائدة الأن؛ ثم يتعقد اللسان فينطق أهل الشرقية لهجة مغايرة للهجة المنيا ومعارضة للهجة أهل أسوان؛ ويضحك الجميع حين يتحدث ابن مدينة الثغر المطلة على البحيرة الأوربية الأفريقية لفظة :« „ الأربعاء ”» إذ أنه يرققها.. ونتساءل عن أي مَصرية نتكلم!!. أم أنها مبادرات جوفاء لا تحمل مضمون وغير قادرة على التطبيق!.. أضف أن الجيل الثاني الذي ولد في الغرب يتعلم ويتكلم بل يفكر -منذ نعومة أظفاره- بلغة الدولة التي ولد بها؛ والعديد من ابناء الجيل الثاني لديهم إشكال في اللغة مما يلجؤهم إلى الاكتفاء بالتعليم المتوسط وتعلم صنعة ما .
أم مَصرية حاصلة على تعليم عال قالت لحمادة : روح للـ Kuche عشان تاخد إلــ Essen عشان تروح الــ Schule.
لا تعليق!!
ومما زاد المسألة تعقيداً ما تحدثت به بشكل عفوي يفهمه كل مصري بل عربي -يوليو 2019- اثناء جلسة على الطريقة المِصرية باستخدامها المصطلح العامي "يتقطع"، وهو ما وصفه معارضون لنظام الرئيس عبدالفتاح السيسي بأنه "تهديد بالقتل". فقد أثار فيديو ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كانت الوزيرة تتحدث خلال لقاء مع أعضاء الجالية(!!!) المصرية في كندا، حيث احتفلت برفع العلم المصري على برلمان أونتاريو بعد قرار تخصيص شهر يوليو للاحتفاء بالحضارة المصرية. وظهرت الوزيرة في الفيديو وهي تقول: "أي أحد بالخارج يقول كلمة على بلدنا، ماذا يحدث له؟ يتقطع"، مع إشارة بقطع الرقبة.
حاولت الوزيرة الدفاع عن تصريحها، قائلة إنها "فوجئت بتحريف" بعض مما قالته خلال لقائها بأعضاء من الجالية(!)، مضيفة: "أسفت بشدة لذلك لأن الدولة ترعى أبناءها ولا تهددهم"، وفقا لما نقله موقع وزارة الهجرة. وأضافت نبيلة مكرم عبيد أن "الدولة المصرية لا تهدد أبناءها بل تتواصل معهم وتساندهم وتلبي احتياجاتهم وترد على استفساراتهم وتطمئن المصريين في الخارج على بلدهم"، وتابعت بالقول إن هذا هو ما تقوم به الوزارة وما تحرص عليه من منطلق عملها كوزيرة خلال حديثها مع الجاليات(!) المصرية. ورأت وزيرة الهجرة المصرية أن ما وصفته بـ"الكلام العفوي البسيط السلس" في لقاءاتها يصل مباشرة إلى قلب المواطن المصري، على حد تعبيرها. وقالت إنها أوضحت أن المصريين لا يتحملون من يتوجه بالإساءة لبلدهم، مضيفة أن "المصريين بالخارج أيضا لديهم نفس الغيرة على بلدهم رغم احترامهم للبلدان التي يهاجرون إليها، ولكن لا يتحملون كلمة سلبية على مصر". واعتبرت أن "ما حدث من ذكر مصطلح (نقطع رقبته) لم يقصد بها أي عنف". وذكر بيان وزارة الهجرة أن ذلك جاء بعد أن قالت الوزيرة: "من يسيء لمصر، ماذا نفعل معه؟"، فجاء رد أحد الحضور: "نقطع رقبته". وأضاف البيان أن "هذه كلمة دارجة في العامية المصرية تعني شدة الغضب ممن يفعل ذلك". وقالت الوزيرة إنه "تم تحوير الكلام ونشره على أن وزيرة الهجرة تهدد المصريين بالخارج، وأن من ينتقد سنقطع رقبته"، معربة عن "استغرابها الشديد من هذه التأويلات الغريبة". واعتبرت أن "مصر تواجه حربا شرسة وفئات تسعى للتفرقة والتقليل من الإنجازات والنجاحات"، وأضافت أنها "تابعت من قام بالنشر وتحريف الكلام، ورأت تعليقات كثيرة، فهناك من مشى مع التيار، وهناك من وضح الحقيقة وأن ما نشر لم يكن هو المقصود وأنها لم تقصد تهديدا".
ولا نغفل أن المسألة حمالة أوجه فقد كان السادات يقول على من يهاجمونه في الخارج “دول بيشتموا مصر في الخارج”، فقد اختزل مصر في شخصه الكريم!
وهنا أوكد على أن اللهجة العامية واستخدام الفاظ بعينها يستخدمها البعض بعفويتها والآخر بحرفية الكلمة؛ تماماً مَن يقول لك عند زيارتك لبيته :« „ ده النهارده زارنا النبي! ”» . و
جذور المسألة :
*.] 3.9 % معدل تراجع الأميّة في مصر بين تعدادي 2006م ،2017م.
*.] تعتبر الأمية في مِصر مِن المشاكل التي تعوق برامج الدولة للتنمية والإصلاح.. وفقا لتقدير كتاب :" حقائق العالم 2017م"، بلغت نسبة الأمية بين البالغين (15 عام فأكثر) 19.2%. وبلغت 25% بين الإناث و 13.5% بين الذكور. بينما وفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فقد بلغت نسبة الأمية 25.8% (للأفراد 10 سنوات فأكثر) وفقا لتعداد عام 2017م.
*.] قالت الكاتبة إقبال بركة، مساء السبت [30 يناير 2016م]، خلال ندوة :« الأدب في السينما والتليفزيون » بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، أن نسبة الأمية أصبحت 50% وأنه لا يمكن لدولة أن تنهض بدون المعرفة، مشيرةً إلى أن هذا يعني أن هناك ثغرة في كل شيء في مصر. وأشارت إلى إننا شعب لا يقرأ، موضحة أن الكتاب هو أخر الأشياء التي يفكر بها المصريون، معتبرة أن هذه حقيقة مخيفة يجب الخجل منها ومعالجتها.
وتحت عنوان عريض يعلن : الإحصاء»: ارتفاع عدد الأميين بمصر إلى 18.4 مليون».
أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوم الثلاثاء [8/9/2020م]، بياناً صحفياً بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، والذي يوافق الثامن من سبتمبر من كل عام، والذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" في دورتها الرابعة عشر عام 1965، للاحتفال به سنوياً للتوعية بأهمية محو الأميّة كموضوع يتعلق بالكرامة الإنسانية؛ واحترام حقوق الإنسان، وأداة لتعزيز القدرات الشخصية ووسيلة لتحقق التنمية الاجتماعية والبشرية. وأضاف البيان، أنه تُعد قضية محو الأمية من القضايا التى تشغل بال المجتمع الدولي بصفة عامة وتلاقي أهمية قصوى في مصر للقضاء عليها، وقد تم إدراجها ضمن الأهداف الأممية "التنمية المستدامة" وكذلك ضمن "رؤية مصر 2030".
وأعلن الجهــاز المركــزى للتعــبئة العامــة والإحصــاء انخفاض نسبة الأمية في مِصر إلى 25.8% وفقا لتعداد عام 2017، وارتفاع عدد الأميين إلى 18.4 مليون فرد عام 2017، بعد أن سجل 17.0 مليون فرد عام 2006 فقد ذكر بيان للجهاز، الأحد [08/09/2019]، بمناسبة اليوم العالمى لمحــو الأمية، أن معدلات الأمية في مصر خلال الفترة : ( 1996~ 2017 )، أظهرت أن أكثر الأميين من الإناث في تعدادى 1996 و 2006، وبلغت نسبتهنّ نحو 62% لإجمالى الأميين، وتناقصت هذه النسبة إلى 57.8% عام 2017... إذاً فمعدلات الأمية بين الإناث مرتفعة حيث بلغت 10.6 مليون، بنسبة 30.8 بالمئة، فيما كانت بين الذكور 7.8 بالمئة، بنسبة 21.1 بالمئة، كما استمر التفاوت بين الريف والحضر في نسبة الأمية، أضاف البيان أن :" معدل الأمية إنخفض من 39.4% عام 1996 إلى 29.7% عام 2006 ثم إلى 25.8% عام 2017، وبلغ معدل الأمية للذكور 21.1% مقابل 30.8% للإناث عام 2017.".
وبلغ معدل الأمية في الريف 32.2%، مقابل 17.7% بالحضر عام 2017، وانخفض المعدل بين الشباب (15 ~ 24 سنة ) مقارنة بكبار السن (60 سنة فأكثر )، حيث بلغ 6.9% للشباب، مقابل 63.4% لكبار السن.
وسجـلت محافظــات الوجه القبلــي أعلى معدلات للأمية، فمحافظة المنيا في صعيد مصر متصدرة محافظات مصر في الأمية حيث بلغ المعدل 37.2% في المنيا، و 35.9% في بني سويف، و 34.6% في أسيوط، و 34% في الفيوم، و 33.6% في سوهاج، وحققت أســوان أقل معدل بين محافظات الوجه القبلي بلغ 19.1% .
وأعلى معدلات للأمية بالوجه البحري كانت 32.9% في البـحـيرة، يليها 28.5% في كفر الشيخ، ثم 25.9% في الشرقية، وأقل معدلات الأمية بالوجه البحري 20.2% في دمياط.
وأعلى معدل بالمحافظات الحضرية بلغ 19% في الإسكندرية، و 16.2% في القاهرة، و 15.3% في السويس، وأقل معدل بلغ 14.1% في بورسعيد، فيما سجلت محافظــــات الحدود أقل معدلات للأميـــة حيث بلغت 12% في البحر الأحمر، و 16.6% في جنوب سيناء ، تراجعت الأمية في محافظة البحر الأحمر الساحلية، ذات النشاط السياحي، إلى 12 بالمئة، لتمثل أقل المحافظات في الأمية.
و :" بحسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة لعامة والإحصاء حدث ربط بين الأمية والبطالة بمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، فقد شهدت معدلات البطالة في مصر تراجعا مطردا منذ نهاية التسعينات وحتى الآن، حيث بلغت 39.4 بالمئة عام 1996 لتتراجع إلى 29.7 بالمئة عام 2006، ثم إلى 25.8 عام 2017، ثم إلى 24.6 في يوليو 2019. وشهدت معدلات البطالة تراجعا ملحوظا بين الشباب ( بين 15 و24 سنة )، لتبلغ 6.9 بالمئة، بينما تركزت بين كبار السن لتبلغ 63.4 بالمئة، بحسب التعداد السكاني في 2017. ولفت التقرير إلى أن معدلات البطالة بين الأميين بلغت 2.2 بالمئة فقط، فيما بلغت البطالة بين الجامعيين 16.7 بالمئة، وهو ما أرجعه التقرير، إلى قبول الأميين بالحد الأدنى من الأعمال، بغض النظر عن مستوى المهارة، بعكس المتعلمين.
فيما أشار التقرير إلى أن 3 بالمئة من الأميين يستخدمون الحاسب الآلي والإنترنت. ".
وعليه فهناك خلط أو عدم وضوح رؤية بين أمية الحرف والرقم داخل الدولة وبين أن الجيل الثاني في الخارج [ الغرب ] لا يحسن التحدث بالعربية أو بتعبير أدق باللهجة العامية التي تستخدم في البيت المصري في غربته .. وبناء على تصريح وزيرة الهجرة يشم رائحة إلقاء اللوم على أماكن التجمعات المصرية في الغرب تحديدا كالمصليات والمدارس الأهلية ودروس تحفيظ القرآن وتعلم اللغة وهذا يعود إما للقائم على العملية التعليمية في الغرب بأنه غير مؤهل أو أن العامية هي السائدة.. وتحتاج إلى مترجم ..عليه فقد أخفقت الأسرة في عملية التعليم كما أخفقت تلك التجمعات!
أعود لما صرحت به الوزيرة في ديسمبر الحالي فقد :" استعرضت مكرم جهود وزارة الهجرة ودورها في التواصل مع المصريين بالخارج، خصوصًا البرامج التي يتم تنفيذها لأبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين بالخارج، للتعريف بوطنهم الأم ومفاهيم الأمن القومي المصري وتنظيم زيارات ميدانية، ولقاءات مع السادة الوزراء للإجابة على كافة الاستفسارات للشباب، وتعريفهم بحجم التنمية التي تحدث على أرض مصر، إلى جانب تنظيم معسكرات للأطفال في المرحلة السنية من 9 سنوات إلى 16 سنة وأبناء الجيل الرابع بمشاركة أبناء الشهداء، مشيرة إلى أن كل هذا من شأنه ربط هؤلاء الشباب بوطنهم الأم والدولة المصرية ".
وهذه خطط طموحة.. وأقف عند النشاط الأول :"تعلم العربي". إذ :" أضافت وزيرة الهجرة أنه خلال تواصلنا مع الشباب المصري بالخارج تم اكتشاف أن :« „ أغلبهم ”» : « „ لا يُجيد التحدث ب اللغة العربية ”» ، فجاءت فكرة مبادرة " اتكلم عربي "، والتي تستهدف بالأساس الحفاظ على الهوية والثقافة العربية والمصرية وقبول الآخر، من خلال العديد من الأنشطة والفعاليات التي من شأنها تعليم اللغة العربية البسيطة لأبنائنا بالخارج وكذا تعريفهم بالعادات والتقاليد العربية والمصرية مما يعزز انتماءهم لوطنهم الأم وارتباطهم به، لافتة إلى أننا في مصر والمنطقة العربية نواجه حرب طمس الهوية، وقتل اللغة العربية هي بمثابة قتل للثقافة العربية وقتل للهوية العربية" ؛ معربة عن رغبتها في امتداد المبادرة " اتكلم عربي "، لكافة الدول العربية وتطبيقها بالوطن العربي انطلاقًا من مصر.. ولفتت وزيرة الهجرة إلى أنه لابد أن تستهدف المبادرة أولياء الأمور للتأكيد على أبنائهم الحفاظ على لغتهم وهويتهم العربية.
جاء ذلك خلال لقاء السفيرة نبيلة مكرم عبدالشهيد وزيرة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج، مع د. غيث فريز، مدير مكتب اليونسكو الإقليمي للعلوم في الدول العربية ومدير مكتب المنظمة بالقاهرة، لبحث التعاون الثنائي المشترك بين وزارة الهجرة ومنظمة اليونسكو في إطار المبادرة الرئاسية " اتكلم عربي " والتي تنفذها وزارة الهجرة، لترسيخ الهوية العربية والمصرية لدى أبناء المصريين المقيمين بالخارج. وقدم د. فريز تقريرًا أعده اليونيسكو بعنوان "اللغة العربية .. بوابة المعرفة"، تضمن كل ما يخص اللغة العربية وما تتعرض له من طمس، وفقدانها مع أبنائنا بالخارج والداخل أيضًا، ودراسة حالة اللغة العربية بكافة الدول العربية.
وأخيراً وليس آخراً:" وجهت السفيرة، وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، رسالة إلى الأمهات لأبناء المصريين بالخارج بالتحدث داخل المنزل باللغة العربية مع أطفالهم للاحتفاظ بالهوية العربية واللغة. وأكدت مكرم، أهمية احتفاظ الأمهات بالهدايا التذكارية من مصر داخل بيوتهم بالخارج، لدعم الهوية المصرية، موجهة الدعوة إليهم لزيارة مصر في أول فرصة، والانضمام للمعسكرات التي تنظمها الوزارة لأبناء الجيلين الثالث والرابع من أبناء المصريين بالخارج، والتي يكون فيها أبناء الشهداء والاستماع منهم مباشرة لتضحيات أبطالنا من القوات المسلحة والشرطة والمدنيين. جاء ذلك مشاركة السفيرة نبيلة مكرم عبدالشهيد، وزيرة الدولة للهجرة وشئون المصريين بالخارج، في فعاليات معسكر " اتكلم عربي " للأطفال المصريين المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية عبر تطبيق "زووم"، من أجل تشجيعهم على التحدث باللغة العربية واللهجة المصرية [الدقة في الخبر معسكر " اتكلم مصري " للأطفال المصريين المقيمين في كندا اعتبارًا من يوم السبت 21 نوفمبر وحتى الأحد 22 نوفمبر ، عبر تطبيق "زووم"، بهدف تشجيعهم على تحدث اللغة العربية باللهجة المصرية]، بالتعاون مع شركة "ويل سبرنج" المتخصصة في إقامة وتنظيم المعسكرات.
وجاءت مشاركة السفيرة في إطار تنفيذ مبادرة " اتكلم عربي " التي أطلقتها وزارة الهجرة ، تحت رعاية السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي، لترسيخ الهوية الوطنية المصرية لدى أبناء المصريين المقيمين بالخارج، والتي دخلت حيز التنفيذ رسميا في أكتوبر 2019، وتم إطلاق أول معسكراتها بالنمسا وثانيها بالإمارات، ومؤخرا كندا ". والآلة الإعلامية تخبرنا بأنه بـ :" إطلاق معسكرين لمبادرة " اتكلم مصري "، أحدهما بدولة النمسا والآخر بدولة الإمارات، وقد لاقى الاثنان نجاحًا كبيرًا بين الأطفال المصريين بالخارج وامتنانًا بالغًا من آبائهم، حيث تحمس الأطفال على التحدث باللهجة المصرية وقالوا إنهم سيتحدثون اللغات الأجنبية داخل مدارسهم فقط لكن مع عائلاتهم وداخل بيوتهم سيتحدثون العربية باللهجة المصرية".
واتساءل: معسكر النمسا؛ ونحن نعيش هنا مَن شارك في هذا المعسكر؛ وما حصيلته وما خطوات متابعته!؟.
ما قيل اتمنى ان لا يكون حبرا على ورق من ارتفاع سقف الطموحات.. واشجع من كل قلبي نجاح المبادرة؛ ولكن لا نجاح فقط من خلال التمنيات الطيبة..
فما هي الخطوات العملية على أرض الواقع !؟..
أو
ما نسميه المتابعة والمراجعة ؛ وليس فرقعة إعلامية !
أو
رجاءً :« „ أرفعِ أصبعكِ! ”» عن أبناء التجمع المِصري !..
اتمنى لكم جميعاً النجاح والتوفيق!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- حالة الأمية في دول العالم عام 2020
- 13.7% معدل الأميّة للبالغين (15 سنة فأكثر) على مستوى العالم.
- بلغت معدلات معرفة القراءة والكتابة في الدول المتقدمة 99.2% عام 2020.
- وبالنسبة لحالة الأميّة فى مَصر خلال الفترة (2017 -2019) : فهناك حوالي 25% مِن السكان في مِصر (من عُمر : 10 سنوات فأكثر) أميين عام 2017.
- بلغ عدد الأميين في مصر 18.4 مليون نسمة بمعدل 25.8% في تعداد 2017.
وهذه المحصلة لا تتناسب مع دولة بها الأزهر الشريف بمؤسساته والكنيسة الشرقية الأرثوذكسية برجالها الدينيين
(يُتْبَعُ بِإِذْنِهِ تَعَالَىٰ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ 4 ] محاولة لفهم واقع التجمع العربي/الإسلامي في الغرب؛ النمسا مثالاً! ورقة بحثية أولية؛ مِن باب الدراسة حسب ما توفر عندي مِن معلومات!
„»محاولة إعادة بناء الخارطة الفكرية؛ يلازمها القيام بعملية نقد للذات جذرية‟ . «
ورقةٌ مِنْ كُراسة إِسْكَنْدَرِيَّات
19 يناير 2021م
(الرَّمَادِيُّ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ)

 

شروط نشر الأعمال الفنية و الأدبية (المؤلفة أو المنقولة) فى أوسترو عرب نيوز :

عدم التعرض إلى (الذات الإلهية) .. الأديان السماوية .. المذاهب الدينية .. القوميات .

عدم التعرض بالسب أو الانتقاص من شخصية خاصة أو اعتبارية  .. بشكل مباشر أو بالتورية حال النقد .

أن لا ينشر فى أي وسيلة إعلامية صادرة بالعربية من النمسا .. خلال فترة النشر بـ أوسترو عرب نيوز .

أن يضمن المؤلف أو المراسل نشره فى النمسا مذيلا بعبارة : منقول عن أوسترو عرب نيوز (كلمة شرف)

ما ينشر في أوسترو عرب نيوز .. يعبر عن رأي كاتبه أو ناقله أو راسله ..
أوسترو عرب نيوز .. لا تتحمل المسئولية الأدبية أو القانونية .

أوسترو عرب نيوز .. تهيب بحضراتكم الإبلاغ عن أي تجاوز .. لعمل الإجراء المناسب على الفور .. بالحذف مع الاعتذار .

أعلى الصفحة


الموقع غير مسئول عن تصحيح الأخطاء الإملائية و النحوية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
رئيس التحرير : أيمن وهدان




أخبار عرب النمسا